الحوار المتمدن - موبايل



الاصطدام

ناجح فليح الهيتي

2010 / 7 / 31
الادب والفن



بعد الانتهاء من حضورا لمحاضرات الثلاث المقررة في ذلك اليوم،أعطيت كتبي ودفاتري إلى زميل لي في قسم إسكان الطلاب وخرجت من الكلية، دسست يدي في جيبي، أخرجت نقودي،عددتها ،كانت قليلة ،لا تكفي مصاريفي إلا أياماً معدودة لا تتجاوز الأسبوع، هذا كل ما أملكه من النقود، لابد أن مصاريفي في هذه السنة قد فاقت مصاريفي في كل سنة من السنوات السابقة ،لا زال على انتهاء دراستي الجامعية ما يزيد على الشهرين،أنني لا أعرف أحداً يقرضني مبلغاً من المال يقيل أن أسدده له بعد تخرجي،هل أترك الدراسة؟، ماذا سأقول لأمي؟،لقد مات أبي في السجن وأنا صغير لم أبلغ السنة الرابعة من العمر،حكم عليه بتهمة سياسية وهو لا يعرف القراءة والكتابة، تكفلت بي أمي، أشترت لها ماكثة خياطة ،أخذت تخيط الملابس بالأجرة،أردت أن أكون معلماً حين أنهيت الدراسة الإعدادية ،لكن أمي رفضت،أرادت لي أن أتعلم أكثر كي أعرف أن أدافع عن نفسي، لكنها في هذه السنة وهنت، ضعف بصرها، أصبحت لا تتمكن أن تضع الخيط في ثقب الإبرة فتركت الخياطة، ماذا أفعل؟هل أسرق؟ أنني لم أتعلم كيف تُسرقُ النقود! ، كنت أذهب مع أصدقائي إلى سوق الشورجة نحمل أكياساً بلاستيكية في أيدينا ،يقوم بعضنا بالتحدث مع الباعة وإلهائهم ،ويقوم بعض بالمراقبة ويقوم آخرون بالتقاط الصحون والملاعق والشوكات والسكاكين وصحون الشاي وأقداحه والأشياء الأخرى التي نحتاجها ويضعوها داخل الأكياس ،لقد احتجنا إلى السُكََر ،ذهبنا إلى محل لبيع الشربت كنا نتردد عليه،أصبح صاحبه يعرفنا ،يتحدث معنا ،يجاملنا،وقف أصدقائي يتحدثون معه،دخلت أنا إلى المحل ،وجدت نصف كيس من السكر مركون إلى الجدار،حملته على ظهري وأنا في كامل قيافتي ،مرتدياً بذلتي ولابساً ربطة العنق وخرجت من المحل دون أن ينتبه البائع، وفي يومٍ كنت أسير ًفي الشارع مرتدياً الزي الجامعي ،أحمل كتبي بيدي،مررت بعربة خشبية كانت تقف محاذاة الرصيف لم يكن بقربها أحد، فيها خضراوات وفواكه وخضر وفخذ لحم عجل ،هفت نفسي إلى اللحم ،حملت الفخذ ،وضعته على كتفي،سرتُ به دون أن ألتفت،كأنني جندي يتنكب سلاحه يسير في ساحة العرضات،و ما أن قطعت خطوات قليلة ،أيقنت أن الفخذ أصبح ملكي لا ينازعني فيه أحد ،أخذته إلى القسم ،فرح أصدقائي وزملائي،تحولوا إلى خلية نحل،قاموا بإحضار الفحم وأسياخ الشواء ،قُّطعوا اللحم ،أشعلوا النار، أعدوا الشواء،كانت حفلة إشترك فيها الجميع،ثم طبخوا ما تبقى من الفخذ غذاءَ لليوم القادم .
