الحوار المتمدن - موبايل



الحرية والجوع وانتفاضة اذار المجيدة

سربست مصطفى رشيد اميدي

2012 / 3 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


تمر هذه الأيام الذكرى الواحدة والعشرون لانتفاضة آذار المجيدة، التي بدأت في الجنوب وامتدت شرارتها لتشمل أغلب مدن وبلدات العراق ومنها مدن وقصبات إقليم كوردستان. حيث إنها اندلعت في5/3/1991 في ثلاث مناطق بصورة متزامنة، والتي هي مدينة (رانية) التي حررها أبناءها من رجس النظام البعثي بالتعاون مع قوات البيشمركه. وفي نفس اليوم انتفض أبناء مدينة (خبات) في محافظة أربيل من المرحلين إليها من مدينة (قلعة دزه) بعد تدميرها سنة 1989 من قبل نظام البعث، وجرى التصدي لها من قبل قوات النظام حيث استشهد عدد من المنتفضين وجرح آخرون. وقد جرت مظاهرة أخرى في مركز مدينة أربيل في اليوم نفسه، نظمها تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، ولا يعرف سبب عدم ذكر مدينة خبات ومظاهرة أربيل لدى استذكار بداية انتفاضة آذار. وبعد ذلك عمت الانتفاضة جميع مدن وبلدات الإقليم، لتنتهي بتحرير مدينة كركوك ليلة نوروز نفس السنة حيث تعانق لهيب نار(بابا كركر) الأزلي مع نار الاحتفال بعيد نوروز في قرى ومدن كوردستان. وعلى الرغم من أن قطعان النظام الفاشي السابق قد استطاعت أن تقمع الانتفاضة، وتعيد السيطرة على جميع المناطق المنتفضة في كوردستان بقوة الحديد والنار واقتراف مجازر بشعة بحق المدنيين خاصة في مدينتي أربيل وكركوك. مثلما فعل بحق أبناء المحافظات المنتفضة في وسط وجنوب العراق، والتي اقترفت مجازر رهيبة فيها وقتل عشرات الآلاف من المدنيين وعلى مرأى وسماع قوات التحالف الدولية التي كانت في قاعدة (علي بن أبي طالب) العسكرية قرب مدينة الناصرية، واعتقال عشرات الآلاف من الشباب ومن ثم تصفيتهم لاحقا وعلى مدى عدة سنين. ولكن نتج عن زحف القوات العراقية إلى محافظات كوردستان ترك الناس لمدنهم وقراهم والتوجه نحو الحدود التركية والإيرانية في هجرة مليونية قل نظيرها في التاريخ وفي ظروف مناخية سيئة. وتمخضت عنها فرض مناطق آمنة من قبل التحالف الدولي في المناطق الواقعة شمال خط العرض 36 درجة .
لقد كانت انتفاضة آذار نتيجة طبيعية تجاه حكم نظام البعث، لقمعه للحريات ومصادرته للحقوق وإعدام وسجن مئات الآلاف من معارضي نظامه وارتكاب المجازر بحق المواطنين المسالمين. وكذلك نتيجة للهزيمة العسكرية النكراء لقواته في الكويت وتحريرها من قبل قوات التحالف الدولي،لا بل حتى سيطرتها على مناطق شاسعة من العراق، ومن ثم توقيعه صك الاستسلام المهين في خيمة (صفوان) ـ والأهم من كل هذا هو التأثير الكبير للعقوبات الدولية على أبناء الشعب وتسببها في تجويعه نتيجة لنزوات رأس النظام وطيشه، وتعنته الفارغ بعدم الانسحاب من الكويت على الرغم من جميع المناشدات الدولية والإقليمية والعربية له.
