الحوار المتمدن - موبايل



انتصرنا !! ، وأمرنا لله

شجاع الصفدي

2012 / 3 / 15
القضية الفلسطينية


ما أن انقشعت غيمة العدوان الأخيرة على قطاع غزة أو خفتت حدّتها وبدأ الحديث عن تهدئةٍ ما ، حتى سارع الفصحاء من المتحدثين باسم الفصائل الفلسطينية على مختلف ألوانهم بإطلاق التصريحات الإعلامية الصاخبة حول الانتصار الفلسطيني وانتصار غزة العظيم الذي أرضخ الاحتلال الصهيوني وجعله ينصاع لشروط المقاومة! ، وفي الحقيقة لا أعرف إن كان هؤلاء يدركون حقيقة ما يقولون ويؤمنون به أم أنهم يطلقونه من باب الترويج الإعلامي فحسب ويعلمون الحقيقة المرّة ويتوارون خلف الشعارات الرنانة والخطب المدوّية .
نعم ، انتصرت غزة لأنه لا خيار لديها سوى ذلك ، صمد المواطنون ، قبعوا في الظلام ، وانتظروا الموت يأتيهم محلقا ساعيا باجتهاد لحصد الأرواح ، لم تكن الخيارات لديهم واسعة ، ليس لهم إلا أن يصمدوا وينتظروا المصير ، والكل يتاجر بهم وبأرواحهم وبأطفالهم وأموالهم ، ويتقافز هذا وذاك يعلن عن إطلاق عشرات الصواريخ على الأرض المحتلة التي لم يعد أحد يعترف بحقنا بها في هذا العالم ، والرأي العام دوليا يدين ويشجب الاعتداءات الصاروخية المجرمة على دولة " إسرائيل " دون أن يأتي على ذكر الجرائم الصهيونية في قطاع غزة ، والفصائل تذكي هذه النظرية بفشل إعلامي ذريع ظنًا أن الإعلان عن امتلاك الصواريخ الخطيرة هو أمر إيجابي لصالح المقاومة والشعب الفلسطيني في الحين الذي تقدم كل هذه التصريحات خدمة مجانية للاحتلال تمّهد له حربه القادمة أمام الرأي العام ، فالآلة الإعلامية الصهيونية تعمل على مدار الساعة على تصوير الفلسطيني بصورة الإرهابي القاتل الذي تسبب بحرمان الأطفال اليهود من التوجه للمدارس وروّع اليهود الآمنين ! ، هذه الصورة التي نقلها الإعلام الغربي ، وترجمت تهديدات الفصائل بمختلف اللغات وتكررت في النشرات الإخبارية الغربية حتى أصبح الكل مقتنعا بأن الفلسطينيين هم ثلة من الإرهابيين الذين يمارسون الاعتداءات المتكررة على دولة مستقلة تريد الحياة بسلام بين جيرانها ، وبدلا من أن يتنبه الفلسطينيون لما يجري دوليا يغرقون في وحل المظاهر والغرور والفرقعات الإعلامية الرنانة ، لدرجة الخروج في مسيرات جماهيرية لهذا التنظيم أو ذاك احتفالا بالانتصار!! ، يا الله ما أرخص أرواحنا ، تدخل مصري يوقف آلة القتل الصهيونية لبعض الوقت فحسب ، ولا ضمانات مطلقا ويخرج الصارخون معلنين الانتصار ، فهل أرواح الشباب الذين ذهبت رخيصة إلى هذا الحد ؟
هل سقوط ستة وعشرين شهيدا وعشرات الجرحى من أبناء غزة هو الانتصار بالنسبة لمن يجلسون في العواصم المختلفة ويهدرون بالخطب عبر الهواتف ؟ ، لا يهم كم يسقط منا فقد انتصرنا !