الحوار المتمدن - موبايل



موقف هيجل وهوسرل من العلاقة بين المذهب الفلسفي وتاريخ الفلسفة

أشرف حسن منصور

2012 / 10 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


موقف هيجل وهوسرل من العلاقة بين المذهب الفلسفي وتاريخ الفلسفة
المحتويات:
مقدمـــة
أولاً : إشكالية البداية
1 - فكرة المذهب
2 - مفهوم هوسرل عن النسق الفلسفى (العلم الكلى)
3 - الفينومينولوجيا باعتبارها فلسفة أولى
ثانياً : إشكالية المنهج
1 - مفهوم هيجل عن المنهج
2 - مفهوم هوسرل عن المنهج
3 - التمييز بين المنهج وموضوعه
4 - صعوبات تقديم فلسفة مثالية للجمهور
ثالثاً : استبعاد هوسرل للجانب التاريخى
رابعاً : المواقف الهيجلية الأخيرة لهوسرل
1 - تماثل تشخيص الأزمة الروحية
2 - تاريخية المذهب
خاتمـــة
مقدمـــة :
قامت فينومينولوجيا هوسرل باستبعاد منهجى مقصود لتاريخ الفلسفة السابق عليها تحت مسمى الإبوخية، وكان موقفها ناقداً للنزعة التاريخية. وهذا هو السبب فى استبعاد هوسرل لهيجل منذ مقال ” الفلسفة باعتبارها علماً دقيقاً “، لأن هيجل هو الفيلسوف التاريخى عن أصالة، إذ قدم فلسفته باعتبارها النتيجة الحتمية والنهائية لتطور الفكر الفلسفى السابق عليه، وذهب إلى أن فكرة الفلسفة الكلية لا تتحقق إلا فى التاريخ، أى عبر تجليات جزئية فى مذاهب مختلفة. وفى حين ينظر هيجل إلى فلسفته على أنها نتيجة تطور تاريخى ومعبرة عن روح عصرها، نظر هوسرل إلى فلسفته على أنها ” تأملات ديكارتية “، أى استئناف لنقطة إنطلاق ديكارت وعودة إليها مرة أخرى؛ وهذا الموقف مستبعد لتاريخ الفلسفة الواقع بين ديكارت وهوسرل، ففى حين يبدو أنه محاولة لتأصيل الفينومينولوجيا بإرجاعها إلى الحدس الأول لديكارت، إلا أنه ينطوى على نزعة لا تاريخية تعتقد أنه لم يحدث شئ فى الفلسفة من ديكارت إلى هوسرل، ما عدا محاولة مبتسرة على يد كانط لاكتشاف المجال الفينومينولوجى تحت مسمى الترانسندنتالى، وهى المحاولة التى لم يقدر لها أن تستمر وتكتمل فى صورة المذهب الفينومينولوجى الكامل إلا على يد هوسرل.
يتناول هذا الفصل علاقة هوسرل بتاريخ الفلسفة ومواقفه منه، ورصد تحول هوسرل إلى اتجاه تاريخى بل وانقلابه إلى رؤية هيجلية فى النظر إلى فلسفته وعلاقتها بتاريخ الفلسفة فى آخر مؤلفاته ” أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترانسندنتالية “.
