الحوار المتمدن - موبايل



رؤية مستقبلية حول واقع وأفاق العلاقات الاقتصادية العراقية مع المؤسسات الدولية

نجم الدليمي

2012 / 4 / 18
السياسة والعلاقات الدولية


مقدمة
إن اشتداد الصراع السياسي و الاقتصادي – الاجتماعي الدائر اليوم في العراق بين مختلف القوى السياسية العراقية يكمن جوهره الرئيس حول طبيعة ومستقبل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق. وفي هذا الصراع تتفاعل العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية والمتمثلة بالقوى الإقليمية والدولية والمؤسسات الدولية، وان الشيء المميز في عملية تحديد الأفاق المستقبلية للنظام السياسي في العراق هو إن العامل الخارجي أصبح المؤثر والموجه الرئيس في تحريك العامل الداخلي وفقا لمصالح القوى الخارجية المتصارعة وفي مقدمتها المؤسسات الدولية .
أولا : اثر سياسة المؤسسات الدولية على العلاقات الاقتصادية في البلدان النامية
شكلت المؤسسات الدولية ومنها صندوق النقد والبنك الدوليين ظاهرة موضوعية ميزت القرن العشرين ، ولعبت الولايات المتحدة الأمريكية الدور الرئيس في تأسيس هذه المؤسسات الدولية وتوجيه عملها وبما يخدم ويعزز دور ومكانة الاقتصاد الرأسمالي العالمي بشكل عام والاقتصاد الرأسمالي الأمريكي بشكل خاص، من اجل إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد في ظل مرحلة الامبريالية .
يلاحظ هناك تناقض واضح بين الأهداف المعلنة والأهداف الحقيقية / الفعلية لنشاط وعمل هذه المؤسسات ، فالأهداف المعلنة لهذه المؤسسات الدولية تتمثل في الأتي :
العمل على مكافحة الفقر والبطالة وتقديم القروض ، وتحقيق النمو الاقتصادي وتحقيق الاستقرار في أسعار الصرف ، ومعالجة العجوزات المالية في الميزانية والميزان التجاري ... وغيرها من الأهداف .
إن واقع الحال بالنسبة لسياسة الثالوث غير المقدس ( صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي ، منظمة التجارة العالمية ) قد اثبت حقيقة موضوعية إلا وهي فشل هذه المؤسسات الدولية في اغلب الأهداف المعلنة ، فعلى سبيل المثال يلاحظ في البلدان النامية تنامي معدلات البطالة والفقر ، وتدني المستوى ألمعاشي للغالبية العظمى للمواطنين ، وتزايد المديونية على الصعيدين الداخلي والخارجي، واستمرار حالات العجز المالي وتعمق الفجوة الاقتصادية – الاجتماعية على صعيد كل دولة وعلى الصعيد العالمي، والتكرار المستمر للازمات الاقتصادية والمالية والنقدية وانعكاساتها السلبية على الشعوب الفقيرة. إن سياسة صندوق النقد والبنك الدوليين، هي سياسة ذو محتوى طبقي وإيديولوجي، هي سياسة منحازة لصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة سواء كان في بلدان المركز أو في بلدان الإطراف ، وتنظر الإدارة الأمريكية إلى المؤسسات الدولية بوصفها أدوات سياسية واقتصادية وإيديولوجية تستخدمها لتحقيق أهدافها الخارجية وهي أيضا تعتبر أدوات للهيمنة والرقابة الاقتصادية والمالية والنقدية على البلدان النامية ورابطة الدول المستقلة ( جمهوريات الاتحاد السوفيتي) ودول أوربا الشرقية من اجل تنفيذ سياسات مايسمى بالإصلاح الاقتصادي، أذ تسعى المؤسسات الدولية ومن خلال استخدامها للقوة الاقتصادية والمالية والضغط السياسي والعسكري، ومن خلال( حلفائها ) و( أصدقاؤها ) في بلدان أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ومن أصحاب النفوذ والقرار السياسي والاقتصادي المؤثر من تطبيق سياسة ( الإصلاح الاقتصادي ) ذو النزعة والتوجه الرأسمالي وفرض أنموذجا تنمويا خاصا تم إعداده من قبل خبراء هذه المؤسسات الدولية ونعتقد إن هذا النموذج لاينسجم ومصالح الغالبية العظمى من فقراء البلدان النامية .

