الحوار المتمدن - موبايل



برنارد هنري ليفي و السفير المقتول في بنغازي .

فريد العليبي

2012 / 9 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


يعتبر بعضهم الفرنسي برنار هنري ليفي فيلسوف عصره ، فهو لا يكتفي بإنتاج أفكاره في صلة بما يجرى من وقائع تحت أنفه ، بل يمتحن صدقها على الأرض و تحت الشمس ، حتى لو كلفه الأمر التجوال في خنادق المحاربين في أفغانستان و يوغسلافيا السابقة و ليبيا ، و هناك من يقارنه بلورنس العرب ، غير أن البعض الآخر يرى فيه مجرد دمية تحركها المخابرات الدولية ، متى تطلب الحال التدخل لفرض أمر واقع جديد ، في بلد أضحى تفاحة حان قطافها ، بحسب وصف قديم لتونس من لدن بسمارك ، عشية سقوطها لقمة سائغة في فم فرنسا ، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر .
برنار هنري ليفي حزين هذه الأيام ، فالربيع العربي الذي كان عرابه يتحول شيئا فشيئا إلى زمهرير جهنم ، فيكتوي بصقيعه و يا لسخرية الإيقاع الدراماتيكي للأحداث ليس فقط ضحاياه من المضطهدين ، الذين حلموا باللبن و العسل فتجرعوا العلقم ، و إنما أيضا صناعه الأصليون ، و منهم السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنس المقتول في بنغازي ، الذي رثاه ليفي بكلمات مقتضبة يفترضها المقام في حالات كهذه ، و كان عنوان المرثية كما صدرت في جريدة لوموند الفرنسية :المتعصبون الذين قتلوا في بنغازي السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنس ليسوا فقط مجرمين و إنما أغبياء أيضا ، و للمرء أن يستغرب هذا الربط بين الجريمة و الغباء ، فأن يكون قتلة السفير في عرف الفيلسوف مجرمين فهذا ما لا يبعث على الدهشة ، أما نعتهم بالأغبياء فموضع نظر ، علما أن ليفي يستعير جملة شهيرة قالها أحد المفكرين الفرنسيين للفريق المكلف بإعدامه : أيها الأغبياء إني أموت من أجلكم .
وصف ليفي السفير المقتول بأنه دبلوماسي لامع ، و رجل ميدان بارع ، و واحد من أفضل أصدقاء ليبيا ، و أحد الصناع السريين لتحريرها ، و قال إنه و إياه قد خاضا معركة مشتركة ، و أن السبل التي سلكاها من باريس إلى بنغازي حتى واشنطن كانت تتلاقى ، و غمز أن فرنسا وقفت وحيدة في البداية في دعمها للثوار الليبيين ، و أنه في اللحظة التي لاحت فيها نذر خسارة المعركة رجا محمود جبريل المبعوث الخاص للمجلس الوطني الانتقالي الذي تفاوض مع ساركوزى قبل أيام في باريس حول الاعتراف بليبيا الحرة أن يعود سريعا للقاء هيلارى كلينتون ، التي جاءت للمشاركة في قمة الثمانية ، و هو ما حصل و قد حضر اللقاء كريستوفر ستيفنس ، و هنا يقف ليفي برهة كأنما للإفصاح عن سر خطير قائلا إن السفير المقتول كان من بين من دفعوا كلينتون إلى توجيه نداء إلى الرئيس أوباما لكي يلتحق دون تأخير بحملة إنقاذ ليبيا ، و هو ما تم فعلا ، و أن نتيجة ذلك معروفة ، فقد سقط العقيد .
يمتدح ليفي السفير المقتول دون نسيان مديح نفسه ، فمأثرته زج فرنسا في المعركة و مأثرة المقتول زج أمريكا ، و هو ما جنب ليبيا برأيه أنهارا من الدم كانت ستسيل خاصة في بنغازي ، متناسيا إذا ما صحت المقايسة ، أن ما قتله الناتو من الليبيات و الليبيين أسال بحورا بأكملها .
يختم ليفي مرثيته بالحديث عن آخر لقاء جمعه بالسفير المقتول ، عندما ذهب إلى واشنطن لإجراء حديث صحفي مع هيلارى كلينتون حول الحرب في ليبيا ، فقد التقى الاثنان صدفة في ردهات مبنى وزارة الخارجية ، فعلم بقرار تعيين ستيفنس سفيرا في طرابلس ، بعد أن كان ممثلا ساميا للولايات المتحدة لدى " ليبيا الحرة " ، طيلة شهور المعركة ، متدبرا أداء جنود بلاده في الجو والأرض أيضا ، و أن المقتول كان يمنى النفس بكتابة صفحة جديدة في مجلد تاريخ العلاقة بين العرب و أمريكا ، التي أصبح ينظر إليها لا كصديقة للحكام الديكتاتوريين و إنما للشعوب ، و يأسف لأن الأغبياء الذين قتلوا السفير حالوا دون ذلك ، غير أن التاريخ قد سجل على طريقته بدم السفير المقتول واقعة أخرى من وقائع الصراع الدموي في عالمنا ، و قد يكون من غير المجدي وصم صناع تلك الواقعة بالغباء لفهمها .







اخر الافلام

.. كركوك.. وفوهة بركان كردستان


.. الأزمة القطرية في المحفل الدولي.. مناورات ومواقف


.. غارات روسية وسورية على ريفي إدلب وحماة




.. مرآة الصحافة 20/9/2017


.. البيت الفلسطيني.. نظرة إلى الداخل