أما في كوردستان فان الانتفاضة جاءت بالإضافة إلى كل ما سبق كرد فعل طبيعي على عمليات الترحيل والتعريب والتبعيث، وعمليات الأنفال والإبادة الجماعية بحق أبناء شعب كوردستان، وتدمير وإزالة أكثر من 4500 قرية وعدد من المدن والقصبات، لا بل التخطيط لتعريب كامل كوردستان العراق، تلك السياسة الشوفينية كانت موجهة ضد هوية ووجود الشعب الكوردستاني. وكان تأثيرها بينا على عدد كبير من قوات الفرسان (الجحوش) التابعة للنظام، لأنهم قد تيقنوا من أن نظام البعث يعمل دون كلل من أجل إنهاء وجود الشعب الكوردستاني، ولا يهدف لإنهاء قوى المعارضة الكوردستانية والعراقية فقط. فكان دورهم واضحا في انتفاضة الجماهير في آذار سنة 1991، وقيادة الهجوم على المقرات الحزبية والأمنية والعسكرية للنظام السابق، طبعا بمساندة جماهيرية كاسحة من جموع الشعب المنتفض وبتآزر وتفاعل قوات البيشمركه للأحزاب الكوردستانية كافة.
في أيام الانتفاضة كنت في أربيل وشاركت الجموع الثائرة يوم 11 آذار لدى توجهها للاستيلاء على بناية المحافظة، وقد تعلقت في ذهني صورا ومشاهدات لا يمكن أن تمحى لآخر يوم في حياتي. فشاهدت شيخا طاعنا في السن متكئا على عكازه سألني في باحة المحافظة عن البناية التي كنا فيها، وعندما بينت له بأنها بناية محافظة أربيل، أخذ يرقص وهو يبكي بصوت عالي. وشاهدت وقوع شهيدين نتيجة قصف قوات النظام على بعد أقل من عشرة أمتار مني. ورأيت أيضا امرأة في خمسينيات عمرها مسلحة ببندقية كلاشينكوف وهي تبحث بين جثث أزلام الأمن في (مديرية امن الحكم الذاتي) على من ألقي القبض على أبنها ومصيره طبعا كان مجهولا، وعندما عثرت عليه قامت برمي صلية كاملة ومن ثم أخذت تبكي بصورة هستيرية. وشاهدت في (منظومة الاستخبارات الشمالية) جثث (21) من عناصر الاستخبارات الذين قاوموا الجموع الثائرة لغاية الساعة السادسة عصرا، وبعضهم كان قد ربط نفسه لغرض الاستمرار في المقاومة لحد الموت وكانت نهايتهم بذلك الشكل.
إن الإنسان قد لا يعيش ليرى في حياته أحداثا مفصلية في تاريخ الشعوب، وكانت انتفاضة آذار إحدى تلك اللحظات. وعلى الرغم من كل السلبيات التي رافقتها فإنها كانت من الأهمية بحيث أنها حققت انتصارا شعبيا على جبروت وقوة نظام صدام حسين، في حين أن النضال المسلح للحركة التحررية الكوردستانية لم تستطع ذلك خلال عشرات السنين. وهنا لابد أن نعي ونفهم فعلا انه لا توجد قوة يمكن أن تقف بوجه إرادة الشعوب إذا توحدت لتحقيق هدف مقدس في لحظة تاريخية. إن فقدان الإنسان لكرامته ومصادرة حقوقه إذا اقترن مع فقدانه لكسرة خبزه، أي الفقر والجوع فلا تبقى لديه ما يخسره، وستكون لحظة خروجه إلى الشارع للمطالبة بحقوقه قضية تنتظر شرارة انطلاقها، وتكون عندئذ القوة التي تحرق كراسي الحكام ودواوين وقصور الأنظمة الحاكمة، وتكون بمثابة (الجاكوج) الذي يكسر قيود الإذلال ويفتح أقفال السجون والمعتقلات. وهذا ما كان في أيام الانتفاضة حيث هجوم المرأة الكوردستانية القادمة من المجمعات السكنية القسرية لضحايا الأنفال بسكاكين المطبخ على قلاع ومتاريس (الفيلق الخامس) للجيش العراقي قرب أربيل، كان تعبيرا واضحا عن مدى الظلم الذي لحق بالإنسان الكوردستاني وفقدانه لحريته وكرامته وقوت شعبه. إن الإنسان يستذكر في هذه الظروف مطلع قصيدة (أبو القاسم الشابي) (إذا الشعب أراد الحياة .... فلابد أن يستجيب القدر)، هذا القدر الذي نحن شعوب الشرق نعلق كل شيء عليه في زمن الانكسارات والخذلان والهزائم .