كنت أسير منشغلاً بنفسي،لم أشعر أنني اجتزت ساحة الميدان ،مررت بالقرب من بداية سوق الهرج ،قطعت الجزء الأطول من شارع الرشيد ،حتى أمسك بيَّ من يدي صديقي الملقب ( إمعة )قرب فندق السند باد،عاتبني لماذا لم أتوقف وأجب على نداءاته، اعتذرت له لأنني كنت حقاً لا أسمع ولا أرى ،طلبت منه أن يرافقني، وافق على الفور،واصلنا سيرنا ،قطعنا الجزء الباقي من شارع الرشيد،دخلنا في نفق الباب الشرقي من تحت نصب الحرية في واجهة حديقة الأمة، اتجهنا إلى شارع السعد ون ،توقفنا قليلاً أمام سينما النصر،ثم واصلنا السير من جديد.
أحسست بالجوع فجأةً بدأ يهاجمني بقوة لقطعي مسافةً طويلة ولأنني لم أتناول طعاماً منذ صباح أمس ،قررت أن نتناول طعام الغذاء ،مردداً مع نفسي الأهزوجة المعروفة (لو غرگت دوس بكوثلها)*،دخلنا إلى المطعم ،جلسنا إلى مائدة،أخرجت من جيبي علبة سجائر فيها ثلاث سجائر،وضعتها على المائدة،وضعت فوقها ولاعة رخيصة الثمن،ناديت النادل،طلبت طعاماً لي ولصديقي،أعتذر صديقي عن تناول الطعام ،كان يعرف ظروفي المادية ،اكتفى بطلب زجاجة مشروبات غازية،بدأت أتناول طعامي ببطء وأتحدث إلى صديقي، وقيل أن أنهي طعامي سمعت
صوت تصادم سيارتين،أخرجت من جيبي مدالية في حلقتها مفاتيح وقمت واقفاً على الفور،ملوحاً بها صائحاً، صدمها، ضربها ،وخرجت من المطعم راكضاً متوجهاً إلى محل الحادث في الجهة الأخرى من الشارع ،تبعني صديقي راكضاً، وجدت شخصاً تدل هيأ ته وملابسه أنه شخص محترم وثري يتفقد أضرار السيارة المصدومة،يراقبه بعض المارة ،أدركت أن صاحب السيارة المتضررة لم يكن موجوداً،درت حول السيارة المصدومة ،تفقدت أضرارها،طلبت من المارة الانصراف،سحبت الرجل المحترم من يده،أخذته خطوتا قليلة عن مكان الحادث، أدعيت أنني صاحب السيارة المصدومة، تفاوضت معه على مبلغ من المال لإصلاحها ،يكفي لإكمال دراستي
ويزيد على مصاريفي حتى بعد تخرجي،أخرج الرجل من جيبه رزمة من النقود، أعطاني منها المبلغ،وضعت المبلغ في جيبي،سلكت وصديقي دروباً فرعية بعيداًعن الشارع العام ،كنا نحث الخطى تارة ونركض تارة أخرى حتى وصلنا مكاناً يبعد كثيراًعن المطعم الذي كنا فيه وعن مكان الحادث،دخلنا إلى مطعم آخر،أردت أن أكمل غذائي ،طلبت لي ولصديقي طعاماً ،دفعت الحساب من نقودي القديمة،أعطيت ما بقيّ منها إلى صديقي،تردد قليلاً في قبولها،خمنت أنه أراد
أن يفاتحني أن أقاسمه المبلغ الذي حصلت عليه لكنه لم يفعل ،توقع أن لا أعطيه شيئاً من النقود،خاف أن أنبذه وينبذه أصدقائي،مد يده أخذ المبلغ من يدي دون أن ينبس أو يتفوه بكلمة.

* الكوثل:صدر السفينة الشراعية التي تنقل البضائع في الأنهار، وتسمى بعض من هذه السفن كعد وجمعها كعود.
31/تموز/2010







اخر الافلام

.. زحام شديد على سينمات وسط البلد فى ثالث أيام عيد الفطر


.. ازدحام على سينمات وسط البلد فى ثالث أيام عيد الفطر والشرطة ت


.. المخرج «رؤوف عبد العزيز» :عن فوق السحاب« أنا ضد المزايدة علي




.. ما لم تعرفه عن الفنان الشاب الراحل ماهر عصام


.. يسرا الهواري.. موسيقى مستقلة تتحدى آليات السوق