الحوار المتمدن - موبايل



انفتاح الشكل .. قراءة في نص من حديث الدائرة ل علاء عبد الهادي

محمد سمير عبد السلام

2010 / 8 / 20
الادب والفن


لم يعد النص الأدبي ملتزما بأبنية فكرية ، أو فنية واضحة ، و محددة ، أو تابعة لشكل ، أو مذهب له تاريخ خاص ، و لكنه يجسد مغامرة تجريبية أولى في اقتحام ما يسمى بالشكل ، أو إعادة تأويله في سياق جديد . الكتابة هنا صيرورة تنتج فيها الدوال وجودها التعددي ، أو المختلط من حيث الإحالات الفكرية ، و الفنية في حالة تداخل دون مرجعيات ، أو أصول ؛ و من أهم النصوص التي جمعت بين النثر الشعري ، و الدراما المسرحية نص " من حديث الدائرة " لعلاء عبد الهادي ، و قد صدر عن دار صاعد بالقاهرة ؛ فالنص يغيب أبنية الشخوص ، و آراءهم ، و إرادتهم من خلال التفاعل المعقد بين هوية الصوت الدرامي ، و تداعيات الاستعارة المستمدة من فنيات قصيدة النثر ؛ و هي تقوم على تحطيم العلاقات المنطقية في عملية المشابهة ؛ و من ثم فقد انفتح النص على شكول مختلفة ، و متناقضة من الأفكار ، و التيمات الفنية ، و السياقات الحضارية دون أن يفقد تطوره الدرامي ، و تحولاته المجازية في العرض ، و المشاهد معا .
و يمكننا رصد ثلاث تيمات في نص " من حديث الدائرة " لعلاء عبد الهادي ؛ هي :
أولا : قصيدة النثر في نسيج الدراما .
ثانيا : تداخل السياقات الحضارية ، و الفكرية .
ثالثا : انفتاح الشكل .
أولا : قصيدة النثر في نسيج الدراما :
تطرح قصيدة النثر ، و الأبحاث التأويلية المعاصرة إشكاليات عديدة حول مدلول الاستعارة ، و مدى العلاقة بين المشابهة ، و الاختلاف في تشكلها النصي ، أو في التلقي ؛ فهي تقوم على مبدأين يقعان في حالة تعارض مع التوجه الفكري الواحد من جهة ، و التعارض بين الأنا ، و الآخر من جهة أخرى ؛ و هما :
أولا : التمرد / لا تقرب الاستعارة فكرة للقارئ ، أو ترتبط بمرجعيات منطقية مشتركة بين المؤلف ، و المتلقي ، و إنما هي تولد في سياق التمرد ، و الاختلاف ، و التناقض المولد لسياقات تصويرية جديدة لا تتبع بنية داخل النص ، و إنما تكشف عن تناقضات الدوال ، و تستبدل عناصرها الأولى في حالة تفكيك إيجابي للغة ، و بهذا الصدد ترى سوزان برنار أن قصيدة النثر تحتوي على مبدأ فوضوي ينبع من التمرد على العروض ، و القوانين المعتادة للغة ، و هي ذات طابع إيكاروسي ؛ لأنها تستخدم اللغة ، و تريد أن تتجاوزها ( راجع / سوزان برنار / قصيدة النثر / ترجمة د / زهير مجيد مغامس / هيئة قصور الثقافة المصرية ) .
يقوم - إذا - تصور سوزان برنار للتمرد في قصيدة النثر على ثورية اللغة الاستعارية فيها بالأساس ، و إعادة إنتاجها للتناقض كأصل في التعامل مع الدوال ، و الأبنية الفنية ؛ و من ثم لا يمكن للقارئ أن يبحث عن المعنى في شروط الأنظمة اللغوية ، و الفنية القديمة ، و إنما يشارك في العملية الإنتاجية للنص ، أو العرض ، و يقبل سمة التنافر كنوع من الجمال لا الخروج عن أصل فني ، أو نمط له تاريخ ثابت .
و رغم ارتباط التركيب الاستعاري في نص " من حديث الدائرة " لعلاء عبد الهادي بالتصاعد الدرامي ، فإنه لا يمكن فصل الحدث عن التحولات الجمالية لعناصر النص ، و كأن الدراما تقع في وعاء استعاري نثري يهدم مركزية الحدوث ، و الحضور الشخصي ، و الفضاء ؛ فالعمل يحوى عناصر تقع بين أطياف الماضي ، و التناثر الجمالي فيما بعد الحداثة ؛ إذ يسترجع التراجيديا ، و العراف ، و الجوقة ، و لكن دون اكتمال للأبنية القديمة ؛ فقصيدة النثر هنا هي المكمل الجمالي البديل عن الوظائف التقليدية ، و الأفكار الواضحة ؛ فهي تتمرد على تصاعد الصراع ، و الحدث بالإيغال في القراءة الجمالية الجديدة لمكونات العمل الفني .