إن انتفاضة آذار سنة 1991كانت بداية الربيع العربي، هذا الربيع الذي تم طمسه من قبل نظام صدام حسين، وتم السكوت على جرائمه من قبل قوات الحالف الغربية، وكانت امتدادا لربيع الديمقراطية الذي ساد في حينه أوربا الوسطى والشرقية دول أمريكا اللاتينية. هذا الربيع تأخر بزوغه في المنطقة العربية لمدى عقدين من الزمن، هذا التأخر قد يكون من أسبابه عدم (نضوج) ظروف الثورة الذاتية والموضوعية لكل دولة على حده. لكن من أسبابه أيضا تعامل الحكومات العربية القاسي مع شعوبها وقواه المناضلة وبشكل أكثر وحشية من أغلب أنظمة الحكم في العالم، وكذلك تمكن تلك النظم في حشد الموقف الغربي إلى جانبها خاصة بعد أن أصبح العالم يقوده قطب واحد، واقتناعها بأن دعم النظم الديكتاتورية في الوطن العربي ضمانة لعدم وصول تيار الإسلام السياسي لمقاليد الحكم. لكن الزمن اثبت مدى انتهازية هذا التوجه لدى الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وتأثير ذلك العكسي على أغلب الدول العربية خاصة بعد صعود الأحزاب الإسلامية ووصولها للحكم في العراق ولبنان والمغرب وتونس ومصر والكويت، ومن الطبيعي جدا إن مستقبل الحكم في سوريا والأردن وليبيا واليمن والجزائر والبحرين سيكون ذو هوية إسلامية.
وباعتقادي إن وصول أي اتجاه إلى الحكم إذا كان عبر صناديق الاقتراع فهذا من اختيار أبناء شعوبها ومن حقهم اختيار الطرف الذي يرونه مناسبا لتسليمه أمور الحكم. وان على الاتجاهات المخالفة من القوى الليبرالية واليسارية عدم ندب حظوظها واتهام القوى الإسلامية باقتطاف ثمار الثورات العربية، بل على العكس عليها العمل لتوحيد صفوفها وخطابها، بدل اتهام بعضهم البعض والتشرذم والاختلاف.
إن زمن الأنظمة الديكتاتورية قد ولى مهما كان عنوانها أو ادعائها بكونها قومية أو ليبرالية أو ديمقراطية أو علمانية أو إسلامية، لأن الشعوب قد أخذت تراقب أداء حكوماتها وتقارن الفساد المستشري في مؤسساتها مع أوضاع الشعوب المعاشية والاقتصادية. وان زمن مصادرة الحقوق وإهدار الحريات وسلب كرامة الشعوب لم يعد امرأ مقبولا ويقابل بالرفض والثورة.
في ذكرى انتفاضة آذار المجيدة نقول انه آن الأوان لحكومة إقليم كوردستان أن تعمل بكافة السبل من أجل منح المزيد من الحقوق والحريات، والعمل على ضمان تطبيق عدالة التوزيع، ووضع حد لهدر أموال الدولة واستئثار واستهتار شبكات الفساد بالمال العام، والتعامل على أساس المواطنة وليس على أساس التحزب والولاء الحزبي، ووضع الشخص المناسب في المكان، والكف عن تدخل الأحزاب في شؤون الحكومة والمواطن. حيث إننا نعتقد إن ما سبق هي أهم موجبات الثورة، وهي أيضا كانت ضمن أسباب انتفاضة آذار والتي على النخبة الحاكمة أن تتذكرها دائما، وتتذكر دماء الشهداء ودموع الأمهات الثكلى والآباء المفجوعين بفقدان أبنائهم وبناتهم الذين قدموا أرواحهم على مذبح الحرية في كوردستان، والكثيرون منهم لم تتهن عيونهم بمشاهدة لحظة الحرية في أيام الانتفاضة المجيدة، والتي كانت السبب في وصول النخب الحاكمة إلي مقاليد الحكم في الإقليم.







اخر الافلام

.. مؤتمر ميونخ.. أولوية الأمن والتباين الأميركي - الأوروبي


.. العراق.. خلافات الوجود الأميركي والحسابات الداخلية


.. أكراد سوريا.. تحذير فرنسي وتهديد تركي وانسحاب أميركي




.. اليمن.. جولات غرفيث وملامح الاتفاق


.. إسرائيل وإيران.. حرب الخطابات وسلام الجبهات