أولاً - إشكالية البداية :
اعترض الكثيرون على هيجل لكونه يحكم على كل أشكال الوعى وكل المواقف المعرفية والثقافية التى يتناولها من وجهة نظر المطلق أو المعرفة المطلقة، ولكونه يدرس الوعى من منظور المعرفة المطلقة، أى وهو عالم بأن كل أشكال الوعى التى يدرسها سوف تؤدى فى النهاية إلى المعرفة المطلقة. إنهم بذلك يعترضون على نوع من التحيز من جانب هيجل للمعرفة المطلقة وعلى وصفه لجميع صور وأشكال الوعى وتطوراته على أنها تصب فى المعرفة المطلقة. لكن ليس هذا عيباً فى الفينومينولوجيا الهيجلية بل يبدو أنه من أسباب قوتها. ذلك لأن الأمر يفهم على نحو أفضل إذا استخدمنا أسطورة الكهف لدى أفلاطون. إن هيجل هو الفيلسوف أو الشخص الذى نجح فى فك الأغلال والخروج خارج الكهف ورؤية شمس الحقيقة، أى المعرفة المطلقة، وقد دخل الكهف مرة أخرى وأخذ يقنع الناس داخله بكيفية توصلهم مثله إلى المعرفة المطلقة أو رؤية شمس الحقيقة. إن هيجل يصف لنا الطريق المؤدى إلى المعرفة المطلقة التى حصل عليها هو أولاً. لكن هل الطريق الذى يصفه هيجل فى الفينومينولوجيا هو الطريق الذى قطعه هو نفسه ؟ طريق الفينومينولوجيا هو طريق الإنسانية كلها وطريق الفلسفة والفكر على وجه الخصوص، يريد هيجل من ذلك أن يقول إن الفكر الإنسانى قد وصل إلى المرحلة التى يتمكن عندها من الحصول على المعرفة المطلقة، أو باب الكهف، وما علينا سوى أن ندلف فيه ونخرج لنرى شمس الحقيقة. الحقيقة أن طريق الفينومينولوجيا ليس هو الطريق الذى قطعه هيجل. طريق هيجل نحو المعرفة المطلقة يختلف ولو قليلاً عن طريق الفينومينولوجيا، وطريقه هو طريقه نحو اكتشاف فلسفة الهوية أو فلسفة التأمل، أى عن طريق سبينوزا وفخته وشلنج وبتوسط كانط فى الاستنباط الترانسندنتالى للمقولات. هذا الاختلاف بين الطريق الذى سار فيه الفيلسوف نفسه والطريق الذى سيصفه لغيره موجود أيضاً لدى هوسرل، فهو قد توصل إلى الفينومينولوجيا عن طريق كانط وبرنتانو وفريجة، لكنه عندما يصف كيفية الوصول إلى منظور الفينومينولوجيا فهو لا يصف لنا الطريق الذى قطعه هو، بل طريق آخر فلسفى ومثالى، طريق الإبوخية والرد الماهوى والوضع بين القوسين والبناء أو التقوم والإيضاح.
إن التحليل الفينومينولوجى للطريق الذى يسير فيه الوعى نحو العلم هو ذاته جزء من العلم، فليست النتيجة فقط هى العلم، بل العملية كلها، الرحلة وتحليلها. التحليل الفينومينولوجى إذن جزء من العلم، وجزء عضوى كذلك. وهذا يختلف عما يفعله هوسرل، فهو يمارس وضعاً بين قوسين وإبوخية لا تنتمى إلى العلم الفينومينولوجى بالمعنى الدقيق. العلم الفينومينولوجى لديه يظهر عندما يبدأ فى تبرير المقولات، عندما يبدأ فى توضيح صدود العالم عن الأنا المطلق أو الوعى الخالص، وقبل ذلك لا يصل إلى العلم، فهى كلها خطوات تمهيدية. فالإبوخية والوضع بين قوسين لا ينتج عنه أى ضرورة أو تبرير منطقى أو حتى ترانسندنتالى للمعرفة أو الخبرة، وذلك عكس التحليل الفينومينولوجى منذ أولى صفحات فينومينولوجيا هيجل، الذى يوضح الضرورة فى عملية الانتقال من شكل من أشكال الوعى إلى شكل آخر، والذى يوضح ظهور العنصر الكلى من جزئية الوعى وحسيته ومباشرته.
