الحوار المتمدن - موبايل
ثورة تونس نموذج في علم اجتماع الثورات

رياض الصيداوي

2012 / 1 / 14

/ حاورته هيفاء حامد/ تونس /جنيف/

قرابة العام مر على الثورة التونسية لو تفسر لنا ما حدث سوسيولوجيا وسياسيا وماهي العبر والدروس التي من الممكن أخذها من هاته الثورة ؟

# ما حدث في الثورة التونسية يعتبر نموذجيا في علم اجتماع الثورة. حيث توفرت القوانين الثلاثة في الوضعية الثورية بسرعة وأدت إلى هروب بن علي في يوم 14 جانفي 2011. هذه القوانين الثلاثة هي أولا: راديكالية المعارضة الشعبية ومطالبتها برحيل النظام بدل الإصلاح. ولم ينفع بنعلي قبول الكثير من الأحزاب بالتعامل معه بعد خطابه الثالث يوم 13 جانفي. لأن الثورة قامت بها الحركات الاجتماعية وليست الأحزاب. لذلك كان شعار "خبز وماء وبن علي لا" حاسما في سقوطه. فالحركات الاجتماعية لم تعد ترغب في الإصلاح ولا في التحاور مع النظام وإنما فقط في رحيله. وستعمل على أن تكون الثورة راديكالية وليس مجرد إصلاحات شكلية. وهي تجاوزت الجميع في راديكاليتها ورفضها للمساومة مع بن علي. وهي من قدمت الشهداء وليس الأحزاب. قادتها ميدانيون غير معروفين حتى لأجهزة الأمن وهم شباب متمرد.



أما العامل الثاني في الثورة فهو تفكك النخب الحاكمة وانقسامها حول نفسها. هذا العامل كان موجود بقوة في الثورة التونسية رغم الكتمان السياسي حوله. أي أن وزراء ورجال دولة وموظفين سامين قد قرروا التخلي عن بن علي. وأغلب هؤلاء يحسبون مواقفهم بشكل عقلاني يعتمد على الاختيار التالي: مع من سأربح ومع من سأخسر؟ كثير منهم تخلى فعلا عن بن علي منذ أشهر عديدة حتى قبل الثورة. لماذا؟ لان بن علي كان يريد أن يورث السلطة لليلى الطرابلسي ولم يحترم اتفاقا باختيار وزير دفاعه ثم خارجيته كمال مرجان خلفا له كنائب رئيس على أن لا يترشح هو لانتخابات 2014 ويترك المجال لمرجان. عائلة الطرابلسي لم تقبل بهذا الاتفاق وحاولت أن تورث الحكم لليلى. هنا اعتبر جزء كبير من النخب الحاكمة في تونس أن بن علي قد انتهى سياسيا هو وعائلته. في كلمة قصيرة في التلفزة الوطنية قال محمد الغنوشي سيأتي وقت وتعرفون دور وزراء وموظفين سامين في إسقاط بن علي. أنا كنت أعرف ذلك دون الحاجة حتى للتفاصيل. لماذا لأن تفكك النخب الحاكمة وتخليها عن الدكتاتور هو القانون الثاني في الوضعية الثورية. (الوضعية الثورية هي الأسابيع الأربعة التي شهدتها تونس من 11 ديسمبر 2010 إلى 14 جانفي 2011).

أما العامل الثالث في نجاح ثورة أو فشلها في كل الثورات فهو موقف الجيش من الثورة. بمعنى ضرورة حياد الجيش في مرحلة أولى ثم تخليه عن النظام في مرحلة ثانية. حينما شاهدت قوات الجيش في القصرين وتالة وصفاقس تمتنع عن إطلاق النار على الشعب بل تحميه ضد قوات الأمن عرفت أن الثورة قد نجحت. موقف الجيش دائما محدد في نجاح أو فشل الثورة. يوم 12 جانفي 2011 حاورني التلفزيون السويسري وشرحت له أن ثورة حقيقية في تونس تحدث بسبب بروز هذا العامل لأول مرة. (انظر الرابط http://www.youtube.com/watch?v=9irj7yoOH3s



فالجيش التونسي سبق وأن أطلق النار على المتظاهرين سنة 1978 أثناء انتفاضة الاتحاد العام التونسي للشغل وكذلك سنة 1984 في ثورة الخبز. لكن هذه المرة امتنع عن إطلاق النار فشجع الشعب على الثورة بل وقام بحمايته. نذكر أنه في سنة 1864 نجح الباي في إخماد ثورة علي بن غذاهم بفضل ولاء الجيش له. والثورة السورية لم تنجح إلى الآن وكذلك الثورة اليمنية بسبب موقف الجيش الذي دافع على النظام. وحتى القذافي كاد يسحق الثورة لولا التدخل الخارجي.

