الحوار المتمدن - موبايل



نحو استراتيجية وطنية للدولة المدنية – المفاهيم –6- مواجهة تحديات الفساد

نادية حسن عبدالله

2011 / 12 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


تعتبر ظاهرة الفساد السياسي والاقتصادي والإداري من الظواهر الخطيرة التي تواجه الدول وخاصة في فترة ما بعد الثورات وخلال المراحل الانتقالية. حيث يؤثر الفساد بشكل كبير على عملية البناء والتنمية وبالتالي يتسبب في عجز الدولة عن مواجهة تحديات اعمار أو إعادة اعمار البني التحتية والمؤسسات، التي تواجه تحديات كبيرة بعد سقوط النظام الفاسد، وذلك من خلال عملية التغيير ومواجهة فساد المسئولين الذين استغلوا قدرات البلاد خلال الفترة السابقة .

ومن الضروري أن تركز برامج بناء المؤسسات بعد الثورة على تطوير قواعد جديدة ومختلفة عن القواعد القديمة التي أدارت المؤسسات في إطار فترة النظام السابق التي كانت تركز على قيادة المجتمع من خلال الحزب الواحد الذي كان يدير مؤسسات الدولة بطريقة ديكتاتورية. حيث ان بناء المؤسسات ضمن منظومة الثورة في المرحلة الانتقالية يتطلب أطرا جديدة وقواعد جديدة وربما نخبا جديدة تراعي أساليب الحكم الرشيد والديمقراطي وفق الحالة الثورية والمتطلبات الشعبية. ومن الضروري أن تبدأ العملية بتطهير كافة المؤسسات من المسئولين السابقين وخاصة المدراء العامين ومدراء المؤسسات بما فيها المؤسسات الرقابية السابقة، لتتم عملية مواجهة الفساد من جذوره.

ومن الضروري لأي دولة جديدة أن تعمل على إعادة بناء المؤسسات من خلال تحضير سياسات واستراتيجيات للوقاية من الفساد، الذي يجد بيئة مناسبة له في المرحلة الانتقالية للدولة.

مفهوم الفساد
أن الفساد ظاهرة اقتصادية واجتماعية وسياسية، توجد في جميع دول العالم، وإن اختلف مدى خطورتها من دولة لأخرى، وتتلخص في قيام البيروقراطيين أو السياسيين في استغلال مراكزهم من أجل المصلحة الخاصة، والفساد قد يكون كبيراً عندما يرتبط بالمشروعات الوطنية، كمشروعات البنية التحتية. وفي هذا الحال يقع عبئه على أفراد المجتمع جميعاً، كما قد يكون صغيراً عندما يكون مرتبطاً بالموظفين في المراكز الإدارية الدنيا، ويكون ضحاياه في هذا المجال المواطنون الذين عليهم أن يتحملوا تكاليف إضافية لإنجاز معاملاتهم".

ولذلك فإن سيادة النظام والقانون، يجب أن تكون أعلى من الحاكم و غيره، وبسيادتها يتحقق الردع والعقوبة و تتمثل المساءلة، والشعور بذلك يجعل الحاكم والمحكوم يحسبان لهما حسابا . فلا يجرؤ أي منهما على ممارسة الفساد والضلوع فيه . أما حين تغيب سيادة النظام والقانون ، أو يعلو عليهما أي فرد ، فإن ممارسة الفساد والضلوع به يصبح نمط حياة ، و أمرا مألوفا مشروعا.

أما الفساد من وجهة نظر إسلامية؛ فهو يعتبر فسادا ً كل سلوك يهدد المصلحة العامة، فالفساد كل ماهو ضد الصلاح قال تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً} وقال تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد. وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يسترعى الله عبداً على رعيه يموت حين يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة". وروى الإمام أحمد عن ثوبان قال "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما".

(انظر ملحق رقم 1 حول تفاصيل مفهوم الفساد وأسبابه ونتائجه)

التدابير الإجرائية الوقائية لمكافحة الفساد

نظرا لكون الفساد أصبح ظاهرة عالمية ويتسبب بآثاره الضارة على المجتمعات الفقيرة والغنية فهو يقوض الديمقراطية وسيادة القانون ويؤدي إلي ارتكاب الجرائم وانتشار الجريمة المنظمة، وتسعى الحكومات إلى تطوير استراتيجيات وطنية للوقاية من الفساد، يشارك في إعدادها وفي متابعة تنفيذها كل مكونات الدولة في السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والإعلام.

يجب أن تبنى إستراتيجيات مكافحة حالات الفساد على الشمولية والتكامل لمكافحة هذه الظاهرة. وينبغي الإشارة إلى أن القضاء على الفساد يتطلب صحوة ثقافية تبين مخاطره السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما ينبغي توفر الإرادة الجادة والحقيقية من قبل القيادة السياسية لمحاربة الفساد حتى يكون ذلك على مستوى الدولة والمجتمع أو على الأقل بأن لا تصطدم توجهات مكافحة الفساد مع السلطة السياسية وان أي إستراتيجية لمحاربة الفساد تتطلب استخدام وسائل شاملة تدعمها الإرادة السياسية.