يصر هيجل على أن تكون البداية بالمباشر، ولهذا دلالات عديدة من داخل فلسفته ذاتها. فهيجل يرفض البدء بالوعى الخالص أو الأنا الخالص لأنه غير مباشر، ولا يعنى هذا أنه يريد أن يبدأ بالعينى لأنه هو الآخر غير مباشر ولا بسيط، فهو ملئ بالتعينات والتحديدات والصفات، أى أنه غير مباشر ولا بسيط بل ملئ بالوسائط. ومن هنا فإن مقولة الوجود الخالص هى أنسب بداية عنده. يمكننا بناء على ذلك توجيه نقد هيجلى لهوسرل بقولنا إن هوسرل لا يبدأ بالمباشر، فالوعى الخالص الذى يبدأ به ليس مباشراً بل هو نتيجة لتوسط، وهذا التوسط هو عملية الرفع ذاتها أو الإبوخية والتخلى عن الموقف الطبيعى. الموقف الطبيعى نفسه هو المباشر بالنسبة للوعى وكان يجب عليه البدء به كما فعل هيجل فى أول الفينومينولوجيا. نلاحظ هنا أن بداية الفينومينولوجيا تختلف عن بداية المنطق. المنطق يبدأ بالمباشر والبسيط وهو مقولة الوجود، والفينومينولوجيا كذلك تبدأ بالمباشر والبسيط، لكنه شئ يختلف تماماً عن بداية المنطق، إنه الوعى المباشر أو اليقين الحسى. المباشر والبسيط فى المنطق هو المباشر والبسيط فى ذاته لا بالنسبة للوعى، أما المباشر والبسيط فى الفينومينولوجيا فهو المباشر والبسيط بالنسبة للوعى المباشر، أو ما يتخذه الوعى المباشر العادى باعتباره مباشراً وبسيطاً ثم يكتشف بعد ذلك عكس ذلك، يكتشف أنه متوسط وملئ بالوسائط وهو يكتشف فى داخله الكلى. إذا كان الموقف الطبيعى هو أول ما يقابله الوعى، الوعى المباشر، فلماذا يلغيه هوسرل ويرفعه ؟ إنه فى الحقيقة لا يمارس تحليلاً فينومينولوجياً للوعى المباشر العادى ولموقفه الطبيعى، ولا يعتبر أن هذا الموقف الطبيعى هو موقف للوعى المباشر. لقد تقاعس هوسرل عن ممارسة منهجه الفينومينولوجى على الموقف الطبيعى، وممارسة الإبوخية عليه ليس تحليلاً فينومينولوجياً.
فى معرض تناول هيجل لإشكالية البداية فى المذهب الفلسفى يذهب فى علم المنطق إلى أن هذا المبدأ يجب أن يكون محايثاً ويبقى كذلك فى المذهب كله( 1). وهيجل يؤكد على هذه النقطة فى مقابل فخته الذى لا يتحقق مبدأ مذهبه فى باقى المذهب. فالمبدأ الذى يبدأ به المذهب هو مبدأ الهوية والتطابق أو الوحدة بين الفكر والوجود أو الذات والموضوع، لكن يعود المذهب ذاته ليكرر الانفصال التقليدى بينهما وهو بذلك ليس محققاً لمبدئه. أما هيجل فيصر على أن يظل المبدأ محايثاً للمذهب طوال الطريق وحتى النهاية. وهو يقرر بعد ذلك أن هذا المبدأ هو الوجود الخالص، والحقيقة أن كل المنطق الهيجلى دراسة لهذا الوجود الخالص وللأوجه المختلفة التى يتخذها والتحولات التى تجرى عليه.
