الحوار المتمدن - موبايل



بروتوكولات حكماء صهيون - أكذوبة لا تموت

حبيب فوعاني

2011 / 8 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


بروتوكولات حكماء صهيون – أكذوبة لا تموت

حبيب فوعاني، موسكو
ظهرت أول نسخة مختصرة لـ"بروتوكولات حكماء صهيون" في روسيا منذ مئة وخمسة أعوام على يد المتعصب الديني الروسي سيرغي نيلوس. وبالطبع، لم يكن هذا الكتاب ليظهر إلا في روسيا القيصرية، التي كانت آنذاك تشبه مرجلا قابلا للانفجار في أي لحظة. حيث، بدلا من إكمال الإصلاحات، التي بدأها القيصر ألكسندر الثاني، بإرخاء القبضة البيروقراطية عن أعناق المواطنين بمن فيهم الأقلية اليهودية وإلغاء نظام القنانة العبودي في عام 1861، قام خلفه القيصر المحافظ ألكسندر الثالث، الذي اعتلى سُدة العرش في عام 1881، بتجميدها وأعاد التضييق على أبناء رعيته في حقوقهم المدنية؛ ثم جرى فيما بعد خنق هذه الإصلاحات على يد آخر القياصرة الروس نيقولاي الثاني. ولم تفلح محاولات رئيسي وزرائه الفذين بطرس ستوليبين و سيرغي فيتّه الإصلاحية في ظله إلا في إبعاد شبح الانفجار لبعض الوقت.
لذلك، وعندما تمت فرملة "الإصلاحات من فوق"، لم يبق لدى المواطنين الروس سوى الإعداد لـ"ثورة من تحت". وبالطبع كان الكثيرون من اليهود بين من رفع راياتها، ولذا لاحقتهم الشرطة السرية الروسية "أوخرانا" وبطشت بهم. ولتبرير ذلك، استخدمت وسائل التحريض الفكري والدعاية ضدهم.
وقد تفتقت مخيلة كبير ممثليها في باريس عن الحرص للربط بين المؤامرات اليهودية والثورة على العرش الأرثوذكسي؛ وانبرى بطرس راتشكوفسكي أحد كبار ملوك التزوير في تاريخ روسيا الحديث لتشويه التاريخ اليهودي. وبدا مناسبا للعملية كتاب الأديب الفرنسي موريس جولي، المحفوظ آنذاك في المكتبة الوطنية الفرنسية العامة، والذي وضعه كاتبه، خوفا من سلطات بلاده، على شكل حوارات فلسفية حول أساليب دهاقنة السياسة للسيطرة على مقاليد الحكم في العالم. وعلى الرغم من أن كتاب "حوار في جهنم بين ماكيافيلي ومونتسيكيو" كان قد صدر بدون ذكر اسم مؤلفه في جنيف وليس في باريس عام 1864، فقد وصلت الرسالة إلى صاحبها نابليون الثالث، الذي كان انتقاد ديكتاتوريته هدف الكتاب الرئيس، وفي نهاية الأمر دفع المؤلف حياته ثمنا لذلك.
وقام رجال راتشكوفسكي بنقل أكثر من نصف الكتاب وحوروه وأضافوا إليه بلغة فرنسية ركيكة الفصول الباقية، وتحولت الحوارات الفلسفية بقدرة قادر إلى محاضر لاجتماعات القادة اليهود أو حكماء صهيون السرية للسيطرة على مقدرات العالم.
غير أن الكنيسة الروسية الرسمية لم تعترف بصحة الكتاب، وحين جرى عرضه على القيصر نيكولاي الثاني، أعجب به في البداية، ولكنه سرعان ما أمر بالتحقق من صحته، وعندما علم بانتحال الكتاب رمى به جانبا قائلا: "لا يجوز الدفاع عن الأهداف الطاهرة بوسائل قذرة".
ومع ذلك، أصبحت "البروتوكولات" منذ عام 1903 "كِتاب المتعصبين المقدس"، وعلى رأسهم الزعيم النازي أدولف هتلر، الذي استند إليها عند وضعه كتاب " كفاحي".
وانتشرت "البروتوكولات" في العالم مثل آفة معدية، ولم تبق لغة في العالم لم تنقل إليها، ولا يوجد بلد لم تنشر فيه، وقد صدرت عام 1975 في الهند تحت عنوان "المؤامرات العالمية على الهنود". وظهرت عشرات الطبعات من هذه الخرافة الخالدة في العالم العربي، كانت أولاها في مصر عام 1951.
ولقي الكتاب انتشارا واسعا في صفوف العرب بالذات، لأنهم هم من دفع ثمن تضييق أوروبا على اليهود وبث الكراهية لهم على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، (وذلك شبيه تماما بما يقوم به المفكرون الأميركيون المعاصرون برنارد لويس وصاموئيل هانتنغتون وفرانسيس فوكوياما في القرن الحادي والعشرين من "أبلسة" للإسلام والمسلمين). والعرب هم الذين تضرروا من الانتشار المحموم في أوروبا للحركات الصهيونية الطامحة إلى العودة إلى "أرض الميعاد" بعد قضية اتهام الضابط الفرنسي اليهودي ألفريد دريفوس الشهيرة بالخيانة العظمى عام 1894، والتي حصل ممثلوها في نهاية الأمر في عام 1917 من وزير الخارجية البريطاني "المعادي للسامية" آرثر بلفور على وعد بوطن قومي لليهود ربما للتخلص منهم!