ثانيا : أصالة التأويل / التأويل يقع في نسيج التكوين ، أو الصورة ، و تحولاتها في المتلقي ؛ فمن خلاله تنتج الاستعارة أصالة التواتر الإبداعي للصورة ، و مدى تحريفه للمرجع ، أو المدلول ؛ فالتكوين ، أو الدال ، أو الحدث ، أو التيمة الفنية تقع جميعا في مجال دلالي يقبل إعادة التشكيل وفق رؤية مختلفة .
يرى بول ريكور في كتابه " نظرية التأويل " أن التوتر في القول الاستعاري يقع بين تأويلين متعارضين للقول ، و الصراع بين هذين التأويلين هو الذي يغذي الاستعارة ، و يرى أنها تبدو كطعنة انتقامية تسدد إلى القول الاستعاري المؤول حرفيا ( راجع / بول ريكور / نظرية التأويل / ترجمة سعيد الغانمي / المركز الثقافي العربي / الدار البيضاء و بيروت / ط2 / سنة 2006 / ص 60 و 61 ) .
لا يمكن الاستناد إلى مرجع دلالي – إذا - فيما يخص بنية الاستعارة ، و بخاصة في الكتابات الطليعية الجديدة التي تعيد بناء العلامات انطلاقا من التناثر ، و التعدد ، و العلاقات المتناقضة .
و قد تعددت مستويات الاستعارة في نص " من حديث الدائرة " لعلاء عبد الهادي ؛ إذ تقع في قلب التكوين ؛ فمن هو الرجل الدغل ؟ و من هي المرأة الصحراء ؟
لن نجد مرجعيات ، أو مدلولا ذهنيا سابقا لهذه الأصوات ، و التكوينات المجازية ؛ فتشكيلها يناهض أحادية الهوية ، و حتميات الموت ، و الحياة .
كما يتخذ الصراع مستويات تعبيرية ، و ثقافية ، و سياسية ، و اجتماعية ملتبسة توحي بتفكك الأبنية الثابتة التي تجسد إرادة الأنا في مواجهة إرادة الآخر ؛ فيبدو أن المرأة قد نبعت من رغبة ، أو سقطة داخل عالم الرجل .. سقطة تخيلية مجازية توحي بأولية التدمير بداخله ؛ لماذا جرد الراوي سؤاله الأخير إذا من دال المرأة ، و اختزلها في وجهها الاستعاري / الصحراء ؟
إنه يؤكد عمق المأساة في الداخل ، دون مرجع ، أو تعارض بين نبل البطل ، و قوانين الواقع كما هو في فن التراجيديا .
ثمة سخرية تقع في مستوى عميق من المعنى يفكك ظاهرية الصراع بين المرأة ، و الرجل ، و تداخله مع نزعات القتل ، و التدمير البشرية ؛ فهناك جمال يستعصي على اكتمال أي بنية في النص ، و هو ما يجعل منطق الصراع محتملا ، مثل الصيرورة المجازية .
تجسد الاستعارة في منولوج الرجل الدغل اختلاط تأكيد الحضور الشخصي ، بالتوسع المجازي / الكوني الذي يفكك استقلالية الصوت المتكلم .
يقول " أحلم ببرار خرساء / لا تمنحنا سر المخلب / قد لا نطرق / إذ يلتمس إهابا ، ممتدا كالصحراء / كالذهب الداكن / على سترات الشمس يثور / حين يموت عليها الليل الصاخب / بعد حصار النور ... أنا لهب ، نسر ، جذر ، عقل " .
الدغل يعلن وجوده الآخر في بدائله اللغوية ، و الحلمية ؛ إذ يستشرف حلم الأنوثة ، و يعيد تشكيله في اللاوعي ، و يتوحد بعلامات الذكورة في سياق التوسع الكوني ، و الخيالي للصوت .
هل كان الصوت مكتملا ؟ أم أنه يمارس إغواء خياليا على هامش هوية غائبة ؟
إنه يستشرف امتدادا متناقضا للذات يقع بين الأنا و الآخر .
و في خطاب المرأة الصحراء نلاحظ أصالة فكرة الاندماج الغامض في الوعي ، مع الارتكاز على وهج الحركة ، و تجاوز الموت .
