الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مصر ... لعبور المرحلة الانتقالية

أحمد حمدي سبح
كاتب ومستشار في العلاقات الدولية واستراتيجيات التنمية المجتمعية .

(Ahmad Hamdy Sabbah)

2011 / 10 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


تشهد مصر حاليآ مرحلة انتقالية دقيقة وملتبسة المعالم ، تتسم بحالة عالية من السيولة وتشابك وتقاطع المواقف النابعة من مختلف الحركات والأحزاب السياسية ، حيث يموج المسرح السياسي المصري الآن بحالة متقدمة وصحية من الحراك السياسي والفكري الذي يسمح بعرض أفكار مختلف التيارات والقوى السياسية والاجتماعية ومساهمات منظمات المجتمع المدني ، وهو أمر يسمح بمناقشة وغربلة هذه الأفكار والآراء وبيان نتائجها وارهاصاتها ومدى تأثيرها على المجتمع والدولة المصرية .

وفي نفس السياق تأتي خطة المجلس العسكري لتسليم السلطة المدنية في أواخر عام 2012 أو البدايات الاولى لعام 2013 والتي وقعت عليها مجموعة من الأحزاب السياسية التي سرعان ما نكصت عن توقيعها وأعلنت انسحابها من هذه الخطة تحت ضغط تنديد مجموعات من العمل السياسي داخل وخارج هذا الأحزاب لتكون مشهدآ يدل على عدم نضوج التجربة الحزبية السياسية وآلياتها في مصر حتى الآن .

فهذه الخطة وان كانت تحتاج الى توضيح مفصل للوقت الذي ستحدث في فعاليات الانتخابات الرئاسية وهو ما يعد أبرز الانتقادات الموجهة اليها الى جانب اطالة الفترة الانتقالية ، فان هذا الانتقاد يمكن الرد عليه في اطار انه عقب الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها وفقآ للخطة الزمنية الواردة في هذا الخطة ، فان مصر ستشهد أثناء هذه الانتخابات وبعدها خلال وضع الدستور الذي سيكون منوطآ به لجنة يختارها الاعضاء المنتخبون ، ستشهد مصر حالة قوية من الاستقطاب السياسي والفكري ومن المتوقع أن يلجأ السواد الأعظم من الاسلاميين الى ممارسة مهنتهم في رفع الشعارات الدينية والتهديد بان عدم التصويت لهم وتأييدهم سوف يؤدي الى هلاك هذه البلاد والقائها في جحيم العذاب والغضب الالهي .

وهو بالطبع الأمر الذي تغذيه وتدعمهم فيه جهات خارجية خليجية على رأسها النظام السعودي بغية احداث حالة من القلاقل والفوضى في مصر وزعزعة ركائز الديموقراطية الوليدة لصالح حفاظ تلك الأنظمة على عروشها وعدم انتقال ربيع الحرية العربي الى شواطئها من خلال ارسال رسالة الى شعوبهم بان الديموقراطية لا تأتي على اصحابها الا بالفتن والفوضى والاضطرابات .

وبالطبع فان مثل هذه الحالة من الاستقطاب والتنافر وتبديل التحالفات ستطيل أمد المدة اللازمة لوضع الدستور وما يترتب عليه من حالة من عدم الاستقرار وبعض الاضطراب ، وهذا بالطبع ما سيلزم معه وجود حالة من الحزم والسيطرة من قبل هيئة عليا تستطيع موازنة الأمور والصراعات السياسية والفكرية الناشئة خاصة من قبل غالبية الاسلاميين الذين يريدون احتكار المشهد السياسي واظهار الآخرين أنهم على الجانب الضال والمفسد للقيم والاخلاق كما يتبين من خطبهم وأحاديثهم واجتماعاتهم في الأحزاب والمساجد .

وبالطبع فان مواصفات هذه الهيئة العليا التي تمتلك القوة والقدرة على ايقاف أية تيارات تحاول التلاعب بالبلاد واثارة الفتن و الفوضى فيها ، انما تتمثل في المجلس الأعلى العسكري والذي حمى الثورة واستطاع انقاذ مصر من الوقوع في براثن الفوضى التي يخطط لها ويسعى فيها فلول النظام السابق الفاسد ، والذي يسعى جاهدآ الى الوقوف على مسافة واحدة من كافة القوى السياسية على الساحة ، خاصة بعد تاكيده على أنه لن يكون هناك مرشح للرئاسة من المؤسسة العسكرية وهو ما ألقى بالماء البارد على قدر كاد أن يغلي باشاعات سعي المؤسسة العسكرية الى اعادة السيطرة على الحكم في مصر .

