الحوار المتمدن - موبايل



الصحافة الثورية

كريس هارمان

2018 / 11 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


إذا رغب الناس في السخرية من الاشتراكيين الثوريين، يضحكون عادة من جهدنا المبذول في إنتاج وتوزيع وبيع جرائدنا. يصورنا التراث الكاريكاتيري في شكل مخبول هائج رث الثياب يمسك لفافات الجرائد التي لايريد أحد شرائها. وهي صورة الثوريين السابقين، الذين يحققون الآن تقدما مهنيا مربحا، من النوع الذي تفضل السياسة المهذبة تشجيعه. وبإمكانهم مقارنة “نفوذهم” الحالي، وهم جالسون في اللجان البرلمانية إو مجالس إدارة الحدائق البلدية، مع ماضيهم الذي تبدد بينما يقفون أمام بوابات المصانع عاجزون عن بيع أحد الجرائد الأسبوعية أو غيرها.

ولا عجب أن يقع الاشتراكيون أنفسهم في التأثر بهذه الرؤى بسهولة. فقد تصيبهم الأحاسيس نفسها التي شعر بها هيندمان، مؤسس أول منظمة ماركسية في بريطانيا، الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي. وبعد 28 عاما من إصدار جريدته جستيك (أو العدالة) امكنه الاعتراف برأيه فيها على هذا النحو:

أوراق للدعاية البحتة، تتناول القضايا التي لا يرغب أغلب البشر الإطلاع عليها… علينا بذل مجهود أكبر حتى تتوسع ماليتنا، ونبدي حماسا ببعض الاتجاهات الأخرى. كانت إحدى الاخطاء القاتلة التي لم يمكن تداركها، وتولد بخصوصها نوعا من الهوس بالعناد.

ولن نجتاز حد السوقية إذا تمادينا في تشويه مشروع إصدار وبيع الجريدة مثلما فعل هيندمان. ولكن الشيء المبتذل تماما، أن يشعر الثوريون كأفراد، أوحتى منظمات بمجملها، أن هناك طرقا أسهل لتوسيع مدى التأثير- سواء من خلال تناسي أمر الجريدة فعليا عند اكتساب بعض المواقع في الحركة العمالية، أو التوقف عن توزيع النشرات المجانية، أو محاولة الوصول إلى الجمهور الأقرب منالا عبر التسلل إلى وسائل الإعلام القائمة (سواء كانت محطة الإذاعة المحلية أو نيو ميوزيكال إكسبرس).

وهذا رغم إننا عند الحديث عن كبار الاشتراكيين الثوريين، ترد إلى ذهننا أسماءهم مربوطة عادة بالجرائد التي كانوا يصدرونها. ماركس مع جريدة “نوي رينيشه زيتونج” أو الجريدة الرينانية الجديدة، ولينين مع “ايسكرا” أو الشرارة، و”برافدا” أو الحقيقة، وجرامشي مع “اوردين نوفو” أو النظام الجديد، وجيمس كونولي مع “ذي وركرز ريبابلك” أو سلطة العمال، وتروتسكي مع “ناشا سلوفو” أو لدينا كلمة، وروزا لوكسمبرح مع “روته فانه” او العلم الأحمر.

ويحدث الارتباط بين القائد الثوري والجريدة الثورية، عندما يكون الثوريون مهمومين بتعزيز النضالات الجماهيرية بالذات. ولا يحدث مع من يفهمون التغيير باعتباره نتيجة لقيام أقلية صغيرة محدودة بأعمال بطولية لصالح الأغلبية. ولذلك لا يتردد الحديث عن جريدة كرونويل أو روبنشتين أو باكنين جاريبالدي أو تشي جيفارا. وحتى هؤلاء الثوريون البرجوازيون الذين يعتمدون على الحركة الجماهيرية في تحقيق اهدافهم، ينبغي عليهم أن يكون لديهم جريدة. ففي الثورة الفرنسية العظمية، لم يكن مارا قادرا على تحقيق ما له من شأن دون جريدته “لامي دي بيبل” أو صديق الشعب، ولا هيبير دون “بير دوتشيسن” أو الأب دوتشيسن.

فالأمر ليس مسألة صدفة، إذ تنبع أهمية الجريدة المحورية تحديدا، من استهدافها كسب تأييد الجماهير للثورة.

تنطوي اي ثورة حقيقية، على إحداث قطع بين الجماهير الشعبية والأفكار العامة التي نشأت عليها، وينتهج الناس طرقا جديدة في رؤية العالم ودورهم فيه على السواء. يبدأ الثوريون عادة كأقلية تحاول نشر رؤية جديدة عن العالم. ويستغرق هذا فترات طويلة من الزمن، ليس فقط بسبب عداء الطبقة الحاكمة القديمة، ولكن أيضا لعدم اكتراث كثيرين من اعضاء الطبقة المقهورة. لا يمكن تجنب فترة غياب الشعبية هذه، إذ تهيمن الطبقة الحاكمة أيديولوجيا في أي مجتمع. وتشكل أفكارها بالفعل الأفكار السائدة فيه.

لن يبدأ الثوريون في كسب معركة الأفكار هذه، إلا إذا وجدوا طريقة للتواصل مع خبرات الجماهير “العادية” أو الشعب “غير المسيس”. عليهم أن يكونوا قادرين على توضيح أن الرؤية الثورية للعالم تتلائم مع بعض هذه الخبرات على الأقل، بصورة أفضل من الإيديولوجية السائدة.

ولكن الثورييين لا يهتموا فقط بكسب الناس إلى الأفكار الجديدة. بل عليهم أيضا الاهتمام بجذب الناس إلى التحرك على أساس تلك الأفكار، وليس عليهم فقط إبراز ما هو خطأ، ولكن أيضا، وقبل أي شي، ما العمل.

يمكن للتيار الثوري النجاح في أي مرحلة من مراحل تطوره، إذا استطاع فقط إيجاد بعض الوسائل لعمل صلات بين المبادئ والخبرة ومهام اللحظة.

ولايمكن الاستغناء إطلاقا عن الجريدة الثورية، لأنها آلية لخلق العلاقات، وسد الفجوة بين النظرية والتطبيق. وكما قال ارنست جونز، زعيم الشارتيين، حينما كان يحاول جمع اشلاء أول حركة عمالية عظيمة في بداية خمسينيات القرن التاسع عشر: “ أول متطلبات الحركة وأكثرها جوهرية، أن يكون لها جريدة تسجل وقائعها، ومن خلال الجريدة تتمكن الحركة من تحقيق التواصل بين أعضاءها، وممارسة دعايتها وتحريضها، وحماية نفسها، وتحقيق الانتشار. إنها العماد الأساسي للنقابة، حاملة الراية وأداة الحوار. ومعها، تصبح الحركة قادرة على امتلاك عقلها وتفكيرها الخاص، وسط دوامة الأحزاب، والمحافظة على عناصرها المتنوعة معا“.

وأشار لينين قبلها بنصف قرن في مقالته بما نبدأ، وكراسه؛ ما العمل: “

الجريدة ليست فقط أداة للدعاية والتحريض الجماعيين. بل أداة للتنظيم أيضا. وربما تجوز مقارنتها مع سقالة منصوبة حول مبنى تحت الإنشاء… المنظمة التي تتشكل حول تلك الجريدة تكون جاهزة لكل شيء، من إعلان شعارات الحزب، ومد نفوذه، وضمان استمراريته في فترات الإحباط الثوري الحادة، استعدادا للانتفاض المسلح على المستوى القومي.

نندهش من عدد مرات الاستشهاد بكتاب “ما العمل” دون إشارة إلى حقيقة أن أكثر من نصفه كان مكرسا للإلحاح على قضية الجريدة الثورية!

ولكن مجرد إصدار جريدة ليس كافيا في حد ذاته لسد الفجوة بين المبادئ والممارسة بشكل صحيح. بل لابد أن تخلق الجريدة علاقات صحيحة بين المبادئ والخبرات والتكتيكات الخاصة باللحظة. وهو الأمر الذي يتغير بشدة مع صعود وهبوط النضال.

وكما أشار جرامشي، تنقسم دائما خبرات الناس في ظل الرأسمالية إلى نوعين مختلفين تماما. من ناحية، هناك خبراتهم التي يكتسبونها من مجرد الحياة داخل النظام ومعاناتهم في ظله. وهذه في حد ذاتها قالما تؤدي بهم إلى طرح أسئلة ثورية. بل إنها تميل إلى جعلهم يأخذون النظام كأمر مسلما به، وان يقبلوا ما تحدده الطبقة الحاكمة لهم بين الأشياء الممكنة والمستحيلة.

أما الخبرة الأخرى، فتتجسد من النضال ضد مظاهر النظام، أيا كانت درجة محدوديتها. وعبر هذا النضال، يبدأ إحساس الطبقة المقهورة أن لديها قوة جماعية تمكنها من فرض بديل عن الظروف الراهنة.

ويعني خلق صلة بين مبادئ الحزب الثوري وخبرة الجماهير الشعبية بالنسبة للحزب الثوري وجريدته، التواصل مع العناصر التي تأسست عبر النضال في خبرة الناس، وفصلها عن باقي الخبرات، واستخدامها لوضع أسس لرؤية مختلفة تماما للعالم.

ويسهل هذا عندما يمضي نضال الطبقة المضطهدة من مرحلة قوية إلى أقوى منها، وعندما يلهم كل نصر بمزيد من الانتصارات. في مثل تلك الأحوال، يحدث تطور عفوي كبير في االطرق الجديدة لرؤية العالم. ويمكن للجريدة الثورية التعبير عن مبادئها عبر الكلمات والصور المستخدمة من المنتمين إلى الطبقة المضطهدة أنفسهم. ثم تصبح هناك حاجة إلى عملية استخلاص، لفصلها عن الأفكار القديمة التي مازالت مختلطة بوعي معظم الناس فعليا. ولا تكون عملية الاستخلاص شديدة الصعوبة.

ولذلك، تكون انجح الجرائد التي تصدر خلال طفرات تصاعد النضال. وإذا نظرنا إلى مثل تلك الجرائد نستطيع رؤية الخليط الملائم من الافكار العامة، والخبرات الحية، والتحريض.

مارا و”لا مي دي بيبل” أو صديق الشعب

كانت “صديق الشعب” الجريدة الأكثر انتشارا بين الجرائد التي صدرت اثناء الثورة الفرنسية الكبرى 89-1793. لم تكن جريدة عمالية. وكان يحررها جان باول مارا، وهو طبيب البلاط السابق الذي شارك في حمل أعباء الثورة البرجوازية بالكامل. ولكنه فهم أنها لا يمكن إنجازها إلا إذا حشد الثوريون البورجوازيون جماهير باريس الفقيرة. ونظر إلى الجريدة باعتبارها ادارة رئيسية من أجل الوصول إلى هذا.

وفور اشتراكه في التحريض العام في الشارع يوم الاستيلاء على الباستيل- 14 يوليو 1789- اقترح على اللجنة الشعبية في المنطقة التي كان يقيم فيها تأسيس جريدة. وعندما رفض الاقتراح، تولى أمر مثل هذا المشروع على عاتقه. كان يكتب يوميا ثمانية صفحات من قطع يماثل A5 تقريبا، ودفع المال اللازم لطباعتها. ولم تكن خلفه أي منظمة، إذ اعتمد على أن تجد الجريدة قراءها عبر باعة الجرائد المتجولين في الشارع.

ولاقت الجريدة نجاحا مبهرا، وصارت في وقت قصير أفضل الجرائد مبيعا في باريس. ويرجع هذا إلى الطريقة التي جمع بها مارا بين العناصر الثلاث؛ المبادئ العامة، والخبرة، وما العمل.

لم تكن مبادئه جديدة تماما. إذ كانت منشورة من قبل في أيام الثورة الأولى في عدة كراسات. وكانت بالأساس استعادة لأفكار الديمقراطية البرجوازية التي تضمنتها كتابات روسو. ولأن الجريدة لم تقم سوى بتكرار هذه المبادئ، لم يكن متوقعا أنها ستجد أي جمهور على الإطلاق. ولكن كان هناك العنصران الآخران، اللذان عملا على نجاحها الاستثنائي.

كان عنصر “ما العمل” أساسيا في الجريدة. ويوما بعد يوم، وأسبوع بعد أسبوع، خلال أربعة أعوام، تخلص مارا من رطانة القادة الرسميين للثورة- في البداية الليبراليين الدستوريين، ثم بعد ذلك الجمهوريين المعتدلين من الجيروند – ودعا إلى تحرك حازم من أجل توسيع وتأييد الثورة.

ويتضح من أفضل تقرير مكتوب باللغة الإنجليزية عن أعمال مارا: “تكونت (صديق الشعب) من ثمان صفحات صغيرة، كانت بكاملها تقريبا انتقادات وملاحظات على الأحداث الجارية، كتبها مارا بنفسه.” وتضمنت دعوة إلى التحرك، وسخرية من آخر مجموعة قدمت من الحلول الوسطى، وتحذيرا من المخاطر، وهجوما على من كان يعتبرهم أعداء الثورة. وأخبر مارا نفسه الناس أنهم يستطيعون تمييز جريدته عن الطبعات الزائفة التي كانت تعد من أجل تشويه سمعته، إذ تجد “كتابها دجالون يدعون إلى السلام، في حين اواصل انا الإدانة بينما يدق ناقوس الخطر.

وربما أدى ذلك “الحث المتواصل على اليقظة، والإدانة بلا توقف لمن هم في السلطة إلى أن تصبح مطالعة (صديق الشعب) مملة إلى حد ما”. ولكن هذا التكرار للرسائل القائلة أن الثورة في خطر، كان تحديدا ما حقق للجريدة نجاحها.

وبقدر رفض مارا لأي حل وسط مع من يراهم خطرا على الثورة، بقدر غضبه عندما مات خطيب المرحلة الدستورية الأولى من الثورة، ميرابو. وحينها استقبلت كل الاطراف هذا باعتباره حدثا جللا. وكان موقف مارا مختلف تماما: فكتب “للشعب أن يحمد الله. عدوكم الرهيب سقط بيد القدر.. مات ضحية لخياناته الكثيرة..”

ولكنه لم يكن يركن إلى أي تفاؤل سهل، حتى في الوقت الذي يبدو فيه أن الشعب حقق نصرا عظيما. وبعد ما تحدد مصير الملك في أحد الأيام المجيدة (الانتفاضة الكبرى) من الثورة، تميز احتفال مارا بالحدث بأعمق نبرة حذر: “ ربما كان 10 أغسطس المجيد يوما حاسما في انتصار الحرية، إذا ما اعتبرته كذلك، ولكن عرفت أيضا كيف تستفيد منه لصالحك. لقد هوى عدد هائل من الطغاة إلى الرغام، ولكنهم لن يبطئوا في العودة وتثبيت أنفسهم بصورة أكثر فظاعة مما كانوا عليه سابقا. وأكرر، يجب أن تظل فزعا. إذ لن يمهلك أعداءك عندما تحين فرصتهم. لا مجال لاي هوادة . سوف تضيع إذا لم تسحق فاسدي المجالس البلدية، والقضاة أعداء الوطن، وأكثر نواب الجمعية الوطنية عفنا.”

كان هذه اليقطة التي اكسبت مارا كراهية لا تهمد لمن أرادوا إنهاء الثورة في منتصف الطريق. واتهمهم باقتراف جريمتين.

في البداية اصر على أن الثورة لا ينبغي لها معاملة أعداءها بالرحمة. وعن حق حذر تماما من أن الأعداء لن يستنكفوا أي مستوى من الدموية للوصول إلى أهدافهم، وأن الثورة ينبغي أن تكون مستعدة لسحقهم قبل ذلك:

“اني ساخط على مراعاتنا لأعدائنا المتوحشين بشكل غبي؛ سنكون حمقى إذا خشينا إصابتهم بخدش. دعهم فقط يسيطرون على الموقف ليوم واحد، ولن تلبث أن تراهم يجتاحون المحافظات بالنيران والسيوف، ويسحقون كل من يبدون مقاومة، ويذبحون المخلصين للبلاد، ويجزرون النساء والأطفال، ويخسفون بمدننا إلى رماد.”

ثانيا، كان مستعدا لرفع مطالب محددة الجماهير الباريسية لدفعهم إلى الحركة. وكان هذا يحدث خصوصا عندما يصل الأمر إلى عجز حاد في المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز.

وكتب بلا مواربة في الجريدة:

“في كل بلد لا تكون حقوق الناس فيها عبارة فارعة، من شأن سرقة بعض المحال، وشنق بعض الضاربين في الأسعار على أبوابها، أن تؤدي إلى وضع حدا لهؤلاء المستغلين الفسدة بسرعة، فهم يذهبون بخمسة ملايين إنسان إلى اليأس، ويؤدي ما يقومون به إلى هلاك الآلاف بسبب الحاجة.”

وارتبط هذا التعبير عن السخط الشعبي، مع العنصر الثالث من بين العناصر المتوفرة في جريدته- ان يظهر بها صدى خبرة الناس. وبعد بداية الجريدة بفترة وجيزة، ابتكر مارا فكرة نشر خطابات يحكي فيها الافراد عن القهر الذي يعانون منه في ظل النظام القائم. ونشر ثلاثة أو أربعة آلاف من تلك الخطابات خلال عمر الجريدة. وأوضح مارا أن الافتقار إلى المساحة دفعه إلى إدخال بعض أعمال التحرير عليها:

“لا عجب في سهولة ملاحظة أن الأسلوب نفسه يتكرر في معظم الخطابات التي انشرها: إذ تجبرني المساحة المحدودة في جريدتي على أن أقوم بتحريرها، وهذا على أساس المحافظة على عدم إضافة أي شيء إلى جوهرها”.

ويتضح النجاح الذي حققه الجمع بين المبادئ والتحريض والخبرة في جريدة مارا، من محاولات السلطات لإخراسها. إذ حاول الليبراليون الدستوريين والجمهوريون المعتدلون على السواء الإجهاز على مطبعته، واعتقاله شخصيا، ومنع الجريدة من الصدور. وامضى سنتين في التنقل من شقة إلى شقة، يعمل في الأقبية ويختبئ في الجحور. رغم بلوغ شعبية الجريدة مستوى لم يسبق له مثيل في تلك الفترة.

وعندما استطاع مارا الخروج في نهاية المطاف من السرية، مع سقوط الحزب الدستوري، كانت شعبيته غير خافية. وأصبح الخامس في قائمة المندوبين المنتخبين من باريس في الجمعية الوطنية، ومن خلال النفوذ الذي حققه في هيئة المجلس البلدي الثوري لباريس، كان واحدا من أقوى العناصر السياسية. ورغم إنه لم يكن على علاقة شخصية سابقة مع زعيم الجمهوريين المتشددين في مجموعات اليعاقبة، بعد هزيمة الجمهوريين المعتدلين في الجيروند، إلا أنه كان جزءا من الثلاثي الذي ادار البلاد فعليا، إلى جانب روبيسبير ودانتون.