تقول " يندلع السفح / تتبعني بدمك / يتقلب شمل اللحم بعظمك / لا تخش الأبواق / جرداء تلمع / تتناسخ فيها الصيحات الذهبية كتخثر برق / في منديل الوعي الملتهب كجرح ... أنا فضة ، حرية ، رحلة ، شمس " .
المرأة تغيب في طاقة التحول ، و صيرورتها المادية الوحشية ، و انفتاحها المختلط بالصمت ، و الانهيار المتكرر الذي لا يمكن فصله عن ذروة الوهج في التباسه بالعدم .
لا يمكننا تمييز المرأة خارج هذه الطاقة التي تجمع بين الانفتاح ، و قسوة التحلل ، و الاتساع المادي لا الطيفي ، أو الخيالي ؛ فهي تنبع من المعنى التكويني المجازي للتوحد الذي يفكك صوتها الخاص ، أو حضورها المركزي في دائرية الصراع الذي يشير إليه النص .
* نبوءة الموت /
يعيد علاء عبد الهادي قراءة شخصية العراف في الأدب من خلال نبوءة الموت التي تقدمها العرافة للرجل الدغل ، و سنرى أنه يفكك ارتباطها الوظيفي بالحقيقة رغم أنها تبدو مرتبطة بتراثها القديم .
تقول العرافة : " تبكيك سماء / يتحد النبع مع عطشه و يزول / و يعض معصم دود مهجا خضراء / يغرق نور في شمسه / و تجف على الأصفر كل عروق الماء " .
العرافة هنا تجسد المدلول الاستعاري المتناقض للموت ، إنه موت صاخب ، و رمزي رغم قوته ، و شموليته الكامنة في امتصاص الأصفر للدم ، أو الماء ، و لكنه لا يقع خارج حركية الالتهام ، و وهج الشمس . إنه موت متكرر ، و طبيعي ، و ليس حقيقة ترتبط بشخص ، مثل نبوءة تريزياس بحقيقة الوباء ، و مصدره في مسرحية أوديب . العرافة تستعيد طيف تريزياس خارج الرغبة الأصلية في معرفة حقيقة ما ، كما تختلف عن خرق مركزية النبوءة ، و تحولاتها السلبية في شخصية مدام سوزوستريس في الأرض الخراب لإليوت ؛ فالموت هنا مجازي ، و متكرر قبل حدوثه في الرجل الدغل .
و قد تسهم خلفية المشهد في عملية استبدال الشخوص ، و إعادة تكوينهم في الحياة الأخرى للأثر التشكيلي للوحة في المتلقي ، و قد تبدو الاستعارة في الخلفية شارحة لتوسع في جفاف المرأة ، و ذبول الرجل الدغل ، أو موته ، و لكنها تستعيد مرة أخرى معنى الخصوبة في الرجل ، و تفكك مركزية المرأة فتشترك مجازية في معنى الموت .
يقول " تتغير اللوحة الخلفية إلى مساحة صغيرة جدا من العشب الصحراوي ، به وردة صحراوية بادئة في الذبول مع اتساع صحراوي شاسع ، و قاحل " .
الوردة تستبدل الدغل ، تمثل نبوءة موته ، و حلمه الخيالي الأنثوي معا ، أما الصحراء فتستعيد المرأة في اتساع يجمع بين المركزية ، و الخواء معا ؛ فالصراع هنا احتمالي ، و يتجاوز الأبنية الصلبة القديمة .
ثانيا : تداخل السياقات الحضارية ، و الفكرية :
يجمع علاء عبد الهادي بين مستويات حضارية ، و ثقافية عديدة فيما يخص دلالة الصراع ، كما يجسده على المسرح بتقنيات ، و وسائط عديدة ، و مختلفة ؛ فالعلاقة المعقدة بين الرجل الدغل ، و المرأة الصحراء تستدعي – من اللاوعي الجمعي – الأساطير السومرية ، و البابلية القديمة ، و تتداخل معاني الصراع فيها بسباق التسلح في الحضارات الحديثة ، و يحرص الشاعر على علاقة التجاور بين هذه المستويات الحضارية ؛ ليفكك استقلال الصراع بموضوع واحد ، أو بخط زمني يعزز من فكرة التطور ، و هي سمة ما بعد حداثية في النص ، و لا يمكن فصل جماليات العرض عن شكول الصراع المتعددة ؛ إذ يختلط برقص تعبيري يجسد قصة قابيل ، و هابيل ، و كأن المعنى الجمالي يكمن في بنية الصراع ، فضلا عن تفكك دواله في الزمان ، و المكان .
