الحوار المتمدن - موبايل



البعث وما أدراك مع البعث ؟

سربست مصطفى رشيد اميدي

2012 / 3 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


تعود بدايات نشاط حزب البعث إلى نهاية أربعينيات القرن الماضي في سوريا، وبعد بضع سنوات برزت أولى خلايا البعث في العراق بواسطة الطلاب السوريين الدارسين في معهد إعداد المعلمين في بغداد، وكذلك بواسطة المعلمين والأساتذة السوريين في العراق. إن حزب البعث ومنذ تأسيسه سواء كان في سوريا أم في العراق كان حزبا مغامرا يحمل أفكار وتوجهات قومية متطرفة، وسياساته كانت فوضوية تعتمد على منهج الإقصاء والإلغاء، وإسكات الأصوات المخالفة حتى وان كانت عن طريق الاغتيالات. أما طريقه للوصول إلى السلطة فلم يكن يعتمد ويعترف بالأساليب الديمقراطية المتمثلة بالانتخاب والتداول السلمي للسلطة. لهذا وصل إلى السلطة عن طريق انقلاب 8 شباط سنة 1963 في العراق، وان الجرائم التي اقترفها البعث ورافقت الانقلاب لا تزال عالقة في أذهان العراقيين، حيث عمليات الاعتقال والتعذيب الهمجي لعشرات الآلاف وإعدام آخرين بالآلاف ومن ضمنهم عشرات ولربما مئات الضباط والجنود. وقد حولت العديد من المدارس والبنايات الحكومية إلى معتقلات عشوائية، وابتدع أساليب جديدة في التعذيب والموت البطيء والاستهتار بكافة الأعراف الإنسانية والاجتماعية. وقد وصلت سادية قادة الانقلاب أن رفض أحدهم تنفيذ حكم الإعدام بمجموعة من المعتقلين وكان أغلبهم عسكريون، لأن عددهم كان أقل بكثير من العدد الذي كان يرغب بتنفيذ حكم الإعدام بهم. أما التعامل مع القضية الكوردية فعلى الرغم من تأييد الحزب الديمقراطي الكوردستاني لانقلاب شباط، فقد كان رد الانقلابيين هي جولة أخرى من القتال وقصف قرى ومدن كوردستان بعد فترة من الانقلاب لمحاولة القضاء على الحركة الكوردية.
وبعد الانقلاب الثاني في 17 تموز سنة 1968للبعث في العراق، فإنهم جاؤوا برغبة جامحة للسيطرة على مقاليد الحكم والتشبث بها وعدم فسح أي مجال لزعزعة سيطرتهم على الحكم حسب تصورهم إلى الأبد. لذلك كانت سياسة النظام هي كتم الأصوات والاعتقال والاغتيالات السياسية سواء لأعضاء حزبهم أو لأعضاء أحزاب وتيارات سياسية أخرى. وقد كانت سياسة التعريب والتهجير والتبعيث ركنا ثابتا لدى نهج البعث في التعامل مع الشعب الكوردستاني، حتى بعد توقيع اتفاقية 11 آذار سنة 1970. وكان باكورة عمل البعث تجاه القيادة الكوردية هي محاولة اغتيال المرحوم مصطفى البارزاني الفاشلة، وبتعريب مناطق شاسعة من كوردستان، والبدء بمحاولة جديدة عبر تجديد العمليات العسكرية للقضاء على الحركة الكوردية سنة 1974- 1975، حيث لم يبق سلاح في جعبة الحكومة البعثية ولم تجرب في قصف مدن وقرى كوردستان الآمنة. وبعد نكسة 1975 قامت الحكومة بتهجير سكان مئات القرى الحدودية إلى مجمعات سكنية قسرية وتفجير مساكن القرويين. وبعد تجدد نشاطات قوى حركة التحرر الوطني الكوردستاني، ومن ثم بدأ الحرب المدمرة للنظام مع إيران، فلم تعد هنالك أية حدود لجرائم البعث تجاه الشعب العراقي عموما والشعب الكوردستاني خصوصا، حيث تم استخدام الأسلحة الكيماوية في العديد من المناطق أبرزها مدينة حلبجة الشهيدة، وتدمير أكثر من 4500 قرية كوردستانية، وقتل أكثر من 182 ألف إنسان بصورة جماعية خلال عمليات الأنفال سيئة الصيت. وأعتقد إن العراق يجب أن يدخل موسوعة (غينيس) للأرقام القياسية بعدد المقابر الجماعية فيه. إن نظام البعث لم يكن (عادلا) إلا في توزيع القمع والإرهاب بين جميع فئات وشرائح الشعب العراقي، ولو أن حصة كوردستان ومناطق الجنوب والفرات الأوسط كانت أعلى في ذلك من بقية المناطق. هذه الجرائم هي مجرد عناوين رئيسية للسجل الإجرامي للبعث العراقي، لان جرائمه تجاه الشعب العراقي لا يمكن أن تعد أو تحصى.