وبالنسبة لأنه كان شخصا بدون منظمة، فرد ثوري عليه تحديد المهمات الملحة من وجهة نظره، ويقوم بها دون مساعدة من آخر، فيمكن اعتبار أن ما قام به كان انجازا بارزا. والتفتت الثورة المضادة إليه عندما قضت في النهاية على نفوذه بالطريقة الوحيدة التي تعرفها- ضربة سكين قاتلة في صدره، بينما هو عاكف على بروفات جرديته في حمامه. “ نورثرن ستار” أو نجمة الشمال

ارتبطت النضالات المبكرة لحركة الطبقة العاملة البريطانية ارتباطا لا ينفصل عن إصدار وتوزيع الجرائد والصحف. فكان الغضب العام الذي تصاعد في بيترلو في 1819، ثم تصاعد مرة أخرى من أجل الإصلاح في 1830، بإيعاز من جرائد مثل جريدة بوليتكال ريجستر (Political Register) أو الملف السياسي التي كان يصدرها كوبت، وجريدة بلاك دوارف (Black Dwarf) او القزم الأسود التي أصدرها وولر.

وأدى الخوف من آثار الصحافة الراديكالية التخريبية على الطبقات الدنيا، إلى اتباع الحكومة سياسة متعمدة، تحاول من خلالها تقليص مستوى توزيع الجرائد إلى أقل حد ممكن، بفرض ضرائب باهظة على الجرائد. ولكن الصحافة الراديكالية وجدت طرقا لتجنب ذلك (مثل طباعة جرائد في صورة يمكن ادعاء انها ليست صحافة، مثل ألا يكون بها أخبار وإنما تعليقات فقط)، وبعدها، مع تحقيق الطبقات الوسطي لبعض أشكال الإصلاح في 1832، دون أن يؤثر هذا في شيء على الحرمان الذي تعاني منه الطبقة العاملة، اصبح اخترق القانون يتم بصورة متعمدة.

وأدت الدور المحوري في هذه الحملة، جريدة اسبوعية من ثمان صفحات، “بور مانز جارديان” (Poor Man’s Guardian) أو جارديان الفقراء، التي أصدرها هنري هيثرنجتون، وقام براين برونتر اوبراين بتحريرها معظم فترة صدورها. وشاركت بشدة في حملات النقابات العمالية، وازدهرت في منتصف ثلاثينات القرن التاسع عشر، وارتفع توزيعها إلى 16 ألف نسخة، رغم اعتقال القائمين على طباعتها وتوزيعها، وسجنهم بشكل متكرر. وأدى نجاحها إلى تحول الحكومة إلى تكتيك عكسي عام 1836- خفض الضرائب على الجرائد، والاعتماد على السوق بدلا من الضرائب المرتفعة في طرد الجرائد الراديكالية ضعيفة التمويل من المجال التجاري.

وفي البداية، بدا هذا الإجراء ناجحا. وبدأ تراجع توزيع جريدة جارديان الفقراء، بينما خفت تأجج النقابات العمالية مابين 1985 و 1836، وأنهى هيثرينجتون أعماله، وحول انتباهه إلى الجرائد الأكثر نجاحا، التي وفقا لعباراته، شغلت نفسها “بالمخابرات والجرائم وحوادث الاغتصاب والانتحار والحرائق والتشويه، والمسارح والسباقات والملاكمة، وكل أنواع التسلية”.

ولكن بعد ذلك، وفي نوفمبر 1837، صدرت “نورثرن ستار” أو نجمة الشمال في ليدز.

وكانت جريدة اسبوعية من ثمان صفحات “بالقطع الكبير” (مثل حجم فينانشال تيمز الآن)، مغطاه بعامود وراء عامود من كتابة جافة إلى حد ما، ربما مع قالب واحد لرسم الصفحات لكل خمس أعداد، بينما الصفحة الأولى مكرسة أساسا للإعلانات (عادة، إلى حد الإعلان عن أدوية مشكوك فيها) وكان ثمنها أربع بنسات ونصف (في وقت كان من الممكن ألا يزيد مكسب العامل في اليوم عن شلن).

ورغم هذا حققت نجاحا مذهلا. وفي فبراير 1837، كان مبيعاتها 10 آلاف نسخة كل أسبوع، وبعدها بعام فاقت الجريدة اليومية اللندنية “تيمز”، إذ وصلت المبيعات إلى 50 ألف. وكان على هيئة البريد شراء عربات خاصة بالإضافة إلى حافلات البريد المعتادة من أجل توزيعها!

وضاهى عدد قراءها الفعلي تقريبا عشرة أضعاف رقم بيعها. إذ كان من الجائز أن يشتريها أصحاب الحانات لتكون متوفرة لزبائنهم من العمال، أو يشترك مجموعة من العمال معا في شراء نسخة ويتداولونها فيما بينهم. و يحكي بنجامين ويلسون Benjamin Wilson، وهو أحد الشارتيين في مدينة هاليفاكس، “كيف كان من العادات الشائعة في أحياء الصوف، [وسميت كذلك لكثافة انتاج النسيج الصوفي فيها] أن يجتمع الأصدقاء في منزل أحدهم لقراءة الجريدة والحديث في الشئون السياسية”.

وحكى شاهد آخر كيف كان الناس في تودموردن يتجمعون يوم صدور نجم الشمال على الأرصفة في انتظار وصولها “وتكون وقتها أهم من أي شيء آخر عداها.” (اقتباس من Dorothy Thompson, The Early Chartists, London 1971, p.13)

وفي ليستر، كان من الممكن أن يجتمع النساجون في الورشة وقت استراحة تناول الشاي بعد الظهر : “بعضهم جالسون على صناديق لفافات الخيط، وبعضهم على قوالب طوب، وربما يجلس من تكون الانوال التي يعملون عليها في المنتصف، على الواحهم التي يجلسون عليها اثناء العمل… بينما يقرأ أحدهم مقالة قصيرة من نجمة الشمال، التي يبقى موضوعها محل الاهتمام والمناقشة والدردشة خلال ما تبقى من اليوم”.

وفيما يتعلق بالتقسيمات التي حددناها – الأفكار العامة، والخبرة، وما العمل- لا شك في أن قدرة نجمة الشمال على التعبير عن خبرات مئات وآلاف من العمال المشاركين في الحركة المتصاعدة، كانت العامل الرئيسي في نجاحها. إذ شهدت السنوات من 1873 – 1839 تصاعد هائل للنضالات- بسبب الإفقار المدقع لجماهير العمال نتيجة لانعكاسات الكساد الاقتصادي؛ ومحاولات حكومة اليمين فرض مرسوم تعديل قانون الفقراء عام 1834 وما تضمنه من ملاجئ في المناطق الصناعية في الشمال؛ وضد قانون الشرطة التي أحل قوات الشرطة الحديثة محل المجندين المنتخبين، الخاضعين إلى سيطرة الطبقة العاملة المحلية؛ وبخصوص محاكمة وتشريد قادة إضراب غزالي القطن في جلاسكو؛ والمطالبة بحصول الطبقة العاملة على حق الاقتراع؛ وحتى قمع التمرد في كندا على يد القوات البريطانية.

وهكذا وردت ملاحظة في عدد نجمة الشمال الصادر في 13 يناير 1838: “أصبحت مقالتنا غاصة بالمظاهرات مرة أخرى. بدا الناس متسمون بالحيوية في كل مكان. في عددنا الحالي ستجد تقارير حول تجمعات في ستاليبريدج، وليدز و برادفور… وملاحظات مختصرة حول الاجتماع الجماهيري في هال حول قضية كندا… على هودريفيلد، حيث اوقف الإصرار الشديد للناس تعيين محرر لقانون الفقراء…”

وتضمن العدد السابق عليه، 6 يناير، مقالات حول اجتماعات في بارنسلي (حول قوانين الشرطة المحلية)، وليدز وهدرزفيلد (عن الجمعيات التعاونية)، والموندبري وهاليفاكس ودوسبري (حول قانون الفقر)، وسادلورث (حول عمال الصوف الذين قدمهم صاحب العمل إلى المحكمة)، ومانشستر (حول كندا)، وهايد (حول قانون الفقراء)، وهدرزفيلد و برادفورد (حول قانون الفقراء)، وأيضا قائمة تبرعات من أجل عمال الغزل في جلاسكو، ومقالة حول “اجتماع ضخم” في نورثمبرلاند و دورام، حيث ذكر ان الناس حملوا لافتة مكتوب عليها: “غضب الله سوف يقع على من يفرق بين الرجل وزوجته”، “إذهب الآن ايها الثري وانتحب وأصرخ لأجل المصائب التي سوف تسقط عليك”، “من أجل الأطفال والزوجة سوف نحارب حتى بالسكين”، “دستور كندا، لعل أبطالها الشجعان ينجحون في الدفاع عنه”.

وشرحت الجريدة في عرضها للكلمات التي القيت في تلك الاجتماعات، القضايا المطروحة بلغة يمكن لقرائها فهمها بسهولة (وربما كان الأهم، المستمعون إلى قرائتها). فاستطاعت نقل فظاعة قانون الفقراء، ومحاولات أصحاب العمل تخفيض الأجور بوسائل قانونية، والحرمان الذي يجبر الناس على العيش فيه. ولكنها استطاعت أيضا نقل شيئا في نفس درجة الاهمية- الاحساس بالمد المتصاعد للنضال ضد كل هذه الأشياء. لقد عكست الخبرة، ولكن في الوقت نفسه كثفتها وناقشتها.

لم تنحصر مهامها في العروض فقط، ولكن المقالات الكثيرة أيضا. وشارك في الجريدة كثيرون متمتعون بالقدرة الهائلة على التعبير بأسلوبهم الخاص عن سخط وغضب المضطهَدين والمستغَلين، وخاصة مراسلها فيرجاس اوكونور.

وصف جي دي اتش كول بشكل جيد كيف : “كان فيرجاس اوكونور من بين أعضاء الحركة الشارتية، الأحب إلى القراء بلا منازع، وأكثر المكروهين أيضا. كانت له سيطرة هائلة على الناس، ليس في مقاطعة واحدة فقط، ولكن في سائر انحاء انجلترا… كان فريدا في نوعه بحديثه المعتدل، وتطورت لديه عادة الكتابة بصورة قريبة جدا من الطريقة التي يتحدث بها- مستخدما كلمات وعبارات كوسيلة لإثارة قراءة، لا يحتد أبدا ولكنه عادة يؤكد بشدة على أي شيء يريد إقناع القراء به، ودائما يحمل تلميحاته بالعاطفة الجياشة ويجعلها محددة تماما، مع مزجها بأقل ما يمكن من الأفكار المجردة… كان احساسه بالمعاناة قوي وأصيل، وجعل الصعاليك والمقهورين في كافة انحاء انجلترا يشعرون أنه صديقهم، واستمروا في التسامح إزاءه وحبه، مهما كان مخطئا” (Chartist Studies, pp.300-301).

وقد يقول فخورا… ان هذا اتاح له جاذبية إزاء “السترات القطنية”- أو الجماهير الفقيرة من العاملين في النسيج ورجال المناجم وعمال المصانع.

وكتب بالأسلوب نفسه الذي نقله إلى الجريدة، افتتاحية عن مرسوم تعديل قانون الفقراء في أول عدد صدر عام 1838:

“هذا المرسوم إهانة للأغنياء، واحتيال على الفقراء وخيانة إزاء الطبيعة. إنه سرقة، لابد أن يرتفع الاحتجاج والصراخ ضدها؛ كلب مسعور ينبغي أن يطارد من تل إلى تل ومن واد إلى واد. كل رجل يلاقي الموت في معارضة هذا العدو الوطني يستحق بجدارة نصبا لتخليد ذكراه، أكثر مما يستحقه مقاتل مدرب يعرض نفسه في مقابل أجر، غير مبال بالقضية التي شرع بالخدمة في سبيلها.”

ولن تجد مثل هذه الحجج المنطقية في كثير من الصحافة الراديكالية. إنها طعن قائم على افتراضات متناقضة. ولكنها التقت بمزاج ملايين الناس حرفيا، وبهذا جعلتهم أكثر قربا من فهم المصدر الحقيقي للإضطهاد الذي يعانون منه.

تلهف الناس على قراءة الجريدة لأنها اخبرتهم بما يشعرون به ويفعلونه، وهم انفسهم وآلاف آخرين يشبهونهم. ولم يقرأوه فقط. ولكن أيضا بعثوا بالتقارير إلى الجريدة وعاونوا في توزيعها. كان لها مراسلون في كل مكان يوجد به اقل مستوى من نضال الطبقة العاملة. وكما كتب المحرر عام 1841: “النجمة بها كثير من المواد الاصيلة بما يضاهي عشرة جرائد في المملكة”. وكان هذا ما جعل الجريدة أكثر من مجرد موضوعات معدة للقراءة: فجعل منها أداة لتنظيم الحركة أيضا.

كان ينظر إلى نجمة الشمال غالبا باعتبارها منتجا ثانويا لحركة الشارتية. ولكنها بوضوح بدأت إصداراتها الجيدة قبل ستة أشهر من تأسيس الحركة رسميا، التي قامت على دعوة أشخاص مثل لوفت في لندن، كانوا اكثر اعتدالا في نبرتهم مقارنة بأوكونر. شمل تحريض نجمة الشمال مجموعة مكتملة من القضايا “الاقتصادية”- وخاصة قانون الفقراء ومسألة حقوق النقابات العمالية – الأمر الذي نتج عنه تعميما سياسيا، أدى إلى تكون هذه القاعدة العريضة للمطالبة بالاقتراع حول الميثاق. واتضح هذا من خلال درجة تمكن اوكونر من السيطرة على الحركة لمدة عشر سنوات، في حين سرعان ما اتجه من بدأوها رسميا إلى طرده.

ورغم ذلك، لم تكن دعوة النجمة قائمة فقط على عكسها للخبرة. لقد كان أوكونور عاقلا بما يكفي ليجتذب إلى فريق التحرير اشخاص لديهم صفاء الافكار الذي يفتقده هو نفسه. ووفقا لكلمات دوروثي تومسون “ضم فريق العاملين بها كثيرين من أصحاب افضل القدرات في الحركة”.

وكان من بين هؤلاء بصفة خاصة، برونتري اوبراين، الكاتب الرئيس للافتتاحية من 1838 إلى 1840، وجوليان هارني، محررها خلال معظم اربعينيات القرن التاسع عشر. وكانا بحق شخصين يتعاملان بكل جدية مع صياغة الأفكار الواضحة، ويفندون ايدلولوجية الطبقة الحاكمة. وحدد كل منهما وجهته بناء على أفكار جناح اليسار المتشدد في الثورة الفرنسية: ترجم أوبراين كتاب بوناروتي “مؤامرة الداعين إلى المساواة لبابوف” إلى الإنجليزية، وكتب بنفسه بيوجرافيا لم ينتهى منها حول روبسبير، كما كان هارني على اتصال دائم مع بعض المهاجرين من الحركات الثورية الأوربية. ولكن كل منهما لم يكد يشرع في محاولة المضي إلى ماهو ابعد، وتناول الأفكار الاقتصادية للبروجوازية الصناعية الصاعدة. لم يستطيعا تجاوز النجاح الجزئي في هذا الصدد؛ ولكنهما على الاقل شرعا في كشف بعض الأفكار التي فصلها ماركس في نقده المحكم للمجتمع البرجوازي ككل. واستخدما تلك الأفكار في وضع العمال على بداية طريق فهم مصالح طبقتهم.

وكما أوضح الإصلاحي “المعتدل” فرانسوا بليس: “ ظل أوبراين يكتب لمدة طويلة كتابات ملائمة جدا في الأفكار التي تم ترسيخها بعناية لدى كل فرد ضمن عمال كثيرون يولون اهتمامهم للشئون العامة. وكان غرضه كما كان دائما، فض القبضة الخاصة عن الممتلكات وكل الأرباح والفوائد والتراكم… (Quoted in Cole, p.245).”

وبنفس الوضوح الذي كان يكتب به، وردت في مقالة عن ايرلندا في عدد ستار 27 فبراير 1838:

“تتحدث هذه العصابة (أي الحكومة) عن مستعمراتنا. كاذبون، هؤلاء المتنطعين. ليس لدينا أية مستعمرات؛ استولت ارستقراطيتنا وتجارنا على مستعمرات في كل انحاء العالم، ولكن الشعب في انجلترا- شعب انجلترا الحقيقي، لا يمتلك بالفعل شريطا واحدا من الأرض في بلده- وأقل من هذا كثيرا بالمستعمرات في اي دولة أخرى. ما يسمونه مستعمراتنا، إنما يخص أعداءنا، من يقهرونا ويستعبدونا.”

وتظهر نقطة ضعف الجريدة عندما نأتي إلى سؤال ما العمل. وهي نقطة ضعف اوكونور نفسه، فهو قادر ببراعة على تقديم عرض واضح لمظالم الناس، ولكنه عاجز تماما عن المضي في التفكير حتى يصل إلى استنتاح الاستراتيجية والتكتيكات التي تعالج هذه المظالم، ولهذا يتراجع دائما عند اللحظات الحاسمة في النضال.

أمكن التعامل بسهولة مع تحديد ما ينبغي فعله عندما كانت الحركة في بداية صعودها سواء في 7-1838، أو في 1-1842، أو في 7-1848. بشكل أساسي، طلبت من العمال التوحد في حركة احتجاج واسعة، ووضع آمالهم فيما يمتلكون من قوة، ولا يطمحون في أي تأثير “اخلاقي” على الطبقة الحاكمة (وصفت الجريدة “الضغط الأخلاقي” عام 1838 بانه “هراء أخلاقي”). ولكن عندما وصلت الأمور حد الأزمة، مثلما حدث في صيف 1839 و صيف 1842 وربيع 1848، كانت الجريدة عاجزة عن توفير أي اتجاه واضح للتقدم.

وأيضا بعد تلك المحطات الحاسمة في النضال، سرعان ما انخفض توزيعها إلى 18 ألف في 1840، 12 ألف في 1842، و6 آلاف في 1846، ثم عاد إلى الارتفاع إلى 10 آلاف في 1848، و اتجه إلى الانخفاض إلى 5 آلاف في 1850. ورغم ذلك، فقد حافظت على ترابط أسس أول حركة للطبقة العاملة على مستوى العالم لمدة أكثر من عقد، حتى خلال الأوقات العسيرة. وعلى حد تعبير أحد الذين وجهوا النقد “لتطرفها”، كانت وقت شدتها تتألف من مجرد “زمرة ضئيلة من عشرة أو عشرين شخص في كل مدينة، يجتمعون بصفة عامة في أحد المشارب، ويقولون عن انفسهم فروعا لجمعية الميثاق الوطني” (Matthew Fletcher of Bury, quoted in Dorothy Thompson, p.77). وأخيرا فقد كانت، من وجوه عدة، مثالا ساطعا على ما يمكن أن تكونه جريدة الطبقة العاملة.

دايلي هيرالد 11-1922

لم تكن ديلي هيرالد جريدة ثورية بمعنى إطلاقها دعوة صريحة قاطعة للإطاحة بالقوة بالمجتمع القائم. ورغم هذا فالأمر يستدعي إلقاء نظرة عليها لسببين.

إنها تظهر كيف يمكن لمن كانوا في أقصى يسار الطيف السياسي اصدار جريدة في فترة تصاعد للنضال، قادرة على تحدي الصحافة البرجوازية عندما يتعلق الأمر بقراء الطبقة العاملة. ولهذا، كان يقتبس منها دائما باعتبارها مثالا على الصحافة الثورية، للتعرف من خلالها على الشيوعية الدولية في سنواتها الأولى.