يشير ريتشارد بيت حول وضع السياسات الاقتصادية في البلدان النامية إلى إن فئة (( من العلماء الاقتصاديين في هذه البلدان ممن تدربوا في الغرب وطبقوا تحليلاً معيارياً تقليدياً وتسنموا مناصب وزارية هم الذين ادخلوا في الغالب إصلاحات سياسية – اقتصادية ضخمة بخصوص كبح دور الدولة وزيادة الاعتماد على آليات السوق )).
إن الجوهر الرئيس لوصفة المؤسسات الدولية التي اعتمدت في البلدان النامية يكمن في :
تحرير الأسعار والتجارة ، وتنفيذ برنامج الخصخصة ، وتقليص ثم إبعاد دور الدولة الاقتصادي – الاجتماعي ، تقليص ثم إلغاء الدعم المادي للقطاعات الإنتاجية وخاصة الزراعة والصناعة وتخفيض الأجور وإلغاء مجانية التعليم والعلاج ، والعمل على تعزيز دور ومكانة القطاع الخاص الرأسمالي في البلدان النامية .
إن هذه الوصفة ((السحرية )) مفروضة على البلدان النامية وهي تحمل طابعا سياسيا واقتصاديا وإيديولوجيا ، وهي منحازة لصالح الطبقة الرأسمالية في هذه البلدان، لذا فأن الهدف الرئيس للمؤسسات الدولية في علاقاتها مع البلدان النامية أوغيرها يكمن في فرض الهيمنة الايديولوجية، أي تصدير الرأسمالية كنموذج سياسي واقتصادي_ أجنماعي للخارج، والهيمنة الاقتصادية، أي تحويل البلدان النامية الى بلدان مصدرة لاهم الموارد الطبيعية(نفط غاز....) وسوقاً لتصريف الانتاج ((الفائض)) وفرض الهيمنة السياسية، أي تسعى الولايات المتحدة الامريكية وعبر وسائلها السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية من السيطرة على العالم وقيادته.
ثانياً: خصائص الاقتصاد العراقي وبعض نتائج سياسة الاصلاح الاقتصادي
منذ ثورة14 تموز 1958 ولغاية اليوم، كان ولايزال الاقتصاد العراقي في شكله ومضمونه أقتصاداً رأسمالياً تابعا ومتخلفاً وشديد الارتباط بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، وان العلاقات الانتاجية الرأسمالية هي السائدة في الاقتصاد العراقي.
أن اهم مايتميز به الاقتصاد العراقي هو أنه اقتصاد ريعياً واحادي الجانب، فأيرادات النفط تشكل اكثر من 90% من ايرادات الميزانية، وفي الصادرات أكثر من 93% ، وكما يتميز الاقتصاد في الاختلال في البنية الهيكلية وهذا يتجلى في ضعف مساهمة القطاعات الانتاجية في الناتج المحلي الاجمالي ففي عام 2009 ، بلغت نسبة مساهمة الزراعة 3% والصناعة 1% في الناتج المحلي الاجمالي، ولنفس العام بلغت قيمة الصادرات غير النفطية بـ 300 مليون دولار ، اما أجمالي قيمة الاستيرادات (سلع غذائية وقود...) فبلغت 38،5 مليار دولار، وفي العام 2010 زادت قيمة الاستيرادات الى 44 مليار دولار ولايزال هذا الاتجاه في تزايد مستمر وبنفس الوقت يلاحظ أن التخصيصات المالية للقطاع الزراعي لعام 2011 بلغت 3% والصناعة بـ 1،5%، في حين بلغت تخصيصات وزارة الدفاع والداخلية... بنسبة 15% من مجموع التخصيصات المالية!!. أن تطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي المفروضة على شعوب البلدان النامية ومنها العراق قد افرزت أخطار حقيقية على الاقتصاد والمجتمع العراقي وفي مقدمة هذه الإخطار هي تفشي ظاهرة الفساد المالي والاداري وبشكل مرعب وتنامي معدلات الفقر والبطالة وتدهور القطاعات الانتاجية وخاصة الزراعة والصناعة ، وتنامي خطر البيروقراطية الإدارية والطفيليين والسماسرة أي قوى اقتصاد الظل وتعمق الهوة الاقتصادية والاجتماعية بشكل كبير جداً فاصبحت ملامح عملية الفرز الطبقي في المجتمع العراقي واضحة التكوين والمعالم فالحيتان والديناصورات المالية بدأت تظهر وترفع رأسها من اجل الاستحواذ الاكبر على المال والسلطة.
