الحوار المتمدن - موبايل



روسيا: عودة الرئيس القديم الجديد

حبيب فوعاني

2012 / 5 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


تثير عودة فلاديمير بوتين إلى الكرملين موجة من الهستيريا في الغرب، ولذا قامت الرؤوس الحامية في واشنطن بكل ما في وسعها لمحاولة الحؤول دون هذه العودة، حين جهدت في روسيا لتكرار السيناريوهات، التي جرت في أوكرانيا وقرغيزستان وجورجيا، حيث أُطلقت ثورات البرتقال والخزامى والورود بعد اتهامات بتزوير الانتخابات، وخرج الناس في هذه البلدان إلى الشوارع في تظاهرات جيء بنتيجتها برؤساء موالين للغرب.
وعلى الصعيد الروسي، أصبح التشكيك في نزاهة ونتائج الانتخابات النيابية، التي جرت في الرابع من كانون الأول/ديسمبر الماضي، نقطة الانطلاق لتشويه صورة بوتين، وتنظيم تظاهرات احتجاج في موسكو في 10 كانون الأول ديسمبر الماضي. وكان تضخيم وسائل الإعلام "اللبرالية" الروسية والغربية حجم هذه التظاهرات يجب أن يوحي بوجود سخط عام بين المواطنين ويمهد التربة لاتهام القيادة الروسية بتزوير شامل للانتخابات الرئاسية اللاحقة، التي جرت في مارس آذار الماضي.
وعلى الرغم من تقليل الرئيس الروسي دميتري مدفيديف من حجم التدخل الأمريكي في حفز الاحتجاجات، التي تنظم بين الحين والآخر في المناطق الروسية المختلفة، فلا ريب في أن الغرب كانت له اليد الطولى في تنظيم تظاهرات أبناء العاصمة الروسية، المتخمين والمتلفعين بمعاطف الفرو الغالية الثمن، في ساحة بولوتنايا أو "المستنقع" في موسكو كما يحلو للبعض تسميتها. ومن الواضح أن الغرب، الذي عصفت به الأزمة المالية الاقتصادية يحاول وسيحاول زعزعة استقرار روسيا، التي استطاعت تجاوز هذه الأزمة بأقل الخسائر، وجرها إلى الفوضى.
وقد تم اكتشاف مخطط جدي لاغتيال بوتين أو إحدى الشخصيات السياسية الروسية المعارضة لاتهام الكرملين بذلك وقلقلة الوضع في روسيا كما حدث في لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري.
لكن الانتخابات الرئاسية، التي جرت تحت مراقبة كاميرات الفيديو، والتظاهرات الضخمة المؤيدة لبوتين أوقعت ناشري الديمقراطية الغربيين في مأزق، ولم يبق في أيديهم سوى إطلاق التصريحات الرنانة والحملات الصحفية الطنانة.. وفي هذا الإطار، كان تحذير جون ماكين لبوتين من ربيع عربي في روسيا، ووصف المرشح الجمهوري الرئاسي الأميركي ميت رومني روسيا بأنها العدو الأول لبلاده، بينما تجري أبلسة صورة بوتين على قدم وساق في الصحافة الغربية، فهو عدو الديمقراطية وحرية الكلمة وصنيعة الكي جي بي وقاتل الصحفيين وراعي الفساد إلخ..
وعلى العكس من ذلك، كان الصحافيون الأمريكيون منذ عام 1990 يرحبون بكل ما كانت تتفتق عنه قريحة "القيصر" بوريس يلتسين، حتى عندما حل البرلمان المنتخب وقصفه بالدبابات عام 1993، وشن حربه على الشيشان عام 1994.. كل ذلك كان يسميه صحافيو "العالم الحر" مثالا للديمقراطية المبتغاة.
ولم تلاحظ الصحافة الأميركية الفساد، الذي كانت انطلاقته الكبرى في عهد الرئيس الروسي الأول مطلع التسعينيات، عندما بدأ نهب أموال الدولة وأملاكها تحت ستار الخصخصة من قبل شرذمة من القطط السمان، وكذلك استغلال السلطة في سبيل الإثراء السريع وغير المشروع بدءا من موسكو وانتهاء بآخر مقاطعة في روسيا.. من الوزراء والنواب إلى البوابين.