1 - فكرة المذهب :
يصر هيجل فى علم المنطق على أن البداية يجب أن تكون مباشرة وخالصة وغير متوسطة بأى شئ وليست محددة بأى مضمون( 2)، وهو فى ذلك يتبع تراث المثالية الألمانية السابق عليه وخاصة فخته. لكن يجب أن ننتبه هنا إلى أن البداية الخالصة التى يتحدث عنها هى بداية علم المنطق على وجه الخصوص وهى تفترض النقطة التى انتهت إليها الفينومينولوجيا، فقبل أن يعلن هيجل عن ضرورة أن تكون البداية مباشرة وخالصة أعلن صراحة أن نقطة إنطلاق المنطق هى النهاية التى وصلت إليها الفينومينولوجيا. ليست بداية المنطق خالصة ومباشرة إلا فى دائرة المنطق نفسه، لكن الفينومينولوجيا هى التى سمحت لنا بالوصول إلى مثل هذه البداية. الفينومينولوجيا كلها هى التى تتوسط نقطة إنطلاق المنطق. فلماذا كانت الفينومينولوجيا إذن الجزء الأول من المذهب ؟
يذهب هيجل إلى أن مبدأ أى فلسفة يعبر عن بداية، وهى بداية كل شئ. مبدأ الفكر إذن هو مبدأ الوجود فى نفس الوقت. يعبر هذا الرأى لهيجل عن فلسفته فى الهوية. وإذا رجعنا لهوسرل فى هذه النقطة فلن نجد لديه هذا المبدأ. فالفكر شئ والوجود شئ، والنسق الفكرى لهوسرل شئ ومحتواه الأنطولوجى شئ آخر. فمبدأ فلسفة هوسرل هو الإبوخية، وهو بداية إجرائية منهجية بحته لا تعبر عن أى مضمون أنطولوجى، بل على العكس تلغى وضعاً أنطولوجياً معيناً وهو الموقف الطبيعى للوعى. هوسرل يلغى الوجود لحساب المعرفة. كما أن الوعى الخالص إذا كان هو مبدأ فلسفته فلن يكون مبدأ للوجود فى نفس الوقت، إنه يريد له أن يكون كذلك، أو على الأقل مبدأ للمعرفة، لكن لا يمكن للوعى الخالص أن يكون ذلك أيضاً(3 ).
ويذهب هيجل إلى أننا إذا كنا نسعى نحو المعرفة الخالصة فيجب أن يكون الوجود الخالص هو بداية هذه المعرفة ومضمونها فى نفس الوقت( 4). وعلى الجانب الآخر نجد أن هوسرل يبدأ بشئ آخر خالص أيضاً لكنه الوعى الخالص. هوسرل أيضاً يعتنق مبدأ مشابهاً للمبدأ الهيجلى وهو أن المعرفة الخالصة يجب أن تبدأ بشئ خالص ومباشر وبسيط، وهما يختلفان فى اختيار هذا الشئ، هيجل يختار الوجود الخالص وهوسرل يختار الوعى الخالص. لكن هوسرل على خطأ لأنه يعتقد أن الوعى الخالص مباشر وأولى وغير متوسط وبسيط، إنه ليس أى شئ من هذه الأشياء، فهوسرل نفسه توصل إليه بتجريد ورفع ووضع بين قوسين، أى بالإبوخية، وهذه كلها هى الوسائط التى توصل منها إلى هذا الوعى الخالص، فهو إذن غير مباشر ولا بسيط، البسيط والمباشر هو الموقف الطبيعى الذى رفعه أما الوعى الخالص فمقولة فى غاية التعقيد لأنها مجردة، ولا يعنى كونها مجردة أنها بسيطة أو مباشرة، بل العكس يعنى تعقيدها.