أما في سوريا فقد وصل البعث إلى الحكم أيضا بانقلاب 8 آذار سنة 1963، ولحد الآن لا زال يقبض على مقاليد الحكم فيها بالحديد والنار. إن نظام البعث في سوريا منذ وصوله للسلطة لم يكن يختلف كثيرا عن البعث في العراق بدمويته وجرائمه في داخل سوريا أو خارجها. ولو إن البعض يرى أن البعث السوري أقل إرهابا ودموية من البعث في العراق، خاصة بعد الانشقاقات العديدة للبعث في ستينيات القرن الماضي. حيث كان يوصف البعث السوري باليساري وشقيقه البعث العراقي باليميني، وكان لكل منهما منظمات تابعه له في عدد من البلدان العربية. فالنظام السوري يعتقل الآلاف لعشرات السنين ودون أن يخضع البعض منهم لمحاكمات، وان خضعوا لها فإنها محاكمات صورية ولا تتوفر فيها أدني معايير المحاكمات العادلة. أما عمليات التعذيب القاسية والممنهجة من قبل أزلام الأجهزة الأمنية السبعة عشر للنظام فتقشعر لها الأبدان. وجريمة النظام المروعة في حماه سنة 1982 بضربها بالأسلحة الثقيلة ومن ثم اقتحامها وقتل عشرات الآلاف معروفة للقاصي والداني، ولحد الآن لم يتم إجراء أي تحقيق بصددها حيث أنها تقع ضمن مفهوم جرائم الإبادة الجماعية. وكذلك جريمته في حرمان مئات آلاف الكورد من الجنسية السورية ، وقتل أزلام الأجهزة الأمنية للنظام للمتظاهرين في قامشلو والمدن ذات الأغلبية الكوردية سنة 2004. واقترف النظام جرائم كبيرة في لبنان ابتداء بالتدخل العسكري، وعمليات الاعتقال للشباب اللبنانيين والاغتيالات السياسية. وكذلك دور النظام السوري معروف في دعمه للإرهاب البعثي والتكفيري في العراق بعد 2003 التي راح ضحيتها مئات الآلاف من أبناء الشعب العراقي. ومنذ اندلاع انتفاضة الشعب السوري التي بدأت في مدينة درعا نتيجة رفض الجماهير لعمليات التعذيب الوحشية وقتل عدد من الأطفال والصبية من قبل أزلام النظام، نتيجة كتاباتهم شعارات مناوئة للنظام على الجدران. منذ آذار سنة 2011 فان النظام يقترف يوميا عشرات الجرائم ويقتل المدنيين من الرافضين لنظامه، وهو يقيم مهرجانات التعذيب للمواطنين وهي أحيانا تجري أمام الملأ وكثيرا ما تصل إلى حد الموت، ويقصف المدن بالأسلحة الثقيلة، ويقوم بقتل النساء والأطفال، وحتى جرت عمليات حرقهم، وتجري عمليات إعدام جماعية، واغتصاب النساء ومن ثم قتلهن، فمجازر النظام في مدينة (حمص) ومدينة (ادلب) وريفها التي تعرض بعض صفحاتها في وسائل الإعلام، تبرز للعالم مدى سادية وهمجية قادة البعث وعلى رأسهم الدكتاتور بشار الأسد. كل هذه الجرائم تثبت بلا شك إن القتل والإبادة والحكم الدكتاتوري ولو على أشلاء البشر هو راسخ في منهج البعث مهما تعددت تسمياته، فالبعث واحد سواء كان يمينيا أو يساريا ونتيجة أفعاله واحدة.
قد نسمع بين الحين والآخر خاصة من الشباب من يقارن الأوضاع الحالية في الإقليم مع فترة حكم البعث، وقد يصل بهم الأمر أن يفضل فترة حكم الدكتاتور السابق على الواقع الحالي. وعلى الرغم من فقدان العدالة الاجتماعية في التوزيع، وتدخل الأحزاب في عمل الحكومة، وتفشي الفساد في كثير من أجهزة ومؤسسات الحكومة، وعدم تطبيق القانون على الوجه الأكمل. لكن لا يمكن مقارنة أوضاعنا الحالية بأي شكل من الأشكال مع فترة نظام البعث وجرائمه ومجازره. فالعراق وخاصة كوردستان كانت عبارة عن سجن كبير يحتوي زنازين صغيرة، والكل كان مهددا في نفسه وماله وأهله وأصدقاءه ولا فرق بين مؤيد للنظام وبين معارض. وقد قلت لأحدهم باني لم أكن اعرف (وجع الرأس) في حياتي إلا بعد مشاهدتي لعملية إعدام ثلاثة شبان في ساحة عامة في منطقة (الصليخ) ببغداد في يوم نيساني سنة 1985، وكانت قد ألصقت بهم تم السرقة والاعتداء على النساء. وكانت النسوة تهلهل لدى عملية الإعدام، خاصة بعد قيام الضابط المكلف بقيادة فريق الإعدام برمي كل واحد منهم في رأسه بطلقة من مسدسه للتأكد من قتله. منذ ذلك اليوم هذا الوجع يلازمني، ولا أعتقد انه يوجد إنسان في العراق لم يمسه (وجع) من أفعال النظام البائد، فكل شخص لديه قصص وحكايات من عمليات القمع والإرهاب لذلك النظام.
أما الآن وبعد جرائم ومجازر النظام السوري خاصة في الفترة الأخيرة، فأقول لهؤلاء ومن لا يعرف البعث أو لم يعايش جرائمه، فليتابع جرائم الدكتاتور المدلل في سوريا ليعرف منهج وممارسة حزب البعث وحقيقته في الواقع وبعيدا عن شعاراته الجوفاء. ولكن نهاية البعث قريبة وبنهاية نظام بشار لن يبق لهذا الحزب وجود، وان نهايته لن تكون أفضل من نهاية ( صدام حسين) مهما طال الزمن. حيث قد يعيد النظام سيطرته الأمنية على مدن وقرى سوريا، كما فعل النظام العراقي بعد انتفاضة آذار سنة 1991، ولكن لا يمكنه السيطرة على عقول وقلوب السوريين بعد الآن وان حكم البعث في سوريا المستمر منذ خمسين سنة هو في مشهده الختامي .