بدأت الجريدة نشرة من أربع صفحات بخصوص إضراب وقع في لندن أثناء إغلاق المطابع في يناير 1911. ولم يتناول العدد الأول منها سوى الإضراب، ورغم بداية المقال الأول بمقطع لوليام موريس، إلا أن لهجتها كانت ما تزال تعكس تأثير الأفكار الراسخة الرائجة: إذ ذكرت أحدى المقالات في الصفحة الأولى “االرجال لإنجليز الذين انجبوا أبناءً للموت من أجل معارك الامبراطورية في الخارج، لن يستسلموا مثل حشد من الآسيويين الجوعى… رأس المال قد يكون قويا، ولكن البشرية أقوى”.

ولكن سرعان ما تناولت الجريدة قضايا صناعية أخرى غير الطباعة – مثل أحوال المخابز، أو ما كان يحدث في نقابة عمال المناجم في فيفي- وأظهرت تأثير المتبنين للاشتراكية الذين صارت لهم أدوارا في إصدارها، مثل بن تيليت من نقابة عمال الموانئ وجورج لانسبري عضو البرلمان اليساري عن حزب العمل. وتضمنت مقالات تطرح القضية الاشتراكية. وبالمثل كانت أيضا تتسع لتضم عمود عن كرة القدم وعمود عن البستنة. وتغيرت معالجتها لنضال عمال الطباعة بشكل ملحوظ من النغمة الحرفية في الأعداد الأولى: إذ تضمنت الصفحة الأولى في عدد 21 ابريل صورة عاملات بالمخازن مضربات، ولقاء مع إلين سميث قائدة القسم النسائي في نقابة العاملين بانتاج الملابس.

وأدى نجاح نشرة الإضراب – التي رفعت المبيعات من 12000 إلى 27000- إلى توجيه المشاركون في إصدارها لنداء ليحصلوا على التمويل اللازم للمحافظة على استمرارها كدورية منتظمة. ولم تنجح محاولتهم على الفور، وبعد ثلاثة أشهر توقفت عن الصدور مؤقتا.

وبعد عام، في ابريل 1912، أستأنفوا نشرها، ورغم عدم تجاوز رأسمالها الداخلي مبلغ 300 جنيها، إلا إنها تمتعت بنجاح مدهش خلال السنتين التاليتين. وبينما لا توجد معلومات دقيقة حول حجم مبيعاتها، ولكن هناك تقديرات بتراوح نطاق توزيعها بين 50 و 150 ألف. ولم يكن هذا الرقم كبيرا مقارنة بأكبر دوريتان يوميتان شعبيتان حينها، جريدة ميل وجريدة ميرور، الذي قدر بين 750 ألف ومليون نسخة، ولكنها كانت تساوت مع جريدة اكسبريس وتيليجراف، اللتان كانت مبيعاتهما تتراوح بين 200 و 300 ألف- ولاسيما وأنها تباع إلى العمال اليدويين الذين لم تتطور لديهم عادة شراء جريدة يومية مقارنة بجرائد يوم الأحد الأسبوعية. ونلمس نجاح هيرالد بوضوح أكبر إذا علمنا أن قادة حزب العمل الرسمي بدأوا إصدار جريدة يومية للحزب في صيف عام 1012بغرض منافستها، وهي جريدة ديلي سيتزن التي تتمتع بدعم مالي هائل.

وفي الإصدار الجديد من هيرالد, استخدمت آخر تكنيكات إصدار الجرائد الرائجة بلا مواربة. وهكذا ظهر العدد الثالث منها يحمل مانشيت “غرقى تيتنك”. ولكن وجهت تكنيكات الإثارة أيضا ضد النظام القائم كلما أمكن هذا. وكذلك طرحت يوما بعد يوم تساؤلات حول ظروف الغرق، على صفحتها الأولى- احتياطات السلامة على السفينة، أحوال طاقمها، وقبل كل شيء لماذا سمح لركاب الدرجة الأولى من الرجال بالنزول إلى زوارق الانقاذ، بينما ركاب الدرجة الرخيصة من النساء والأطفال اجبروا على البقاء في المركب الغارقة.

ولكن لم يكن استخدام هيرالد لتلك التكنيكات أبرز ملمحها، وإنما أسلوب جمعها لذلك مع التعريف الوثيق بنضالات العمال. وكما أوضح جورج لانسبري، عرفت أنها “جريدة متمردة” لانها “تجد نفسها دائما مؤيدة للعمال المضربين… وكثيرا ما كان المناضلين والمناضلات لتحسين ظروفهم يتوجهون بكثرة إلى ديلي هيرالد في تلك السنوات الأولى…”

وتضمنت صفحاتها مقالات متتالية حول إضرابات وظروف العمال والنزاع مع اصحاب العمل. وهكذا تضمن العدد الأول من السلسلة الجديدة أخبارا عن إضراب السكك الحديدية، ومناقشة حول إضراب الفحم الذي انتهى قبل صدورها مباشرة، وتفاصيل عن إنهاء إضراب شارك فيه 30 ألف عامل جوت في ديندي، ومقال عن نزاع الكهربائيين أمام محكمة إيرل. ودعا أمناء النقابات العمالية والمجالس النقابية ولجان حزب العمل والجمعيات التعاونية … إلى تحويل أي أخبار إلى دايلي هيرالد. وعندما أضرب 100 ألف من عمال الموانئ وعمال النقل في لندن في يونيو ويوليو، كانت هيرالد لسان حال الإضراب بشكل رئيسي. وبعد ذلك بعام، عندما استبعد عمال دبلن، قادت هيرالد حملة تضامن في عموم بريطانيا.

وشهدت تلك الأعوام أكبر صعود لنضال الطبقة العاملة من زمن الشارتية، تمثل في الإضرابات الضخمة التي أدت إلى إدخال العمل النقابي إلى مجال صناعي بعد الآخر، بمبادرة تتم عادة بواسطة عناصر “غير رسمية” متأثرة بالأفكار الأشتراكية والنقابوية. ومثلت هيرالد وسيلة مكنت العمال المشاركين من الشعور بقوتهم الذاتية، عبر قراءه تقاريرها عما يقومون به من مواجهات مع النظام تحديدا. ومن خلال عكسها لخبراتهم وقت نضالهم العظيم، عملت على تعزيز تلك الخبرة.

وجاء في أحد الخطابات إلى هيرالد في اكتوبر 1912 :

دع أي شخص ينظر إلى تأثير الملاحظات التي تنقلها هيرالد على مر الأيام عن التمرد والاستقلال، حتى ولو دون تعمد. إذ يولد تسجيلها لانتفاضات العمال على مر الأيام، شعورا قويا بنضال العمال، كما يُظهر ضرورة التضامن والتحرك الواسع.

ولكن ماذا عن الأفكار العامة التي كانت دافعا للقائمين على إدارة الجريدة؟ وهذا لم يتضح فعليا بأي حال. وفيما يتعلق بلانسبري الذي يوجه الجريدة بينما يتزايد نفوذه المهيمن عليها، كان يراها كمنتدى لكل أنواع الأفكار التي تقف في وجه النظام القائم، بدلا من كونها جريدة تعمل على تطوير خط ما. وهكذا كانت تتزاحم في المقالات الرئيسية أفكار النقابويين والاشتراكيين الشارتيين والمدافعات عن حق الاقتراع، والاشتراكيين النقابيين، والماركسيين والفوضوييين، والتوزيعيين مثل شيسترتونز وهيلير بيلوك. وجمعت فكرة عامة وحيدة، وهي تحبيذهم للشعور العدائي تجاه النظام القائم.

وإذا تطرق الأمر إلى سؤال ما العمل، ترجم هذا الخليط الكامل من الأفكار نفسه في حالة تشوش.

ولم يكن هذا أمرا ذا بال في الفترة التي استمرت حتى صيف 1914. وكل ما بدا ضروريا هو الدفع إلى تصعيد تدفق نضال المصانع في كل الجبهات، ضد القادة النقابيين المحافظين من الجيل القديم، وبخصوص الحكم المحلي لأيرلندا، و حق الاقتراع للنساء، وضد محاولات شراء ذمم العمال مع بدايات دولة الرفاه.

وكان تشارلز لابورث، محرر الجريدة لمدة عام وعضو نقابة العمال الصناعيين في العالم IWW، نقابويا متشددا بصورة واضحة. وأستبعده لانسبري لأنه لم يعد قادرا على احتمال منهج التعريض بالآخرين الذي اعتبره “بالاساس انجيلا جيدا للكراهية من الطراز العتيق” (The miracle of Fleet Street, p.33). رغم أن لانسبري كان يقوم بدور قيادي في “رابطة هيرالد” لأنصار الجريدة، المكونة من 50 مجموعة محلية، إلا أنه أكد بوضوح أن الرابطة ليس لها رسميا دور رقابي على الجريدة!

ولكن، أصبح عدم وجود سياسة واضحة مسألة شديدة الأهميةم في أغسطس 1914. وكان اندلاع الحرب يعني قطعا حاسما بين لانسبري، الذي نحت وجهة نظره المنحازة للسلام بالجريدة إلى الوقوف ضد الحرب، وأشخاص مثل تيليت وتشيستيرتونز، الذين أيدوها. وانخفض توزيع الجريدة، في الوقت الذي بدأت تكلفة الطباعة ترتفع بشدة أيضا، وبعد أسابيع قليلة تحولت إلى جريدة أسبوعية، بدلا من إصدارها يوميا.

وأستأنفت الجريدة صدورها اليومي مرة أخرى، مع ظهور الإصدار الثالث في 31 مارس 1919، هذه المرة برأس مال يزيد على 140 ألف جنيه، ممنوحا من النقابات والجمعيات التعاونية. ويتضح ما أدى إليه مصدر التمويل الجديد من تغيير عند مقارنة بالجريدة بنفسها قبل الحرب: لم تعد الجريدة المتمردة التي كانت تعرض أخبار الإضرابات غير الرسمية، ولكن الجريدة التي يدعمها، على الأقل أسميا، القادة الرسميين في الحركة العمالية. وتضمن العدد الأول تحية واضحة، ليس فقط من شخصيات عرفوا بأنهم يساريون مثل توم مان والبرت انكبن، ولكن أيضا رامساي مكدونالد، وجي أتش توماس، وفيليب سنودين، وإدوارد برنشتين. ولاحظ لانسبري فيما بعد أن العمال يتوقعون من هيرالد تأييدها لأي نضال، كان أم غير رسمي، فكتب أن من حسن الحظ عدم وقوع كثير من الإضرابات غير الرسمية في 1919 و 1929.

ولكن النضالات كانت قائمة على نطاق واسع. وبدأت عام 1919 مع إضراب المهندسين في جلاسكو، الذي أدى إلى صدامات دموية مع الشرطة، والإضراب العام في بيلفاست. وتواصل هذا مع التحريض القديم في المناجم، الذي بدا أثناء الإضراب الشامل وكأنه على وشك الانفجار مرة أخرى، وإضراب الشرطة الذي فض بالقوة، وإضراب السكك الحديدية، وحرب العصابات ضد الحاكم البريطاني في أيرلندا. وكان ذلك يتم في ضوء انطلاق الثورة البولشفية في روسيا، التي كانت امتدت بالفعل إلى المجر، والتي بدت مقتربة من الخليج الألماني أيضا.

وواصلت هيرالد نشر الخبرات النضالية للعمال في صفحة تحت عنوان “عمال العالم يوما بيوم”. وكان ينشر بها 15 تقرير في المتوسط حول الإضرابات، والمفاوضات حول الأجور، وما إلى ذلك. وقد نجد أيضا مقالات في صفحات الأخبار الأخرى حول محاكمة قادة مهندسي جلاسكو على سبيل المثال، في جوار الجرائم والحوادث التي تركز عليها بقية الصحف الرائجة. وكانت الاخبار الدولية تدور أيضا حول النضال- إضرابات في الولايات المتحدة، والحرب في أيرلندا، وإضراب في الهند، ومعارك الجيوش الروسية والمجرية.

والأهم، استخدمت الجريدة تكنيكات صحافة “الإثارة” لعرض ظروف معيشة الناس (نشرت في الصفحات الأولى عن الإسكان بيثنال جرين بصورة “مرعبة”)، وخطط الحكومة لضرب حركة العمال في الداخل والخارج. وحققت الجريدة أربع ضربات جريئة مهمة- عندما نشرت عن المعاهدات السرية التي عقدتها الحكومة البريطانية أثناء الحرب، مما اتاح إلقاء الضوء على الثورة الروسية؛ وعندما نشرت أوامر سرية وجهت لضباط الجيش لإعداد قواتهم لفض إضراب؛ وعندما كشفت تفاصيل مقابلة بين تشرشل وأحد جنرالات روسيا البيضاء بخصوص إرسال قوة تتألف من 10 آلاف “متطوع” ضد الثورة؛ وأخيرا عندما عرضت كيف طبعت الحكومة البريطانية نسخة مزورة من البرافدا.

ولا عجب أن الجريدة كانت لها شعبية هائلة بين جميع نشطاء الطبقة العاملة تقريبا، وأصبح حجم التوزيع مابين 200 ألف إلى 370 ألف، ووصل إلى مايزيد عن 500 ألف أثناء إضراب عام 1919. ولا عجب أيضا في قلق الحكومة من نفوذها، إلى درجة حظر تداولها داخل القوات المسلحة.

ولكن في أي شيء استخدمت الجريدة شعبيتها؟

ظل لها وضع جريدة “اليسار”، بمعنى أنها ظلت مصطفة في طولة خارقة إلى جانب؛ “المعارك المباشرة”، والعمل بالمصانع لأهداف السياسية، ومارست أوسع تضامن ممكن مع ناشطي المواقع النضالية. ولكن في 1919 و 1929 لم يكن كثير من الحركات العمالية على استعداد لمعارضة تلك الأشياء علنا. إذ شكل قادة النقابات الأساسية “تحالفا ثلاثيا” على أساس تبادل الدعم فيما بينهم، ونشر رامساي مكدونالد كتابا يقول فيه أنه لا بأس من العمل في المواقع الصناعية من أجل اهداف سياسية، طالما كان ذلك مطبقا بشكل مؤسسي وليس بصورة غير مؤسسية، وحتى أن “المعتدل” جي اتش توماس، كان يصوت بالموافقة على القرارات التي تتخذ في المؤتمرات لصالح المعارك المباشرة.

وأكدت أكثر موضوعات الجريدة على أن المسألة لا يجب اقتصارها على مجرد كلمات، وأن الحركة ضرورية أيضا. ولكنها لم تكن مستعدة لتقديم تفصيلات واضحة حول ما يستلزمه هذا. ولاحظ أحد كتاب هيرالد، أتش إن بريلزفورد، أنه بينما يحدد اليسار في انحاء القارة منهجا للمعارك المباشرة في التطبيق العملي، إلا إنهم في بريطانيا مازالوا لا يناقشون ستوى صواب المشاركة من خطأها: “في انحاء القارة، لا يناقش الاشتراكيون إلا ميكانزمات هذا المنهج، ولكن عندنا يبدو لي أننا لا ننقاش شيئا إلا الاخلاق” (Daily Herald, 17 September 1919).

وفي 1920، قصدت الجريدة إلى مناقشة، ضرورة توحيد النضالات المختلفة، سواء كان الأمر متعلق بتوحيد النضال في بريطانيا مع نضال الاستقلال في إيرلندا، أو متعلق بتوحيد نضال عمال السكك الحديدية مع عمال المناجم، وكانت محقة في طرح هذا للنقاش. ولكن عندما كان الأمر يتطرق إلى تحديد المسئول عن إفشال الوحدة، احتفظت بالصمت المطبق.

وأصبح ذلك واضحا تماما في 1921 عندما فسخ عمال نقابات السكك الحديدية والنقل التحالف الثلاثي الذي يجمعهم بعمال المناجم، وتركوهم يواجهون هزيمتهم بمفردهم. وأعلنت هيرالد أن يوم الواقعة يمثل “يوم الجمعة الأسود”، ونشرت قرارات لفروع في نقابة السكك الحديدية تعبر عن الأسف لما حدث. ولكن تصريح محرر الجريدة ذكر بإصرار، “نحن لا نملك توجيه اللوم إلى أفراد أو أقسام من الحركة تحديدا”.

لم تستطع ديلي هيرالد “لوم” “الأفراد” الذين كانوا مسئولين عن أهم هزيمة عانت الطبقة العاملة بسببها لمدة جيل، ويرجع هذا إلى سعي “مجلس الإدارة”، لإعطاء نفسه دور “عدم الانحياز” بالذات بسبب علاقاته بقادة النقابات “اليساريين” (كان بيفن قائد عمال النقل رئيسا للجنة جمع التمويل الخاصة بالجريدة).

وكما لاحظ ألاسدير هاتشيت في دراسته شديدة الأهمية حول الجريدة: “كسبت الجريدة دائما احترام كل أقسام الحركة بسبب تقاريرها حول أخبار العمال، ونتيجة للاتهامات التي توجهها للحكومة. ولكن سياسة المحررين المتسمة بعدم الانتقاد وعدم التفرقة حينما تطرح مشاكل الحركة للنقاش، و’الانفعال الهائل‘ مع أي مكسب، أيا كانت ضآلته، أكسب الجريدة تأييد أصحاب الميول الثورية، كما جعل أيضا المغرقين في الإصلاحية فعالين في إصلاحيتهم في الوقت نفسه. وعبروا عن دعم المعارك المباشرة بأساليب، تتجنب في غالبيتها العظمى، المساس بالبرلمان كمؤسسة”.

وفي فترة تصاعد النضال, يتزايد حماس ’مجلس إدارة‘ الجريدة، مصحوبا بدعوة للأعمال النضالية، وهي فترة يؤدي فيها مجرد نشر صرخات غضب الأقسام المختلفة من العمال، إلى خلق زخما ثوريا معمما. ولكنهم يفقدون الأمل فجأة، عندما تأتي لحظة تحول حاسمة في النضال. فلا يجدون ما يقال.

وكان معنى صمتها، أنها لم تستطيع المضي من حينها فصاعدا، إلا بالتوجه إلى اليمين كجهة وحيدة. وفي أعقاب هزيمة عمال المناجم ، ارتفعت البطالة دون أن تواجهها مقاومة، حيث كان أعضاء النقابات في حالة إحباط شديدة. وتقوضت قاعدة التمسك بالنضال التي كانت تغذي هيرالد العتيقة، وهبطت مبيعات الجريدة. وفي نهاية المطاف، باع لانسبري القضية عام 1925، بالمعنى الحرفي للكلمة. إذ سلم إدارة صحيفته إلى المجلس العام لاتحاد النقابات، الذي باع بدوره نصف الأسهم إلى أودهامز، شركة النشر الضخمة. ولم تعتمد فترة ازدهار للجريدة في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، على هبة تمرد ما، ولكنها نفحة حظ بسبب نظيراتها من الجرائد حينها. وعندما انتهى مدى التطور على هذا الأساس في الستينيات، انتقلت من يد الاتحاد العام للنقابات في نهاية الأمر إلى يد روبرت مردوخ، مثلها مثل صن.

ورغم هذا، فقد كانت في فترة من الفترات، كما قال عنها باحث تاريخ العمال الشيوعي، أر باجي ارنوت، “أقرب ما شوهد في هذه البلاد” إلى أن يكون “أداة للتحريض والدعاية الجماعية على الروح الثورية”. (The impact of the Russian revolution in Britain, 1967, p.151).