كما يجب أن تتضمن الاستراتيجية إجراءات رادعة ووقائية وتربوية واضحة، وضمن سقف زمني محدد، توجه من خلاله اتخاذ إجراءات فعالة لوقاية المؤسسات وحمايتها من الإفراد الفاسدين والداعمين للفساد في جميع المستويات الإدارية وبدون استثناء، وتعتمد الخبرات والكفاءات الوطنية وتأخذ بنظر الاعتبار مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ووضع آليات موضوعية للتوصيف الوظيفي في اختيار المسئول.

وهناك آليات مختلفة للوقاية من الفساد يجب أن تعتمدها الدول وخاصة في المراحل الانتقالية، تتضمن ما يلي:

بناء دولة مدنية تعتمد نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ فصل السلطات، وسيادة القانون، من خلال خضوع الجميع للقانون واحترامه والمساواة أمامه وتنفيذ أحكامه من جميع الأطراف، نظام يقوم على الشفافية والمساءلة.

تبني نظام ادارة حكم رشيد ديمقراطي – الحوكمة

الحكم الرشيد (صالح) هو عبارة عن منهج ووسيلة وليست غاية بحد ذاتها، ينصرف موضوعها إلى الطرق والآليات وليس إلى الأهداف والغايات. من وجهة نظر الأمم المتحدة يعني الحكم الرشيد “ممارسة السلطة بأبعادها الاقتصادية والسياسية والإدارية في تدبير شؤون البلد على كافة المستويات، وهي تشتمل على الآليات والمؤسسات والممارسات التي من خلالها يبلور المواطنون مصالحهم، ويمارسون حقوقهم الشرعية، ويؤدون التزاماتهم ويديرون خلافاتهم” في سبيل النهوض بالتنمية الشاملة المستدامة، ذلك ان الحكم الرشيد العاجز ديمقراطيا لن يكون قادرأ على وقف تبديد الموارد والفساد والتسلط والتعسف والارتجال، وبالتالي تضيع بوصلة التنمية ويختل ميزان العدل وعندما يختل هذا الأخير يؤذن بخراب العمران على قول ابن خلدون.

وعليه أثبتت الدراسات المقارنة المحكمة أن التنمية المستدامة ولا سيما في بعدها البشري تقتضي التحول نحو الديمقراطية من خلال رسم الهدف التالي وهو، “الوصول إلى نمط لصناعة القرار حول مجمل القواعد والسياسات العامة من خلال المشاركة الكاملة بحيث يتمتع الجميع بحقوق متساوية في المشاركة في عملية صناعة القرار تلك بصفة مباشرة وغير مباشرة “.

وفيما يلي عناصر تثبيت الحكم الرشيد الديمقراطي حسب معايير الأمم المتحدة:

- تطوير التعددية
- تطوير وحماية واحترام حقوق الإنسان
- تدعيم حكم القانون
- تنمية وتغذية وتثبيت نظام انتخابي يتيح التعبير الحر والنزيه للشعب من خلال انتخابات دورية ذات مصداقية
- خلق وتطوير الأسس القانونية والآليات الضرورية التي تتيح مشاركة كافة أعضاء المجتمع في تنمية وتثبيت الديمقراطية،
- تقوية الديمقراطية من خلال أسلوب الحكم الرشيد
- تقوية الديمقراطية من خلال تطوير تنمية مستدامة
- دعم التآلف والتضامن الاجتماعي
- العدالة الاجتماعية

لكي يتصف الحكم بصفة “الرشيد” وهي صفة أدق وأعمق وأوسع وأنبل من صفة “الجودة” ولكي يكون قادرا على الوقاية من الفساد فعليه أن يخضع للشروط والمتطلبات التالية:

يجب أن يكون بناء المؤسسات مكوناً أساسيا لأي استراتيجية للحكم الرشيد والوقاية من الفساد، حيث من الضروري أن يكون العمل مؤسسياُ ويتمتع بأنظمة وقوانين جارية، أي أن لا يكون معلقا على إرادة فرد أو جماعة. إن بناء مؤسسات الدولة وجعلها أكثر شفافية يعد ركناً أساسيا من أركان الحكم الرشيد الذي يعتبر أساسا في الوقاية من الفساد. ويتطلب تعزيز فعالية الإدارة العامة لعملية التنمية التزاما سياسياً يجب أن يحظى بمساندة المجتمع المدني، على أن تكون مؤسسات المجتمع المدني من جهتها مؤسسات ديمقراطية منظمة إداريا وقابلة للمساءلة، ويخضع كل من صناع القرار في الحكومة والمجتمع المدني على السواء للمساءلة.

تشخيص وتحديد مشكلة الفساد في عن طريق تنظيم قاعدة معلومات وطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد وإعداد إحصاءات وتقارير دورية عن مشكلة الفساد تتضمن بيان حجم المشكلة وأسبابها، وأنواعه والحلول المقترحة وتحديد السلبيات والصعوبات التي تواجه تطبيق الأنظمة والإجراءات المتعلقة بحماية النزاهة ومكافحة الفساد. ودعم وإجراء الدراسات والبحوث المتعمقة بموضوع حماية النزاهة ومكافحة الفساد.