يذهب هيجل إلى أن الفلسفة كى تثبت أنها وجهة نظر كلية وأنها هى الموقف المطلق للمعرفة، والشكل المطلق للمعرفة يجب ألا نستعير أى شئ من أى علم آخر أو أى موقف خارجها، إذ يجب أن تشمل كل شئ وتبرهن على مبدأها، لا أن تأخذه كمسلمة من علم آخر أو برهان آخر قبلها، ولكى تقوم الفلسفة بذلك يجب ألا تعتمد على أى مسلمة بمعنى أى شئ مسلم به، يجب أن تكون تفسيراً لكل شئ، وإذا كانت تفسيراً لمسلماتها ذاتها فعندئذ لن تصبح مسلمات بل تصبح مبادئ مفسرة داخل المذهب نفسه( 5). ما تحتاجه الفلسفة ليس مسلمات تبدأ منها بل تبريراً لموقفها، موقف المعرفة المطلقة، موقف الكلى الذى سوف تدرس منه موضوعاتها. وإذا قارنا هذا الكلام بهوسرل فسوف نجد اتفاقاً واختلافاً. فما يقوله هيجل عن الفلسفة هنا هو طموح الفلسفة لأن تصبح علماً، هذا هو المثال العلمى للفلسفة عند هيجل، وهو نفس المثال والطموح لدى هوسرل، لكن يتوصل هوسرل إلى علمية الفلسفة بطريقة مختلفة تماماً. فلكى يستبعد هوسرل أى مسلمات أو فروض سابقة أولية فهو يلجأ إلى الإبوخية ووضع كل العالم بين قوسين وصولاً إلى موقف أولى سابق على أى شئ آخر وهو الوعى الخالص، ويعتقد هوسرل أن هذا الوعى الخالص هو الموقف المتحرر من أى مسلمات مسبقة سعياً وراء علمية الفلسفة، إلا أنه خاطئ من وجهة نظر هيجل، ذلك لأنه أولاً صادر على المطلوب، فالوعى الخالص باعتباره أساساً للمعرفة هو ما يجب إثباته فى المذهب لا ما يجب البدء به، وثانياً أن الوعى الخالص هذا هو فى حد ذاته مسلمة أولى أو افتراض غير مبرهن عليه، وإذا قال لنا هوسرل أن البرهان عليه هو الإبوخية قلنا له أنت مخطئ، لأن البرهان عليه وكما أشرت أنت نفسك يوجد فى الاستنباط الترانسندنتالى الكانطى.
أتى هيجل بتصور جديد عن المطلق، فقد ذهبت الفلسفات السابقة عليه إلى أن المطلق يجب أن يكون مباشراً وفى البداية ووجوده سابق على كل شئ وله الأولوية، أما هيجل فذهب إلى أن المطلق لا يأتى إلا بتوسط وكنتيجة لمرحلة تطور يكون هو آخرها. صحيح أن المطلق هو الأول وهو البدء إلا أنه لا يتحقق فعلياً إلا فى النهاية(6 ). وبذلك يتفادى هيجل كل النقد الموجه للنزعات التأصيلية أو الجوهرية من قبل الفلاسفة المعاصرين وخاصة أصحاب تيار ما بعد الحداثة. هيجل لا يؤمن ببداية مطلقة أو بحقيقة أولى ونهائية منذ البدء، بل يؤمن بتحققها التدريجى عبر مرحلة تطور جدلى. فنقطة البدء فى مذهب هيجل ليست هى المطلق أو الحقيقة المطلقة بل هى الوعى التلقائى اليومى والمباشر واليقين الحسى فى الفينومينولوجيا، والمباشرة والوجود المباشر فى المنطق. صحيح أن هيجل يؤمن بالمطلق، إلا أن هذا المطلق لا يظهر عنده إلا فى النهاية كنتيجة وخاتمة لحركة الجدل. الحقيقة أن الفقرات الأولى من تمهيد الفينومينولوجيا تنفى عنه تهمة النزعة التأصيلية.
يذهب هيجل إلى أن المذاهب الفلسفية السابقة كانت تريد التعبير عن المطلق باعتباره ذاتا لذلك استخدمت مفاهيم الإله هو المحبة والنظام الأخلاقى للعالم أو الخالد اللانهائى. ينتقد هيجل هذه المذاهب لأنها وضعت المطلق فى البداية باعتباره شيئاً مباشراً وجاهزاً مع أنه حركة ذاتية وفاعلية ذاتية لا نقطة ثابتة.