وحسب تقديرات البنك الدولي تبلغ نسبة البطالة في العراق39% ،وفي اوساط الشباب التي تتراوح اعمارهم مابين 15- 29 فتبلغ 57% ، اما فبما يتعلق بوضع الاطفال فالوضع مأساوي بدليل يوجد 3,5 مليون طفل يعيشون تحت مستوى خط الفقر، و 1,5 مليون طفل يعانون من سوء التغذية ومايقارب من مليون طفل معوق، ومابين 4-5 مليون طفل يتيم ، وان أي نظام لايرعى ويهتم بالاطفال ليس له مستقبل أذ يوجد اكثر من مليون امرأة أرملة، وارتفاع حالات الطلاق ولاسباب أقتصادية بالدرجة الاولى، ناهيك عن وجود ظاهرة خطيرة ألا وهي بيع الاطفال وتفشي الامراض وخاصة الامراض السرطانية والايدز وارتفاع نسبة التشوهات بسب أستخدام قوات الاحتلال الامريكي للفسفور الابيض في حربها على البلاد مما أثر بشكل مباشر على الامهات الحوامل والاطفال الرضع، وان مانسبته40 الى 50% من حالات الاجهاض بين النساء ناتجة عن تشوهات خلقية في الجنين، وكما أكدت وزارة البيئة العراقية أن اكثر من 70% من التشوهات التي تحصل ناتجة عن الاشعاعات المنبعثة من المخلفات الحربية وظهر العديد من الولادات المشوهة منها الطفل الضفدعي، والطفل الحلقومي، وتشوهات في الاطراف السفلى والعليا والعمود الفقري وتشوهات في القلب، ناهيك عن ظاهرة التسول والتشرد والانحرافات السلوكية لدى الاطفال ، وكما يوجد أكثر من 4,5 مليون من المهاجرين خارج البلاد ووجود 2,5 مليون مهاجر داخل البلد.
وكما يلاحظ ايضاً وبسبب تطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي، اذ ساعد هذا النهج على تنامي معدلات الفقر والامراض، أذ تبلغ نسبة الفقر مابين 40- 43% في المجتمع ، و60% من المواطنين يعانون من أمراض مختلفة، وان نسبة 28% من الاطفال يعانون من سوء التغذية ووجود 4 مليون مواطن عراقي يعانون من انعدام الامن الغذائي، اضافة الى ذلك وجود 8 مليون مواطن أمي أي مانسبته 26% من مجموع السكان ، ويرافق ذلك سوء نظام الحماية الاجتماعية واستمرار وتفاقم مشكلة الخدمات وفي مقدمتها مشكلة الكهرباء والتي صرفت عليها مبالغ فلكية خلال الفترة 2004-2010 أذ بلغ الانفاق على هذة المشكلة بـ 27مليار دولار او اكثر من ذلك؟! هذه هي بعض الافرازات الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت بسبب تطبيق وصفة المؤسسات الدولية.
ثالثاً: رؤية مستقبلية لواقع الاقتصاد العراقي وعلاقته بالمؤسسات الدولية:
تكمن الرؤية المستقبلية لواقع وافاق تطور الاقتصاد والمجتمع العراقي من خلال الدراسة والتحليل الموضوعي والعلمي لنتائج السياسة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع خلال فترة ماقبل عام 2003 ، ومابعد ذلك ولغاية اليوم من اجل أستخلاص الاستنتاجات والمقترحات العلمية والموضوعية وبما يخدم الاقتصاد والمجتمع العراقي.
أ-الاستنتاجات:
1-ان الحكومة العراقية تحتاج الى وضع ركائز خطة أستراتيجية واضحة الاهداف والمعالم من أجل الخروج من الازمة العامة، وهذا يتطلب صياغة مشروع وطني وديمقراطي يعتمد على مؤسسات وطنية كفوءة ومخلصة تشارك في أعداد ذلك جميع الاحزاب السياسية العراقية والمنظمات الجماهيرية، وبدون تحقيق الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي لايمكن الحديث عن تطور الاقتصاد الوطني ولاعن الديمقراطية ولاعن تحقيق العدالة الاجتماعية.