برافدا البولشفية

إذا بحثنا عن شخص ابعد ما يكون عن جورج لانسبري أو فيرجوس اوكونور في تاريخ حركة الطبقة العاملة، سيكون فلاديمير لينين. وهذا رغم أن لديه شيئ مشترك معهما. لم يتوقف لينين عند فهم الدور المحوري للجريدة العمالية فقط، بل أدرك أيضا ما ينبغي عليها أداؤه حتى توفي هذا الدور.

تأسست برافدا (أو الحقيقة) في روسيا، بعد سنوات قليلة من استئناف إصدار ديلي هيرالد المتصل لليوم، في إبريل 1912. أي انهما كانتا متزامنتين. ومع هذا، اختلفت الطريقة التي اعتمدت عليها كل منهما في النمو كجريدة يومية بريطانية، عبر جيشان النضال العمالي المتصاعد. ووفقا لمفهوم لينين، فعن طريق تجميع الخبرات النضالية للعمال، نستطيع تعميمها وإعطاءها دلالات سياسية.

وكما رأينا، فقد طرح لينين قبلها في عام 1902، مناقشة أهمية الجريدة الثورية الأساسية في بما نبدأ وما العمل. وفي فترة الاحباط التي تلت ثورة 1905، كانت هناك صعوبة بالغة في إصدار جرائد سرية وإدخالها روسيا إلا بصورة عشوائية وغير منتظمة. وهذا في وقت تحافظ المنظمة البولشفية على وجود لها في روسيا بالكاد. وكتب لينين سنة 1911: “ في الوقت الحاضر، يتمثل الوضع الحقيقي للحزب في أن كل المواقع المحلية تقريبا، يوجود بها مجموعات وحلقات عمالية حزبية صغيرة غير رسمية، بل صغيرة جدا وضئيلة، تجتمع بشكل غير رسمي… وهي غير مرتبطة ببعضها بعض. ومن النادر أن يرى أفرادها أي أدبيات (Collected Works, vol.17, p.202).“

ولكن ذلك العام شهد بداية نهوض النضال العمالي، واستطاع الحزب إصدار جريدة علنية، وهي زيفستا (أو الخبر) في سان بطرسبرج الأسبوعية (استخدمت لغة خاصة محملة بالشفرات لتجنب الرقابة)، التي صارت تصدر عددين كل أسبوع. وقرر مؤتمر الحزب في 1912 إصدار جريدة برافدا العلنية اليومية (رغم الشك في جدوى مشروع لينين وزينوفيف)، وبدأ إصدارها فعليا في 22 أبريل.

وانطبق هذا التوقيت مع لحظة بدء تصاعد النضال فعليا. وفي 5 أبريل، فتحت قوات القيصر النار على حشد من المضربين العزل في مناجم ذهب لينا في أعماق سيبريا، وقتل 500 شخص. واتسمت الأيام التالية باضرابات احتجاجية ضخمة ومظاهرات في انحاء روسيا شارك فيها 300 ألف عامل. واستمرت الاحتجاجات في عيد العمال أول مايو في هيئة إضراب قوي شارك فيه 400 ألف عامل. وبالنظر إلى الاعداد السابقة، نجد إجمالي عدد المشاركين في الإضرابات طوال 1911 الذي لم يزد عن 105110 عامل.

وانطلقت برافدا كجريدة تعكس هذا المزاج الجديد للطبقة. وكما قال واحد من خصوم البلاشفة في أحدى الجرائد: “ نقرأ فيها عن أنشطة المنظمات والنقابات والنوادي والتعاونيات العمالية؛ وعن اجتماعات أعضاء تلك المنظات ولجانها القيادية؛ وعن منظمات من مجموعات مختلفة؛ ومحاولات للقيام بأنشطة سياسية من جانب مجموعات العمال دفاعا عن الصحافة العمالية، أو عن إحياء ذكرى بيبل (القائد الاشتراكي الالماني الذي توفى حينها)، أو من اجل بعض الأغراض المباشرة الأخرى.”

وكما أوضح لينين:

“حينما يطالع قراء برافدا تغطية لمجموعات العمال فيما يتعلق برسائل عمال المصانع والمكاتب في كل انحاء روسيا، ويكون هؤلاء القراء في معظمهم لا يعرفون بعضهم البعض ومعزولين أحدهم عن الآخر بسبب الظروف الخارجية القاسية للحياة الروسية، فهم يحصلون على بعض الأفكار عن مدى قتالية البروليتاريين في النقابات المختلفة والمواقع المحلية المختلفة، وأسلوب نهوضهم للدفاع عن ديمقراطية الطبقة العاملة.

“ولم تبدأ عملية توثيق أحداث الحياة العمالية في التطور إلا عندما اصبح ذلك ملمحا ثابتا في في برافدا. وبلا شك حصلت الجريدة العمالية فيما بعد، إلى جانب الرسائل التي تكشف سوء المعاملة داخل المصانع، ونهوض قسم جديد من البروليتاريا، والتجمعات التي تتم في ميدان أو آخر من القضية العمالية، على تغطية للرؤى والآراء الموجودة في الحملات الانتخابية للعمال، وانتخاب مندوبي العمال، وماذا يقرأ العمال، وتساؤلات حول تحديد المصالح الخاصة بهم، وما إلى ذلك.

“وتمثل الجرائد العمالية منتدٍ عماليا. فينبغي أن يطرح العمال هنا، على كل روسيا، القضايا المتنوعة المتعلقة بحياة العمال عموما، وديمقراطية الطبقة العاملة خصوصا، واحدة بعد الأخرى (Collected Works, vol.18, p.300).

وقال زينوفيف عنها:

“كُرس أكثر من نصف مساحتها لرسائل العمال والعاملات في المصانع. وكانت برافدا نمطا خاصا من الجرائد الشيوعية. إذ أدت الوظائف التي لم تقم بها جريدة أخرى. وكانت مختلفة عن جميع الجرائد الديمقراطية الاجتماعية البرجوازية الأخرى حتى في شكلها الخارجي. إذ كان نصف الجريدة مكتوبا بيد العمال والعاملات والجنود والبحارة والطهاة وسائقي سيارات الأجرة والعاملين بالمتاجر…

“تحدثت تلك الرسائل عن الحياة اليومية في المصانع أو الورش، والثكنات أو الأحياء الصناعية. وعرضت في لغة بسيطة، تفاصيل الحرمان والاضطهاد الذي يخضع له العمال. وكشفت تلك الرسائل الاستبداد البغيض للمسئولين المنحطين في المصانع والشركات. وأعطت تلك الرسائل صورة مؤثرة عن الفقر والمعاناة التي تعيش في ظلها الجماهير. وعبرت تلك الرسائل أفضل من أي شيء آخر في العالم عن الاحتجاج اوالسخط المتنامي الذي انفجر فيما بعد في ثورة عظيمة. وأصبحت الجريدة معلما عظيما للجماهير العاملة، وساهم العمال أنفسهم إلى حد كبير في هذا الاتجاه… Bulletin of the Executive of the Communist International, 1921).

“و بهذه الطريقة، عكست الجريدة خبرة العمال، وصارت بكل سهولة قائدا تنظيميا لهم. وكان لذلك أهمية خاصة بالنسبة للبلاشفة، إذ كانوا يعملون كحزب غير شرعي، ولا تتوفر لهم أمكانية ممارسة التجنيد المفتوح. ورغم هذا استطاعوا بناء شبكة من الأشخاص الذين يراسلون الجريدة ويوزعوها ويصطحبون مجموعات منها في ورش العمل.

ولهذا، بيع على سبيل المثال، نصف نسخ الجريدة في سان بطرسبرج داخل المصانع. وتمكن الأفراد المسئولين عن بيع تلك النسخ من توفير طريقة علنية لتنظيم انصار حزب سري واقعيا. إذ جمعوا كوبيكا واحدا من كل عامل مقابل الجريدة، كان بمثابة اشتراك في الحزب، إذ كان العمال يدفعونه تعبيرا عن تأييد الحزب. وأعطت قوائم جمع التبرعات التي نشرت في الجريدة، مؤشرا على مدى اتساع شبكة أنصار الجريدة. ولهذا عندما أراد لينين إظهار مدى قوة البلاشفة في مواجهة تيار “التصفويين” الإصلاحيين داخل الحركة العمالية، قارن بين قائمة جمع التبرعات المنشورة في برافدا مع القوائم المنشورة في جريدة التصفويين، “لوش”. وفي الحقيقة، بيعت 40 ألف نسخة يوميا من برافدا، وكانت هناك حصيلة تبرعات من 2181 متبرع مفرد من مجموعات العمال في 1913، مقابل بيع 16 ألف نسخة من جريدة “التصفويين” و671 تبرع في جانبهم. وأثبتت له هذه الحقيقة مدى تفوق تأييد البلاشفة (See, for instance, Collected Works, vol.20 pp.381-387).

ولكن البرافدا لم تكن مجرد عكس لخبرة العمال. إذ سعت أيضا إلى ربطها مع المبادئ العامة التي يعمل عليها البلاشفة.

وطرح لينين في ما العمل، أن الجريدة الثورية عليها ألا تكتفي بفضح الشروط الخاصة التي وجد العمال أنفسهم في مواجهتها في المصانع. بل عليها أيضا تقديم “فضحا شاملا” للمجتمع ككل- لدولة القيصر، لتطور الرأسمالية فيها، وكشف دور الطبقات المختلفة، وعرض مختلف النضالات ضد الاضطهاد والاستغلال مثلما تعرض نضالات العمال.

واجتهد لينين ليتأكد أن مثل هذه الأفكار الماركسية الواضحة تجد سبيلها إلى الجريدة، من خلال الانتقال من جنيف إلى كراكوف (في الجزء الذي تسيطر عليه ألمانيا من بولندا) وذلك حتى يستطيع تقديم مقالات للنشر يوميا.

وكتب مئات المقالات- حرفيا. كان كثير منها قصيرا تماما، ربما بلغ طولها 500 أو 600 كلمة، متعلقا بنطاق واسع من الأشياء- مؤتمر الحزب الاشتراكي الإيطالي، وثمانون عاما على حركة الطبقة العاملة الروسية، والمسار العملي للرجعية العتيقة التي كانت ذات يوم ليبرالية، وتركز الانتاج في روسيا، ومستويات الأجر والإضرابات، والحكومة البريطانية الليبرالية، وهل ينبغي ان ينخرط رجال الدين في السياسة، والحرب الإيطالية في ليببا، وحرب البلقان، والثورة الصينية عام 1912، والانتخابات في الولايات المتحدة، ومؤتمر حزب العمل المستقل في بريطانيا، ووفاة هاري كويلاش من الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي البريطاني، وفلسفة ديسجن.

ولم يتمثل اهتمام تلك المقالات بنقل المعلومات، في مجرد الحرص على نقل المعلومات. بل كانت كل مقالة مصممة بعناية لتقديم رسالة سياسية بعينها: دور خيانة البرجوازية في الحرب ضد القيصر، وخطر الميل الإصلاحي داخل حركة الطبقة العاملة، وكيف تؤدي الإمبريالية إلى الحرب، والعلاقة بين النضال من أجل التحرر الوطني والنضال الاشتراكي، وهكذا. وكان الاهتمام بتطوير وعي القراء العمال، حتى يستطيعون البدء في إدراك الارتباط بين خبرتهم الخاصة ونضال طبقتهم على مستوى العالم.

وكتب لينين أيضا مقالات من نوع مختلف- أطول (ألفين كلمة أو أكثر، أحيانا تنشر متسلسلة في عددين أو ثلاثة من الجريدة)، يعالج فيها بشئ من الاستفاضة موضوعات تدور النقاشات حولها داخل حركة الطبقة العاملة مثل مهام اللحظة.

وبشكل أساسي، أخذت تلك المقالات شكل تقديم حجج في مواجهة “التصفويين”. وفي أحد المستويات دارت المناقشات حول التساؤل عن إمكانية اقتصار الحركة العمالية ببساطة على بناء حزب علني ذو قاعدة واسعة بعيدا عن النقابات العمالية، وجمعيات التأمين العمالية، والجرائد الشرعية ، … وما إلى ذلك. وطرح البلاشفة شيئا آخر، وكانوا في البداية قسم من المناشفة ملتفا حول بليخانوف. وتمثل الطرح الآخر أساسا في المحافظة على السرية، والأجهزة السرية، مع جرائدها المهربة من الخارج. وإذ حصر التصفويين أنفسهم في الأشكال العلنية من التنظيم، فقد رفضوا بالضرورة طرح الإطاحة الثورية بالقيصر، وبذلك طمسوا اختلافهم عن البرجوازيين الليبراليين الذين لا يريدون سوى الإصلاح القيصري فحسب. ولم يكن ممكنا الحديث صراحة عن الإطاحة الثورية بالمجتمع إلا في الصحافة السرية فقط، ولا يمكن التحضير للقيام بذلك سوى من خلال أشكال سرية من التنظيم فقط.

وعندما كان لينين يصر على ظهور تلك المقالات في الجريدة (في بعض الأحيان على غير رغبة محرري المراكز في سان بطرسبرج)، كان مصرا على أن تصبح الجريدة أكبر من مجرد التعبير عن خبرة الطبقة العاملة أو أداة دعاية للأفكار العامة حول الماركسية. وكما كان عليه أيضا الإجابة على سؤال: ما العمل؟

وكان لينين في هذا الصدد أقرب إلى مارا، الثوري البرجوازي المتسق، أكثر ممن قاموا بإصدار جرائد للطبقة العاملة، مثل نورث ستار وديلي هيرالد. ولهذا السبب، استطاع مثل مارا، استخدام الجريدة في التحضير للثورة.

جرائد المد الثوري

تستوفي الأمثلة الأربعة التي عرضناها توضيح السمات التي ينبغي توفرها في الجرائد الثورية لتنجح في فترة المد الثوري. فلا يجب اقتصارها على أن تكون جرائد لشرح الأفكار الثورية وتقرير مايجب فعله فقط، بل توفر أيضا مساحات للتعبير عن الخبرات التي تعيشها الجماهير. وستكون في هذه الحالة صحافة جماهيرية، ولأجل الجماهير أيضا، أي تقوم الجريدة بدور تنظيمي للتحرك، بقدر ما تحث عليه أيضا.

وتتضح هذه الفكرة في الخطاب الذي كتبه زينوفيف في الشيوعية الأممية، موجها إلى محرري الجرائد الشيوعية في 1921. وعبر عن شكواه كما يلي:

“جرائدنا شديدة الجفاف، شديدة التجريد، شبيهة جدا بجرائد الطراز العتيق. إنها تؤكد أكثر مما ينبغي على ما يهم المحترفون السياسيون، وتحتوي على قدر ضئيل للغاية من تلك المواد التي يمكن أن تقرأها بشغف كل عاملة، كل عامل مؤقت، كل خادمة في مطبخ، كل جندي. تحتوي جرائدنا على كثير من الكلمات الأجنبية التي تخص المتعلمين، ومقالات جافة وطويلة جدا. كما نتلهف للغاية على تقليد الجرائد “المحترمة”. ولابد أن يتغير كل هذا…

“لا ينبغي بأي حال أن تشغل الجرائد الشيوعية اليومية نفسها فقط بما يسمى السياسة “الرفيعة”. على العكس، يجب تكريس ثلاث أرباع الجريدة إلى الحياة اليومية للعمال…

“ينبغي أن تنافس جرائدنا الجرائد البرجوازية وغيرها. علينا أن نقدم وفرة من المواد الجيدة، المختارة على نحو جيد والجاذبة للقراء… علينا ان نفكر بطريقة منهجية لماذا تنجذب جماهير الطبقة العاملة إلى … الجرائد البرجوازية… علينا أن نتعلم من جرائد مثل ديلي هيرالد التي تسعى جاهدة لتغطية كل جوانب حياة العامل وأسرته… والأهم، علينا أيضا تقديم الشيء الخاص المميز لنا، الذي لا تستطيع الجرائد البرجوازية والاشتراكية الديمقراطية توفيره. وهو بالتحديد رسائل العمال والعاملات من المصانع ومواقع العمل، ورسائل الجنود، وما إلى ذلك.

علينا تطوير مراسل صحفي شيوعي جديد. لابد أن يكون اهتمامه بمجموعات الضغط في البرلمان أقل من اهتمامه بها في المصانع والمتاجر، وبين عمال المنازل وعمال غرف الطعام، والعمال بالمدارس.. الخ. تحبذ جماهير العمال بشدة السخرية الحادة والتهكم اللاذع من الأعداء. إذ يعد استخدام رسم كاريكاتيري مصوبا في مقتل أفضل من عدد من المقالات المحلقة في سماء يطلق عليها “ماركسية”… و بدلا من المحرر الرسمي اليومي المعهود، علينا أن ندخل في رسائل مهمة بدرجة أو أخرى يكتبها العمال أو مجموعة عمال من مصنع بعينه، أو صورة لبعض العمال المعتقلين، أو سيرة ذاتية لعامل ألقت عليه المحاكم البرجوازية عقوبة وأشاع روحا معنوية قوية أثناء محاكمته. تجريدا أقل وأشياء ملموسة أكثر- هذا ما نحتاج إليه في جرائدنا… (Bulletin of the Executive Committee of the Communist International, 1921)..

ونجد هذا الكلام ممتازا حول ما ينبغي أن تكون عليه الجرائد الثورية في تصاعد النضالات. وهو ليس فقط تلخيصا لما قدمته برافدا، ولكنه أيضا لما قدم بشكل أفضل في “صديق الشعب”، و”نجمة الشمال”، و”ديلي هيرالد”.

وهو يعكس أيضا المشاعر في الفترة من 1917 إلى 1921، عندما كانت الانتفاضات الثورية تجتاح بلدا إثر الأخرى، وكانت أحزاب أوربا الاشتراكية الديمقراطية العظيمة آخذة في الانقسام من الداخل، بينما يختار نصف نشاطاءها الشيوعية الثورية.

ورغم ذلك، ربما لا يكون من الصواب أخذ كلمات زينوفيف باعتبارها مؤشرا على ما بمقدور الجرائد الاشتراكية الثورية أن تكون عليه، وهو ما ينبغي عليها أيضا، في كل الأوقات وتحت كل الظروف. فلن تستطيع أي من الجرائد التي قدمناها البقاء على الحياة طويلا في صورتها الأصلية، بمجرد أن تخلي فترة النمو وتصعيد النضال مكانها لفترة هزيمة وإحباط.

لم تستمر “صديق الشعب” بعد قتل مارا في 1793، بينما الجرائد التي استولت على جمهورها، مثل جريدة هيبرت “بير دوتشيسن” (Père Duchesne ) أو “الأب دوتشيسن”، لم تستطع مغالبة هبوط الموجة الثورية الذي تلى ثيرميدور في 1794. وظلت “نجمة الشمال” في حالة ترنح لمدة أربعة سنوات بعد الخروج الكبير الأخير للشارتية في 1848, ولكن انخفض توزيعها ونفوذها كثيرا قبل الانهيار في 1852. وكما رأينا فعليا، تحولت ديلي هيرالد اليومية إلى جريدة أسبوعية أثناء الحرب العالمية الأولى، ولم تستطع الحفاظ على بقائها بعد الهزائم الضخمة التي منيت بها النقابات في 1921 إلا مع الانتقال الحاد إلى اليمين، ومحو هويتها كجريدة “عمالية” بأي معنى حقيقي.

