الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أكتوبر 73..الحرب كمسألة طبقية

مجدى عبد الهادى
باحث اقتصادي

(Magdy Abdel-hadi)

2012 / 10 / 6
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


يقول كلاوسفيتز أن الحرب إستمرار للسياسة بأساليب أخرى ، والحق أنه لا يمكن التمييز الجدي ما بين الحرب والسياسة ، بحيث تحار في تقديم أي منهما باعتباره الأصل !! فالسياسة نفسها ليست سوى شكل مُحول ومُهذب – وبالتالي لاحق – للحرب – التي يجب فهمها ووعيها هى الآخرى بشكل أوسع من مجرد الإحتراب الدموي المُباشر - التي هى أصل وقاعدة من قواعد الوجود في الطبيعة والمجتمع !!

ما يهمنا في هكذا قضية هو أن وعي الحرب ، أي حرب ، يجب أن يتم ضمن شروطها وسياقها السياسي والإجتماعي والتاريخي الأوسع ، وليس ذلك التناول القيمي البطولي الذي يحصرها في زاوية قد تتساوى فيها كل الحروب تقريباً ، اللهم إلا من منظور العسكريين المُحترفين !!

فإذا كنت تتناول حرباً كحرب أكتوبر 73 ، مُحاولاً إخراج الوعي العام من أوهامه السائدة عنها إمتداداً للرؤية الرسمية ؛ فستواجهك من البداية عدة مشاكل يمكن إختزالها في ثلاث مشاكل رئيسية :

1. حالة التشبع العاطفي المُبالغ فيها تجاه الحرب : وهى أمر طبيعي بالنسبة لشعب مهزوم وتابع وبائس معيشياً ، يجد عزائه في إنتصار يتيم على مدى ما يقرب من مئتي عام منذ أيام محمد على وإبراهيم باشا !! لا غرابة أن محاولة الحديث عن كون النصر وهم ، يكون قاسياً ومُدمراً وغير مقبول ، خاصةً مع التضحيات العظيمة الصادقة من طرف الجنود والقادة المصريين في الحرب ، والذين لسنا بحاجة للتأكيد بأنهم خاضوا الحرب وضحوا بأرواحهم جادين غير هازلين !!

2. النظرة القبلية للحرب : فغياب الوعي السياسي عموماً يجعل عموم المصريين لا يعون الترابط الضروري ما بين الحرب والسياسة آنف الذكر ، وبحيث لا تختلف نظرتهم للحرب عن نظرتهم لخناقات الحواري !! فالحرب هدفها مجرد وأثيري وفضفاض إسمه الكرامة ، فإذا تجسد قليلاً فهو الأرض ، وهو قول نؤمن به على المستوى العاطفي الفردي والشعبوي ، لكنه لا قيمة له في الحسابات الجيوسياسية ، وبحسابات المصالح الطبقية بعيدة المدى .

3. غياب الوعي الطبقي : وهو الأمر الذي يجعل عموم المصريين يتعاملون مع أنفسهم ككتلة مُصمتة لها موقف وطني واحد ، يمكن من خلاله تعريف مصر ومصالحها وموقعها من العالم تعريفاً واحداً ، وما عدا ذلك هو إختلاف ودي في الرأي !! وعليه فالحرب هى حرب كل المصريين !! ويمكن بالتالي النظر إليها ضمن النظر عموماً إلى موقع مصر من العالم وكافة مواقفها الآخرى الداخلية والخارجية كمسائل "قبلية" كما بالنقطة (2) بعاليه ، وليست كمسائل طبقية يجب النظر إليها من منظور المصالح المختلفة والمتناقضة ، وبحيث يكون مفهوماً ومنطقياًً إختلاف الرؤى والإستراتيجيات التي يجري العمل على أساسها في كل يتعلق بالهم الوطني ، بما في ذلك إختلاف معنى تلك الحرب ومداها وهدفها بإختلاف المصالح الطبقية .

فإذا نحينا جانباً هذه المشكلات ودخلنا مباشرةً في صلب المسألة لنفاجئ شعبنا العظيم المخدوع بأنه نصره وهمي مُرتب ومُتفق عليه ؛ فماذا تراه يكون رد فعله ؟!

في العام السابق على الحرب سعى السادات لدى كيسنجر للعودة للعرض الإسرائيلي الذي بمقتضاه تتسلم مصر سيناء مقابل السلام مع إسرائيل ، وهو العرض الذي سبق وعرضته إسرائيل على عبد الناصر عقب النكسة مباشرة ! ، ورفضه ناصر بالطبع !!