ساحة لافايات في تونس العاصمة هي مسماة على اسم ضابط فرنسي اسمه لافيات رفض إطلاق النار على المتظاهرين أثناء الثورة الفرنسية سنة 1789.

إذن موقف الجيش التونسي كان حاسما في نجاح الثورة بأقل الخسائر البشرية والمادية الممكنة. وهو أيضا من حماها في تلك الأيام الصعبة التي تلت هروب بن علي. حيث اختلطت الأوراق ودخلت البلاد في متاهة غامضة بسبب ارتباك قوى الأمن وانقسامها وعدم وجود تأطير حزبي للثورة. المؤسسة الوحيدة التي بقيت موحدة وتعمل بنجاعة هي مؤسسة الجيش.



2) شهدت الثورة التونسية محاولات إجهاض متكررة لكنها فشلت بما تفسر ذلك؟

تفسير ذلك يكمن في ثلاثة عوامل. أولا: موقف الجيش الذي قرر حماية الثورة من أية ردة. وهو ما عبرت عنه قيادته منذ اليوم الأول. وهو من تصدى لمحاولات الانقلاب على الثورة. ثانيا يكمن أيضا في ضعف الحزب الحاكم أي التجمع الدستوري الديموقراطي. هذا الحزب تبين أنه حزب صنعته السلطة وليس هو من صنع السلطة. حزب غير عقائدي ولا أيديولوجي ولا يقدر على تعبئة حقيقية في الشارع. على عكس الأحزاب الشيوعية أو الإسلامية أو القومية العربية. ولا يستطيع أفراده أن يدافعوا عن النظام لأن أغلبهم لم يكن مقتنعا أصلا بدوره الحزبي. كان يجمع حوالي 2 مليون موظف ومنتفع يرغبون في السلامة الاجتماعية وعدم الصدام مع بن علي. أما العامل الثالث فيكمن في دينماكية الثورة الداخلية. حيث أن حاجز الخوف من النظام انهار إلى الأبد والمواطن أصبح يحس بالنصر وهو غير مستعد للعودة إلى ما قبل 14 جانفي. هذه الدينامكية الثورية إذا اندلعت تصبح أقوى من كل الأجهزة.



3) في أكثر من مناسبة أشار زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي باتباع النموذج الإسلامي التركي فهل سيقوم حزب العدالة و التنمية الحاكم في تركيا بدور المرشد للحركة في تونس؟

يبدو ذلك واضحا من خلال تصريحات قادة النهضة وبخاصة زعيمها راشد الغنوشي. بل أجزم أن لا خيار لهم غير هذا الاتجاه. والمؤشرات كثيرة. أولها وثائق ويكيليكس التي نشرت ومفادها أن النهضة يمكنها أن تتعامل مع واشنطن. ثم زيارة راشد الغنوشي إلى أمريكا مؤخرا والتقائه بمسؤولين سياسيين ومراكز أبحاث وحتى أنه انتقد المملكة العربية السعودية بشدة وهذه الأخيرة أيضا هاجمته بشدة عبر إعلامها متهما إياها بعدم مسايرة الديموقراطية. إذن الأمريكيون يريدون حركات إسلامية حداثية تؤمن بالديموقراطية وتشارك فيها وفي المقابل يريدون أن يتخلصوا من السلفية والوهابية التي أدت إلى 11 سبتمبر 2001. كانت هذه أطروحة الدكتور سعد الدين إبراهيم أيضا لإدارة بوش ولكوندوليزا رايس حيث أكد أنه لا يمكن دمقرطة منطقة الشرق الأوسط دون المرور عبر الحركات الإسلامية الإخوانية. وهو ما أشار إليه أوباما في خطابه أثناء الثورة المصرية وحتى قبل أن يسقط مبارك حينما قال "من حق الإخوان المسلمين أن يشاركوا في اللعبة الديموقراطية".

معنى ذلك أيضا أن هذه الحركات الإسلامية يجب أن تدخل في منظومة الحلف الأطلسي، مثل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. بالمعنى الإستراتيجي للكلمة. وحتى قطر التي تدعم بشدة هذه الحركات توجد فيها قاعدة السيلية الأمريكية. وهذا خيار واشنطن الإستراتيجي لهذه المرحلة أي التحالف مع الحركات الإخوانية وإيصالها للسلطة وإدخالها في منظومة الحلف الأطلسي بشكل مباشر مثل تركيا أو غير مباشر. كذلك اختيار اقتصاد السوق بحركة النهضة يسهل عليها الاندماج في هذه المنظومة. فواشنطن ترى بعين الرضا كل من يدعم فكرة الاقتصاد الرأسمالي لأنها تعتبر نفسها المدافع الأول عالميا على خيار اقتصاد السوق.