واجبرت برافدا على التوقف عن الصدور عندما هدأت النضالات بسبب الحرب العالمية، إذ أتيح للقيصر تبني سياسات أكثر قمعية بكثير عما كان يتبع في سنوات 11-1913. وتمكنت الجريدة من الصدور مرة أخرى مع ثورة فبراير 1917- ولكن ذلك فقط بسبب نجاح الحزب البلشفي في الحفاظ على ترابط منظمته السرية في السنوات التي مرت بين الفترتين، باستخدام جرائد مختلفة تماما في نمطها عن برافدا.

الجرائد في فترات الجزر

تختلف تماما العلاقة بين الخبرة اليومية للعمال وأفكار الاشتراكية الثورية في فترة تنامي النضال عنها في فترة الانكسار والاحباط المعنوي. فالعمال لم يكتشفوا بعد بأنفسهم قوة العمل الجماعي. لا يرون بصورة عملية زيف أفكار الطبقة الحاكمة. ويشكل المستمرون في تبني رؤى اشتراكية ثورية من الطبقة مجرد أقلية– وأحيانا أقلية محدودة جدا. ولا تكون تلك القناعات بناء على خبرة مباشرة، بل أفكار عامة تطورت نتيجة لنضالات حدثت في الماضي البعيد، أو بلدان بعيدة.

يجب أن تختلف الجرائد الملائمة لتلك الفترة تماما عن نمط جرائد برافدا في فترة المد. فلابد أن تولي اهتماما أكبر بالأطروحات النظرية العامة وعلى ما العمل لوقف الهزائم المتوالية. ويمثل ذلك السبيل الوحيد لتجميع أقلية العمال حتى يظلوا منجذبين إلى الأفكار الثورية وتسليحهم من أجل مقاومة الانجرار العام إلى اليمين. وتاريخيا، كانت الجرائد الصادرة في فترات الجزر مختلفة في نمطها تماما عن الصادرة في فترات المد. لقد صدرت “نويه رينيشيه تسايتونج” في المنفى عام 1850، وكانت جريدة سميكة تضم مقالات طويلة، مثل نشر سلسلة الحرب الأهلية في فرنسا. وأيضا جريدة “رد ريبابليكان” (Red Republican) أو “الجمهوري الأحمر” ، التي أصدرها جوليان هارني عام 1850 في محاولة لتجميع الجناح الراديكالي داخل الشارتية، وواصلت نشر تقارير عن اجتماعات النقابات والإضرابات، ولكن كان محورها يتألف من مقالات طويلة ذات طابع يشبه الافتتاحيات – والشاهد على ذلك الطريقة التي نشرت بها الترجمة الإنجليزية الأولى البيان الشيوعي (وبدأت الصفحة الأولى فيها بالكلمات الخالدة، “وحشا يخيم على أوربا…”). وتضمنت الجرائد السرية التي هربها البلاشفة من الخارج إلى روسيا في الفترة 07-1911، و 14-1917 مقالات تتألف من عدة آلاف كلمة، بدلا من المقالات التي كانت تقتصر على 500 أو 600 كلمة في برافدا.

تمثل الجرائد الثورية أداة تنظيمية لا غنى عنها في أوقات الجزر بنفس القدر الذي تمثله أوقات المد. إنها أدوات تمكن قوى الاشتر اكية الثورية، سواء كانت ضئيلة أو واسعة الانتشار، من التواصل مع بعضها البعض والدفاع عن نفسها ضد ضغوط أيدولوجية البيئة المعادية، وجذب قليل من الأشخاص الجدد إليها.

ولكن ينبغي أن بناء الأداة بصورة مختلفة، لأن طبيعة مهمتها مختلفة إلى حد ما. فماذا سيحدث، على سبيل المثال، إذا اتبعت بجدية دعوة زينوفيف بأن تكرس نصف مساحتها لخطابات العمال العاديين؟

حينها لن يكون أمامها إلا أن تتورط في إدعاء سافر، ناشرة افكار الثوار الملتزمين الأشداء، متظاهرة بأنها نابعة من عنابر المصنع مباشرة، أو تعبر فقط- وهذا أرجح- عن وطأة المعاناة التي يعيشها العمال، دون تقديم أي أفكار واضحة حول ما ينبغي فعله بخصوص هذه المعاناة. وإذا كان مزاج الطبقة مصبوغا بالشقاء والإحباط، بدلا من الثقة في القتال، حينها ستعكس الجريدة مجرد الشقاء والإحباط هذا. وبدلا من التعبير عن الغضب المعتمل داخل الطبقة، كما تفعل الجرائد في حالة المد، تعبر عن ضعف المعنويات- وتنتهي بسهولة إلى الانحناء أمام أوهام الإصلاح التي تتكاثر داخل الطبقة عندما تكون المعنويات منخفضة.

بالطبع، هناك نقاط مشتركة بين الجريدة في حالة المد و حالة الجزر. فكلاهما عليها أن تكون جريدة منظمة قتالية، بدلا من مجرد تقديم تعليقات حول العالم. وكما ذكرت “ثيسس” (Theses) أو “أطروحات” الصادرة علن المؤتمر الثالث للشيوعية الدولية:

“جرائدنا يجب أن تهدف إلى جمع الخبرات الثمينة لجميع أعضاء الحزب، ونشر هذه الخبرة في شكل خطوط إرشادية. وهكذا يمكن مراجعة وتحسين المناهج الشيوعية في العمل بشكل ثابت… وسوف تؤسس جرائدنا سلطتها عن طريق الموقف الصلب الذي تتخذه في جميع القضايا الاجتماعية للبروليتاريا… يجب ألا تهتم بانتقادات كتاب البرجوازية الصغيرة ومتقني فن الصحافة، أو تطمح لمدخل إلى الدوائر الأدبية.

عليها أن تكف تماما عن أسلوب إضفاء مظاهر مصطنعة على الأحداث، وأن تكشف عن جوهرها الطبقي أيضا. وكما اكد تروتسكي بإصرار، عندما وجهوا انتقادات إلى الجريدة الشيوعية الفرنسية “لومانيتيه” [(l’Humanité) أو "الإنسانية"] عام 1921: عليهم ألا يقعوا في خطأ النظر إلى السياسية باعتبارها ما يتعلق بالألعاب التي تمارس في البرلمانات (The First Five Years of the Communist International, vol.1, p.166) او الأحداث الدولية فيما يتعلق بتفاصيل الدبلوماسية.

ينبغي أن ترتبط التحقيقات التي تقدمها الجريدة بالمشاكل التي تواجه العمال المناضلين، ولابد ان تكون مكتوبة بلغة يسيرة على هؤلاء المقاتلين.

ولكن تبقى لجرائد فترات الجزر مهمة مختلفة عليها القيام بها دونا عن جرائد فترات المد، وهي أصعب أيضا من عدة وجوه. تواجه هذه الجريدة وضعا تتعرض فيه أفكار الاشتراكية الثورية إلى هجوم متواصل على جميع الجبهات، فعليها أن تكرس مساحة للدفاع عنها. وينبغي أن تكون أحد مهامها الرئيسية تسليح مؤيديها إيديولوجيا، ولن تستطيع ذلك إلا إذا وفرت لهم عرضا شديد الوضوح عما يجري حول العالم. والفكرة الأخرى التي لها نفس الاهمية الشديدة، إن قوة العمال لايمكن توضيحها من خلال إشارة ما إلى حدث قريب، ولكن الأمر يستدعي مقالات تاريخية ثرية وتحليلات قيمة حول ما جرى للرأسمالية على الصعيد العالمي. وفي حالة المد، تتطابق أفكار الاشتراكية الثورية بشدة مع التطورات التي تحدث بشكل تلقائي داخل الطبقة العاملة. ولكن في حالة الجزر، فالوضع شديد الشبه بما وصف في ما العمل، حول الوعي الاشتراكي الذي يأتي من خارج الطبقة- من أطروحات الحزب الذي يحمل ذاكرة ما حدث في فترات المد الماضية.

لابد ان تتضمن جرائد فترة الجزر عروض حول النضالات التي تحدث. فهذا عنصر رئيسي في تمكينها من الارتباط بالاقلية التي تواصل النضال. ولكن لا ينبغي أن تكون العروض مجرد وصفا، حيث الأرجح أن مثل هذا الوصف سيتكون من هزائم وخيانات. هذا في حين أن الجريدة تكون في حاجة إلى مناقشات مطولة إلى حد كبير، حول أشياء مضت على نحو سيء، وما كان ينبغي فعله لتدارك الأمر. وفي وقت المد، قد توجد جرائد ناجحة إلى حد بعيد، وتكون ضبابية فيما يتعلق بما العمل، كما رأينا في ديلي هيرالد. أما في أوقات الجزر، لن تفتح مثل هذه الضبابية الطريق إلى الهزيمة فقط، بل ستتكفل أيضا بفشل الجريدة. بينما سيتمثل أهم ما تحتاجه قلة المناضلين، في أسلوب تجنب مزيدا من الهزائم.

ولتوضيح ما سيحدث للجريدة التي لا تقدم هذا الشرح، نجد مثالا في الجريدة التي كان تروتسكي يحررها بالمنفى في الفترة من 08- 1912 (وعرفت بأسم برافدا فينسيا، لتمييزها عن جريدة البلاشفة التي ستحمل اسم برافدا نفسه فيما بعد).

كان تروتسكي حينها أكثر الكتاب السياسيين موهبة بين الاشتراكيين الثوريين الروس. ورغم هذا، ذكر اسحاق دويتشر في السيرة الذاتية المهمة التي ألفها عنه، ” لم تكن البرافدا عموما إحدى مشروعات تروتسكي الرائعة. عمد إلى تقديم نفسه إلى “العمال العاديين” بدلا من رجال الحزب أصحاب العقلية السياسية، وإلى “خدمة وليس قيادة” قُراء جريدته. وحققت الجريدة قدرا معينا من الرواج بسبب استخدام اللغة المتداولة، إلى جانب حقيقة أنها دعت إلى وحدة الحزب، ولكنها لم تحقق أي تأثير باق. وفي العادة، يعمل من يعرض قضية أمام فصيل أو مجموعة، على إشراك نفسه نقاشات معقدة بدرجة أو أخرى، ويوجه حديثه إلى الفئات العليا والوسطى من الحركة، أكثر مما يتعامل مع جمهورها العادي.”

وهؤلاء يكونوا قادرين على “كسب كوادر حزبية إلى أطروحاتهم الأكثر تقدما” وهؤلاء هم من “ينقلون الأطروحة، في صورة أكثر تبسيطا، “باتجاه المستويات الأدنى” إلى الجمهور العادي.

الجرائد الرديئة

ويمكن أن يؤدي الفشل في فهم طريقة التعامل مع فترة الجزر والإحباط إلى صدور جرائد فاشلة تماما في تجميع الأقلية الراغبة في مقاومة حالة الجزر.

ويتمثل أبسط الأساليب التي يمكن اتباعها، وأكثرها جاذبية في بعض الوجوه، في محاولة الإبقاء على رواج الجريدة بواسطة نسخ أسلوب ومحتوى الصحافة الرأسمالية الرائجة. ولابد لأي شخص له علاقة ما بإصدار الجرائد أن يكون قد استمع إلى عبارة “نستطيع البيع أكثر فقط إذا فعلنا مثل الجرائد اليومية الرائجة”.

وهذا ليس بجديد. إذ جرب الناشرون الراديكاليون أسلوبا وحيدا للاحتفاظ بقاعدة واسعة من القراء بعد انهيار الشارتية، وهو نشر جرائد مليئة بحكايات صارخة عن الجرائم، والفضائح الجنسية، والأحداث الرياضية، وما إلى ذلك؛ وفي الحقيقة، لعبت جرائدا راديكالية مثل رينولدز نيوز (Reynold’s News ) دورا رائدا في تطوير جريدة صنداي الرائجة. ومرة أخرى، خططت الجريدة “العمالية الرسمية” ديلي سيتزن (Daily Citizen)، المنافسة لجريدة هيرالد قبل الحرب، التقليد المتعمد للجرائد الرائجة الأخرى (حتى أن تحريرها كان يقوم عليه المحرر السابق لجريدة ديلي ميل (Daily Mail) الأكثر مبيعا حينها. وعندما خضعت هيرالد نفسها لسيطرة مؤتمر النقابات العمالية ومؤسسة أدامز، اتبعت نفس المسار.

ورغم هذا، ينتج حتما عن السعي إلى الرواج بهذا الإسلوب، إغفالا للتقديم الجاد للأطروحة الاشتراكية. ويرجع السبب في هذا إلى الارتباط الوثيق للغاية بين شخصية الصحافة الرأسمالية الرائجة وظيفتها الإيديولوجية.

تحاول الجريدة الاشتراكية توفير رؤية متماسكة حول العالم لقراءها، وعندما يوضع كل خبر فيها في النمط واضح المعالم المناسب له، فهذا يمكن القراء من فهم القوى الحقيقية وراء التطور الاجتماعي وكيف يمكن تغييره. وعلى العكس، تهدف أي جريدة رأسمالية رائجة إلى وقف تطور مثل هذا الفهم المتماسك للعالم. وتحرص على جعل الواقع الاجتماعي الحالي يظهر وكأنه مكونا من عدد كبير من الأحداث العشوائية غير المرتبطة ببعضها وغير القابلة للتحكم فيها.

وكما أشار الشيوعي المجري أدالبرت فوجارارسي عام 1921 في مقالة رائدة له، تقوم [الجرائد البرجوازية] بذلك من خلال تقديم مجموعة “أخبار” وكأنها كتلة من شذرات غير مرتبطة ببعضها من المعلومات. “ تصل إلى تطوير منهجي للجهل، في شكل توصيل وفرة من المعرفة والمعلومات… وتسعى الصحافة الرأسمالية إلى تشكيل هيكل وعي القراء بالطريقة التي ستجعله غير قادر على التمييز بين الحقيقية والزيف، على أن يربط بين السبب والنتائج، على وضع الحقيقة المفردة في سياقها الشامل، على أن يدمج بعقلانية معرفة جديدة في منظوره… ومع تقدم الوقت لابد أن يعلق وعي القراء في حالة متواصلة من عدم الاستقرار والارتباك والتشوش… “(translated in Radical America, May-June 1969).

ويجعلون القارئ يشعر أن هناك قيمة وفائدة حقيقية يمكن الحصول عليها من معرفة كل أنواع المعلومات حول أشياء لا علاقة لها واقعيا مع حياته او حياتها الخاصة على الأطلاق- مآثر الملوك، والحياة الجنسية لأبطال الأفلام، وسلوكيات الرياضيين، والرسوم البيانية لترتيب اغاني البوب، وتوقعات الأبراج الفلكية، والتفاصيل الدقيقة لبعض الجرائم. ويُخلق وضعا يشعر فيه الناس أنهم غير قادرون على المشاركة في الأحاديث العادية مع الآخرين إلا إذا عرفوا هذه الأشياء. ورغم أن شذرات “الأخبار” محايدة إيديولوجيا بالفعل، إلا أنهم يأخذون مأخذ المسلمات أشياء مثل قبول الملَّكية، ومعاملة النساء كسلعة، وحتمية المنافسة، والتماهي مع بلدك “أنت” ضد جميع الآخرين في كل ميادين السعي (من العلم إلى الحرب).

والجريدة الاشتراكية التي تكرس نفسها للتجارة في مثل هذا النوع من “الأخبار” تسقط حتما، في الدعاية لقدر هائل من التوافه التي تبرر الوضع الراهن. ولهذا السبب كانت جريدة الكومنترن “أطروحات” محقة في التأكيد على “جرائدنا لا ينبغي لها محاولة إشباع رغبة “الجمهور” في الإثارة أو التسلية الخفيفة”.

وفي فترات المد، لا يعوق هذا من أن تصبح الجرائد الثورية نفسها شديدة الرواج. إذ تجذب خبرات النضال العمال للبحث عن فهم حقيقي لوضعهم، والانفعال الحقيقي الذي ينتج عن النضال، وليس بسبب وطأة التماهي مع خطوات الملوك والنجوم وفرق الرياضة. وفي فترات الجزر، رغم أن هذا الأسلوب يؤدي بالضرورة إلى مواجهة الجرائد الاشتراكية نقدا من العمال غير المسييين حيث لا تتضمن الأشياء التي يريدونها (سواء كانت مجموعة من أخبار الرياضة أو صفحة للصور العارية). وبدلا من الإحساس أن هناك ما يعيب الجريدة، يجب أن يفهم الاشتراكيين أن ذلك مجرد انعكاس لقلة انتشار الأفكار الثورية، الأمر الذي لن يبقى على حاله إلى الأبد.

والخطأ الثاني الذي قد تقع فيه الجرائد الاشتراكية، هو السقوط في فخ إصدار جريدة لا يمكن فهمها إلا لمن لديهم خبرة فقط. وقد وقعت المنظمة الإيطالية “الديمقراطية البروليتارية” (Democracia Proletaria) في هذا الخطأ، عندما أصدرت جريدة “كوتديانو دي لافوتوري” (Quotidiano dei Lavoratori ) أو جريدة العمال (يومية في البداية ثم أسبوعية فيما بعد)، وكانت موجهة إلى أوساط المثقفين الراديكاليين أكثر منها موجهة إلى المناضلين في مواقع العمل. وفي الحقيقة، لأنها لم تكن متفهمة لما يحدث بالفعل في حركة العمال، لم يكن لديها الكثير لتقوله حتى للمثقفين.

وسقطت كثير من المجموعات بصورة مشابهة من الخطأ نفسه، حيث كانت استجابتهم على الدخول في فترات الجزر، هي مجرد تكرار مبادئهم التأسيسية، دون معالجة منهم نهائيا للسؤال المباشر ما العمل. وبدلا من طرح الأفكار العامة للماركسية بقوة ووضوح، من خلال ربطها بالصعوبات التي تجدها القلة من المناضلين، أيا كانت ضآلة عددهم، تحدثوا فقط مع أنفسهم ولم يجنوا سوى الرياح.

ووقع آخرون في خطأ مشابه إلى حد ما، إذ رأوا أن الحركات غير الطبقية المتنوعة يمكن أن تزدهر حتى عندما يكون النضال العمالي خاضعا لجزر شديد، ويكرسوا جرائدهم لها. وثمة أمثلة كثيرة على هذا في جرائد اليسار الأوربي الثوري، إذ صارت لا تزيد كثير عن مجموعات مختلفة من الصفحات تسجل خبرات الحركات المختلفة- جريدة حول البيئة، وصفحة حول حملات السلام، وجرائد حول النسوية، وصفحة حول حركات مناهضة الإمبريالية، وصفحة حول ثقافة الشباب، وبالمثل جريدة حول الأنشطة داخل النقابات، دون أي محاولة لدمج كل هذا مع بعضه في صورة واضحة للنضال الكلي الذي تلعب فيه الطبقة العاملة دورا حاسما. وتلك الجرائد لا تملك ما تقول لهؤلاء العمال الراغبين في مواصلة النضال، وعادة حتى لا يكون عندها جديد تقوله للمشاركين في تلك الحركات أيضا.

يمكن أن يحدث خطأ آخر بإصدار ما يطلق عليها جريدة “تحريضية زائفة”. إذ تعطي مظهرا يعكس حالة مد لنضال حقيقي. وتكتب باللغة التي يستخدمها العمال في حياتهم اليومية، وتمتلئ بحكايات المعارك الجارية، وتفضح التخويف الذي يمارسه النظام حينها. ولكنها تكون في واقع الأمر زيف تام، لأنه رغم حدوث معارك كبيرة الحجم أحيانا، إلا إنها تكون من نمط المعارك الدفاعية، التي تكون قائمة في معظم الأحيان. وبدلا من مد النشطاء بالأطروحات التي تمكنهم من فهم الوضع، تترك تلك الجرائد قراءها بلا مُعين، بصورتها الزائفة التي تعكس الحماس والنجاح.