و يحقق النص المسرحي اختلاط الرقص ، بالموسيقى ، و القصاصات الورقية ، و النثر الشعري في الحوار ، و الفضاءات التشكيلية ، و غيرها ؛ مما يعزز الجمع بين الوسائط المختلفة ، و التفاعل الثقافي في أعمال ما بعد الحداثة ، و يذكرنا هذا الاختلاط اللامركزي في الوسائط ، و الدوال الثقافية بموسيقى جون كيج ، و ستوكهاوزن ، و الأعمال التشكيلية لراوشنبرج .
لا ينتمي موضوع الصراع هنا إلى مرجع ، أو بنية ؛ لأن انعدام التوافق يقع في نسيجه ؛ إذ يذوب التعارض بين الأنا ، و الآخر في علاقات التجاور الجمالي ، و تغييبها لأي وحدات حقيقية أصلية . تستعيد سيمياء العرض – إذا – السياقات الحضارية المختلفة في اتجاهي تأكيد مدلول التعارض ، ثم تفكيكه بالتوسع في إظهار جانبه الجمالي ، و تكراره في علاقات ثقافية ، و فنية جديدة ينتجها النص .
ثالثا : انفتاح الشكل :
يسعى نص " من حديث الدائرة " إلى إيجاد انفتاح في الشكل عن طريق الامتناع عن اكتمال أي مركز فني ، أو دلالي في النص . إنه يسترجع سؤال السخرية - فيما بعد الحداثة - من الاتجاهات السابقة ذات البنية المحددة في تاريخ الأدب ، و المذاهب الفنية .
لا يهدف النص إلى تعميق شعور ، أو سؤال فكري ما ، و إنما يدفع المتلقي إلى ممارسة الفعل الجمالي ، و المشاركة في إنتاجه بوسائل متناقضة ، و مختلفة .
يستعيد النص معنى التراجيديا ، و لكنه يقدمها بصورة احتمالية دائرية ؛ إذ تتعدد مستويات الصراع ، و القتل في النص ، و العرض ، كما تختلط الأصوات ، و الشخوص ، و تتجاوز الحدود التقليدية في الدراما القديمة ، و البطل يعاني من ضعف يؤدي إلى السقوط ، و هو رغبة التوسع ، و الغرور ، و هو طيفي بالأساس ، و خصوبته ممتدة ، كما أن موته محتمل في تكوين المرأة الصحراء الاستعاري .
و يندمج التشكيل في التطور الدرامي ، و لكنه يثور جماليا على المعنى ، و يحقق اختلافا في التأويل انطلاقا من امتداده التأويلي في المتلقي ؛ فالوردة الصحراوية هي بديل للرجل ، و طيف أنثوي لخصوبته الاحتمالية مثل موته .
يطرح الراوي سؤالا في نهاية العرض يقول فيه :
" من منكم يخبرني يا سادة ؟ من تخلو سيرته من الصحراء ؟ " .
و رغم ما يثيره السؤال من أفكار تحفز وعي المشاهد تجاه معنى العلاقة بين الرجل ، و المرأة ، و تداخلها مع الصراع ، و القتل ، و الموت ، و الحب ، فإنه يختلف عن السؤال الذي يتركه بريخت في المسرح الملحمي ؛ إذ يجسد سؤال بريخت معنى ثوريا منتخبا من موقفين متعارضين ؛ مثل معنى استحقاق جروشا للطفل الذي رعته بعد أن تركته أمه الأصلية وقت الحرب في نص " دائرة الطباشير القوقازية " ، بينما يتجه سؤال الراوي هنا إلى متلق يعي بمأساة الرجل الدغل ، و هو سؤال جمالي بالأساس ؛ إذ يحفز المتلقي نحو إنتاج تأويل مجازي للعالم ، و لتلك المأساة الاحتمالية المتكررة .
ليس على المتلقي هنا أن يتبنى موقفا ، ثم يغير واقعا ما ، و لكنه مطالب بمزيد من المشاركة في حالة الإغواء الجمالي الممثل في أصالة الاستعارة ، و حركيتها داخل النص ، و خارجه .
و تعزز البقعة الزرقاء في نهاية العرض من التمرد الفني على حتميات العرض جميعها ، و تناهض أي فكرة مباشرة عما كان يحدث من قبل .
محمد سمير عبد السلام – مصر










اخر الافلام

.. الفنان بانكسي المعروف والمجهول


.. الفنان خالد عبدالرحمن يكشف لـ تفاعلكم تفاصيل حالته الصحية


.. تفاعلكم : الفنان أحمد مجدي يكشف تفاصيل لا أحد هناك




.. حوار خاص مع الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا


.. دورة تدريبة لفنون العمل المؤسساتي في ريف حماة