هذا بالاضافة الى أن مدة الفترة الانتقالية هذه والتي تنتهي بانتخاب رئيس جديد للجمهورية بحد أقصى في بدايات عام 2013 م ، تمكن الناس من التعرف أكثر وأكثر على نوعية الفكر وطبيعة الطرح الذي تقدمه الأحزاب الجديدة أو حتى القديمة التي كانت مغيبة في ظل النظام السابق عن الفعل والتأثير ، ويعطي فرصة أفضل للتنظيمات والائتلافات الشبابية للالتحام بشكل أقوى من الشعب والتعرف على برامجها وخططها وايجاد شكل جديد ومتطور من التنظيم السياسي بعيدآ عن حالة الهلهلة الواضحة التي تصبغ طبيعة تنظيم وعمل هذه الائتلافات وهو ما انعكس مؤخرآ في وجود حالة من النقد الواضح لها واضعاف كبير لمدى تأثيرها ، وشيوع حالة من التململ من كثرة المظاهرات والاعتصامات .

فتلك المظاهرات والاعتصامات على مشروعيتها وخروج كثير منا فيها ، فانها يجب أن تكون حلآ أخيرآ يتم اللجوء اليه حال فشل المفاوضات أو حتى المساومات السياسية خلف الأبواب المغلقة ، فالسياسة حتى الثورية منها لابد أن تكون في بعض الاحيان وليس كلها أن تكون فن ادراك الممكن وفن المساومة ، لأن سياسة كل شئ والا لا شئ أمر يسبب في حالة من الفوضى وخسارة التأييد الشعبي وبالتالي يصبح البديل بعد ذلك هو القبول بسقف أقل من السقف الذي كان معروضآ من قبل.

من ناحية أخرى لابد من في ظل الحالة الثورية التي تعيشها مصر ، لابد من اللجوء الى اجراءات ثورية جديدة تعبر بنا هذه المرحلة الانتقالية التي نعيشها ، فالحكومة الحالية أثبتت فشلآ ذريعآ في مواجهة الصعوبات والمشاكل التي تعترض الحياة في مصر وعلى رأسها قضايا الأجور وارتفاع الأسعار ومواجهة الاحتكار وهي من ضمن الأمور الأساسية التي رفعناها في التحرير .

ان طريقة اختيار الوزراء ورئيسهم العقيمة والتي درج عليها النظام المصري منذ عهد عبد الناصر باختيارهم من داخل أروقة الجامعات من خلال أساتذة جامعيون أكاديميون أثبتت فشلها المزمن لانفصال غالبية هؤلاء عن طبيعة المشكلات التي تواجهها الوزارات ونوعية المشكلات على أرض الواقع والتي يكون الخبراء والعاملون في كل وزارة على درجة اعلى بكثير بالعلم بها ومعرفة خباياها ، ناهينا عن أن اختيار الوزير من خارج الوزارة يشكل نوعى من الاحباط وتثبيط الهمم والتنافس بين العاملين والموظفين الكبار في كل وزارة طالما أن سقف المسموح لهم هي درجة وكيل الوزارة ليجلس على كرسي الوزارة من يريد أن يبدأ التعلم من هؤلاء ويلغي بجهل او عن غير عمد انجازات سابقيه (ان كانت هناك انجازات) .

اضافة الى انه لا يمكن التبجح بأن هذه الحكومة هي حكومة انتقالية وتصريف أعمال خاصة وأن الفترة الانتقالية هذه ستصل الى أكثر من عام وبالتالي فانه لا يمكن المخاطرة بحدوث ثورة جياع لن تبقي ولن تذر وتحقيق قدر كبير آخر من تراكم الفشل واهدار الوقت والمال بسبب حكومة فاشلة كهذه التي نعاني منها جميعآ ، وبالتالي فانه لمواجهة جزء كبير من الصعوبات التي نواجهها حاليآ لابد على المجلس العسكري اقالة هذه الحكومة وتعيين حكومة حقيقية من التكنوقراط والخبراء التقنيون كل في مجاله وليس حكومة أخرى من الأكاديميين الذين أثبتوا عدم قدرتهم (وهذا هو طبيعة الحال) على مجاراة الواقع بالسرعة الكافية وادراك مشاكل كل وزارة على القدر الذي يدركه من قضى فيها عمرآ وعملآ .