وتوضح جرائد الحزب الشيوعي البريطاني مثالا حول الاسلوب الذي يحدث به هذا، جريدة وركر ويكلي (Workers Weekly) أو جريدة العامل الاسبوعية، ثم ديلي وركر (Daily Worker) أو جريدة العامل اليومية في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين. بعد عدد من التجارب الخاصة (لمزيد من التفاصيل أنظر المقالة المفيدة لجين اري سميث في (IS 2: 18) )، نجح الحزب في تحويل “العامل الأسبوعي” إلى جريدة عمالية تحريضية جيدة في الفترة 24- 1925. وإذا قرأت الجريدة في تلك السنوات، تشعر أن من يقومون على إصدارها تعلموا من الجانب الجيد في “العامل اليومي” الأولى.

ولكن بداية الفترة الثالثة لستالين حينها في أواخر عشرينيات القرن العشرين، كان معناها أن المحررين لم يستطيعوا تفهم الهزيمة البشعة التي عانت منها النقابات في بريطانيا. إذ أصبحت نغمة الجريدة أكثر صخبا بصورة متزايدة وأكثر تحريضا في الوقت الذي أصبح فيه مزاج الطبقة أكثر إحباطا. وزاد هذا الميل سوءا مع إصدار الجريدة بشكل يومي عام 1930. ورغم أن الجريدة بدأت تنشر عروضا لأحداث قائمة، إلا أن جمهور العمال المشارك لم تبدو له هذه الأحداث بهذا الشكل، لأنهم كانوا يواجهون الهزيمة القاسية تلو الأخرى. وفي الحقيقة، أعاقت النغمة التحريضية الزائفة أي تحليل حقيقي لما يحدث بالفعل في الطبقة، أو أي عرض واضح للأفكار التي يحتاجها النشطاء ليحافظوا على بقائهم خلال تلك الفترة. وهكذا بدلا من المساعدة على بناء الحزب، كانت الجريدة اليومية، في سنواتها الأولى، استنزاف إضافي لحماس ونشاط الأعضاء.

وفي النهاية، يتمثل ما قد يكون أكثر الاشكال مطابقة لجرائد فترة الجزر، في الجريدة التي تحتوى على دعاية وفضح لمدى سوء النظام القائم، ولكن مرة أخرى، لا تتجه كثيرا إلى التحليلات الواضحة لما العمل إزاء ذلك. ويكون شكل الجريدة شعبيا، رغم إن قاعدة قراءها فعليا، تتسع عادة وتضيق معها. ومن الأمثلة التي ينطبق عليها هذا في بريطانيا حاليا “لابور هيرالد” (Labour Herald)، و مورنينج ستار (Morning Star) أو “نجمة الصباح”، و جريدة “ميلتانت” (Militant) أو المناضل. وفي كل منها ستجد روايات عن مدى سوء معاملة حزب المحافظين للناس، وعن مدى سوء أحوال العاطلين عن العمل، وعن الحالة التي يرثى لها للخدمة الصحية أو مجلس الإسكان. ولكن أية منها لا تقدم تحليلا جادا لحالة حركة الطبقة العاملة، ولا تذكر تفاصيل عن ما العمل الذي يجب الالتزام به من أجل كسر حلقة الجزر.

الجريدة الثورية والحزب

انطلقت الجرائد الثورية الناجحة في فترات تأجج الصراع على يد أفراد لا تدعمهم أي منظمة. وجذبت أقسام كبيرة من الجماهير وراءها، وخلقت التيارات التي بدأت في ممارسة دور الأحزاب.

وانطبق هذا كما رأينا على حالة “صديق الشعب”، و”نجمة الشمال”، و”هيرالد اليومية”. واستطاع تروتسكي، رغم فشله الذريع في الفترة 08- 1912، تحقيق نجاح أكبر في المحاولة الثانية التي تمت سنة الثورة 1905. وذكر في سيرته الذاتية كيف استطاع اصدار الجرائد التي كانت أنجح بشكل واضح من الصحافة البلشفية:

” تسلمت مع بارفوس جريدة صغيرة هي “راشان جازيت” Russian Gazette)) أو المجلة الروسية، وحولناها إلى أداة نضالية جماهيرية. وخلال أيام قليلة ارتفع التوزيع من 30 ألف إلى 100 الف نسخة. ووصل بعد ذلك بشهر واحد إلى مستوى نصف المليون..

“وفي 13 نوفمبر، بدأنا إصدار جريدة سياسية كبيرة، هي “نشالو” (Nachalo أو البداية) بالتعاون مع المناشفة. وقفز توزيع الجريدة في لمح البصر. وحينها كانت الجريدة البولشفية “نوفايا جيزن” Novaya Zhizn) أو الحياة الجديدة) تتهاوى بدون لينين. بينما تلقي “ناشالو” في الوقت نفسه نجاحا ساحقا… وأخبرني كامينيف، أحد محرريها، فيما بعد كيف كان يراقب بيع الجرائد في أحد المحطات… فوجد الطلب على الجرائد الثورية فقط. وتأتي صيحات الحشد المنتظر “نشالو” “نشالو”، ثم “نوفايا جيزن” ثم مرة اخرى “نشالو”.. “نشالو”.. “نشالو”. وعندها قلت في نفسي، لقد أقر كامينيف، أنهم يكتبون أفضل منا في نشالو” (My Life, New York 1960, p.178).

وفي مثل هذه الحالات، تبيع الجريدة نفسها بالفعل. ويمكن استخدامها في بناء الحزب، ولكن الأمر لا يستدعي بالضرورة أن يكون هناك حزبا من أجل تحقيق نجاح قصير الأمد.

وتكون الأمور شديدة الصعوبة في فترات الهزيمة والإحباط. وفي مثل هذه الأحوال، لا يمكن الاستمرار بالجريدة دون جهد شاق ومنتظم، الأمر الذي لا يملك تقديمه سوى حزب.

واكتشف تروتسكي ذلك عندما حاول إصدار برافدا فيينا معتمدا على نفسه فقط.

“كان إصدارها غير منتظم بسبب شح المال- إذ ظهرت خمسة أعداد فقط في السنة الأولى من تحريره لها. ولكن كانت طباعتها أسهل من نقلها سرا إلى روسيا. واستنجد المحرر دائما بعون القراء، واشتكى من وجود “كميات كبيرة” من الجريدة محتجزة على الحدود الروسية، إذ لم يكونوا قادرين على إدخالها، لانهم لا يملكون 50 روبل؛ حتى أن مخطوطات العدد الجديد تبقى مكدسة على مكتبه غير قادر على إرسالها إلى المطبعة، واضطرت البرافدا إلى إيقاف التراسل مع القراء في روسيا لانها غير قادرة على توفير أجرة البريد…”(The Prophet Armed, London 1954, p.192).

ولم تحل المشاكل المالية إلا مؤقتا، عندما وافقت الأغلبية البلشفية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي سنة 1910 على منح الجريدة إعانة؛ وعادت الأزمة مرة أخرى عندما انهار هذا الاتفاق وتوقفت جريدة تروتسكي عن الصدور- بمجرد أن بدأت سميتها البلشفية تحظى بالنجاح في بطرسبرج.

ووجد البلاشفة في إصدار الجريدة وتمريرها إلى روسيا نفس الصعوبة التي واجهها تروتسكي عندما قام بذلك زمن الجزر. ولكن الوجود في منظمة لها نظامها، كان يعني أن لهم شبكة مناصرين يمكنهم تولي المهام الضرورية الشاقة والخطرة التي يتطلبها، حتى لو كان في مواجهة قمع أكثر تعنتا.

ولهذا، على سبيل المثال، ظل باستطاعتهم الحصول على نسخ من جريدة سرية داخل روسيا، حتى أسابيع قليلة قبل اندلاع الحرب في أغسطس 1914، الأمر الذي مكن القيصرية من عزل الثوريين، وإغلاق الجرائد الشرعية، واعتقال أي شخص شارك في إصدراها. وفي أول نوفمبر تمت طباعة 1500 نسخة من “سوشيال ديموكرات” (Sotsial Democrat، أو الاشتراكي الديمقراطي) تدين الحرب، وبعد أسبوعان كان لينين يفتخر بأنهاعلى وشك عبور الحدود إلى روسيا (Krupskaya, Memories of Lenin, London 1970, p.254).

وحكي عامل التعدين البلشفي شليبنيكوف كيف استطاع تهربيها:

“وفي ضوء عمليات التفتيش على الحدود، كان العائدون إلى روسيا يرفضون حمل أي شيء يعرضهم للخطر، وكان علينا التفكير في طريقة لإخفاءها. وكان هناك عدة طرق: في صناديق السيارات، وربطات الكتب، والملابس والمظلات، والعكازات، والأحذية وما إلى ذلك. وكنت أفضل الأحذية. لذا أعطيت حذائي ذو الرقبة الطويلة إلى الإسكافي الذي أوصوني به… وسألته فتح ثقوب داخل الكعب والبطانة وملأها بنسخ “الاشتراكي الديمقراطي”. وسافر في الزوج الأول عددا من النسخ التي ارسلت إلى بطرسبرج بطرق ملتفة… (On the eve of 1917, London 1982, p.38).

وحكى أيضا كيف حاول بعد مرور سنة، دون ان يحالفه الحظ، عبور جسر من السويد إلى القسم الروسي الذي تديره فنلاندا حاملا “ربطات كثيرة” من الادبيات. وفي النهاية كان عليه ان ينزلق إلى أسفل الجسر فوق الجليد الذائب، ومر تحت أقدام الحرس المسلحين للنظام القيصري، حرفيا، حتى يوصل الجرائد حيث سيكون لها استخدام اكبر.

وكان الأمر يستحق العناء مع ذلك. ففي بطرسبرج:

“كان الطلب على الأدبيات الاشتراكية السرية كبيرا جدا، بحيث لم تكن التكنولوجيا السرية البائسة قادرة على سده. وتقدمت المبادرة الخاصة لنجدتها. وتداول العمال بالخارج فيما بينهم نسخا للإعلانات والمقالات من المطبوعات السرية بكل الصور، سواء منسوخة أو مطبوعة بالحبر أو المعاد طباعتها وما إلى ذلك. وتمتعت “الاشتراكي الديمقراطي” و “كومنيست” (او الشيوعي) بنصيب وافر من الرواج لدرجة دفع 50 كوبيك أو روبل كامل مقابل قراءتها لمرة واحدة (p.92).”

وكان ينظر إلى العنصر المادي باعتباره أمرا حاسما في بناء مجموعات الحزب السري في مواقع العمل. ووفقا للقواعد الارشادية التي حددها القادة التنظيميين: “على كل قائد تنظيمي إعداد مخزن للأدبيات وإمداد المجموعات بها دون إبطاء. وعليه عقب توزيعها أن يجمع تقارير حول تأثير توزيع الأدبيات في المصنع المحدد.” (p.96)

وينبغي الاهتمام باستمرار صحافة الحزب حتى في أكثر الظروف صعوبة. إنها الصلة الحية بين من في المنفى، المشتغلين في التحليل النظري للنضال الطبقي من كل جوانبه، محليا ودوليا، والنشطاء السريين المتعرضين لخطر الاعتقال بصورة دائمة بينما يسعون لبناء المنظمة السرية، والعمال المناضلين المحرضين في المصانع حول الأجور وتوفير الأغذية وما إلى ذلك.

واستطاع الحزب الإبقاء على تنظيمه من فترة ذروة نشاطه من 1912إلى 1914، حتى قاد الثورة 1917، لانه استطاع ان يصدر، وإن كان بأعداد ضئيلة، جرائده السرية في السنوات الفاصلة بين التاريخين. وهي الفترة التي تضمنت من ناحية تحليلا مطولا للينين حول الإمبريالية، والحرب وخيانات الاشتراكية الديمقراطية، ومن ناحية أخرى، تقارير من داخل روسيا حول رد فعل العمال على الحرب. وواصلت الصحافة أداء مهمة خلق ارتباط بين: المبادئ والخبرة وما العمل.

لم تقدر جريدة صادرة عن أفراد بدون حزب على فعل ذلك. ولن يكون بوسع حزب فشل في إصدار جريدة لأفضل العمال المنضالين فعل ذلك ايضا. يجمع الحزب وجريدته افضل العناصر الواعية من الطبقة معا خلال الجزر، ويعدهم للعب دورا قياديا عندما يشتد النضال.

العامل الاشتراكي: السنوات الأولى

ظهرت “سوشيلست ووركر” (Socialist Worker ، أو العامل الاشتراكي) جريدة منظمتنا، حزب العمال الاشتراكيين، منذ 16 عاما. وبدأت في فترة صعود النضال، ثم تواصلت خلال فترة التراجع والاحباط.

ظهرت أولا في سبتمبر 1968 بشكل أسبوعي، في أوج حركات الطلبة ومناهضة حرب فيتنام .

وقبل ذلك، صدر عن الاشتراكية الدولية (كما كنا نسمى حينها) جرائد شهرية أكبر- سوشيلست ريفيو (Socialist Review أو المجلة الاشتراكية) من 1950 حتى 1962، ويونج جارد (Young Guard أو الحارس الشاب) عام 1967. وكانت تلك الجرائد متفاوتة الجودة. وكانت في أفضل صورها تجمع بين تحليلات جادة حول القضايا السياسية العامة (حزب العمال، النضال النقابي، التوجه الثوري، روسيا، الازدهار لفترة طويلة بعد الحرب، وما إلى ذلك) مع تقارير أقصر حول النضالات والأحداث الجارية.

وبذلت محاولات لتحويل المجلة الاشتراكية و العامل (Labour Worker) إلى جرائد اكثر ميلا إلى التحريض، تصدر كل أسبوعين. ولكن لم يكن ذلك ملائما للفترة (تدني مستوى النضال المعمم المصحوبا بارتفاع مستويات معيشة الطبقة العاملة) ولا كانت الموارد متوفرة في منظمتنا (التي توسعت عضويتها من 20 عضو عام 1959، إلى حوالي 100 عام 1960، إلى 300 عام 1967). واصبحنا مضطرون إلى التراجع كثيرا إلى مطبوعة شهرية بالنسبة بالجريدتين.

وزعت “العامل” حوالي 2300 نسخة في فبراير 1967، بعد بداية انطلاق حركة الطلبة مباشرة (ذهبت450 نسخة إلى فرع ايسلنجتون فقط، و200 إلى مانشستر، و 124 إلى جالسكو، و 172 إلى توتينامن و 187 إلى نيوكاسل). ورغم انخفاض التوزيع بالأعداد المطلقة، إلا أن ذلك كان معناه أن كل عضو يأخذ في المتوسط 8 نسخ.

وطرأ تحولا على المناخ السياسي والاشتراكية الدولية على السواء، بينما كنا نعيد إصدار “العامل الاشتراكي” أسبوعيا في 7 سبتمبر 1968.

وشارك عشرات الآلاف في موجة احتلال الطلبة للشوارع والمظاهرات الباسلة المناهضة لحرب فيتنام، من الذين ليس لهم سابق عهد بالنشاط السياسي، فقط لأن الإضراب العام في فرنسا أظهر الإمكانيات الكامنة في تحرك الطبقة العاملة، كما اثبت سجل أعمال حكومة ويلسون في بريطانيا إفلاس الإصلاحية، وإساء الغزو الروسي لتشيكوسلافكيا إلى صورة الستاليينية على النمط الروسي. وبشكل مفاجئ، أصبحت أعداد قليلة من الاشتراكيين الثوريين قادرة على إحداث تأثير بشكل لا يتناسب نهايئا مع جحمهم.

وحصد الاشتراكيين الدوليين كثيرا من هذا الوضع أكثر من أي مجموعة أخرى في بريطانيا. وكان هذا جزئيا لأن بعض أعضاءنا لعبوا دورا قياديا في نضالات الطلبة مثل انشطة كلية لندن للاقتصاد عام 1967. وجزئيا بسبب أننا انخرطنا بكل طاقتنا في حركة تأييد النضال المناهض للإمبريالية في فيتنام. وجزئيا أيضا لإننا ليس لدينا عقبات متعلقة بالستالينية كما كان لدى بعض اليسار. ولكن الأهم من كل ذلك، كان إصرارنا على أن الأقلية من الطلاب الراديكاليين لابد من ارتباطهم بالقوة الوحيدة القادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع، الطبقة العاملة.

وعلى هذا الأساس، ازداد عددنا من 300 عضو في بداية 1968 إلى آلاف في خريف السنة نفسها، وأصدرنا “العامل الاشتراكي” الاسبوعية كأداة لخلق الصلة بين حماسة الثوريين الجدد ونضالات العمال ضد حكومة حزب العمال.

من حيث المظهر، لم تكن الجريدة الجديدة شديدة الجاذبية. فكانت تصدر من حجرة مكتب وحيدة على يد صحفي وحيد يعمل معه عامل طباعة واحد، وتوسعت فصارت أربع صفحات من الأخبار والمقالات الوصفية. غالبا كانت المقالات الإخبارية مكبوسة، دون نمط خاص للإخراج الصحفي، وكان مستوى جودة صورها أكثر من سيئ. ورغم هذا، نجحت نجاحا مبهرا بالنسبة لمصطلحها، فيما يفوق من كل المحاولات الأخرى للاستفادة من المزاج الذي ساد في 1968، مثل “بلاك دوارف” (Black Dwarf أو الصغير الأسود) لطارق علي، التي كانت تعتمد على موارد أكثر، وحملت نغمة تميل أكثر إلى التفاؤل جيل 1968 المفرط.

كان عدد النسخ التي تطبع بشكل أساسي من الجريدة 8000 نسخة، ويبيعها أعضاء الاشتراكية الدولية في حماس كبير. ولكن بيعها لم يكن سهلا على الإطلاق. فكان عليهم الاستيقاظ في السادسة صباحا كل جمعة والتوجه إلى بوابات المصانع، ويبيعون أربع نسخ أو خمسة إذا حالفهم الحظ، ويمضون أيام السبت ساعات في الشارع الرئيسي ليبيعوا عدد أقل من النسخ الإضافية، ثم يتجولون صباح ايام الأحد حول مجلس الدولة. ولكن الجريدة صاغت حالة مزاجية لعدد قليل من الأفراد في مواقع العمل والنقابات.

وفي تلك السنوات، سادت سياسة حكومة حزب العمال، المتمثلة في السيطرة على الاجور صفقات الانتاجية و”تقليل” حجم اليد العاملة عبر رعاية الدولة للاندماجات التي بدأت تلقى معارضة – أولا من المجموعات النضالية التقليدية مثل عمال السيارات وعمال مواقع البناء الأفضل تنظيما وعمال المواني، ثم من قطاعات حديثة العهد بالنضال مثل عمال النظافة في لندن والمدرسون وعمال الزجاج في سانت هيلنز. واستجد على احياء النضال عنصرا سياسيا إضافيا عندما حاولت الحكومة عام 1969 إدخال قوانين معادية للنقابات في مواجهة المعارضة النقابية، فكان بين تلك النضالات أول إضراب سياسي من نصف قرن.

