الحوار المتمدن - موبايل



ماركس وحلم الرأسمالية

سلامة كيلة

2016 / 5 / 5
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


(بصدد ملاحظات ساذجة)
يرد محمد سيد رصاص على الملاحظات التي وردت على "مشروع المهمات البرنامجية المرحلية" التي أصدره تجمع اليسار الماركسي في سورية، عائداً إلى ماركس، حيث ليس من الممكن إفحام الخصوم إلا من خلال إيراد نص لماركس، فمن يستطيع أن يرفع رأسه في مواجهة هذا "العملاق"؟
بدا لي تناول رصاص في غاية الشكلية والسذاجة وهو يرد بهذه الطريقة النصية، حيث أننا لسنا إزاء "القرآن الكريم"، أو "الإنجيل" لكي تقف خاشعين إزاء نص ورد فيه. أو ليست الماركسية هي التي تحتمل أن نخشع لنص حتى وإن كان ماركس هو قائله. هذا ما يقوله ماركس ذاته، وهو مؤسس في الجدل المادي. وبالتالي كيف يمكن أن نتحاور إذا كان الحكم هو لنص؟ إذن، لقد وجه محمد سيد رصاص الضربة القاضية لنا نحن الذين نرفض بأن مهمة المرحلة تتحدد في انتصار الرأسمالية.
نحن هنا إزاء منطقين، منطق نصي هو استمرار لمنطق العصور الوسطى، المنطق الصوري المخضع لله (أي للدين)، بحيث ينطلق المنطق من عكس الشاهد على الغائب (الشاهد الذي هو الواقع على نص قيل في زمن ما وبات يعتبر كقانون). بالتالي نحن هنا ما قبل ماركس والماركسية، لازلنا في العصور الوسطى. ومنطق آخر تبلور مع هيغل وخصوصاً مع ماركس، وينطلق من فهم الواقع عبر قانونيات عامة هي الجدل المادي. وهو المنطق الذي ينطلق من "التحليل الملموس للواقع الملموس".
وإذا كانت أزمة الماركسية الرائجة تتحدد في أنها خضعت للمنطق الصوري ولم ترقَ إلى لحظة ماركس، فإن عزيزنا رصاص لازال يقبع هناك رغم انهيار الحركة الشيوعية كلها، وانهيار منطقها الذي عممته الماركسية السوفيتية التي يعتقد بأنه في تضاد معها. ولأنه لازال في حظيرتها يكرر ما كانت تعتبره قانون أساسي في البلدان المخلّفة: أي ضرورة انتصار الرأسمالية. وسنلمس تالياً كيف أنه لازال يسبح في فضاء شكلي، ويكرر أوهام برجوازية صغيرة نزقة، لا ترى في الواقع سوى التطور الرأسمالي، ليس لأن الواقع يطرح ذلك بل لأنها لا تريد غير ذلك.
ماذا يقول ماركس؟
يكرر استشهادات اعتمدها قبل سنوات (وكنت رددت عليها في حينها)، تعود إلى البيان الشيوعي، تقول بغياب الظروف والشروط المادية لتحرير البروليتاريا، "هذه الظروف التي لا يمكن أن تنشأ إلا في العهد البرجوازي". ويدعم فكرته بأن ماركس استمر في اعتناق هذه الفكرة حتى في ستينات القرن التاسع عشر في صراعه مع فرديناند لاسال، وليكررها سنة 1875 في "نقد برنامج غوتا".
نعم هذا ما يرد في البيان الشيوعي، وفي أماكن أخرى، لكنه كذلك قال عكس ذلك في سنة 1849، أي عام بعد البيان الشيوعي، وكذلك في سنة 1850، حيث دعا إلى قيام "الجمهورية الحمراء" في ألمانيا التي كان يقصدها في نص البيان الشيوعي آنف الذكر. ووفق منطق القياس ذاته توصل آخرون إلى أن ماركس قد حسم باتجاه الثورة الاشتراكية. كما أن ماركس في "نقد برنامج غوتا" صارع الحزب الاشتراكي الذي تبنى تصورات لاسال، لكن من أجل الثورة الاشتراكية وليس لكي يتحالف مع البرجوازية والليبراليين. هذه مرحلة أسبق، فرض انتصار بسمارك تجاوزها.