الرؤية الإستراتيجية والإدارة المعتمدة على النتائج، أي التوافق على منظور بعيد ومتوسط المدى لتطوير السياسات والاستراتيجيات الوطنية، مع ضمان وضوح الرؤية في تحديد الخطط ورسم البدائل والقدرة على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية، الحالية والمستقبلية.

تعزيز حكم القانون، وذلك من خلال تطوير منظومة قانونية عادلة وأن يتم تطبيقها بنزاهة ولاسيما تلك القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان. إن سن قوانين رادعة وحازمة وجادة في التعامل مع الفساد الإداري والمالي للمواطنين والمسئولين هام جداً. ومن الضروري أن تقوم الأجهزة الحكومية المعنية - بحسب اختصاصها - بالمراجعة الدورية للأنظمة والقوانين المتعلقة بمكافحة الفساد ؛ لتحديد الصعوبات التي تظهر لها من خلال التطبيق والدراسة، وإبداء المقترحات لتذليل هذه الصعوبات.

العمل من خلال شفافية كاملة لضمان التدفق والتبادل الحر للمعلومات، بحيث تصبح المؤسسات العمومية ومعاملاتها وحساباتها متاحة بصورة مباشرة لكل المعنيين بها بمن فيهم المواطنون، حتى يمكن متابعة عملها ومراقبتها ومحاسبتها. ووضع موقع الكتروني لكل وزارة يتضمن في طرح الشفافية في تعاملاتها ومناقصاتها مع الشركات المتلكئة بالأعمال مع طرح وإعلان المناقصات والعقود عن طريق المواقع الالكترونية.

إن تحقيق حرية الحصول على المعلومات والنفاذ إليها يزيد من إمكانية محاربة الفساد والقضاء عليه، فإمكانية النفاذ إلى المعلومات تعني القدرة على الحصول والوصول إلى المعلومات والبيانات والحقائق أينما كانت. وهذا يعني أن البيئة التي تتوفر فيها القدرة على النفاد إلى المعلومات هي بيئة الشفافية والمكاشفة والمحاسبة وهي عكس بيئة الفساد تماماً حيث يعيش وينمو في ظروف من الغموض والتعتيم وقلب الحقائق التي تساعده على التستر.

تعزيز دور الإعلام للحد من الفساد حيث إن إتاحة الحرية الكاملة والمسئولة لوسائل الإعلام في نشاطها والحصول على المعلومات أمر في غاية الأهمية فهي تخدم المجتمع وتساعد على نشر المعرفة ومن ثم تسهم في أحداث التنمية المطلوبة، لهذا فالمنطق السليم يقضي بتغذية هذه الوسائل بالمعلومات الدقيقة والتي تستطيع من خلالها وضع سياق معرفي وثقافي صادق في ضوء رؤية واضحة وسوية. ومن الضروري إعطاء الحرية للصحافة وتمكينها من الوصول إلى المعلومات ومنح الحصانة للصحفيين للقيام بدورهم في نشر المعلومات وعمل التحقيقات التي تكشف عن قضايا الفساد ومرتكبيها.

تفعيل كافة أساليب الرقابة من خلال تطوير نظام متكامل وفعال وإمكانية تطبيق هذا النظام على جميع متخذي القرار. وتفعيل دوائر المفتشين العامين واللجان الفرعية للمراقبة والنزاهة حسب الاختصاصات ضمن الوزارات المعنية . بالإضافة إلى وضع نظام حوافز ونسبة لكل جهة رقابية تضبط مخالفات صريحة يرتكب فيها إهدار ضخم للمال العام وتشجيع المبلغين عن ظواهر الفساد الكبيرة بنظام المكافآت المالية مع حماية المصدر والتكتم عليه.

المحاسبة، هي خضوع الأشخاص الذين يتولون المناصب العامة للمساءلة القانونية والإدارية والأخلاقية عن نتائج أعمالهم، أي أن يكون الموظفين الحكوميين مسئولين أمام رؤسائهم ( الذين هم في الغالب يشغلون قمة الهرم في المؤسسة أي الوزراء ومن هم في مراتبهم ) الذين يكونون مسئولين بدورهم أمام السلطة التشريعية التي تتولى الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية .

المساءلة، هي واجب المسئولين عن الوظائف العامة، سواء كانوا منتخبين أو معينين، تقديم تقارير دورية عن نتائج أعمالهم ومدى نجاحهم في تنفيذها، وحق المواطنين في الحصول على المعلومات اللازمة عن أعمال الإدارات العامة ( أعمال النواب والوزراء والموظفين العموميين ) حتى يتم التأكد من أن عمل هؤلاء يتفق مع القيم الديمقراطية ومع تعريف القانون لوظائفهم ومهامهم، وهو ما يشكل أساساً لاستمرار اكتسابهم للشرعية والدعم من الشعب .

النزاهة، هي منظومة القيم المتعلقة بالصدق والأمانة والإخلاص والمهنية في العمل، وبالرغم من التقارب بين مفهومي الشفافية والنزاهة إلا أن الثاني يتصل بقيم أخلاقية معنوية بينما يتصل الأول بنظم وإجراءات عملية .

إعطاء صلاحيات أوسع للقضاء للبت السريع في جرائم الفساد المالي والإداري وبشكل أوسع . بهدف تحقيق العدالة والتكافؤ بالفرص بين المواطنين وكذلك بين الشركات وجميع فئات الشعب مما سيخلق مناخ من الوطنية والابتعاد عن الأنانية.