ونشرت الجريدة عن كل تلك النضالات، وبهذه الطريقة اكتسبت جمهورا من النشطاء المناضليين. ورغم كون الاشتراكية الدولية منظمة يغلب عليها الطلبة، إلا أن الجريدة كانت جريدة عمالية بشدة. وكان يحرص على قراءتها عديد من النشطاء العماليين الذين كانوا يشعرون بغربة شديدة أثناء اجتماعاتنا. وعندما اسفرت الانتخابات العامة في يونيو 1970 عن حكومة المحافظين، ارتفع عدد نسخ طباعة الجريدة إلى حوالي 14 ألف نسخة، وكانت بإمكانها التوسع إلى ست صفحات، ثم ثمان- رغم ان عضوية الاشتراكية الدولية تناقصت قليلا إلى حوال 900 عضو.

ويرجع نجاح الجريدة جزئيا إلى قدرتها على تقديم روايات عن النضالات والحديث حول الاحداث في لغة تتجنب التجريدات الطنانة التي يغرم بها الستاليون والماركسيون الاكاديميون على حد السواء. كان الهدف الأساسي استخدام مفردات لا تختلف كثيرا عن “ديلي ميرور” في تقديم مجموعة من الخبرات والأفكار. واستطاع كتاب مثل بول فوت، ودنكان هالاز و ايمون ماكان مع تغطياته الاخبارية الاسبوعية من خط المواجهة في ديري، تقديم هذا بصورة مثيرة للإعجاب.

إلا أن هذا لم يكن السبب الرئيسي في نجاحها، إذ لم يكن معظم أعضاءنا متمتعون بمثل هذه المهارات الصحفية الرائعة للأسف. ولكن ما قاموا به كان يتلخص في التركيز على ألا تخلو الجريدة من عروض عن كل النضالات الجارية في تلك السنوات- من نضال نساء فورد من أجل اجر متساوي، إلى نضال عمال سفن الصيد في ابريدين، ومن نضال عمال الملابس في ليدز إلى نضال عمال الطوب الآسيويين ضد الانتهاكات العرقية.

وبينما تشتد اهمية عنصر التجارب بالنسبة لأي جريدة في فترة المد، فقد ضمن في كل صفحات الجريدة، حتى وإن لم تكن عادة سوى تجربة القلة النشطة في الطبقة، وليست خبرة الكتلة العريضة من العمال (الذين جاء رد فعلهم على خيانة حزب العمال في شكل قلة الاكتراث والانصراف عن التسييس بدلا من الاتجاه يسارا). واستطاع أعضاءنا إرسال التقارير في كل مرة تحدث فيها نضالات، ثم يعودن إلى النشطاء في الأسبوع التالي بالجريدة التي تحكي قصتهم على نحو لم يحققه سواهم.

وكانت أفكار الجريدة العامة عاملا أساسية في نجاحها ايضا. فقد كان قراءها يطَّلعون لأول مرة على ماركسية، قطعت الصلات مع كل عناصر البيروقراطية والستالينية، ونتجت عن التفاعل مع خبرة روسيا، ولم تقدم أي تنازلات تجاه النزعة العمالية، وأكدت على أن تحرير الطبقة العاملة يأتي عبر النضال الفعلي الطبقة العاملة نفسها. وكان النشطاء الجدد يجدون فيها دائما أفكارا استنتجوها بأنفسهم جزئيا ، ولكنهم لم يكونوا ابدا قادرين على هضم الصورة المشوهة للماركسية المقدمة من الغرب والشرق على السواء. وفي النهاية، كانت الجريدة ثاقبة فيما يتعلق بما العمل. وميزت نفسها عن سائر حركة 1968 بإصرارها على التركيز حول الطبقة العاملة. وميزت نفسها داخل حركة الطبقة العاملة، بتحليلها المفصل للطريقة التي تحاول الطبقة الحاكمة التأثير بها على تنظيم موقع العمل، من ناحية باتفاقات الانتاجية، القائمة على أنظمة أجر مثل قياس يوم العمل، ومن الناحية الأخرى بالتخطيط لقوانين معادية للنقابات العمالية. وفي حين جهل سائر اليسار الناحية الأولى بدرجة أو أخرى، واكتفوا بشجب ما يتم من الناحية الأخرى، كما جاء في “بدايات الدولة الراعية”، أصرت العامل الاشتراكي على تأكيد أن الناحيتين كلتيهما وجهان لمحاولة واحدة للطبقة الحاكمة، تهدف إلى إضعاف سيطرة العمال القاعديين، وتقوية قبضة البيروقراطية داخل النقابات. وعبر عن هذا بوضوح كل من توني كليف وروجر كوكس، وبيتر باين، وجون سترز (رورجر روسويل)، وريتشارد هيمان وآخرين، أسبوعا بعد اسبوع، وبشكل مفصل وفي مقالات طويلة في أغلب الأحيان. وكانت أحدى صور الإطراء الشديد على الجريدة، عندما تذمرت “انترناشوينال تيمز” الهيبية بأن الشخص لابد وأن يكون عامل قاعدي في مصنع لمدة خمس سنوات حتى يمكنه فهم “العامل الاشتراكي”.

وإذا كان انطلاق “العامل الاشتراكي” في السنوات 68-1970، إلا أن فترة نجاحها الباهر كانت مع اشتداد الصراعات في المصانع بعد عودة حكومة إدوار هيث التابعة للمحافظين. فقد شهدت تلك السنوات أعلى مستويات النزاع داخل المصانع منذ العشرينيات، وحدثت معارك ضخمة على المستوى الوطني في الخدمة البريدية والتعدين والصناعات الهندسية وقطاع الإنشاءات وأحواض السفن، ومنازعات كبيرة في مصانع السيارات خاصة، وتلاها إضرابات سياسية ضد مرسوم العلاقات الصناعية، وامتدت الحركة النضالية للنقابات العمالية إلى مجموعات عمالية لأول مرة، مثل العمال بالمستشفيات والموظفين المدنيين.

وأثمرت الصيغة التي أسست “العامل الاشتراكي” نفسها عليها، نتائجا مبهرة. إذ وارتفعت أعداد النسخ المطبوعة من 13 ألف في عام 1970 إلى 28 ألف أثناء إضرابات عمال المناجم عام 1972، واستقرت عند 27 ألغ في مارس 1973. ثم ارتفعت مرة أخرى في نهاية العام، لتصل إلى 40 ألف أثناء إضراب عمال المناجم عام 1974، حتى أنها اقتربت من 53 أحدى الأعداد قبل الانتخابات الحاسمة عام 1974، وكان يدور حول “من يحكم البلاد”.

وحدث تفاعل جدلي بين نمو مبيعات الجريدة وحجم عضوية المنظمة التي تصدرها. وازداد تداول الجريدة بين أشخاصا لم ينتموا للاشتراكية الدولية- سواء لعدم اقتناعهم بأفكار المنظمة، أو عدم راضاهم عما بدا لهم طابعا طلابيا مبالغا فيه. ثم سيشعر قادة الاشتراكية الدولية عند نقطة معينة، أن كثيرين من هؤلاء كان يمكن تجنيدهم، فقط إذا اجتهدوا في تغيير المنظمة بحيث لا يشعرون بالغربة بها. وهكذا تزايدت عضوية الاشتراكية الدولية. فصارت المشكلة حينها خلق محيطا جديدا مرة أخرى بالاعتماد على تداول الجريدة. ولكن هذه العملية لن يحالفها النجاح إلا حينما تكون الشروط الموضوعية صحيحة. فقد نمت العضوية في 1971، ثم مرة آخرى من خلال حملات التجنيد المكثفة في 73-1972. ولكن لم تنجح محاولة زيادتها عبر “حملة الخريف- الشتاء” عام 1972، بصرف النظر عن المستوى العالي للنضال الطبقي في تلك السنة. بدا الأمر تقريبا كما لو أن النشطاء يشترون الجرائد الثورية عندما تكون الطبقة العاملة رابحة، ولكنهم لا يجدوا ما يغري في الانضمام إلى منظمة ثورية.

صاحب نمو مبيعات الجريدة زيادة في الموارد المتاحة لها. وازداد عدد الصفحات في 1971 إلى 12 صفحة، ثم 16 في 1972، واتسغ فريق العمل بها حتى استطاعت توظيف عديد من الصحفيين لدوام كامل، بمن فيهم كتاب في مكانة بول فوت و لوري فلين، وأصبح إخراجها في مستوى جودة جريدة “فليت ستريت”، وبدأت استخدام مالم تكن قادرة على استخدامه من قبل، الصور التي تدعم وجهات النظر السياسية. وتمكنت الجريدة نتيجة لمواردها المتزايدة من القيام بحملات تشهير مدورسة بعناية – حول الأحد الدامي في ديري، ومأساة منجم يوركشير، ومجموعة كسر الإضراب في ايست لندن، و”شركة صغيرة” (في الحقيقية، تتبع الامبراطور فستي الاعظم) التي وراء سجن عمال رصيف ميناء بيتونفيل. وافسد هذا كثير من حجج الحكومة ووسائل الإعلام، وكسبت الجريدة تقديرا كبيرا بسبب هذا حتى بين الأشخاص الذين لا يتفقون مع سياستها. وبدت لكثير من انصارنا كأنها حقا “ديلي ميرور الثورية”.

ورغم جميع العروض التي وجدت إقبالا جماهيريا، استمرت الجريدة في تبني المزج بين تقارير حول عدد كبير من النضالات المختلفة، وفي تقديم تحليلات جادة حول الأحداث السياسية المحلية والدولية، وفي عرض مناقشات حول استراتيجية الحكومة والموظفين، وفي نشر كتابات نقدية حول مواقف مختلف انماط الإصلاحين، وعروضا مكتوبة بشكل جيد حول أسس النظرية الماركسية. كما استمرت الجريدة في الجمع بين “تفاؤل الإرادة” مع “تشاؤم العقل”- فكانت على سبيل المثال تحذر أسبوعا بعد اسبوع من التنازلات الخطيرة التي وقع فيها قادة ابار كليد شيبياردز، أكدت على أن الأمور لم تصبح وردية بعد انتصار بينتونفيل في مقالة (لتوني كليف) التي حذر فيها من أن “عمال الميناء سيدفعون ثمنا باهظا” مقابل التسوية التي قام بها قادة الاتحاد العام لعمال النقل TGWU.

كانت هذا التركيبة، إلى جانب كل موهبة صحفية خاصة أو تقنية متألقة، سببل في ترقية البناء من مجموعة الأوراق القليلة المشوشة كانت عليها الجريدة في 1968، لتصبح جريدة مثيرة للاعجاب مكونة من 16 صفحة في 1974.

العامل الاشتراكي 1974- 1984

في 1974، بينما أسقط إضراب عمال المناجم حكومة حزب المحافظين، كانت أكبر أزمة اقتصادية منذ الثلاثينيات تضرب العالم. وكان أعضاء مجلس الوزراء يغمغمون فيما بينهم حول “نهاية الحضارة المتعارف عليها”. وكانت نضالية الطبقة العاملة في صعود، وبدت قادرة على اجتياز أي عقبات. وأصبح عدد العمال الجاهزين للاستماع للأفكار الثورية أكبر من أي وقت مضى خلال عدة عقود.

ولا عجب، عندما رأى بعضنا عدد النسخ المطبوعة من “العامل الاشتراكي” يتضاعف من 8 آلاف إلى 40 ألف خلال خمس سنوات، توقعوا تواصل الاتجاه الصاعد. وشعرنا حتى أن الوقت حان لنصل إلى عدد أكبر من جمهور العمال الذين أصبحوا راديكاليين بعد أحداث شتاء 1973-1974. وقال توني كليف في مقالة مهمة في مجلة الاشتراكية الدولية، أن والوقت حان لنطبق ما تعلمناه من البرافدا التي أصدرها لينين.

والآن، تتمثل إحدى المشاكل التي تواجه الاشتراكيين الدوليين في بريطانيا حاليا، في معرفة طريقة لبناء جسور بين منظمتنا الصغيرة (الآخذة في التنامي)، والعدد المتزايد من المناضلين والاشتراكيين داخل الطبقة العاملة… كيف يمكن لمنظمة ثورية من بضعة آلاف، الارتباط بعشرات الآلاف من العمال الذين يتحركون بشكل تلقائي تجاه سياستنا؟ يمكننا تعلم أشياء كثيرة من استخدام لينين للبرافدا باعتبارها أداة تنظيم في السنوات من 1912- 1914.

واستدعى هذا “جهودا متضافرة لتحويل مشتري “العامل الاشتراكي” إلى بائعين، ومن ثم خلق شبكة واسعة من بائعي وأنصار للجريدة. كما ذكر كليف في النشرة الداخلية للمنظمة، كان هذا يعني تغيير في الجريدة نفسها:

“نحن في حاجة… إلى قرار واضح بضرورة وجود مكان بالجريدة للمواد المكتوبة بيد العمال، او عن لسانهم… وبإثارة مسألة كتابة العمال للجريدة، إثير أيضا التساؤل حول تماهي العمال مع الجريدة. ويسود في الصحافة البرجوازية مفهوما هيراركيا يقضي بأن تكون هناك حفنة قليلة من الأشخاص تلبي من المركز الحاجات الاستهلاكية للملايين. أما بالنسبة للجريدة العمالية، تكون مساهمة “المستهلك” مسألة محورية. ويكون سد الفجوة السحيقة بين المُنْتِج والمستهلك أمرا محوريا. ومن ثم تكون هناك اهمية هائلة للتغطية الصحفية المكتوبة بيد عامل، حتى ولو لم يمثل سوى المصلحة المباشرة لبضعة عشرات من العمال المجاورين له في مكان عمله. وذلك لأن الجريدة تعمق بهذه الطريقة جذورها أكثر داخل الطبقة.”

وكانت هناك مقاومة للصيغة التي عبر عنها كليف (ومن أهم المعارضين جيم هيجينز، الذي كان سكرتيرا عاما في 1973-1973، وروجر بروتز محرر الجريدة حتى ربيع 1974). ولكن كانت وجهة نظر المعارضين البديلة أن توجه إحدى الجرائد إلى “المناضلين الذين لديهم خبرة سياسية” – وهو امر رفضه كل الأشخاص الذين ساهموا فعليا بصورة مباشرة في بناء الاشتراكيين الدوليين في 1973-1974، وذلك لعلمنا أن الجيل الجديد من المناضلين ليس لديهم غالبا أي “خبرة سياسية” بتاتا، رغم أنهم جميعا تواقون إلى استيعاب السياسة الثورية لمنظمتنا.

والأهم من ذلك، أن مؤيدي ذلك الوضع، أو بعضهم على الأقل، يتبنون وجهة نظر مختلفة حول سد الفجوة بين منظمتنا والطبقة بصورة سحرية- عن طريق صيغة رفع “مطالب انتقالية”. وهذا شيئا طالما قلنا أنه سيؤدي إلى الانتقال خطوة تجاه اليمين، ومجاملة البيروقراطية الإصلاحية. واثبتت الخبرة العملية عام 1974-1979، أننا كنا على حق بخصوص هذا الموضوع: فهؤلاء “المناضلون الذين لديهم خبرة سياسية” الذين اتبعوا مسار “مطالبة حكومة العمال” تمت بقرطتهم وانجروا ناحية اليمين.

ولهذا، قررت المنظمة على تصور للجريدة قبله أغلب فريق التحرير، وصاغ كليف خطوطه العامة.

ولم ترتفع مبيعات الجريدة ولا زادت عضوية منظمتنا بالقدر الذي أملنا فيه. ولأسباب تمت مناقشتها في أعمال آخرى (انظر Tony Cliff, The balance of class forces today, IS 2:6- Chris Harman, The crisis of the European revolutionary left, IS 2:4 and Alex Callinicos, The rank and file movement today, IS 2:17) نجحت وزارة حزب العمال البريطاني في احتواء النضال بالمصانع في أول سنة لها، عن طريق سياسة تقديم تنازلات بالجملة، ثم تبع ذلك اتفاقا مع بيروقراطية النقابات العمالية على تدخل الشرطة بقوة عند حدوث مطالبة بشأن الأجور، بينما أضعف تزايد حالات الفصل من العمل نضالية العمال بصورة من الصور. وفي سنتي 1975 و 1976، انخفض عدد الإضرابات بشدة، وأيضا عدد العمال المشاركين في كل اضراب على السواء، إلى مستويات أقل بكثير مما كان الوضع عليه في بداية السبعينينات. وفي ذلك الحين أصبح المناضلون الذين كسبهم العمل السياسي الثوري في فترة سابقة، معزولين داخل مواقع العمل، وتحت ضغط غير هين لتكييف أنفسهم مع بيروقراطية النقابات العمالية بتوجيه مواقفهم السياسية نحو اليمين.

وبالتأكيد لم يصبح بيع “العامل الاشتراكي” اسهل مما كان عليه. بل لو رصد تغييرا، لابد ان يكون زيادة الصعوبة قليلا. لم يزداد التوزيع، بل ضعف قليلا أيضا. وأصبح عدد النسخ المطبوعة عام 1975 حوالي 30 ألف نسخة، وبلغت المبالغ المجموعة في المركز من البيع 14910 (وربما يبخس هذا التقدير القيمة الحقيقية لمبيعات الجريدة؛ إذ كانت قلة الموارد التي تدار بها فروع المنظمة، تعني بشكل مؤكد وجود اتجاه لاستخدام بعض أموال مبيعات الجريدة في أغراض أخرى، مثل شراء سيارات تستخدم في تنظيم المظاهرات، وتنفيذ الاهداف المحددة من أجل تجنيد العضوية وما إلى ذلك).

وفي تلك الظروف، لم تنجح عمليا جهود تطوير الجريدة باتجاه توسيع ما يكتبه العمال فيها. وكان المناضلون في وضع دفاعي، ومالت مقالتهم دائما إلى مجرد اجترار ما قرأوه في الجريدة من أسبوع، بدلا من ملئها بالخبرات الحية للطبقة التي تكتشف قوتها الخاصة عبر النضال. وفي الحقيقة، كانت هناك مناسبات وصل فيها الأمر حتى إلى كتابة مقالات في المكتب وإلحاق أسماء العمال عليها بعد ذلك!

واتفقنا بشأن الأوضاع العامة في 1975 و 1976 على أن الواقع المادي يدل على عدم وجود بديل أمامنا. ولكننا اعتقدنا أنه ظرف طارئ، وسوف يفضي قريبا إلى نهوض نضالي جديد ونعود إلى ارتفاع المبيعات.

ولم تزداد عضوية منظمتنا سنة 1976، أساسا بسبب رغبتنا في معارضة مد العنصرية المعادية للمهاجرين الذي استسلم له تماما حزب العمال وحكومته. وبحثنا عن طريقة ننعش بها أحوالنا، اعدنا تسمية منظمتنا حزب العمال الاشتراكيين، وتطلعنا إلى تحقيق أشياء عظيمة. وفي سنة 1977، بدا لنا أن نبوءاتنا تتحقق عندما انتعش النضال بالمصانع بدرجة طفيفة. وعن نفسي، كتبت وثيقة في بداية السنة، وجدت تعاطف قيادتنا وتأييدها بالإجماع، كان بداية نصها “انتهى الخمول. والآن بدأ المد النضالي الذي تنبئنا به منذ ثلاث سنوات”.

وشهدت تلك السنة صراعا مريرا بالمصانع- وخاصة الاعتصام الضخم في جرونويك بشمال لندن في الصيف، وإضراب رجال الإطفاء في الشتاء الذي يليه. كما شهدت أيضا تجنيد مزيدا من الأعداد الكبيرة لصالح حزبنا، وأكتسبنا شعبية على مستوى البلاد بعد قيادة مظاهرة ضخمة ناجحة ضد مسيرة لويشام النازية، جنوب شرق لندن.