وبالتالي كيف نحاكم "تقلبات" ماركس؟
من منظور ماركسي، كان ماركس ينطلق من "التحليل الملموس للواقع الملموس"، لهذا كان يتلمس الصراعات الواقعية ويؤسس سياسته على أساسها. لهذا كان يرى التطور الرأسمالي يتحقق مما يجعل الاشتراكية هي هدفه العام، لكن وضع ألمانيا فرض عليه النظر من زاوية مختلفة حيث كانت لازالت إقطاعية، فراهن على البرجوازية ثم على البرجوازية الصغيرة، لكنه كان يتلمس عجز البرجوازية وتشابكها مع الإقطاع مما دفعه إلى التفكير في أن تلعب البروليتاريا الألمانية، التي كانت متسعة، دور تحقيق "الجمهورية الحمراء". لكنه أيضاً كان يميل إلى التحالف مع البرجوازية حين تعمل على تحقيق التطور الرأسمالي. ولقد حسم الوضع قسرياً عبر دور بسمارك الذي فتح الأفق للتطور الرأسمالي. لهذا أصبحت الاشتراكية هي الهدف الذي يجب أن يحمله الحزب الاشتراكي.
الاستنتاج البسيط هنا هو أن ماركس لم يضع حتمية للتطور، ولم يجعل انتصار الرأسمالية هو القانون الحتمي، لأنه كان يتلمس مقدرتها الواقعية، وبالتالي كان يحدد التكتيك على أساس ذلك. وهو هنا لم يفرض قانوناً للتطور يقول بحتمية المرور بالمرحلة الرأسمالية. هذه الحتمية هي تناج "عقل" صوري وليست نتاج منطق الجدل المادي. حيث أن ماركس يعرف بأن الواقع في صيرورة وليس ساكناً لكي يلزمه بقانون حتمي، ويعرف انطلاقاً من منهجيته بأن وضع الطبقات يختلف وفق الظروف الواقعية، وبالتالي لم يكن يميل إلى أن يلزمها بصيرورة حتمية. هذه هي أواليات الجدل المادي التي صاغها ماركس.
هذا أولاً، ثم ثانياً حتى وإن كان ماركس قد فرض هذا القانون الحديدي للتطور، فإن مهمتنا أن نتلمس الوضع الراهن كما هو لكي نتوصل إلى فهم صيرورة التطور انطلاقاً من الجدل المادي. وإذا كان الظرف الواقعي يفرض هذه "الحتمية" نقول بأنها صحيحة لدى ماركس. بمعنى أن هذا "القانون الحديدي" ليس صحيحاً لأن ماركس هو الذي قاله بل تنبع صحته من الواقع ذاته. ولقد قال ماركس مسائل عديدة خاطئة، وتوصل إلى استنتاجات تجاوزها الزمن، أو كانت مبنية على معلومات خاطئة. وبالتالي لا يركن للنص لأن ماركس هو قائله، بل يركن لتحليل الواقع انطلاقاً من الجدل المادي الذي بلوره ماركس.
هذا يعني أن نحلل الواقع القائم لكي نتلمس وضع الطبقات، وبرامجها، وسياساتها.