وأعطت "المحرقة"، التي أوقد نارها زبانية النازية لليهود ببواعث عرقية في الحرب العالمية الثانية، الحركات الصهيونية زخما جديدا في الغرب، ونالت فكرة تأسيس الدولة العبرية عطف "معاد للسامية" آخر هو الرئيس الأميركي هاري ترومان.
لكن الصهيونية، في حقيقة الأمر، تنافي العقيدة اليهودية المتمثلة بانتظار ظهور "المَشِيح" (بالشين)، الذي سوف يعيد اليهود إلى أورشليم بعد طول شتات وبعد توبتهم وليس قبلها، كما يؤكد ذلك الكثير من أعلام اليهود ومنهم مثلا قادة حركة "ناطوري كارتا" والكاتب الإسرائيلي الفذ إسرائيل شاميروف، الذي هدده الباحث الروسي الصهيوني ورئيس المؤتمر اليهودي الروسي السابق المعروف يفغيني ساتانوفسكي أثناء زيارة الأول مؤخرا إلى موسكو في أحد برامج القناة التلفزيونية الروسية الفدرالية الأولى بـ"قطع أحد أعضائه المعلومة".
وبدلا من تفنيد مبادئ الصهيونية الدينية، التي رفع لواءها علمانيون يهود بل وملحدون، تجري محاولات دؤوبة، برع فيها اللواء المتقاعد "الخبير الاستراتيجي" المصري حسام سويلم، لتحويل الصراع العربي-الإسرائيلي إلى حرب ثأر دينية بين الإسلام واليهودية. ويضيع البعض أوقاتهم في إنكار "الهولوكوست"، التي لا ناقة للعرب مسلمين أو مسيحيين فيها ولا جمل، أو يقومون بالتقليل من عدد ضحاياها والتحقق من هوية مدبريها. في حين يقوم آخرون بتضخيم أعدادهم والمتاجرة بهم بما يمكن أن يسمى صناعة "الهولوكوست".
وكان مسلسل "فارس بلا جواد"، الذي جرى عرضه في شهر رمضان الكريم من عام 2002 على معظم القنوات التلفزيونية العربية، قد أثار انتقادات واسعة النطاق من جانب اليهود، الذين نظموا عدة تظاهرات في الولايات المتحدة. إذ يتناول المسلسل تاريخ الشرق الأوسط في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين عبر محاربة مواطن مصري للاحتلال البريطاني لبلاده، ويتعرض لمخطط يهودي للسيطرة على العالم وفقا لبروتوكولات حكماء صهيون.
ومن ناحية أخرى، وصل الأمر بأحد المواقع الالكترونية العربية، الذي نشر هذه "البروتوكولات"، إلى التشكيك بحادثة أوردتها التوراة عن قتل موسى عليه السلام لقبطي في مصر دفاعا عن رجل من بني إسرائيل لإثبات تبرير اليهود للغدر بالآخرين، مع أن هذه الحادثة وردت أيضا في القرآن الكريم في سورة القَصص.
وذلك كله يصب في صالح بعض التيارات "الأصولية" اليهودية والإسلامية المتطرفة، التي تنظر إلى النزاع من المنطلق الديني بالذات.
بيد أن صوت البحاثة المصري الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري قد بح وهو يردد منذ عام 1977 أن هذا الكتاب خرافة مضللة وأن الترويج له مضر بالعرب قبل غيرهم.
وأشار في إحدى المقابلات الصحفية معه إلى أن قادة المقاومة اللبنانية أخبروه أثناء زيارته إلى جنوب لبنان أن "نقطة التحول عندهم كانت عندما أدركوا أن اليهود ليسوا قوة خارقة، وأن بالإمكان هزيمتهم".
وأكد مفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة في مقال نشرته له صحيفة "الأهرام" في 1 كانون الثاني 2007 أن "بروتوكولات حكماء صهيون" هي "كتاب خرافي لا أساس له من الصحة"؛ في حين أن مركز الدراسات الفلسطينية لم ينظر إليه يوما ما بعين الجِد.
وعلى الرغم من تقرير محكمة غريمستاون في جنوب أفريقيا في 21 آب 1934، ومحكمة برن السويسرية في 14 أيار 1935، وإحدى محاكم موسكو عام 1993 باختلاق الكتاب، فإنه يبقى حتى يومنا هذا أكذوبة حية لا تموت.







اخر الافلام

.. الانتخابات الألمانية: الشباب غير متأثر بالحملة الانتخابية لم


.. إسرائيل وسوريا... وبنك أهداف لا ينفد


.. إيران والملف النووي وتطوير الصواريخ... المداورة والمناورة




.. الاستفتاء على مصير كردستان العراق.. سياسة الضغط حتى آخر لحظة


.. واشنطن وبيونغ يانغ... تلاسن وتهديد