تفعيل اللامركزية في الموسسات الحكومية مع مراقبة أنشطتهم ومحاسبتهم بجدية وحزم عن أي تلكوء أو فساد مالي وإداري من خلال نظام الشكاوى المركزية . إن النظام المركزي الإداري يساعد علي وجود الفساد حيث تتركز السلطات في يد موظفي العاصمة مما قد يدفعهم إلي التعنت في قضاء خدمات الأفراد والجهات الأخرى.

تعزيز ثقافة النزاهة مقابل ثقافة الفساد والافساد؛ وضع المناهج التربوية والثقافية عبر وسائل الاعلام المختلفة لإنشاء ثقافة النزاهة وحفظ المال العام عن طريق استراتيجية طويلة المدى لغرض تعزيز المواطنية تحقيق الولاء والانتماء بين الفرد والدولة حيث إن القانون ليس هو الرادع الوحيد للفساد وإنما يجب إن تكون هناك ثقافة النزاهة وحفظ المال العام .


مكافحة تبييض الأموال؛ ظهر اصطلاح (غسل الأموال) لأول مرة في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات والتي عقدت في فينا عام 1998 ، وقد نص في المادة الثالثة منها على أن غسل الأموال يتمثل إما في تحويل الأموال أو نقلها، أو في إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها أو في إكتساب أو حيازة أو استخدام الأموال مع العلم وقت تسليمها أنها من حصيلة جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الإتفاقية. ومن الضروري أن يتم اتخاذ الطرق الفعالة للحد من ظاهرة تسهيل تهريب الأموال التي تتبعها الشبكات العالمية عن طريق تبيض أموالها والوقوف بحزم ضد تبيض هذه الأموال. وكشف مصادرها التي تتم حاليا عن طريق بيع وشراء العقارات ومحلات بيع الذهب ومراقبة الأشخاص المتعاملين في هذه القضايا المشبوهة داخليا وخارجيا.

تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني في مكافحة الفساد، ويتشكل المجتمع المدني من ( كافة أشكال التنظيمات والاتحادات والجماعات التي لا تمثل جزءا من الدولة ولا جزءا من النشاط الساعي إلى الربح، وتعد المنظمات غير الحكومية بمثابة العمود الرئيس للمجتمع المدني الذي يشمل إلى جانب ذلك النقابات المهنية والأكاديمية كالأطباء والمحامين والمهندسين والمحاسبين، والعمالية والاتحادات الطلابية واتحادات رجال الأعمال والمنظمات الثقافية والدينية)، حيث يمكن لمنظمات المجتمع المدني القيام بدور هام في توفير الضوابط على سلطة الحكومة، من خلال تعزيز قيم النزاهة والشفافية في عملها، والمشاركة في صياغة السياسات العامة وحماية الحقوق، وتعزيز المشاركة في الشؤون العامة وتقوية حكم القانون. إضافة إلى دورها في رفع الوعي العام بموضوع الفساد ومحاربته وفي الرقابة على القطاع العام. ويمكن للمجتمع المدني المشاركة في الحد والوقاية من الفساد من خلال:

o تعزيز علاقة المؤسسات الأهلية مع السلطات التشريعية والتنفيذية في الدولة والمتابعة القضائية لحالات الفساد، وتشكيل تحالفات لتعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة والحكم الصالح.
o على المجتمع المدني مطالبة السلطة التشريعية بإقرار تشريعات بحيث يتم من خلالها مساءلة ومحاسبة من لا يلتزم بتلك الأخلاقيات.
o كما يمكن للمجتمع المدني مساعدة البرلمانات، التي تقع على عاتقها مراقبة نشاط الحكومة وتعزيز مبادئ المساءلة والشفافية في الرقابة ورصد انتهاكات السلطة التنفيذية للحريات العامة والحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية. ومراقبة الأداء الحكومي وانسجامه مع الدستور والقوانين والتشريعات ومراقبة حالات الفساد. كما يحق للمجتمع المدني مساءلة البرلمانات حول حالات الفساد باعتباره أحد مرجعياته الانتخابية.
o أما فيما يخص السلطة القضائية فان على المجتمع المدني ممارسة دوره في ضمان استقلال السلطة القضائية وتمكين الجهاز القضائي ومراقبة أداءه ومتابعة حالات الفساد التي تطرح أمامه لبحثها بما ينسجم مع احترام الحريات العامة والحقوق الأساسية والمدنية للأفراد، والدستور ومبادئ العدالة والنزاهة، وتوفير البيئة الحقوقية التي تحدد الوضع القانوني لمؤسسات المجتمع المدني في المجتمع وتكسبها الشرعية والاعتراف بها وتجديد شكلها القانوني.
- حث الغرف التجارية والصناعية على إعداد خطط وبرامج لتوعية رجال الأعمال والتجار بمخاطر الفساد وأسبابه وآثاره، وإيضاح مرئياتهم حيال الأنظمة المالية والتجارية.
إن إنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد تتولى مهام متابعة تنفيذ استراتيجية الوقاية من الفساد ورصد نتائجها وتقويمها ومراجعتها، ووضع برامج عملها وآليات تطبيقها أساسي لمكافحة الفساد.
إن استراتيجيات الوقاية من الفساد أصبحت ضرورية من أجل تعزيز السياسات القانونية والتنظيمية لمكافحة الفساد، وعلى كل دولة أن تعتمد برامج خاصة لمواجهة أثاره الضارة على حقوق الإنسان وجهود التنمية، حيث إن الفساد يقوض الديمقراطية وسيادة القانون ويؤدي إلي ارتكاب الجرائم وانتشار الجريمة المنظمة.