وهذا يفرض ثالثاً أن نشير إلى أن العالم تغيّر تغيراً عميقاً ما بعد ماركس، فرأسمالية التنافس تحوّلت إلى إمبريالية. وطابعها القومي أصبح عنصراً مهيمناً في تكوينها العالمي. وتطور صناعتها فرض عليها أن تحتكر الأسواق وتمنع التطور الصناعي، وتنهب المواد الأولية. لقد أصبح التناقض بالتالي تناقضاً عالمياً في جوهره، حيث تهيمن الطغم الإمبريالية، فتنهب الشعوب وتكيف الرأسمال المحلي في بنية هي مركزها، تقوم على تقسيم للعمل يعطي هذا الرأسمال المحلي دور الوسيط فقط (الكومبرادور). وبات هذا الوضع مربحاً للرأسمال المحلي أكثر من المغامرة في التوظيف في قطاع يقود إلى صدام مع الرأسمال الإمبريالي، وأقصد هنا الصناعة. كيف إذن يمكن لهذه الرأسمالية المحلية أن تحقق التطور الرأسمالي (بمعنى الصناعي لأن هذه هي الرأسمالية) وهي في وضع تبعي وتخشى المنافسة؟
هذا هو سؤال العالم منذ أن أضحت الرأسمالية نمطاً إمبريالياً. هل يمتلك عزيزنا رصاص حل لذلك؟ إذن فليعرضه على أي رأسمالي محلي، وسيلقى التقريع. فهو يطرح أحلام لا تمت بصلة للرأسمالية الواقعية، ويحلم بما يريد دون أن يعرف معرفة جيدة وضع الرأسمال المحلي، ولماذا نجده يوظف فقط في التجارة والخدمات والمال، أو يهرّب أمواله إلى البنوك الإمبريالية؟
عزيزنا يكتفي بنص ماركس. فهو يؤمن بـ "الكتاب المقدس". وماركس قال لنا أن علينا أن لا نجعل البروليتاريا تتجاوز حدودها فتحرف مسار التاريخ، عليها أن تنضبط خلف البرجوازية، وأن لا تتقدم إلا بعد أن "تستنفذ الرأسمالية أغراضها"، حيث حينها تتهيأ "الظروف والشروط المادية" لكي تحرر ذاتها. ولقد طالبنا بأن نكرر هذه المسألة خمس مرات في اليوم، وأن نكتبها في صدر المنزل. وأن نعلمها لصغارنا منذ اليوم الأول لدخولهم "عصر الرأسمالية".
ربما لا تعرف عزيزنا رصاص غير هذه الجملة، لهذا لا يني يكررها. ويعتقد بأن تكرارها هو الذي يأتي بالرأسمالية في الواقع، ويجعلها تنتصر وتدخلنا جناتها. وكما أشرت فقد كتب في هذا الموضوع مرات، وفي كل مرة لا يستند إلى تحليل واقعي بل يعود إلى نصوص ماركس ذاتها. لقد تحول ماركس، هنا، إلى مسخرة. ماركس ليس نبي وليس شيخ جليل ولا شيخ الإسلام، إنه عالِم ينطلق من تحليل الواقع ومن تحديد السياسات على أساس الظروف الواقعية. وإذا كان يرى بأن الرأسمالية هي التي يجب أن تنتصر في ألمانيا فلأن ظروف ألمانيا، التي وصفها مع إنجلز مرات كثيرة، كانت توصله إلى هذه النتيجة، وليس لأنه تصوّر تاريخاً يسير في استقامة مفرطة، تجعله لا يتجاوز الرأسمالية. ليست الفكرة، بالتالي، هي التي أوصلته إلى ذلك بل أن التحليل الواقعي هو الذي أوصله إليه.
بالتالي، أين تحليل عزيزنا رصاص للواقع السوري (حيث المشروع يتناوله) والعربي، وكل الأمم المخلّفة؟ هل فكر لحظة في تحليل واقع نشاط كتلة الرأسمال، وأين يجري توظيفها؟ ولماذا كانت قبل سنة 1958 (سنة بدء تدخل الدولة) تتداخل وتتواشج مع الإقطاع، وتوظف في الغالب في التجارة والخدمات والبنوك؟ ولماذا هي الآن تعود إلى التوظيف في القطاعات ذاتها؟ بمعنى لماذا هربت من التوظيف في الصناعة في كل المراحل؟
إن القول بأن المرحلة هي مرحلة الرأسمالية يفرض بالحتم تحليل هذه المسألة وإعطاء إجابات حولها، وليس الاتكاء على ماركس. ماركس هنا لا يفيد، خصوصاً إذا أخذ كنصوص مطلقة الصحة، لكنه يفيد حينما يجري تمثل منهجه والانطلاق من تحليل الواقع. الذي عبره كان يبحث في الواقع دون أن يجزم بتصور نظري يمثل قانوناً للتطور إلا أن المجتمعات تمر بمراحل مختلفة في مسار تطورها، أسماها أنماط إنتاج.
ولأن المنطق النصي يحكم صاحبنا تعامل وفق منطق الفتاوى، فأعاد الواقع إلى فتوى الشيخ ماركس بدل أن يحلل الواقع انطلاقاً من الجدل المادي. لكن يجب أولاً أن يتملك الجدل المادي.