تشابه آخر أيضا بين تونس وتركيا يكمن في أنهما بلدان غير نفطيان وغازيان. يعني يعتمد اقتصادهما على التعامل مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا. ولو أرادا أن يخرجا من هذه المنظومة لأصبحا مثل الصومال أو أفغانستان. يبقى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يعتبر نفسه حزبا علمانيا يحكم في دولة علمانية. إلى أي حد تعد النهضة نفسها علمانية؟ اعتقد أن التسمية لا تهم بمقدار أهمية السلوك والأفكار والبرامج. لذلك تبدو النهضة حقيقة حزبا علمانيا أيضا يقطع مع السلفية الوهابية التي تكفر العملية الديموقراطية.



6) ذكرت في تصريح سابق إن الحركات الإسلامية المعتدلة تلقت الضوء الأخضر الأمريكي ,فكيف تم ذلك؟ و لماذا في هذا التوقيت بالذات؟ و ما هي دلالات ذلك؟

هذا شيء متأكد منه. واشنطن تتعامل مع العالم العربي مثل سياسة بريطانيا وليس فرنسا. بمعنى أنها تؤمن بالسلطة المحلية ولا يهمها أن تكون في يد ملك و أمير أو شيخ قبيلة أو حزب إسلامي. المهم أن لا يعادي مصالحها الإستراتيجية أولا وأن يكون من أنصار اقتصاد السوق. وللتاريخ أيضا فقد كانت متحالفة مع الحركات الإسلامية ودول الخليج العربي في مواجهة المد الشيوعي والقومي العربي في المنطقة. أسامة بن لادن نفسه كانت تتعامل معه في أفغانستان. حدث الصدام بينها وبين القاعدة في11 سبتمبر 2001 أصبح صداما رمزيا وثقافيا بين الغرب والإسلام لمدة 10 سنوات. الآن تراجع إستراتيجيتها كلية بإعادة تحالفها مع الحركات الإسلامية وإيصالها إلى السلطة وإنهاء ملفي القاعدة والصدام الحضاري بينها وبين العالم الإسلامي. ولعبت قطر دور عراب هذه الإستراتيجية في المنطقة. واستخدمت الجزيرة في هذا الاتجاه. وفي الآن نفسه تسعى واشنطن مع حلفائها الجدد إلى التخلص من السلفية والوهابية التي أصبحت عبئا ثقيلا عليها.

هل ثمة علاقة سببية بين نشر وثائق ويكيليكس وقتل أسامة بن لادن واختفاء جثته في ظروف غامضة جدا واندلاع الثورات العربية؟ لا أستطيع أن أجزم بأي شيء فأنا من عادتي ضد نظرية المؤامرة وأميل للتفسير العقلاني للأحداث. لكن ثمة أسئلة يجب أن تطرح وحتى مثقفون غربيون طرحوها. صدام حسين يقبض عليه بعد أشهر قليلة وكذلك يقتل القذافي أما أسامة بن لادن فيبقى طليقا حرا ويرسل أشرطة الفيديو لقناة الجزيرة لمدة 8 سنوات فذلك أمر غريب يدفعنا للحيرة والتساؤل المشروع.

المهم أن واشنطن طوت صفحة بن لادن وبدأن صفحة الحركات الإخوانية. واعتقد أنها فرضت إستراتيجيتها على الاتحاد الأوروبي وبخاصة فرنسا. ربما لو كان جاك شيراك في الحكم لقاومها لكن ساركوزي معروف عنه التبعية للإدارة الأمريكية على عكس السياسة الديغولية التقليدية.



7) كيف نفسر سوسيولوجيا هذا التنوع في أصحاب القرار أي بين علمانيين وإسلاميين كيف سيتم التوافق والانسجام بين تيارات مختلفة وهل سيسفر عن ذلك نموذج ديمقراطي تونسي؟