2- أن غالبية الاحزاب السياسية تفتقد الى رؤية استراتيجية أقتصادية – أجتماعية واضحة المعالم والاهداف، وان القرار السياسي هو الموجه والمقيد للقرار الاقتصادي ومن هنا تنشأ الازمة،ناهيك عن غياب أسس الثقة المتبادلة بين قيادات الاحزاب المتنفذة في الحكم.
3-لاتنمية اقتصادية- اجتماعية حقيقية من دون حل جذري لمشكلة الكهرباء، وان تحقيق الديمقراطية الشعبية وقيام السلطة الشعبية مضافاّ لها الكهرباء ستحصل على مجتمع يتمتع بالحرية والرفاهية والسعادة والخير.
4- كلما التزمت الحكومة بتنفيذ توصيات المؤسسات الدولية من خلال تطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي وخاصة تنفيذ برنامج الخصخصة، فهي ليست الحل، بل ان هذة التوصيات ساعدت وتساعد على تنامي معدلات الفقر والبطالة وتعمق الفجوة الاقتصادية- الاجتماعية لصالح فئة قليلة في المجتمع...، أن هذا يؤدي الى تفاقم واشتداد حدة الصراع الطبقي في المجتمع.
5- لايمكن بناء دولة المؤسسات الدستورية في ظل هيمنة ((مبدأ)) المحاصصة الطائفي/ السياسي المقيت، وتفشي الفساد المالي وضعف في الاداء الحكومي والرقابة الشعبية وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي ظل تنامي ظاهرة الفقر والبطالة ونقص كبير في الخدمات.
ب-المقترحات:
1- ينبغي قيام حكومة مركزية قوية ومهنية عادلة وكفوءة ومخلصة، مع تحديد فترة انتقالية تتراوح مابين 10-15 سنة، مع وضع استراتيجية تشمل كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية واضحة الاهداف ونابعة من واقع وحاجة الاقتصاد والمجتمع العراقي وان يكون هدفها الرئيس هو الانسان.
2- الاقرار بتعدد الانماط الاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية، وان يلعب قطاع الدولة الدور الرئيس في التوجيه والتنظيم لفاعلية ودور هذة الانماط الاقتصادية.
3- عدم الاخذ والالتزام بوصفة صندوق النقد البنك الدوليين،لانها وصفة كارثية لاتخدم مصالح الغالبية العظمى من الشعب، لانها مؤدجلة تخدم مصالح فئة قليلة من المجتمع.
4- ينبغي تعزيز دور ومكانة الدولة في الحياة الاقتصادية والاجنماعية، واعطاء الاولوية لتطوير قطاعي الزراعة والصناعة من اجل خلق الانتاج المادي وتقليل التبعية للخارج، وان معالجة البطالة جذرياً لايمكن تحقيقها الا من خلال تطوير قطاع الزراعة والصناعة والاسكان.
5- يجب تعزيز دور الرقابة الشعبية الحقيقية على عمل ونشاط السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية من اجل تعزيز وتطوير أداء وعمل هذه السلطات.
6- من الضروري أقامة علاقات اقتصادية مع المؤسسات الدولية تقوم على أساس تحقيق المنافع والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.







اخر الافلام

.. خاص | أحلام الرياضيين تواجه #إرهاب #طالبان


.. 29-4-2017 | عمرها 37 عاماً وتنجب 38 طفلاً.. وعناوين أخرى في


.. آليات أميركية تصل الحدود التركية السورية.. للمراقبة




.. 29-4-2017 | موجز التاسعة صباحاً لأهم الأخبار من #تلفزيون_الآ


.. النشرة الجوية الأولى 29/4/2017