وماذا عن لينين؟
لم يأخذ عزيزنا تحليل لينين وضع الرأسمالية في روسيا، وأزمة التطور الرأسمالي، ما تلمسه هو أن لينين اتخذ طريقاً آخر مخالفاً ماركس. لكن لو لم يفعل ذلك لما كان ماركسياً، لأن تحليله لوضع روسيا قاده إلى عجز البرجوازية، هل كان واهماً؟ لقد انطلق من التحليل الملموس للواقع الملموس، وتلمس بأن الصراع الطبقي ضد القيصرية يتفاقم دون أن تتحرك البرجوازية لكي تحسم الصراع، على العكس كانت في تحالف وثيق مع القيصرية هذه. إذن، هل ينتظر القدر كما يفعل عزيزنا؟ لم يكن صورياً أو نصياً لكي يفعل ذلك، لهذا درس ميزان القوى الطبقي، وفهم دور الطبقات، وأسس تصوره على أساس ذلك. لم يكن حينها يطرح الاشتراكية بل تحقيق المهمات الديمقراطية بالتحالف مع الفلاحين. وهو لم يطرح الاشتراكية حتى سنة 1917، عكس ما يشير رصاص الذي يبدو أنه لم يقرأ لينين على الإطلاق، فقط قرأ الذين هاجموه، على الأرجح دون أن يقرؤه. في "موضوعات نيسان" قال "لا نسعى إلى "تطبيق" الاشتراكية" ولم يقل يجب أن نحقق الاشتراكية، لأنه كان يتلمس عمق المشكلات التي فرضها تخلف روسيا، وكان يعمل من أجل تحقيق المهمات الديمقراطية. ما أضافه في نيسان 1917 هو أن تتقدم الطبقة العاملة وحدها لأن ميزان القوى الطبقي قد مال لمصلحتها. وكان يعوّل عليها في إنجاز المهمات الديمقراطية قبل الانتقال إلى الاشتراكية. وهذا ما دفعه إلى إطلاق تعبير "رأسمالية الدولة" كشكل تقوده الطبقة العاملة ويحقق تلك المهمات.
على كل، يستند عزيزنا على انهيار الاشتراكية لكي يقول بـ "انسداد الطريق اللينيني لصالح تصور كارل ماركس". لكن انهيار الرأسمالية الفرنسية سنة 1814 لم يؤشر على فشل الثورة الفرنسية، ولم يوقف التطور الرأسمالي. وإذا كان يشير إلى تحوّل هذه التجارب إلى الرأسمالية سنة 1991 كما يشير، فإن المنطق الشكلي الذي يحكمه لم يلمس ما تحقق على الأرض. وكما أشار مرة سابقة، ويشير هنا، فإن الشيوعيين السوفيت لم يستطيعوا "أن يقودوا الانتقال من (رأسمالية الدولة) إلى (الاشتراكية) بل كانت النهاية عندهم"، أي بتحولهم إلى الرأسمالية. طبعاً ليس من منطق صوري أوضح من هذا، فهو يوصف ما جرى على السطح فقط، لكن هل أن الاشتراكية قد انتصرت وانهارت فقط؟ ألم تحقق شيئاً؟ ثم لماذا انهارت، فقط لأنها خاطئة من الأساس، حيث لا يصمد سوى الرأسمالية؟
فبعد أن يشير إلينا نحن الذين نتجاهل دروس فشل التجربة السوفيتية، يعتقد بأنه أفهمنا ما هي دروس هذه التجربة؟ حيث لم يجد المنطق الصوري الساذج سوى القول بأن الانهيار أثبت انسداد الطريق اللينيني، يا له من درس عظيم. هل من شكلية وتبسيطية أكثر من ذلك؟ على الأقل أصبحت هذه البلدان رأسمالية بالمعنى الرأسمالي الصناعي وليس الرأسمالي الكومبرادوري. لقد غدت دولاً صناعية حديثة، وأصبحت يوضع في مصاف البلدان الرأسمالية الأخرى، وتنافسها كذلك. أليس ذلك إنجاز كبير. لقد حققت ما تريد يا عزيزنا رصاص فلماذا تأنف منها؟ هل من طريق آخر قد حقق الرأسمالية؟ هوامش النمور الآسيوية، والهند؟ لكنها في ذيل البلدان التي خاضت التجربة الاشتراكية.