من خلال ما سبق يلزم تكاتف جميع الجهود علي مختلف المستويات لاتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة الفساد ومن بين هذه الإجراءات إجراءات إدارية وحكومية وإجراءات مدنية يقوم بها المجتمع المدني والإعلام وإجراءات اقتصادية وكذلك أمنية ورقابية ويضاف إلي ذلك ضرورة التنسيق الدولي فيما بين الدول والجماعات والمنظمات الدولية لمواجهة الفساد الدولي الذي يدعم الفساد المحلي والإقليمي.

* ملخص لفصل من رسالة البحث المقدم لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، " حقوق الإنسان، والتنمية، ومكافحة الفساد"، في عام 2003 في الجامعة الأمريكية في بريطانيا.
ملحق رقم 1

مفهوم الفساد أسبابه ونتائجه
الدكتورة شذي ظافر الجندي
دكتوراه في حقوق الإنسان ومكافحة الفساد

يعد الفساد من أشد الأمراض خطورة علي عمليات التنمية التي ينبغي أن تقوم بها الدول. خاصة الدول النامية لحل مشاكلها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتفاقمة. فالفساد يقوض التنمية ويحول دون قدرة المجتمع علي استغلال موارده وإمكانياته الاقتصادية الاستغلال الأمثل، كما يعوق عمليات التوزيع العادل للدخول بين المواطنين، فتزداد مشكلة البطالة ويعجز المجتمع عن الوصول لحالة التشغيل الكامل والأمثل.

تعرف منظمة الشفافية الفساد بأنه "استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة"، ووضع البنك الدولي تعريفاً للأنشطة التي يمكن أن تندرج تحت تعريف الفساد وذلك عندما قال بأن الفساد هو "إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص. فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب أو ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات، أو أعمال خاصة تقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة، للتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية، كما يمكن للفساد أن يحصل عن طريق استغلال الوظيفة العامة دون اللجوء إلى الرشوة، وذلك بتعيين الأقارب أو سرقة أموال الدولة مباشرة".

ويلاحظ أن هذا المفهوم، يحدد آليتين رئيسيتين من آليات الفساد:

ـ آلية دفع "الرشوة" و"العمولة" إلى الموظفين والمسئولين في الحكومة والقطاعين العام والخاص، لتسهيل عقد الصفقات وتسهيل الأمور لرجال الأعمال والشركات الأجنبية.

ـ الرشوة المقنعة أو "العينية" في شكل وضع اليد على "المال العام" والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي، وفي قطاع الأعمال (العام والخاص). وهذا المستوى الثاني، هو أخطر آليات الفساد السائدة في المنطقة العربية.

فالمتداول اليوم، ضمن (ثقافة الفساد) على نحو احترافي، يدخل في باب العمولات والكوميسيون والنسب المئوية والتسهيلات، وهذه التعابير في المفهوم الحديث مصطلحات "مهنية" و"محترمة" تستخدم بغية تسهيل أعمال الشركات الكبرى.

يمكن تصنيف الفساد بشكل عام الى:

الفساد الصغير( الملموس )
(فساد الدرجات الوظيفية الدنيا) وهو الفساد الذي يمارس من فرد واحد دون تنسيق مع الآخرين لذا نراه ينتشر بين صغار الموظفين عن طريق استلام رشاوى من الآخرين .

الفساد الكبير( الملموس )
(فساد الدرجات الوظيفية العليا من الموظفين) والذي يقوم به كبار المسئولين والموظفين لتحقيق مصالح مادية أو اجتماعية كبيرة وهو أهم واشمل واخطر لتكليفه الدولة مبالغ ضخمة .

الفساد الغير ملموس
وهو الفساد الذي يكون من خلال تجاوز المواطن على قوانين وأموال الدولة عن طريق سرقة المال العام والتجاوز على شبكات الماء والكهرباء والإعانة الاجتماعية والاستيلاء على أراضي المملوكة للدولة بفرض سياسة واقع الأمر بسبب ضعف الدولة .