لم يعر الصحافيون الأميركيون اهتماما لعدم دفع مرتبات الموظفين ومعاشات التقاعد، وكذلك لانهيار نظم الضمان الاجتماعي، الذي حول الناس إلى معدمين. فقد اعتبرت كل هذه الموبقات أمرا طبيعيا لروسيا الجديدة في مرحلتها الانتقالية للعبور إلى فردوس اقتصاد السوق الحرة. وكان يلتسين في نظر هؤلاء مصلحا ديمقراطيا لا بديل عنه، رغم أنه أحاط نفسه باللصوص والأفاقين، كما يقال اليوم عن حزب "روسيا الموحدة" الحاكم.
بيد أن الوقائع تشير إلى أن عدد الصحفيين، الذين اغتيلوا في عهد يلتسين، كان أكبر من عدد أمثالهم في عهد رئاسة بوتين الأولى وأكثر جلجلة. ويكفي تذكّر أول ضحية منهم وهو دميتري خولودوف، الذي كان يتقصى حيثيات التجارة غير المشروعة للأسلحة في وزارة الدفاع، وتم تفجيره في مقر صحيفته "موسكوفسكي كومسوموليتس"، وكذلك الإعلامي التلفزيوني الشهير فلاديسلاف ليستييف، الذي قتل عام 1995، وراجت شائعات حول دور طفل بريطانيا المدلل رجل الأعمال الروسي الهارب بوريس بيريزوفسكي في تدبير اغتياله.
هذا، ولو استمعتم إلى إذاعة "صدى موسكو"، التي تهاجم بوتين صباح مساء، أو قرأتم صحيفة "كوميرسانت" الغربية الهوى لعرفتم حجم "التدليل"، الذي تحظى به الصحافة "اللبرالية" في روسيا.
كذلك من السخف اتهام بوتين بأنه كان على علم بقتل ضابط الكي جي بي السابق ألكسندر ليتفينينكو رغم غياب الأدلة على ذلك، فضلا عن الدافع إلى قتله وبهذه الطريقة الغبية. في حين أن أجهزة الأمن البريطانية تمتنع حتى الآن عن نشر نتائج تشريح جثة ليتفينينكو، بل لا توجد دلائل على أنه قتل. وأظهر جهاز بريطاني لكشف الكذب في موسكو أن أندريه لوغوفوي ضابط الكي جي بي السابق، الذي يتهمه البريطانيون بتدبير اغتياله، لم يشارك بقتله ولم يسع له.
غير أنه في عهد بوتين بالذات استؤنف دفع الرواتب للموظفين ومعاشات التقاعد للمسنين وارتفع مستوى دخول المواطنين ومدخراتهم ورخائهم.. وبعثت روسيا من الرماد وأعيد إليها الاستقرار. ورمز هذا الاستقرار هو، من تشيطنه وسائل الإعلام الغربية وتصوره كمعاد للغرب والقيم الغربية.
لكن كل "الإيجابيات" التي تُوج بها عهد المهرج المتهور يلتسين تحولت في السنوات العشر الأخيرة إلى "سلبيات" لبوتين، حيث يقال الآن إن روسيا تراجعت عن الديمقراطية، ولكن عن أي ديمقراطية يمكن التراجع؟ عن تزوير الانتخابات الرئاسية عام 1993، حين لم يكن مؤشر شعبية يلتسين يتعدى 3%؟ في حين أن بوتين نال أكثر من 60% من أصوات الناخبين في انتخابات ديمقراطية نزيهة، ما جعل الدموع تترقرق في عينيه أمام حشود مؤيديه.
ولعل السبب في العداء الإعلامي الغربي لبوتين يكمن في السياسة المستقلة، التي انتهجها بوتين خلال رئاسته الأولى في العلاقات الدولية، ولاسيما أن عودة الرئيس القديم الجديد إلى الكرملين تحمل في طياتها تحديا لواشنطن.
فالعلاقات الجيدة بين روسيا والدول الصاعدة من مجموعة "بريكس"، وهي إضافة إلى روسيا - البرازيل والهند والصين وجنوب إفريقيا - تهيئ المقدمات لتشكيل عالم متعدد الأقطاب. وهو ما تحاول الولايات المتحدة تحاشيه بكل طريقة.