اعتقد ذلك. تونس ستكون أول بلد عربي يعرف ديموقراطية كاملة. والديموقراطية تعتمد على تعايش المتناقضات واحترام آراء الآخرين. بل والدفاع عن حقهم في التعبير والمشاركة السياسية حتى ولو كانوا خصوما. يقول فولتير "إنني اختلف معك في الرأي لكنني أقاتل من أجل حريتك في التعبير". أعيش هذه التجربة في سويسرا وأرى كيف أن التناقضات السياسية والإيديولوجية لا تعني حروبا في الشوارع بل تعاونا في أجهزة الدولة وتحت أقبية البرلمان. الخوف دائما من المتطرفين الذي يرفضون العملية السياسية والديموقراطية هم من يهدد الدولة والمجتمع سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين أو تحت أي شعار آخر. بن علي لم يكن لا علمانيا ولا إسلاميا ولكن دكتاتورا متطرفا ومعاد للديموقراطية. اعتقد أن ما حدث في تونس هو صدمة الانتقال الفجئي من الدكتاتورية إلى الديموقراطية ومن تكميم الأفواه إلى الحريات المطلقة. إن النقاش السياسي والحريات الإعلامية التي تعيشها تونس اليوم لا نجدها حتى في المجتمعات الغربية. ثمة خوف متبادل بين جميع الأطراف لكن هذا الخوف سيتلاشى شيئا فشيئا عبر اتحاد المعتدلين ضد المتطرفين بجميع أصنافهم. في سويسرا عندي أصدقاء متزوجين في بعض الأحيان يكونان منضمان لحزبين متصارعين. الزوج من اليمين مثلا والزوجة من اليسار. ستخفت حدة الصراع الأيديولوجي شيئا فشيئا أمام تعقد الملفات الاقتصادية والاجتماعية والبطالة. وفي المستقبل سيصوت التونسي على البرامج الاقتصادية ومن يحل له مشاكله اليومية وليس لمن يطلب منه ارتداء النقاب أو نزعه أو اللحية أو القميص أو غيره... هذه كلها تفاصيل ستصبح ثانوية جدا أمام الملفات الحقيقة التي تعني المواطن.

تدور أحاديث وسط الأوساط السياسية التونسية بوجود أطراف تتآمر على البلاد لإضعاف الأحزاب الفائزة وإثارة البلبلة برأيك من هم هؤلاء؟

تونس تعيش ما نسميه في علم اجتماع الثورة ب"الحمى الثورية" يعني ثمة أصوات متعالية كثيرة ومتداخلة وصراعات... لا بد من التأكيد أن الصراعات السياسية مسألة طبيعية سواء داخل التنظيم السياسي كصدام طموح قياداته وتنافسها فيما بينها أو صراع الأحزاب على السلطة. تشكيل الحكومات وسقوطها مسألة طبيعية أيضا. لكن الدولة يجب أن تكون دائما ديموقراطية وهي الوعاء الذي يحوي الجميع وكل التناقضات. والصراعات تحل عبر لعبة صناديق الاقتراع وليس عبر التآمر مثل الأنظمة الدكتاتورية. تونس تعيش هذه المرحلة الانتقالية وستخفت مع الأيام. ومن حق المعارضة أن تجعل حياة الحكومة جحيما من حيث المراقبة والانتقاد. لا يعني ذلك أنها تتآمر عليها بل هي تسعى لتسقطها عبر الانتخابات وتتصيد أخطائها وهذه أيضا مسألة طبيعية جدا في أية ديموقراطية.


ما هي رؤيتك لمستقبل تونس من وجهة نظر سياسية وسوسيولوجية خاصة وسط تفاؤل وثقة كبيرة من التونسيين تجاه صناع القرار الجدد؟

تونس هي البلد العربي الأكثر نضجا للعملية الديموقراطية الكلية. هي بلد غير نفطي يعني منتج ولا يعيش على الريع. والتعليم الذي حصل فيها متميز بالمقارنة مع بقية الدول العربية. وثمة عقلانية تسيطر على الجميع. لنقارن بين الوضع في تونس وفي ليبيا مثلا. لا توجد ثقافة دم وقتل سياسي في تونس. لا توجد اغتيالات ولا تفجيرات. المجتمع منسجم اثنيا ودينيا. فنحن عرب مسلمون وسنة ومالكيون. القبلية بشكلها الحاد تلاشت ثمة بعض العروشية في الداخل وبعض الجهوية لا أكثر. كل ذلك يبعث على التفاؤل.

إن الخوف الوحيد على العملية الديموقراطية يأتي من التدخل الخارجي وبخاصة من دول عربية غير ديموقراطية في الشأن التونسي الداخلي. الخوف هو من تكرار تجربة لبنان حيث أفسد المال العربي لأنظمة دكتاتورية مستبدة الحياة السياسية الديموقراطية والإعلام فيه. هذه مخاوف حقيقية. من أن تنقلب الآية فعوض أن تؤثر تونس بإشعاعها الديموقراطي على الدكتاتوريات العربية يحدث العكس فيفسد المال الدكتاتوري الحياة الديموقراطية في تونس. اعتقد أن هذا أكبر تحدي يواجه الديموقراطية التونسية.