أما بالنسبة لقانون العزل السياسي والمراد منه هو عزل فلول الحزب الوطني السابق الذين تسببوا في فساد الحياة السياسية في مصر وهو على أهميته الا انه للأسف الشديد يمكن الطعن في عدم دستوريته استنادآ الى عدم وجود أحكام قضائية واضحة ومحددة ضد المتهمين بالفساد والافساد وبالتالي تحديدهم بالاسم ولا تنسحب حالة العزل والعقاب على آخرين وما يمثل صورة من العقاب الجماعي المرفوضة دستوريآ بعيدى عن المشاعر والحسابات السياسية .

وبالتالي مع ايماننا بأن غالبية أعضاء الحزب الوطني المنحل تسببوا في تدمير هذا البلد واشاعة الفساد والافساد فيه ، فاننا يجب أن نستغل معرفتنا بحقيقة أن كثيرآ من هؤلاء كانوا يترشحون لعضوية مجلس الشعب طمعى في الحصانة والامتيازات الغير المنطقية التي كان يحصلون عليها من هذه العضوية والتي كانوا ينفقون من أجلها الغالي والنفيس وتهدر الدماء والأرواح في هذه المعركة القذرة ، لا لشئ الا للحفاظ على مصالحهم وزيادة حجم أموالهم وممتلكاتهم وتجاراتهم ومصانعهم والتستر بالحصانة في مواجهة قوى القانون والمنافسين خاصة وأن منهم من كان يتاجر في المخدرات والسلاح أو الحصول أو حتى الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي والعقارات وضرب المنافسين وعرقلة قوانين قد تحد من نشاطهم العنكبوتي على شاكلة اجهاض أو تقليم مخالب قانون منع الاحتكار .

وبالتالي فان استغلال تلك الحقيقة وفي اطار مصر الجديدة التي لا يجب أن يخدمها الا الشرفاء أو على أقل تقدير تقليل نسبة وأعداد الفاسدين والمفسدين فيها ، فانه لابد من سن قانون جديد يحصر الحصانة البرلمانية والرئاسية حصرآ في أداء الواجب الموصوف والمحدد للمنصب ، ويلغي كافة الامتيازات المبالغ فيها والغير منطقية ويسد أبواب التلاعب والتي أصبحت معروفة بعد طول تجربة ومعاشرة ، مع فرض عقوبات فورية تصل الى حد الاعدام ومصادرة ثروات على كل من يثبت فساده أو اهماله طبعآ مع العزل الفوري والمنع من ممارسة أي عمل سياسي مدى الحياة لمن تصدر بحقه أحكام تتعلق بالنزاهة والشرف أو اساءة استخدام السلطة ، بالطبع مع اصدار قوانين ملزمة تتعلق بادارة الحملات الانتخابية والانفاق عليها ومن يتجاوزها يبطل ترشيحه فورآ ، وكل ذلك سيلعب دورآ بشكل غير مباشر في تحييد دور العصبيات والقبليات في الصعيد ليكون المرشح والفائز هو الأقدر على خدمة مصر وأبناء دائرته .

وذلك لضمان أن من يترشح لهذا المنصب أو ذاك لا يبتغي فعلا الا خدمة مصر (أو هكذا يقولون) ، ويكون الفاسون عبرة للناس أجمعين وبالتالي فان كثيرآ ممن يؤجرون البلطجية وينفقون الملايين ويتصارعون الى حد الموت على هذا المنصب أو ذاك ابتغاء مرضاة شياطينهم فانهم سيسارعون الى العودة الى جحورهم فما الداعي لانفاق ملايين والدخول في محاكمات من أجل منصب لن يعود عليهم بالنفع الوفير ، فأمثال هؤلاء يتعاملون مع المناصب بعقلية التاجر الجشع ، وبما أن مثل هذه القوانين الساعية الى تحقيق النزاهة والشفافية وستطبق على الجميع بدون استثناء فان لا يمكن الطعن في عدم دستوريتها أو يحاربها من يدعون النزاهة والشرف ، نريد برلمانآ جديدآ بحق ورئيسآ جديدآ بحق ... ان كنا نريد مصر جديدة بحق .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بايدن يوقع حزم المساعدات الخارجية.. فهل ستمثل دفعة سياسية له


.. شهيد برصاص الاحتلال الإسرائيلي بعد اقتحامها مدينة رام الله ف




.. بايدن يسخر من ترمب ومن -صبغ شعره- خلال حفل انتخابي


.. أب يبكي بحرقة في وداع طفلته التي قتلها القصف الإسرائيلي




.. -الأسوأ في العالم-.. مرض مهاجم أتليتيكو مدريد ألفارو موراتا