الحوار المتمدن - موبايل



النخب السياسية الحاكمة في تركيا أمام عقدة الكورد

سربست مصطفى رشيد اميدي

2012 / 7 / 31
القضية الكردية


تعود سيطرة الدولة العثمانية على جزء كبير من كوردستان إلى ما قبل انتصار العثمانيين في معركة جالديران سنة 1514بينهم وبين الدولة الصفوية، والتي تعتبر أول تقسيم رسمي لكوردستان بين تلك الدولتين، وتبعتها معاهدة (سربول زهاو) سنة 1639 بين إيران والدولة العثمانية. ومنذ ذلك الوقت فان جزءا كبيرا من كوردستان ترضخ تحت حكم الحكومات التركية المتعاقبة من الدولة العثمانية ولحد الآن. وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية كانت تفسح المجال لظهور إمارات ودويلات كوردية بين الحين والآخر، لكنها كانت تقوم بإعادة احتلالها متى ما أحست إن تلك الإمارات قد تعدت الحدود الجغرافية والسياسية المسموح لها وتشكل خطرا على قوام الدولة العثمانية، كما حدث لإمارات (بهدينان) و(بوتان) و(سوران) وغيرها. لكن بعد سيطرة (الاتحاد والترقي) على مقاليد الحكم قبل الحرب العالمية الأولى والتي أخذت تقترف مجازر بحق شرائح من الشعب الكوردي وغيره من الشعوب والطوائف غير التركية كالأرمن والآشوريين والايزيديين وغيرهم خاصة في سنوات الحرب العالمية الأولى، التي انتهت بخسارة دول المحور حيث كانت الدولة العثمانية قد دخلت الحرب بجانب ألمانيا بوجه دول الحلفاء. نتيجة الحرب تلك مهدت الطريق لظهور الكماليين على الساحة السياسية والذين استطاعوا بعد ذلك السيطرة على مقاليد الحكم في تركيا بفضل دعم وجهود الكورد لمؤازرة (مصطفى كمال أتاتورك) مؤسس الدولة التركية الحديثة، حيث كان عدد الأعضاء الكورد في مؤتمر (سيواس) أيلول سنة 1919 أكثر من خمسين عضوا. لكن بعد أن سيطر على الحكم نتيجة استتباب الظروف الداخلية والدولية، فقد اظهر الجحود للكورد وأنكر وجودهم في دستور تركيا الحديثة، طبعا مع بقية الأقوام غير التركية، ومنع الكورد من التكلم بلغتهم وصادر ابسط الحقوق والحريات السياسية والثقافية لهم. على الرغم من أن الكورد لم يرضخوا لذلك وقاموا بثورات وانتفاضات الواحدة تلو الأخرى ضد السياسة الشوفينية للكماليين ومن جاء بعدهم لكرسي الحكم، مثل ثورة الشيخ سعيد وثورة ارارات وغيرها. لكن النظام التركي استطاع قمع تلك الثورات والهبات الجماهيرية بوحشية، وفرض نظاما صارما على الكورد من حيث منع التكلم بلغتهم ولبس زيهم القومي، وقاموا بتهجير مئات الآلاف من مدنهم وقراهم إلى وسط وغرب تركيا. بعد كل هذه السنين فان النخب السياسية الحاكمة في تركيا كانت ولا زالت تستفز وتجن بمجرد سماع كلمة الكورد فما بالكم من وجود نشاط سياسي وثقافي واجتماعي للكورد كقومية غير تركية وذلك بغية الحصول على حقوق الشعب الكوردي. وعلى الرغم من تأسيس عدد من الأحزاب الكوردية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في تركيا، إلا إن تأسيس حزب العمال الكوردستاني في 27/11/1978 فإنها كانت البداية لأن تدخل القضية الكوردية مسارا جديدا مختلفا، خاصة بعد إعلانه الكفاح المسلح في 15/8/1984طريقا لتحقيق أهدافهم. حيث إن ذلك قد أعاد الأمل للكثير من الشباب الكورد وجعلهم يعتزون بقوميتهم وأرضهم ولغتهم وتراثهم وأدبهم وفنهم، بعد أن كانوا على وشك الانصهار الكلي في بوتقة القومية التركية.