بينما فشل "طريق ماركس" في نصف العالم الذي كان ولازال مخلفاً، حيث لم يتحقق أي تطور رأسمالي حقيقي (بمعنى صناعي لأن هذا هو أساس النمط الرأسمالي)، ولا نلمس قوى رأسمالية منافسة سوى تلك التي كانت اشتراكية. ألا يعبّر ذلك عن أن "طريق ماركس" الموهوم لا يعدو أن يكون وهماً، ولقد تجاوزه الزمن؟
المنطق الميكانيكي الصوري أسس على "فشل" طريق صحة طريق آخر. هذا ما يسمى بالفذلكات "النظرية"، وليس أي شيء آخر. على الأقل انتصر طريق لينين وحكم لمدة ثلاثة أرباع القرن، وامتد إلى نصف العالم، بينما بات "طريق ماركس" تهيؤات برجوازيين صغار لا طموح لديهم سوى الرأسمالية. لماذا لم يتحقق طريق ماركس؟ ليس من جواب لدى عزيزنا، ولا لدى كل الذين يطمحون بتحقق الرأسمالية.
في الأخير يلخص رصاص "طريق ماركس" بما طرحه بعض "الماركسيين السوريين بأواخر السبعينات"، حيث أدخلوا "مقولة الديمقراطية للتداول في أجندات السياسة السورية المعارضة". وهو يستغرب أن تأتي الأطروحات التي نطرحها بعد هذا الانجاز العظيم!. ويبدو أنه لا يعرف بأن تلك "المقولة" التي "أدخلت" كانت مستعارة من الرفيق خالد بكداش الذي أدخلها الأجندة الشيوعية السورية منذ سنة 1937، وأن هؤلاء "الماركسيين السوريين" كانوا يلتقطون ما توهموا أن خالد بكداش قد تخلى عنه. إن تجربة الحزب الشيوعي السوري_ المكتب السياسي، في المرحلة التالية لانسحاب قادتها الأساسيين (ظهير عبد الصمد ودانييل نعمة وإبراهيم بكري) سنة 1972، وثم الجيل الثاني سنة 1979، كانت تستعيد تصور خالد بكداش الستاليني، أي ذاك الذي كان يتبنى تصورات الماركسية السوفيتية بعد أن تبلورت سنة 1935. وهي التصورات التي قامت على ما يكرره عزيزنا رصاص وحزب الشعب الديمقراطي. ولهذا ليس غريباً أن يتوصل الصديق مازن كم الماز إلى هذا التوافق مع الليبراليين الجدد، فقد كان رصاص ضمن هذا السياق، ولم يتحدد الخلاف إلا في "الموقف من المشاريع الإمبريالية" (وهذه ميزة). حيث كرر هؤلاء "الماركسيين السوريين" مقولة النظام الديمقراطي القائم (كما هو مفهوم ضمناً أو صراحة) على أساس سيطرة البرجوازية. وتمحور الخلاف مع بكداش –في جانب أساسي منه- حول تخليه عن هذه السياسة التي رسمها منذ ثلاثة عقود.
هل نستعيد بعض نصوص خالد بكداش؟ وهل نستعيد منطقه، الصوري الميكانيكي؟ نحن في الدائرة ذاتها التي قادت إلى فشل الحركة الشيوعية العربية. هذا ما يتجاهله عزيزنا لأنه يشير إلى عكس ما يريد، حيث أن ما يطرحه هو الذي حكم الحركة الشيوعية منذ سنة 1937 إلى أن أصبحت ذيلاً لنظم البرجوازية الصغيرة، أو استمرت تطرح السياسة ذاتها في البلدان الأخرى، التي يطرحها عزيزنا الآن.
لكن ما يلفت هو أن الرأسمالية تتمظهر لرصاص في الديمقراطية، أو النظام الديمقراطي. هذا هو جل طموحه، وهو يجسد الرأسمالية في الديمقراطية، ألم أشر إلى الشكلية المفرطة؟ هو يعرف الديمقراطية الرأسمالية فقط، وحين يشير إلى الرأسمالية يقصد هذه بالتحديد. فما يهمه كبرجوازي صغير هو المساحة التي يمكن أن يعبّر عن ذاته فيها. وبالتالي لم يرَ من تاريخ الماركسية سوى نضالها من أجل الديمقراطية في السنوات بين 1848 إلى 1917. ولا يهمه وضع الطبقة العاملة ولا التطور الاقتصادي، ولا كل المشروع الماركسي. والماركسية كانت خلال ذلك وبعد ذلك تناضل من أجل الديمقراطية، لكن ضمن مشروع طبقي يهدف إلى سيادة الطبقة العاملة.