وتتجلى ظاهرة الفساد بمجموعة من السلوكيات التي يقوم بها بعض من يتولون المناصب العامة، وبالرغم من التشابه أحيانا والتداخل فيما بينها إلا انه يمكن إجمالها كما يلي:
- الرشوة (Bribery): أي الحصول على أموال أو أية منافع أخرى من اجل تنفيذ عمل أو الامتناع عن تنفيذه مخالفةً للأصول.
- المحسوبية (Nepotism): أي تنفيذ أعمال لصالح فرد أو جهة ينتمي لها الشخص مثل حزب أو عائلة أو منطقة…الخ، دون أن يكونوا مستحقين لها.
- المحاباة (Favoritism): أي تفضيل جهة على أخرى في الخدمة بغير حق للحصول على مصالح معينة.
- الواسطة ((Wasta: أي التدخل لصالح فرد ما، أو جماعة دون الالتزام بأصول العمل والكفاءة اللازمة مثل تعيين شخص في منصب معين لاسباب تتعلق بالقرابة أو الانتماء الحزبي رغم كونه غير كفؤ أو مستحق
- نهب المال العام: أي الحصول على أموال الدولة والتصرف بها من غير وجه حق تحت مسميات مختلفة.
- الابتزاز (Black mailins): أي الحصول على أموال من طرف معين في المجتمع مقابل تنفيذ مصالح مرتبطة بوظيفة الشخص المتصف بالفساد.

أنواع الفساد
نتطرق هنا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حيث حددت في الفصل الثالث منها أشارت إلى حالات الفساد من 15 إلى 25 من الاتفاقية الأنفة الذكر ويمكن حصرها بالاتي :

1. رشوة الموظفين العموميين الوطنيين .
2. رشوة الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المؤسسات الدولية العمومية .
3. إختلاس الممتلكات أو تبديدها أو تسريبها بشكل آخر من قبل موظف عمومي
4. المتاجرة بالنفوذ .
5. إساءة استغلال الوظائف .
6. الإثراء غير المشروع . .
7. الرشوة في القطاع الخاص .
8. إختلاس الممتلكات في القطاع الخاص .
9. غسل العائدات الإجرامية .
10. الإخفاء .
11. إعاقة سير العدالة.

معايير الفساد الإداري

معيار الرأي العام
قسم أنصار هذا المعيار الفساد الإداري إلى ثلاثة أنواع جعلوا لكل منها لوناً وهي (الأسود والأبيض والرمادي) ، يكون الفساد الإداري اسوداً عندما يتفق المواطنون والعاملون على سلوك معين على انه ردئ وسيء . وعندما يرضى المواطنون والعاملون على سلوك معين فان هذا السلوك يعــــد فساداً ادارياً ابيض ،اما عند غياب مثل هذا الاتفاق فأن الفساد يكون في هذه الحالة رمادياً ، وهذا يعني إن رجال الإدارة عندما يعتبرون تصرفاً ما ( سيئاً) قام به احد الموظفين وأدى بالتالي إلى فشل أو نجاح معين فأنه يكتسب في هذه الحالة لوناً اسوداً أو ابيضاً ، أما إذا لم يحصل هذا العمل أو التصرف على قبول أو رفض كلي فأنه سيتخذ لوناً رمادياً .

المعيار القانوني
ويجد هذا المعيار ان الفساد يكون في حدود ماهو خرق للقوانين والتعليمات والأنظمة التي يستوجب مراعاتها وظيفيا لان أي خرق قد يهدف إلى كسب من ورائه منفعة شخصية .

المعيار القيمي
وهو معيار يؤكد على النظام القيمي ويتمثل في فقدان السلطة القيمية وبالتالي إضعاف فاعلية الأجهزة الحكومية أو بمعنى أخر يشكل الفساد شكل من أشكال الخروج عن القيم السائدة في المجتمع .

المعيار الوظيفي
ويعرف أيضا بالمدخل الذرائعي والمنهج التبريري حيث يشكل هذا المعيار مؤشر على الفساد هو انحراف عن قواعد العمل الملتزمة في الجهاز الإداري ويمثل الفساد هنا سلوك إداري غير رسمي بديلا للسلوك الإداري الرسمي قد تخدمه مجموعة ظروف منها العلاقات الاجتماعية .


المعيار مابعد الوظيفي
جاء المعيار كرد على المعيار السابق من جانب واعتبار إن الوظيفة العامة ليس مسببا للفساد ولكن الفساد له وجود خارج الإطار الوظيفي حيث تأخذ بعض الممارسات الفردية طابعا نظاميا يسعى إلى تكريس الفساد والاستمرار به وليس التفاني الذاتي مع حركة تقدم المجتمع .

المعيار المصلحي
ينطلق هذا المعيار في تحديد سلوك الفساد في ضوء تقديمه لمصلحته الشخصية على المصلحة العامة حيث يقوم شخص أنيطت به رسميا مهمة الحفاظ على المصلحة العامة أساء استخدام المنصب .

تتخذ جرائم الفساد حسب القانون ثلاثة اقسام

القسم الاول

1. جرائم العدوان على المال العام الاختلاس - جرائم الاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على المال العام

2. الأضرار بالمال العام سواء كان عمدا أو عن إهمال- الإخلال بنظام توزيع السلع.

3. جرائم الاتجار بالوظيفة الرشوة – الاستغلال النفوذ – التربح .

4. جرائم التزوير في المحررات الرسمية جرائم الكسب الغير مشروع .

القسم الثاني

جرائم يتم ضبطها بالتنسيق مع بعض الجهات التي تتولى بدورها وفق لاختصاصيها أعمال الضبط وتتمثل في .

- التهرب الضريبي - التهرب الجمركي - الغش في الإنتاج - الأغذية والعبوات الفاسدة .

القسم الثالث

- التلاعب السياسي بالقرارات الإدارية والأحكام القضائية

- اختراق الأجهزة الرقابية الحكومية والمستقلة.