ومنذ ذلك التاريخ ولحد الآن فان الحكومات التركية المتعاقبة لا تستطيع استيعاب إمكانية وقوف حركة للقومية الكوردية بوجه سياساتها التي طبقت لعشرات السنين، والمطالبة بحقوقها وتثبيت هويتها القومية. وقد قام النظام التركي بكامل قواه العسكرية والسياسية والدبلوماسية القضاء على نشاط حزب العمال، والحيلولة دون وصول تأثير هذه الحركة السياسي إلى كافة أبناء القومية الكوردية، وصرفت من اجل ذلك مئات المليارات من العملة الصعبة، واقترفت الجرائم والمذابح بحق المدنين من الكورد، واغتالت عشرات المئات من الناشطين والمثقفين، وقامت بتهجير أكثر من مليوني شخص من القرى والقصبات الكوردية، لكن نشاط هذه الحركة لم يضعف بل أصبحت أكثر قوة وجماهيرية سنة بعد سنة. لذلك أخذت الحكومات التركية منذ أواسط القرن الماضي ولحد الآن باتهام دول الجوار بأنها تدعم وتحتضن قواعد لحزب العمال الكوردستاني. حيث إن النظام التركي كان قد وقع اتفاقية مع نظام صدام حسين في ثمانينيات القرن الماضي تسمح بموجبها للقوات التركية دخول الأراضي العراقية بعمق 17 كيلومترا لمقاتلة مسلحي حزب العمال وقصف القرى الكوردية الآمنة من قبل الطائرات والمدفعية التركية. وقد شنت القوات التركية بالمشاركة مع قوات الأحزاب الكوردية العراقية هجوما ضد معاقل حزب العمال سنة 1992بهدف القضاء على نشاطه، لكن دون جدوى فحاولت أن تجرب حظها مرة أخرى سنة 1997، حيث إن تركيا تحتفظ بقوات لها في قواعد تقدر قوامها بحوالي ثلاثة ألاف عسكري ورجل أمني. ومنذ ذلك الحين فان تركيا تقوم باجتياح بعض مناطق كوردستان العراق بين الحين والآخر، وكان آخرها في شباط سنة 2008 التي تلقت حينها قواتها ضربة عسكرية لأول مرة من قبل حزب العمال، ولكنها تقوم بقصف المناطق الحدودية المتاخمة لحدودها بالطائرات والمدفعية الثقيلة باستمرار. لكن كل ذلك لم تستفد منها الحكومة التركية في كبح جماح حزب العمال، بل على العكس من ذلك. حيث توصلت الأحزاب الكوردية في العراق إلى قناعة مهمة مفادها عدم المشاركة ثانية في محاربة قوات حزب العمال عسكريا سواء بمشاركة القوات التركية أو بدونها، وهذا ما جعل رد فعل الحكومة التركية غبيا تجاه حكومة الإقليم لدرجة أن طالبتها بتسليم عدد من قادتها للحكومة التركية وخاصة من الحزب الديمقراطي الكوردستاني. كل ذلك إنما يدل على أن الحكومات التركية المتعاقبة تعاني من عقدة اسمها الكورد، ولها تأثير نفسي وسياسي وعسكري وحتى ثقافي على النخب التركية الحاكمة. حتى إن حكومة (العدالة والتنمية) برئاسة (رجب طيب أردوغان) التي تدعي إنها تحاول إيجاد الحلول المناسبة للقضية الكوردية، وقامت ببعض الخطوات التجميلية من أجل الإيحاء للرأي العام العالمي بأنها جادة في حل القضية الكوردية. لكنها تستمر في الوقت نفسه باتخاذ الحل العسكري لإنهاء وجود حزب العمال، وتحاول بشتى الطرق كم الأفواه المطالبة للاعتراف بالهوية القومية للكورد من قبل الأحزاب الكوردية داخل تركيا، والتي تقوم بحل تلك الأحزاب باستمرار متى ما أحست بقوتها وجماهيريتها.
والآن ومنذ اندلاع حركة الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد في آذار سنة 2011، فان الحكومة التركية تحاول بشتى السبل الإيحاء للرأي العام الدولي والإقليمي بأنها تقف إلى جانب ثورات الربيع العربي وخاصة في سوريا، لقناعتها بان أغلب هذه الثورات ستأتي بأحزاب الإسلام السياسي إلى الحكم في تلك الدول مما سيفسح المجال واسعا أمامها لبناء قاعدة لمصالحها الاقتصادية والسياسية فيها. لكن الحكومة التركية تنسى أو تتناسى أن نسبة كبيرة من نسيج المجتمع السوري هم من الكورد وإنهم يقطنون المناطق المتاخمة لحدودها مع سوريا، بالإضافة إلى أن الحزب الأكثر شعبية بين كورد سوريا هو حزب الاتحاد الديمقراطي الموالي لحزب العمال، وان الأحزاب والجماعات الكوردية الأخرى ذو توجهات قومية. لكن الحكومة التركية كانت تأمل في أن تكون لها موضع قدم بين كورد سوريا ومن خلا ذلك تستطيع أن تخلق شرخا ونزاعا وحتى اقتتالا بين الفصائل الكوردية هناك، بحيث تستطيع أن توجه ضربة ل (الاتحاد