تم الاستفادة من المصادر أدناه في كتابة المقال:
1- د. حامد محمود عيسى، القضية الكردية في العراق، مكتبة مدبولي، ط 1، سنة الطبع 2005، القاهرة .
2- حسن السعيد، نواطير الغرب، مؤسسة الوحدة للدراسات ، ط1، سنة الطبع 1992ـ بيروت.
3- حردان التكريتي، كنا عصابة من اللصوص والقتلة خلف ميليشيات صدام للإعدام، الزهراء للإعلام العربي، سنة الطبع 1990، القاهرة .
4- د. كاظم حبيب، لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكردي في كردستان العراق، دار اراس، ط2 ، سنة الطبع 2005، أربيل.
5- د. كمال أحمد مظهر، مذكرات فؤاد عارف، الجزء الأول، مطبعة خبات، ط1، سنة الطبع 1999، دهوك .
6- هاني الفكيكي، أوكار الهزيمة – تجربتي في حزب البعث العراقي، مؤسسة المنارة، ط2، سنة الطبع 1993، لندن.







اخر الافلام

.. هاربون من الباغوز: الفقر والجوع يضرب داعش


.. الجزائر.. أحزاب التحالف الرئاسي متمسكة بترشح بوتفليقة رغم ال


.. بعد اتصال مع أردوغان.. ترامب يقرر إبقاء قوات بسوريا




.. هل يقنع السودانيون برحيل الحكومة وبقاء البشير؟


.. الحصاد- واشنطن بين البقاء في سوريا والانسحاب التدريجي