وعلاوة على ذلك، فإن تعزز نفوذ منظمات مثل "بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون "شوس" وغيرهما يجب أن يؤدي حتما إلى تعزيز دور الأمم المتحدة كحكم دولي في أي نزاعات محتملة في العالم، وقد كان الفيتو الروسي الصيني المزدوج في مجلس الأمن بشأن الملف السوري خير برهان على ذلك.
كتب زبيغنيو بريجنسكي أن الولايات المتحدة ستصطدم عاجلا أم آجلا في أوراسيا مع ائتلاف روسي – إيراني - هندي. وهدف واشنطن كان دائما الحؤول دون اتحاد هذه الدول القادرة على تحدي المصالح الأميركية. غير أن العلاقات الروسية -الإيرانية وصلت إلى أوجها في عهد رئاسة بوتين. ويتوقع المحللون استئناف التعاون بين البلدين بعد عودة بوتين إلى سدة الرئاسة بحجمه الكامل. وهذه الحيثية بالذات تثير الصداع للساسة الأميركيين، الذين لا يملكون وسائل ضغط على طهران غير الوسائل العسكرية. وعلاوة على ذلك، فإن روسيا لن تسمح باستخدام مجلس الأمن الدولي كغطاء للتدخل في سوريا. ولذا قام الغرب وإسرائيل بمحاولات فاشلة لتسوية الملفين الإيراني والسوري قبل عودة بوتين.
هذا، وقد عول الغرب كثيرا على مدفيديف، الذي يقول مصدر موثوق إنه كان وراء قرار الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن عند اتخاذ القرار 1973 لحماية المدنيين في ليبيا، وقام الغرب بمحاولات فاشلة لدق إسفين بينه وبين بوتين. ما أظهر أن صانعي القرار الغربيين لا يضعون أيديهم على نبض السياسة الروسية. وما زالت بعض الأوساط الأميركية تعول على أشخاص لا طعم لهم ولا لون ولا رائحة في صناعة القرار الروسي مثل المبعوث الرئاسي رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الاتحاد (الشيوخ) ميخائيل مرغيلوف.
فقد بعث فريدريك هوف، المنسق الخاص للشؤون الإقليمية في مكتب المبعوث الخاص للسلام في الشرق الأوسط التابع لوزارة الخارجية الأميركية، في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، برسالة إلى رئيس "المجلس الوطني السوري" برهان غليون والمتحدثة باسم المجلس بسمة قضماني، يقترح عليهما فيها الآتي: "يجب عليكما أن تلتقيا ميخائيل مرغيلوف". في هذه الرسالة، يقدم هوف نصيحة إلى غليون وقضماني، بشأن رجل روسيا الأقرب إلى السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، والأقرب كذلك إلى قوى المعارضة السورية.
لكن رجل روسيا القوي فلاديمير بوتين سيواصل نهجه الأول بعد عودته إلى الكرملين وسيصر على إيجاد توازن عادل للمصالح بين مكونات المجتمع الدولي وعلى إنعاش تعددية الأقطاب. وهذه المقاربة هي بالذات تثير استياء واشنطن، التي أصبحت تعتبر العالم كله مجالا حيويا لمصالحها.







اخر الافلام

.. رئيس الوزراء اللبناني المستقيل يصل إلى الإليزيه لإجراء محادث


.. ماكرون يستقبل الحريري بقصر الإليزيه السبت بصفته -رئيسا لوزرا


.. القضاء البلجيكي يؤجل قراره بشأن تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة




.. سوريا: 26 قتيلا على الأقل في تفجير سيارة مفخخة استهدف تجمعا


.. هل سيشارك سعد الحريري باحتفالات عيد الاستقلال في بيروت؟