الديمقراطي) ومن ورائها حزب العمال الكوردستاني. لكن آمال النظام التركي قد خابت بعد أن استطاع الكورد من تشكيل (هيئة كوردية عليا) مشكلة من خمسة أعضاء من (المجلس الشعبي لغرب كوردستان) التابع ل(الاتحاد الديمقراطي) وخمسة أعضاء من (المجلس الوطني الكوردستاني) المشكل من بقية الفصائل الكوردية في سوريا. إن سيطرة شباب الكورد على مناطق وقصبات عديدة قد أدى إلى أن يصيب (أردوغان) بالجنون وأخذ يصدر جملة من التهديدات حول التدخل في سوريا وتوجيه ضربات للكورد وحشد جيشه على الحدود ناسيا انه بذلك إنما يقف إلى جانب نظام الدكتاتور بشار الأسد، وان شباب الكورد الثائرين إنما هم فصيل من فصائل الثورة السورية. لكن يبدو انه قد فقد اتزانه ودهائه لمجرد رؤيته العلم الكوردستاني بألوانه الزاهية يرفرف في المناطق والقصبات الكوردية المتاخمة لحدود تركيا، ومتناسيا انه بسياسته هذه إنما يخفي رأسه في الرمال لان الكورد يشكلون أكثر من عشرين مليون نسمة من نفوس تركيا، وسيأتي يوم ما آجلا أم عاجلا ليرى العلم الكوردستاني عاليا في قرى ومدن كوردستان تركيا أيضا. وكان هذا حال الحكومات التركية التي لم تكن تستوعب وتتحمل قيام إقليم كوردستان في العراق ومتاخم لحدود تركيا، فحاولت بشتى السبل خنق تجربة الحكم في إقليم كوردستان العراق، وكانت ولا زالت تحاول التدخل في الشأن الكوردستاني والعراقي ثم في الشأن السوري لاحقا. كل ذلك من أجل عرقلة بروز هوية قومية كوردية سواء كان ذلك في العراق أو في سوريا ومستقبلا في إيران وفي تركيا نفسها.
إن ديماغوجية الحكومات التركية المتعاقبة لا تختلف كثيرا عن نظام بشار الأسد الذي لا يزال يدعي أن الأوضاع مستتبة في أغلب مناطق سوريا، وان السوريين إنما يحب نظام حزب البعث والدكتاتور المدلل على الرغم من أن الشعب السوري يقوم بثورة منذ أكثر من سنة وأربعة أشهر ضد النظام القابع على صدورهم منذ ما يقارب الخمسين سنة، ويدعي أن بعض القوى الإرهابية هي التي تقوم بإرهاب المواطنين بدعم وتمويل دولي. إن حكومة (أردوغان) تعتقل أكثر من عشرة آلاف مواطن كوردي بتهمة الانتماء أو التأييد لحزب العمال الكوردستاني، ولم يتوقف يوما عن توجيه الحملات العسكرية داخل وخارج تركيا للقضاء على وجود حزب العمال، على الرغم من أن العديد من العمليات العسكرية لحزب العمال ضد قواته تسجل في دياربكر ووان وبينغول (جه وليك) وهتاي (الأسكندرونة) وتونجلي (ديرسيم) وغيرها والتي تقع جميعها في عمق الأراضي التركية. ولا ننسى هنا حديث (تانسو جيلر) رئيسة وزراء تركيا للصحافة في أواسط تسعينيات القرن الماضي عن قصف (طائرات) تابعة لحزب العمال لمناطق في الريف الكوردستاني !!!
لكن كل هذا إنما يؤكد على أن النخب الحاكمة في تركيا سابقا والآن لا يمكن أن يستوعبوا إن الشعب الكوردي خاصة في تركيا قد تبلور وعيه القومي وأصبح يطالب بحقوقه التي اغتصبت من الدول التي اقتسمت أراضي كوردستان. تلك النخب السياسية تتفق في رؤيتها إزاء القضية الكوردية، وما التصريحات الأخيرة لهم إلا دليل على ذلك سواء كانوا من اليمين (رجب طيب أردوغان) أو اليسار(كمال كليجيدار أوغلو) ذو الأصول الكوردية زعيم (حزب الشعب الجمهوري) أو اليمين القومي المتطرف ( دولت باخجلي) زعيم (حزب الحركة القومية).
إن (تانسو جيلر) كانت قد اختصرت قبل أكثر من خمسة عشر سنة مخاوف وعقد قادة تركيا إزاء الكرد حينما صرحت بان تركيا ستحارب قيام دولة كوردية حتى وان قامت في البرازيل!!!
إن هذا يشير بوضوح إلى عمق العقدة الخاصة بقادة تركيا تجاه الكورد، والتي نعتقد إنها تحتاج إلى دراسة الحالة النفسية للنخب السياسية الحاكمة في تركيا لعلها تنير لنا الأسباب التي تقف وراء ذلك.