، أدخلنا مليون مستوطن للملاجئ ، هذا ما يقوله المنتصرون ! ، بينما لم يفكروا في أن سكان قطاع غزة لا ينتمون للأحياء ، يعانون منذ سنوات قهر الاحتلال وقهر الانقسام ، محرومون من الكهرباء ، من الأمان ، هدير الطائرات يخطف فرحة الأطفال ، ويروّع النساء والكبار ، لم يفكر أحد بأهل هذا القطاع ولم يسألهم أحد عما يريدونه ، فالفصائل وحدها تقرر ما تريد وتتحكم بمصير الشعب في غزة دون أي يهتم أحد برأي المواطن ولا موقفه من الأحداث الدائرة ، ويتباهون بأن الشعب في غزة صامد ويأبى الانكسار ، وأنه يدعم التنظيم الفلاني في مسيرة المقاومة !! ، وفي ظل هذه المعادلة تبقى الصورة القاتمة تسيطر على حياة قرابة المليوني مواطن في قطاع غزة ، صواريخ فاشلة تسقط في رمل النقب وشاطئ عسقلان أثناء التهدئة لا يعلن عمّن يطلقها وأحيانا تعلن عن الإطلاق كتائب أو ميلشيات مجهولة الهوية ، ويأتي رد صهيوني ليلا يروّع الناس وتقصف أهداف مدنية أو مواقع تدريب وهكذا دواليك ، معادلة من المناوشات المتبادلة ، والعدو يروّج دوما أنه ضحية للاعتداءات الصاروخية والتي بات كل أهل غزة يدركون أن من يطلقها خلال فترات التهدئة هم مأجورون سواء كانوا يعلمون ذلك أم لا يعلمون ، ولا أحد يؤمن أن المجموعات التي تطلق هذه الصواريخ تمت للوطنية بصلة أو تجاهد وتسعى للتحرير ، حتى أن المواطن العادي بات يطلق كلمة " بيزنس " على مطلقي الصواريخ أثناء التهدئة ، والسؤال ماذا يريد هؤلاء ؟ .
قد نتفهم أنه لا توجد وسيلة دفاعية لدى تنظيماتنا في غزة سوى هذه الصواريخ وذلك خلال عدوان صهيوني من الجو لا مجال فيه للمواجهة إلا بتلك الوسيلة الوحيدة ولكن إطلاقها عند الإجماع على تهدئة بين الفصائل والعدو ولو بشكل متفرق فهذا معناه أن هنالك أيدٍ غريبة تعبث بالشعب الفلسطيني في غزة وتحاول زجّه في أتون صراعاتها الخارجية التي لا علاقة للشعب الفلسطيني بها ، فلماذا لا تعمل الفصائل معا على وقف هذه المهازل ليكون هنالك إجماع وطني حقيقي لاستخدام تلك الصواريخ كوسائل دفاعية فقط حين يكون هنالك عدوان لا مناص من التعامل معه إلا بالوسائل المتاحة ؟، وبدلا من أن يسعى فصيل بعينه للتفرد بالساحة وكأنه حامي الحمى والمدافع عن فلسطين والأقصى وحده متغنيا بأمجاد وهمية ،يتوجب على كل الفصائل أن توحد إستراتيجيتها بما يتوافق مع طموحات الشعب الفلسطيني ، ولا تتساوق مع معادلات إقليمية خاسرة تريد أن تحارب "إسرائيل " بدماء الفلسطينيين وأرواحهم دون أن تزج نفسها في مواجهة مباشرة مع دولة الاحتلال وداعمتها الكبرى " أمريكا ".
حركة حماس التي تحكم قطاع غزة أدركت المعادلة جيدا ، وتعاني ما عانته السلطة الفلسطينية مع هذه الصواريخ أيضا ، وكما كانت السلطة تتعرض للاتهامات والمزاودات أصبحت حماس تتعرض الآن لتلك المزاودات وتتهم بأنها لم تشارك في الدفاع عن غزة ووقفت موقف الحياد ، وبعيدا عن المواقف السياسية الخاصة فحماس محقة تماما في هذا الموقف ، وحتى وإن أدركت المعادلة متأخرا فهذا خير من ألا تدركها ويذهب قطاع غزة ضحية للمكابرة والصلف ، فحماس تدرك جيدا أن دخولها في جولات التصعيد المتكررة معناه ليس فقط إنهاء حكمها وإنما معناه تدمير كلي لقطاع غزة الذي لم يعد يحتمل حروبا جديدة ، حماس الحاكمة تختلف عن حماس التي كانت تعمل سرا وفق إطار تنظيمي سري