عملياً كان الموقف قد تغير كثيراً بعد مرور خمس سنوات على النكسة ، ما صنع تصوراً بثبات الوضع الجديد لدى الإسرائيليين ، خاصةً لدى المتدينين منهم ، الذي يعتقدون أن سيناء هى جزء من الأرض الموعودة ، وبحيث أصبح صعباً على حكومة العمل العلمانية وقتها أن تجابه المعارضة الشرسة التي ستعتبر العودة لهذا العرض وتسليم سيناء مقابل السلام خيانة لوعد الرب وبيع لأرض الأجداد !! ما يعني أنه حتى في حال توفرت النية لدى القيادة الإسرائيلية ، فلم يكن الأمر بالسهل !! وهى نية مشكوك فيها أساساً إذا ما اخذنا بالإعتبار المصالح الإقتصادية التي كانت قد بدأت تتكون لإسرائيل في سيناء .

من ناحيته كان لدى السادات تصور مختلف تماماً عن سلفه عبد الناصر ، وهو تصور لم يكن يخصه وحده في الحقيقة ، فالظروف الغامضة التي أتت به للحكم ، لم تتكشف حقائقها حتى اليوم ، لكن المؤكد هو أن السادات كان نتيجة وليس سبباً لتغيرات بنيوية إكتنفت أو ربما كانت بذاتها أوضاعاً قائمة فعلياً في صلب النظام الناصري نفسه ، الذي كان يحمل نقيض تصوراته التحررية من البداية ، ليس عن تطورات داخلية طارئة ، بل عن قصور بنيوي في الوعي والتجربة من البداية !!

هذا الغموض الذي يحيط بمجئ السادات يمكن حصره بالمجال السياسي وحده ، فليس هناك غموض إطلاقاً فيما يخص البنية الإجتماعية والإقتصادية للنظام الناصري ، الذي تتسلط عليه بيروقراطية فاسدة مع منظومة قطاع خاص إكتنزتا معاً رؤوس أموال كبيرة – تقوم في معظمها على النهب المُنظم - على مدى عقد التجربة الإشتراكية الناقص ، وكان لابد من فتح منافذ الإستثمار الخاص أمامها مع أبواب التعامل الحر مع الخارج في صورة التوكيلات والسمسرة إلخ ما رأيناه في مرحلة الإنفتاح الإستهلاكي الشهيرة !!

المهم أن الإستراتيجية التي كان يعمل السادات على أساسها كممثل للقوى الإجتماعية التي أتت به للحكم ، كانت مختلفة جذرياً عن الإستراتيجية التي كان يعمل على أساسها عبد الناصر ، وما وصف القذافي لأكتوبر بحرب التحريك - وليس التحرير - بكاذب .

وهذا المصطلح "تحريك" ليس من إختراعات القذافي في الحقيقة ، بل إن صاحبه الأول لمن لا يعلم هو كيسنجر نفسه ، الذي رد على مبادرات السادات السلمية – والذي يمكن إعتباره مبتكر مبدأ الأرض مقابل السلام الشهير – بأنه لا يملك له عند الإسرائليين شيئاً ، وأن عليه "تحريك" الموقف بعملية عسكرية ما .

وهكذا كانت إستراتيجية السادات الحاكمة لنظرته للحرب ، فهى في منظوره مجرد ( عملية عسكرية ) هدفها تحريك الموقف سياسياً بهدف الوصول لتسوية مع الكيان الصهيوني في إطار الإلتحاق بالمعسكر الإمبريالي والخروج من معسكر التحرر الوطني المناهض له ، وهى الإستراتيجية المناقضة لإستراتيجية الفريق سعد الدين الشاذلي رحمه الله ، التي كانت تعبر عن آمال وطموحات الشعب المصري في التحرر الوطني ؛ فكان الصدام الشهير – وبضمنه مسألة الثغرة المُريبة - بكافة تبعاته وذيوله ، والذي مثل أعظم تكثيف لصراعات العقد السبعيني الذي إنتهى بالتحولات التي ستجري في مصر على مدي ثلاثة عقود تالية !!

هذه الصراعات وما حولها من تفاصيل الحرب ، بما تلاها من تحولات ، لازال هناك الكثير مما يجب قوله فيها ، وهو أمر تعجز عنه هذه العُجالة على أي حال .

والخلاصة أن أي محاولة لتفسير أكتوبر 73 وما تبعها من إنفتاح إقتصادي ومعاهدات تبعية مُذلة ، بعيداً عن إستراتيجية الحرب نفسها منذ البداية وعن ظروف مجئ السادات للحكم والتركيبة الطبقية للسلطة الناصرية وحتى موت عبد الناصر المفاجئ ؛ لا يمكن أن تصل بنا لأي مكان !!

فقط المؤكد أنه كان منطقياً بالنسبة للسادات ( أو البرجوازية المصرية ) أن يعلن 73 آخر الحروب !!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن تعتزم فرض عقوبات على النظام المصرفي الصيني بدعوى دعمه


.. توقيف مسؤول في البرلمان الأوروبي بشبهة -التجسس- لحساب الصين




.. حادثة «كالسو» الغامضة.. الانفجار في معسكر الحشد الشعبي نجم ع


.. الأوروبيون يستفزون بوتين.. فكيف سيرد وأين قد يدور النزال الق




.. الجيش الإسرائيلي ينشر تسجيلا يوثق عملية استهداف سيارة جنوب ل