وبناء على كل ذلك، توقعنا استئناف جريدتنا معدل نمو مبيعاتها الكبير في بدايات السبعينينات. ولكن على العكس، ظلت المعدلات راكدة، واستمرت أوامر الطباعة في دورانها حول نقطة 30 ألف. واستخلصنا من ذلك أن الجريدة فيها خطأ أساسي في.

ولم يكن هذا صحيحا. فواقعيا، كانت الصحوة النضالية بالمصانع سنة 1977، فجرا زائفا. فمعظم العمال كانوا لا يرون بديلا عن الخضوع لما تفعله الحكومة، وكانت القلة من المنضالين الصلبين، في موقع دفاعي للغاية. ولكننا واصلنا العمل وفقا لشكل الجريدة كما كانت في فترة المد من 1969 إلى 1973. وفي الحقيقة، عملنا في بعض الجوانب بافتراض ضرورة ان تصبح الجريدة أكثر “جماهيرية” عما كانت عليه حينها. وأعيد تصميمها سنة 1976 بصورة عمدت إلى نشر مقالات أقصر بعدد كلمات أقل؛ ولم ندرك أننا بهذا زدنا صعوبة تضمين التحليلات الجادة، آراء حول المشاكل القائمة في الحركة.

واتذكر شكوى أحد أعضاء الحزب لي من أن الجريدة كانت أشبه “بأغذية الرضع سهلة الامتصاص” – إنها لا تتضمن نهائيا الأفكار التي تلزم الاشتراكين حتى يتملكوا قناعات خاصة بهم في مواجهة الاطروحات الأخرى. وأشار آخر إلى النقطة نفسها عندما قال إنها أشبه بالطعام الصيني- تظن عند تناوله إنك شبعت إلى حد الامتلاء، ولكنك تشعر بالجوع في غضون ساعة. ولكننا تجاهلنا تلك الشكاوى، وأيضا ردود فعل “غير الراضين عن ذلك” وبقيت الجريدة على حالها.

وفي النهاية برزت كل مشاكلنا على السطح؛ ولكن دون أن يعرف أيا منا ما هو العمل المطلوب منا. وانقسم فريق التحرير، فأصر نصفهم على التشبث بالصيغة القديمة المشابهة تماما في جوهرها للجريدة التي كانت تصدر من 1967 إلى 1976، بينما قال النصف الآخر أن مشكلة الجريدة هي أنها ليست “جماهيرية بدرجة كافية” – ويلزمها مزيد من “صحافة التحقيقات المثيرة” ، ومزيد من الرسوم والصور، ومن الأشياء التي تهم العمال فعليا، مثل الرياضة وموسيقى البوب، مع تقليل المقالات الصعبة، وتقليل تغطية أخبار المصانع. وفاز بالتأكيد فريق المجددين، لأنهم قدموا بديلا عن شكل مثير للاستياء (ولو كان بديلا يمضي فى الاتجاه الخاطئ تماما)، بينما كان الباقون يعرضون مجرد المزيد مما هو قائم بالفعل. و “أعيد إصدار” الجريدة في ربيع 1978 في شكل جديد مصمما لجذب الاعداد الكبيرة من الشباب المشاركين في مهرجانات رابطة مناهضة النازي سنة 1987 (مما الصق بها اسم “جريدة الطلائع”) ومن نشطاء الحركات الأخرى مثل حركات النساء والمثليين جنسيا.

ولم ينجح الإصدار الجديد في الوصول إلى الهدف الذي وضعه لنفسه. فلن ينجذب الناس تلقائيا إلى الاشتراكيين الثوريين سنة 1978 لأنهم ضد النازي. وربما أفادت كمدخل لعملية التسييس، فكانت تقدم للناس ويعقب ذلك مناقشات سياسية. وكانت تلك النقاشات أصعب, إذ كانت الطبقة عموما أكثر سلبية عنها منذ عشر سنوات مضت مع بدايات المد الحقيقي في نضال الطبقة العاملة. وحتى أفضل جريدة في العالم، لم يكن متوقعا لها الوصول إلى عدد كبير من الجمهور، من بين 100 ألف شخص احتشدوا في كرنفالات رابطة مناهضة النازية. وأدى عدم الاكتراث بالمناقشات السياسية المكثفة وتغطية النضالات الطبقية في العامل الاشتراكي، إلى عدم قدرتها حتى على الاحتفاظ باهتمام مشتريها من بين المنتمين إلى هذا الوسط. وبعد عام من “الإصدار الجديد” ، انخفض عدد النسخ المطبوعة، وحصيلة توزيع الجريدة على السواء إلى حوالي ألفين نسخة وفقا لأرقام سنة 1977.

ولم تستمر التجارب مع الجريدة وقتا طويلا. إذ رفضها أكثر أعضاء الحزب رفضا باتا في مؤتمر سنة 1978، وسرعان ما بدأ بذلت جهودا لإستعادة شكل “الجريدة العمالية”، وفقا لما افصحت عنه صراحةً وثيقة من فريق التحرير في أواخر 1979:

“في الاشهر المقبلة، ستتمثل أحدى مشاكل جريدة العامل الاشتراكي في اتصالها بعدد متزايد من العمال المنضالين… فيجب أن تصبح “جريدة عمالية”… ينبغي أن تفوح الجريدة بفودكا العمال. وبعبارة أخرى، لا تكون جريدة مكتوبة بأقلام كتاب متخصصين في شئون العمال، بل جريدة يكتبها العمال أنفسهم، جريدة تتناول الموضوعات التي تهم الأشخاص العاديين في الطبقة العاملة، إلى جانب النضالات العمالية… “

وفي سنة 1979، لم تتحقق هذه الصيغة إلى مدى أبعد مما أمكن تحقيقه سنة 1975. ومع بداية الركود في 1989، تواصلت حالة الجزر في النضال الطبقي واشتدت، وكادت مهمة إصدار الجريدة الشاقة أن تصبح مستحيلة. وبذل القائمون على ذلك قصارى جهدهم، مع تقديم تضحيات شخصية واضحة في أكثر الأحيان، ومع هذا لم يتمكنوا من إصدار الجريدة التي بإمكانها جذب عدد كبير من الجمهور والإبقاء عليه، بالقدر اللازم لرفع عائد توزيعها بحيث يكون دائما أعلى من حوالي 10 إلى 12 الف، والكمية المطبوعة منها بما يفوق حوالي 25 ألف (ومع حلول البطالة الهائلة انخفض رقم المبيعات حتى عن السابق، إذ بيعت آلاف كثيرة من الجريدة للعاطلين بنصف الثمن). ومع ذلك، لم تعد الجريدة مرضية بالنسبة للمناضلين الذين يشترونها بأمل العثور على إجابات عن المشاكل التي تحاصرهم، كما كان الوضع سنة 1976.

الجرائد الثورية اليوم

وأصبح إصدار الجرائد الثورية في الثمانينيات أكثر صعوبة، ولكنها كانت على نفس قدر التصدي والأهمية التي حظت بها في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. والآن صارت التعقيدات في كل نضال عمالي اكثر من ذي قبل بكثير، في فترة أصبح العالم فيها لا يفرغ ابدا من الازمات. وأصبحت هناك ايضا حاجة اكبر لكسب قلة من العمال إلى المنظور الثوري. وستبقى للجريدة أهميتها الأساسية في القيام بهذا.

وقبل ما لا يكاد يزيد على سنتين، اتفقنا في العامل الاشتراكي على اصدار نوعية الجرائد الضرورية في وقت الاحباط والتراجع. وكان هذا جزءا من العملية العامة التي استغرقت خمس سنوات واستوعب حزب العمال الاشتراكي من خلالها كيفية التماشي مع وضع مختلف تماما عن الوضع الذي اكتسب فيه معظم قادتنا تجاربهم السياسية المبكرة.

واكتشفنا أن الجريدة لن تلبي سوى حاجة الأعضاء والعلاقات القريبة فقط، إذا اجابت دائما على الأسئلة الملحة بالنسبة لهم: مثل ما السبب في وقوع الهزائم؟ وماذا يمكن القيام به إزاء هذا؟ كيف نحافظ على تمسكنا بالدور الثوري للطبقة العاملة، إذا كان 99% ممن نلقاهم من العمال، مقتنعين بدعاية الرؤساء حول الأزمة؟ وعندما يتطرق الأمر إلى تقديم عروض عن المنازعات في المصانع، وجدنا إننا نهتم بالإجابة على سؤال “ماالعمل” أكثر من توضيح قضية المضربين.

ثم اكتشفنا أيضا أننا بإجابتنا على مشاكل الاعضاء والعلاقات القريبة، كنا نتناول ايضا أسئلة قد يثيرها شخصا ليس لديه خبرة بالأفكار الاشتراكية. ورغم أن هؤلاء في حاجة إلى إعادة صياغة الحجج المدافعة عن الاشتراكية والمضادة للرأسمالية، إلا إنهم كانوا أيضا في حاجة إلى استيعاب الهزائم والنكسات التي تواجهها الحركة. وكان في ذلك شرطا لازما بالنسبة لهم حتى يجدوا ما يغريهم في الانضمام إلى منظمة ثورية.

ولذلك نشرت الجريدة مقالات أطول، وتحليلات أكثر عما سبق (وكان كل عدد يحتوي على اثنتين – على الأقل- من المقالات التي تزيد عن 1200 كلمة)، كما أولينا مزيدا من التركيز على سؤال مالعمل بدلا من مجرد عكس الخبرة أو عرض سوء أحوال الناس المعيشية وأوضاع العمل.

وهذا لا يعني، ولا يمكن أن يعني، تجاهل القضايا الأخرى. فأثناء حرب فالكلاند على سبيل المثال، كانت قلة ضئيلة للغاية معارضة للحرب. في حين أن صفحة العامل الاشتراكي الأولى لم تخل كل اسبوع بأي حال، من بوستر معارض للحرب، إلى جانب صفحات داخلية مكرسة للرد على آخر مجموعة من أكاذيب الحكومة حول الحرب. ومرة أخرى، لم تخل كل أعداد الجريدة من مواد تهاجم الحكومة المحافظة، ودور الشرطة وما إلى ذلك.

وطوال الوقت رغم هذا، تمثلت النقطة الرئيسية في محاولة الارتباط بالقضايا المهمة لقلة من العمال الراغبين في استئناف النضال- مثل لماذا تتجه آراء عمال المناجم ضد النشاط الإضرابي، عندما يتمكن حزب العمال اليساري من توفير السلع، ولماذا ضربت نقابة تضامن في بولندا، وهكذا.

وحقق التغيير الجديد في الجريدة نجاحا. ودخل في إطاره استعادتها انتباه المؤيدين الذين صاروا يقرأونها دون اهتمام كبير. ورغم هذا، فمثل أي تحول في منظمة ثورية، انطوى الأمر على مخاطر داخلية. إذ تصرف أعضاء الحزب في أغلب الأحيان وكأن الجريدة لا تسترعي فعليا قدر كبير من اهتمام أي شخص خارج الحزب. ولم يتخلص الأعضاء من اعتياد النظر إلى بيع الصحيفة على أنه شكل من التضحية بالنفس، علينا تجنبه إذا وجدنا لذلك سبيلا (نوعا من الصوم الكبير الثوري)، ورغم ان المبيعات لم تكن على نفس القدر من السوء الذي كانت عليه في بعض اللحظات، إلا أنها مازلت منخفضة تماما.

ولكن الجزر ليس حالة استاتيكية. إنها فترة هزيمة ورِدة في حركة الطبقة العاملة، وهي أيضا فترة تندلع فيها بالفعل معارك كبيرة فجأة، حتى ولو كانت معارك دفاعية في أغلب الأحوال- إضراب الصلب في 1980، وإضراب السكك الحديدية وفي إحدى المستشفيات سنة 1982، والموظفون العاملون في المياه والاتصالات والبلدية، والمنازعات التي أثارها عمال مطابع وارينجتون في 1983. وفي كل هذه النضالات، أصبح عدد قليل من العمال أكثر جذرية، وأتوا بردود فعل مماثلة للمجموعات الاكبر من العمال في فترة تكون الطبقة العاملة فيها هجومية. أو قد ننظر إلى الأمر بطريقة أخرى، وهي وجود حالات مد صغيرة، تظهر وسط فترة الجذر، وتعطينا هذه النضالات فكرة عما ستكون عليه فترة المد.

وفي مثل تلك الأوقات، لابد تزويد الجريدة بالتجارب اللحظية التي يكتسبها العمال فيما يتعلق بثقتهم في أنفسهم ومبادراتهم وقوتهم، حتى في الوقت الذي ندرك فيه أنها لن تكتسب دواما إلا بقدر انسجامها مع المنظور الأكثر تعميما للنضال من أجل الاشتراكية فقط. وبطريقة أخرى، في مثل تلك اللحظات، ينبغي استخدام أعضاء المنظمة الثورية الجريدة في تنظيم العدد القليل من النشطاء في مواقع العمل، والتأكد من إبراز المقالات التي يكتبها هؤلاء النشطاء والاقتباسات المأخوذة عنهم في الجريدة، ومن الاستفادة بها في تعزيز مبيعات الصحيفة في أماكن العمل.

وتسلتزم هذه الفترة توفر قدر كبير من المرونة والتجاوب لدى فريق العمل والمراسلين ومن يقومون ببيع الجريدة. ففي أحد الأسابيع، ستكون الجريدة في أمس الحاجة إلى تغطية عن مبادرات العمال، مع اقتباسات عنهم حول كيفية اتخاذ هذه المبادرات. أما في الاسبوع التالي، فستكون الحاجة أكبر إلى تحليل أساسي جدا من فريق التحرير، حول موضوعات مثل الطريقة التي استطاعت بها الحكومة والبيروقراطية النقابية خنق مثل هذه المبادرات وما يجب القيام به لمواجهة هذا.

وكما ذكر ماركس، قد يكون للماضي ثقل الكابوس في عقل الكائنات الحية. وقد تؤدي سنوات لا نمتلك فيها فهما صحيحا للفترة التي نمر بها، ونوع الجرائد المطلوب إعدادها، إلى الفشل في استخدام الجريدة بصورة ملائمة في جميع اوقات النضال المتصاعد. ولكن إذا لم يستفد الثوريون من مثل هذه الفرص في ترسيخ جريدتهم ونفوذهم، فسيرتفعون في يسر مع المد النضالي، وينخفضون مع خفوته. فلا يشرعون بتأسيس شبكة النشطاء الاشتراكيين الدائمة داخل كل مكان عمل، الأمر الذي بدونه لا يمكن مواجهة التأثير الضار للبيروقراطيين الإصلاحيين وكسر حلقة الهزيمة المفرغة.

ولحسن الحظ، يوجد رموز بين أعضاء حزب العمال الاشتراكيين يفهمون هذا. وجاء رد الفعل على سلسلة النضالات الدفاعية كبيرة الحجم منذ نوفمبر 1983 (وارينجتون، وعمال المناجم، ومعركة أجور المدرسين) مختلفا تماما عن رد فعلنا في مناسبات سابقة إزاء تصاعد مستوى النضال في منتصف فترة الجذر- في 1977 وفي شتاء 78-1979. ولم نعد إلى الخطأ الذي وقعنا فيه 1977، عندما رأيناه نهاية تلقائية لفترة الهزيمة والإحباط. ولكننا في الوقت نفسه لم نكرر أيضا الخطأ الذي وقعنا فيه 78-1979 بإصدار جريدة لا ترتبط بإخلاص حتى بأقل تحرك في الطبقة.

بدأ أعضاءنا في الشهور الماضية يتعلمون من جديد طريقة عرض بعض الجوانب المباشرة للنضال في الجريدة، رغم عدم إغفالهم معالجة كل التساؤلات المهمة المتعلقة بتساؤلات مثل “أين كان الخطأ؟” و”ماالعمل؟”. ومن خلال التدخل في النضال مع الجريدة، نجحوا في زيادة مبيعاتها لأول مرة منذ ثمان سنوات- فاصبح حج الطباعة 31 ألف نسخة وعائد المبيعات حوالي 14 ألف أسبوعيا (أكثر إذا حسبنا أن المبيعات بنصف السعر، وخصومات محلات البيع وما إلى ذلك). وتعد مثل تلك الأرقام مؤثرة جدا إذا قورنت مع الارقام الخاصة بالمنافسين منا ليسار مثل تريبيون ( التي وصل صافي عائد مبيعاتها 10 ألاف) والعمل الاشتراكي (الإصادر الجديد من جريدة القزم الاسود (بلاك دوارف) ظل عند طباعة 7 آلاف نسخة فقط، وهو نفس الرقم الذي حققته سابقتها من 16 سنة مضت!).

وبلا شك، ما زالت هناك إمكانية لزيادة أكبر في مبيعات العامل الاشتراكي – وتأثير الأفكار الثورية – مع بذل مجهود أثناء هذا المستوى المتصاعد من المنازعات في المصانع. فهناك مزاج ثقة وقتالية جديد بين عدد قليل من العمال. ربما لا يستمر طويلا، حيث يفعل بيروقراطيو النقابات ما في وسعهم للقضاء عليه، وليس لدى العمال سوى قدر ضئيل من الخبرة الحديثة في نضال المنظمات العمالية القاعدية. ولكن حتى بالنسبة لأكثر وجهات النظر تشاؤما، مازلا للاشتراكيين فرصة أخيرة من أجل التأثير بأفكارهم في العدد القليل من النشطاء. والجريدة الثورية الآن، كما كانت دائما في الماضي، الأداة الرئيسية للقيام بهذا.

وبحفاظنا على جريدة العامل الاشتراكي خلال فترة الجذر في السنوات العشر الأخيرة، ضمنا نجاتنا من التيار الأشد في الحركة العمالية البريطانية الرجعيه والبيروقراطيه والإصلاحية، الذي يفوق غيرها في كثير من الدول الأوربية التي لها تقاليد سياسية صحية أكثر. وبصرف النظر عن كل المشاكل التي مرت بالجريدة، فقد مكنت المنظمة الثورية من الاحتفاظ بصلة حيوية مع تلك النضالات التي حدثت، وبالتالي من استمرار العضوية عند أعلى مستوى لها في 1974.

والآن علينا استخدام كل فترة ينتعش فيها النضال، مهما كانت قصيرة، للوصول مع الجريدة إلى مناضلين جدد، وفي الاستفادة منها في جعلهم يفهمون أنهم جزءا من شبكة أوسع من الأشخاص الراغبون في مواصلة النضال، ومن خلال تلك العملية، يمكن زيادة كلا من فاعلية ونفوذ الحزب الاشتراكي الثوري داخل الطبقة العاملة.

كريس هارمن - صيف 1984

ترجمة : عزة خليل







اخر الافلام

.. هل تتناول فيتامين D أو أوميغا 3؟ ربما جاء الوقت لتتوقف عن ذل


.. هل سيدفع الكونغرس والإعلام ترامب لإنهاء تردده بشأن خاشقجي؟


.. اغتيال خاشقجي.. هذا بعض ما كشفته التسجيلات




.. نافذة من واشنطن- متابعة لآخر تطورات قضية اغتيال خاشقجي


.. شاهد كيف استقبل ترامب وزجته ميلانيا شجرة عيد رأس السنة في ال