الأسباب و العوامل التي تؤدي الى الفساد

أولاً: ضعف الإرادة لدى القيادة السياسية لمكافحة الفساد، وذلك بعدم اتخاذ أية إجراءات وقائية أو عقابية جادة بحق عناصر الفساد بسبب انغماسها نفسها أو بعض أطرافها في الفساد، وان كانت أحيانا تبدي استعدادا للتجاوب مع طروحات الاصلاح تحت تأثير الضغوط المحلية والخارجية.

ثانياً: عدم الالتزام بمبدأ الفصل المتوازن بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في النظام السياسي وطغيان السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وهو ما يؤدي إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة, كما أن ضعف الجهاز القضائي وغياب استقلاليته ونزاهته يعتبر سبباً مشجعاً على الفساد.

ثالثاً: ضعف المؤسسات بشكل عام وعدم اكتمال هياكلها ومؤسساتها الرقابية وبشكل خاص عدم تحديد مرجعياتها وصلاحيات كل منها بشكل واضح بما في ذلك الأجهزة الأمنية وأجهزة الرقابة والمحاسبة الداخلية .

رابعاً: ضعف دور وقلة خبرة البرلمان (المجلس التشريعي أو مجلس الشعب) وضعف قوة المعارضة فيه أضاف مزيدا من ضعف الرقابة على أداء السلطة التنفيذية.

خامساً: ضعف الجهاز القضائي وغياب سيادة القانون: إن ضعف الجهاز القضائي يشجع عناصر الفساد للتهرب من المحاسبة العادلة، كما أن عدم التزام أجهزة السلطة التنفيذية بتنفيذ حكم القضاء أو التدخل في أحكامه وأعماله من قبل النظم وأجهزته يولّد حالة من الشعور بعدم الأمان أو عدم جدوى التوجه للقضاء .

سادساً: غياب الشفافية وعدم السماح بالوصول للمعلومات والسجلات العامة، وبشكل خاص المالي فيها كالمعلومات عن الموازنة من حيث تفاصيل الإيرادات والنفقات، خاصة نفقات الأمن ومكتب الرئيس ورئيس الوزراء والوزراء والمعلومات التي تتعلق بالشركات والاستثمارات التي تديرها مجموعة من الأشخاص نيابة عن النظام أو الشركات التي يساهم فيها النظام بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

سابعاً: ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني في مجال الرقابة على الأداء الحكومي: بشكل عام عندما تكون هيئات الرقابة العامة غير قادرة على العمل بحيادية وبشكل مستقل عن تأثير وضغوط المسئولين في النظام. وعلى الرغم من كثرة مؤسسات المجتمع المدني في منطقتنا العربية الا انه لم يكرس أي منها نشاطه واهتمامه بموضوع الفساد. كما أن كثيرا من مؤسسات المجتمع المدني تخشى العمل في هذا المجال بسبب المخاطر المتوقعة كون الفساد ينتشر بين السياسيين والمسئولين، وممارسا من قبل شخصيات مركزية وذات نفوذ.

ثامناً: المركزية الشديدة والتدخل في اقتصاد السوق: اعتماد النظام المركزية الشديدة من جهة والتدخل في اقتصاد السوق بشكل مباشر كشريك أو محتكر من جهة أخرى وقد ثبت في عدد من الدول العربية ، إن الإطراف المتنفذة في وظائف عامة لها علاقة بالاقتصاد، شكلت شركات مع آخرين دون أن تساهم ماليا وحظيت على مكاسب وثروات ووكالات محلية لشركات أجنبية دون وجه حق .

تاسعاً: ضعف أجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها بما فيها أجهزة الرقابة الداخلية التي لا يتعدى دورها تقديم تقارير لمسئول المؤسسة فقط.

عاشراً: تدني رواتب العاملين في القطاع العام وارتفاع مستوى المعيشة مما يشكل بيئة ملائمة لقيام بعض العاملين بالبحث عن مصادر مالية أخرى حتى لو كان من خلال الرشوة مع غياب قواعد العمل والإجراءات المكتوبة ومدونات السلوك للموظفين في قطاعات العمل العام والأهلي والخاص، وهو ما يفتح المجال لممارسة الفساد.

حادي عشر: غياب حرية الأعلام وعدم السماح لها أو للمواطنين بالوصول إلى المعلومات والسجلات العامة، مما يحول دون ممارستهم لدورهم الرقابي على أعمال الوزارات والمؤسسات العامة.
ويرافق كل ذلك مع ضعف دور الإعلام، وبشكل خاص الصحافة، بسبب الضغط الرسمي من جهة وغياب الخبرة لدى المراسلين المتخصصين في مجال التحقيقات وكيفية الحصول على المعلومات. أما الأعلام الرسمي (إعلام الدولة) فقد جرى استخدامه لتلميع صورة النظام الرسمية فقط.

ثاني عشر: قلة التشريعات والأنظمة التي تكافح الفساد وتفرض العقوبات على مرتكبيه.