غير معروف ، فالآن مؤسسات الحركة ومشاريع بملايين الدولارات وقواعد هامة اقتصادية واجتماعية وسياسية أسستها حماس وطوّرتها وخسرت الكثير على إنجاحها ، ومعنى دخولها في الصراع هو تدمير كل ذلك بغمضة عين ، ناهيك عن أن انتهاء حكم حماس بحرب جديدة سيحملها تاريخيا وزر تدمير قطاع غزة مرتين ، وستتهم دوما بأنها بسبب الحكم أودت بغزة إلى الهلاك ، لذلك فإن حماس بين المطرقة والسندان ، تريد الاحتفاظ بحكم غزة ومزاياه مع تحقيق مصالحة مفصلة بهذا القياس ، وبنفس الوقت لا تريد الدخول في صراع عسكري مع الاحتلال في هذه المرحلة الحاسمة والحساسة فتخرج خاسرة تماما ويقضى على كل ما بنته لنفسها خلال هذه السنوات من عمر الانقسام .
في المرحلة الحالية سيكون لزاما على حماس وحكومتها في غزة أن توقف إطلاق الصواريخ في ظل وجود تهدئة مهما كلفها الأمر ، لأن كلفته المعنوية أيا كانت هي أخف وطأة من عدم الإقدام على وقف تلك الصواريخ والمجموعات المجهولة التي تطلقها ، لأن حماس هي من سيتحمل وزر ما يحدث ، وهي تدرك جيدا أن مصر ما بعد الثورة منشغلة تماما بأحوالها ورغم كل مساعيها الحثيثة للمحافظة على توازن إقليمي ومصالح متبادلة مع " إسرائيل" إلا أنها سرعان ما ستمل من غزة وأعبائها ، فمصلحة مصر أولا بالنسبة لأي حكومة مصرية حتى حكومة الإخوان المسلمين وبعدها يمكن النظر للجيران في غزة ، أما أن تصبح غزة عبئا على كاهل المصريين ويستمرئ الفلسطينيون الأمر فهذا سيكون مرفوضا وبالتالي سترفع مصر يدها من أي وساطات مستقبلية طالما أن تدخلها لا يفضي إلى حسم الأمور في غزة ما بين حماس وفتح في موضوع المصالحة من ناحية ، وبين حماس والفصائل الصغيرة التي تستمر بالإطلاق كنوع من المناكفة أو الضغط أو حتى لصالح جهات خارجية من ناحية أخرى .
إذن المرحلة الحالية والتي ما زال إطلاق الصواريخ فيها مستمرا بشكل متقطع والقصف الصهيوني أيضا فالتهدئة ولدت ميتة وسرعان ما ستتفجر الأمور ويحدث ما لا تحمد عقباه فهل تعتبر التنظيمات في غزة وتفكر فيما يريده المواطن الغزّي وما يطمح إليه من حياة ؟ أم أنها ستستمر في غيّها متناسية مصلحة المواطن والوطن وتكون العاقبة وخيمة على الجميع ؟
وأخيرا ، سؤال لإخوتنا في الجهاد الإسلامي الذي أعلن الانتصار ، أليس نجاح العدو في استهداف أربعة عشر شهيدا من مجاهدي سرايا القدس يعني خللا أمنيا يسترعي الانتباه والتفكير ملياً في أسباب ذلك ؟
أليست حياة الشهداء أهم من نجاح إطلاق الصاروخ ؟ ، الحفاظ على حياة المناضلين أنفع وأجدى من إلقاء أنفسهم بالتهلكة بسهولة وجعلهم لقمة سائغة لطائرات الاحتلال ، فالأرض بدون الإنسان الذي يعمرها لا قيمة لها .







اخر الافلام

.. توقيع اتفاقيات تعاون بين روسيا وسوريا


.. قناة العربية - البث المباشر


.. البرلمان الأوروبي ينتقد مصر حقوقيا ويشجب التعاون الأمني معها




.. الحصاد-الشيوخ الأميركي يدينه بالإجماع.. تضييق الخناق على بن


.. من واشنطن-مستقبل العلاقات الأميركية السعودية بعد قرارات مجلس