التعليقات


1 - الحقيقة
مجيد العمادي ( 2012 / 8 / 1 - 09:51 )
 عاشت يدك أخ العزيز سربست على هذا المقال الرائع،اتمنى ان يفهموا ويستوعبوا هؤلاء القومجيين والشوفينيين والمصابين بالجنون السياسي والحقد والكراهية الانسانية على هذه الحقيقة من اجل التعايش السلمي بين جميع  شعوب المنطقة من اجل الاجيال القادمة والحياة،الكريمة،تحياتي للجميع


2 - التركوالكوزد
سعيد حاشوش ( 2012 / 8 / 1 - 11:31 )
ان اول ثورة في التاريخ الاسلامي هي ثورة ابن بابك اشترك الكود فيها مما اضطر العباسيون ان يستعبنوا بالاتراك للقضاء عليها


3 - دەست خوش
Farhad Tayib Spindary ( 2012 / 8 / 2 - 00:37 )
دەست خوش کاک سەربەست. نڤیسینا تە هندەک راستیێن گرنگ دەربارەی بینینا تورکیا بەرامبەر مافێن مللەتێ کورد بو خوێندەڤانا ئاشکرا کرن. جارەکا دژی دەست خوش و هەر یێ ساخ و سەلامەت بی. ا


4 - الشكر
سربست مصطفى ( 2012 / 8 / 2 - 11:14 )
عمي الفاضل امين
شكرا جزيلا لمروركم وتعليقكم ويكفيني ان تعحبني كتاباتي المتواضعة


5 - استراتيجية قومية
سربست مصطفى ( 2012 / 8 / 2 - 11:18 )
عزيزي رشيد
شكرا لمروركم وتعليقكم واتفق معكم في ان مشكلة الكورد هي التشرذم وعدم وجود اتفاق استراتيجي قومي بين قواه واحزابه


6 - الشكر والتقدير
سربست مصطفى ( 2012 / 8 / 2 - 12:11 )
الاخوان فوزي كويي
و هوار اميدي

شكرا جزيلا لتعليقكم ومروركم مع التقدير والاحترام


7 - لن يفهموا
سربست مصطفى ( 2012 / 8 / 2 - 12:15 )
الاخ مجيد اميدي

اعتقد انهم لن يفهموا شيئا خلاف تاريخهم ومصالحهم ، ولكن علينا نحن وخاصة النخب السياسية الكوردستانية ان يفهموا ان قوتهم ليس في عددهم بل في اتفاقهم ومصالحهم وبعيدا عن مصالح الدول الغاصبة لكوردستان، مع تحياتي واعتزازي


8 - ابن بابك
سربست مصطفى ( 2012 / 8 / 2 - 12:33 )
الاخ سعيد

شكرا للمعلومة وشكرا لتعليقكم ومروركم


9 - سوباس
سربست مصطفى ( 2012 / 8 / 2 - 12:43 )
كاك فرهاد

جاواني باشي هيفيدارم هه ر سه ركه فتي بي ، سوباس بوخويندنا وه بو بابه تي لكه ل ريزيت تايبه ت

اخر الافلام

.. هل تراجع ترامب عن قانون فصل الأطفال المهاجرين عن ذويهم؟


.. السلام واللاجئون الفلسطينيون والسوريون على جدول زيارة ميركل


.. سفيرة الإمارات لدى الأمم المتحدة: عدد المستفيدين من المساعدا




.. -ترامب يريد أن يحتجز أطفال المهاجرين كرهائن- الحقوقي و المحل


.. مرسوم رئاسي أميركي بوقف فصل أطفال مهاجرين غير شرعيين عن ذويه