ثالث عشر: الأسباب الخارجية ، التي نتجت عن وجود مصالح وعلاقات مالية تجارية مع شركاء خارجيين أو منتجين من دول أخرى (دول مانحة) ، واستخدام وسائل غير قانونية من قبل شركاء محليين ودوليين للحصول على امتيازات واحتكارات داخل الدولة (اتصالات، اسمنت، بترول )، أو قيامها بتصريف بضائع فاسدة.

النتائج والآثار المترتبة على الفساد

للفساد نتائج مكلفة على مختلف نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويمكن إجمال أهم هذه النتائج على النحو التالي:
1- اثر الفساد على النواحي الاجتماعية: يؤدي الفساد إلى خلخلة القيم الأخلاقية والى الإحباط وانتشار اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبروز التعصب والتطرف في الآراء وانتشار الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص.

كما يؤدي الفساد إلى عدم المهنية وفقدان قيمة العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي والرقابي وتراجع الاهتمام بالحق العام. والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع وانتشار الفقر وزيادة حجم المجموعات المهمشة والمتضررة وبشكل خاص النساء والأطفال والشباب .

أهم ما يمكن للفساد أن يحدثه اجتماعيا هو المساهمة في زيادة التوتر الاجتماعي، وذلك نتيجة لتعميق الهوة بين الطبقات الاجتماعية حيث يزداد الأغنياء غنى ويزداد الفقراء فقرا، ويزداد أحوالهم سوءا نتيجة لإهدار كثير من أموال التنمية خارج مسارها الصحيح، حيث تصل جيوب الفاسدين وبعدها تستهلك في أمور غير إنتاجية أو تهرب إلى الخارج.

2- تأثير الفساد على التنمية الاقتصادية: يقود الفساد إلى العديد من النتائج السلبية على التنمية الاقتصادية منها:
- الفشل في جذب الاستثمارات الخارجية، وهروب رؤوس الأموال المحلية، فالفساد يتعارض مع وجود بيئة تنافسية حرة التي تشكل شرطا أساسيا لجذب الاستثمارات المحلية والخارجية على حد سواء، وهو ما يؤدي إلى ضعف عام في توفير فرص العمل ويوسع ظاهرة البطالة والفقر.
- هدر الموارد بسبب تداخل المصالح الشخصية بالمشاريع التنموية العامة، والكلفة المادية الكبيرة للفساد على الخزينة العامة كنتيجة لهدر الإيرادات العامة.
- الفشل في الحصول على المساعدات الأجنبية، كنتيجة لسوء سمعة النظام السياسي.
- هجرة الكفاءات الاقتصادية نظرا لغياب التقدير وبروز المحسوبية والمحاباة في أشغال المناصب العامة.

3- تأثير الفساد على النظام السياسي: يترك الفساد آثارا سلبية على النظام السياسي برمته سواء من حيث شرعيته أو استقراره أو سمعته، وذلك كما يلي:
- يؤثر على مدى تمتع النظام بالديمقراطية وقدرته على احترام حقوق المواطنين الأساسية وفي مقدمتها الحق في المساواة وتكافؤ الفرص وحرية الوصول إلى المعلومات وحرية الإعلام، كما يحد من شفافية النظام وانفتاحه.
- يؤدي إلى حالة يتم فيها اتخاذ القرارات حتى المصيرية منها طبقا لمصالح شخصية ودون مراعاة للمصالح العامة.
- يقود إلى الصراعات الكبيرة إذا ما تعارضت المصالح بين مجموعات مختلفة.
- يؤدي إلى خلق جو من النفاق السياسي كنتيجة لشراء الولاءات السياسية.
- يؤدي إلى ضعف المؤسسات العامة ومؤسسات المجتمع المدني ويعزز دور المؤسسات التقليدية، وهو ما يحول دون وجود حياة ديمقراطية.
- يسيء إلى سمعة النظام السياسي وعلاقاته الخارجية خاصة مع الدول التي يمكن أن تقدم الدعم المادي له، وبشكل يجعل هذه الدول تضع شروطا قد تمس بسيادة الدولة لمنح مساعداتها.
- يضعف المشاركة السياسية نتيجة لغياب الثقة بالمؤسسات العامة وأجهزة الرقابة والمساءلة.

ان مواجهة تحديات الفساد تتطلب تضافر كافة الجهود الحكومية والخاصة، ومنظمات المجتمع المدني والاعلام وأفراد المجتمع كافة، من خلال استراتيجية شاملة لمكافحة كافة أنواع الفساد وعلى كل المستويات.


* ملخص لفصل من رسالة البحث المقدم لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، " حقوق الانسان، والتنمية، ومكافحة الفساد"، في عام 2003 في الجامعة الأمريكية في بريطانيا.
الدكتورة شذى ظافر الجندي
دكتوراه في العلوم السياسية
حقوق الانسان، والتنمية ومكافحة الفساد


************************








اخر الافلام

.. القنصل العراقي في #رومانيا متحرش جنسيا


.. اسماء الضباط المحالين للمحكمة العسكرية في قضية عدم التصدي ال


.. أنقرة تطالب واشنطن بتسليم 84 عضوا في حركة فتح الله غولن




.. فرقة سداسي : مواهب عربية شابة من مصر وفلسطين ولبنان


.. اليمن: ما قاله عبد الملك الحوثي لأنصاره خلال إحياء المولد ال