لكن هل يمكن أن تتحقق الديمقراطية دون تحقيق التطور الاقتصادي والمجتمعي؟ أي دون بناء الصناعة وتحقيق الحداثة في الوعي والمؤسسات؟ هل تستقيم ديمقراطية في بنى قروسطية؟
ما توصل إليه فوكوياما، استناداً إلى ماركس، هو أن تحقيق التطور الاقتصادي والمجتمعي هو الذي يفرض الديمقراطية كضرورة على الرغم من طبيعة النظم. وبالتالي فإن انتصار الديمقراطية كما هي في أوروبا وأميركا ليس ممكناً دون تحقيق التطور الاقتصادي والمجتمعي. وإلا كانت ديمقراطيتنا هي ديمقراطية طائفية وقبلية كما نلمس في أرقى مواقعها: لبنان. وبالتالي وفق الطموح الذي يتحكم في رصاص فإن الوصول إلى الديمقراطية يفترض تحقيق التطور الاقتصادي والمجتمعي. كيف يتحقق ذلك؟ طبعاً لدي إجابة، واشرنا قبلاً إلى ذلك، لكن ما هي إجابة رصاص؟
ربما هذا ما أشرت إليه في الأخير يعزز إشارة رصاص بأنني "ضد الديمقراطية"، وأطمح إلى "الديمقراطية الشعبية" أو "الديمقراطية الثورية"، لكن ولكي أهزّ شكليته أقول بأنني مع الديمقراطية الليبرالية ومع الرأسمالية التي تحقق الصناعة، بينما المشكلة في أنها مستحيلة في الواقع. إنني مع تطور المجتمع ومع دمقرطته، لكن الخلاف العميق هو في تحديد من يستطيع تحقيق ذلك؟ لكي لا نتعلق في أوهام لا تقود سوى إلى الارتداد الحتمي. بمعنى أنني لا أناقش من هو الأحسن، حيث أنني لا أستخدم التحسين والتقبيح (وهو أساس المنطق الأصولي)، بل أناقش حول ما هو ممكن. لا أنطلق من أوهامي ونزواتي بل مما يحقق التطور الواقعي ويقود إلى تحقيق الحداثة.
على فكرة، لم أطرح هذه الأفكار نتيجة "أجواء –تفاؤلية ثورية- استيقظت بعد أزمة أيلول 2008 المالية- الاقتصادية العالمية" كما يحاول أن يكمل بضربة قاضية أخرى، حيث أن استقالتي من التجمع كانت قبل ذلك ولقد طرحت الأفكار ذاتها التي تتعلق بالرأسمالية، أي قبل أن تصاغ علناً في المشروع، حينما كانت تحاول التسرّب. وأكثر من ذلك هذا هو موقفي منذ السبعينات، وهو ما كان يجعلني على خلاف مع "الماركسيين السوريين" الذين يشير إليهم منذئذ. فقد كنت أتوافق مع الماركسيين الذين عملوا على تحقيق "الثورة القومية الديمقراطية" عبر قيادة العمال والفلاحين الفقراء. أي كنت أتابع الخط الذي بدأ مع لينين إلى ماو تسي تونغ والشيوعية الفيتنامية، وهذا ما كان يجعلني في تناقض مع سياسة الحركة الشيوعية العربية وتفرعاتها.







اخر الافلام

.. قدري جميل لـ«هوا سمارت»: كل الاحتمالات مفتوحة الآن


.. لو غاوى عملة .. إعرف سعر جنيه الزعيم جمال عبد الناصر


.. الفصائل الفلسطينية تبدأ اجتماعاتها في القاهرة لبحث سبل تطبيق




.. لقاء مهند دليقان رئيس وفد منصة موسكو على قناة الغد 20 / 11 /


.. ما الاختلاف بين منصات المعارضة حول مصير الرئيس؟