نص آخر لهيجل يثبت رفضه للنزعة التأصيلية، إذ يقول فى الفينومينولوجيا:
” الذات والموضوع والإله والطبيعة والفهم والحس ... إلخ تفترض بطريقة غير نقدية باعتبارها مألوفة وصحيحة وتصبح نقاط ثابتة للبدء منها وللعودة إليها أيضاً. وتطفو عملية المعرفة بين هاتين النقطتين الآمنتين وبالتالى تطفو فوق السطح فقط. ويتألف الإدراك والتدليل فى تأكد كل واحد من أن كل ما يقال يتفق مع أفكاره “( 7). صحيح أن هيجل ينقد هنا مفهوم الألفة والأفكار المألوفة أو الشائعة وهدفه إثبات أن المعرفة الصحيحة ليست هى المعرفة بما هو مألوف، إلا أن الفقرة تكشف أيضاً عن نزعة مضادة للأصول والجوهر والأسس الأولى الثابتة.
إذا طبقنا مشكلة البداية عند هيجل على فلسفة هوسرل وجدنا هوسرل لم يستطع التمييز بين بداية مذهبه وبداية حجته لعرض وشرح وإثبات هذا المذهب. هناك اختلاف أصلى بين بداية المذهب وبداية الحجة، وهوسرل يخلط بينهما ويعتبرهما شيئاً واحداً. بداية المذهب عند هوسرل هى فى الإبوخية والردود والوصول منها إلى الوعى الخالص والأنا المطلق، ثم البحث فى تأسيس الموضوعية فى هذا الوعى المطلق، فى حين أن بداية الحجة ليست كذلك، فبداية الحجة بالنسبة للفينومينولوجيا عند المنطق الخالص، أو عند التمييز بين الحدس الحسى والحدس المقولى. لقد كان هيجل واعياً بمشكلة البداية هذه، ولذلك ففلسفته تحتوى على بدايتين: بداية للحجة وهى الفينومينولوجيا، وبداية للمذهب وهى بداية المنطق، وبداية المنطق هذه ليست هى بداية العلم الفلسفى الكلى لأن هذا الأخير دائرى، بداية المنطق هى بداية دائرة واحدة من دوائر العلم الفلسفى الذى يشكل الدائرة الكبيرة. هناك بدايتان فى فلسفة هيجل لأنه كان على وعى بأن البداية تشكل مشكلة. بداية المنطق هى بداية للمنطق فقط لا لنسق الفلسفة الكلية، فهذه الأخيرة بدون بداية لأنها دائرة.
2 - مفهوم هوسرل عن النسق الفلسفى ( العلم الكلى ) :
ينظر هوسرل إلى الفينومينولوجيا على أنها الطريق الموصل إلى العلم الكلى، وكذلك هيجل، وكلاهما يصر على أن الفلسفة يجب أن تكون علماً، لكن ما هو العلم لدى هيجل وهوسرل ؟ كيف فهم كل واحد منهما العلم ؟ فهم هوسرل العلم على أنه الشكل المعرفى المحتوى على الأساس الكلى لكل موضوعية، وعلى الوضوح الذاتى، وعلى الافتراض الأكبر الذى ليس بعده أى افتراض، أى الأنا المطلق والوعى الخالص والحياة المعاشة. فهم هوسرل العلم على أنه علم بالماهيات والأسس والأصول، وهو فهم فيه من الأرسطية والأفلاطونية والكانطية كذلك. أما هيجل فيفهم العلم على أنه الكل العضوى Organic Whole، وعلى أنه كل المراحل التى يقطعها الوعى عبر أشكال معرفية عديدة نحو المطلق، العلم هو معرفة الطريق الجدلى، التعبير النظرى عن الرحلة ولحظاتها. ليس العلم الكلى علماً بنقطة الوصول فقط، أو نقطة البداية فقط، بل بالحركة كلها من البداية للنهائية.
يذهب هوسرل فى الأفكار إلى أن الفينومينولوجيا يجب أن تحصل على أقصى دقة منهجية، يجب أن تكون هى المنهج، والمنهج الأول، أى فلسفة أولى: ” إن الفينومينولوجيا ... لا يجب عليها أن تطور منهجها وحسب، ولا أن تفوز بأشكال معرفية جديدة من مواد من نوعية جديدة وحسب، بل يجب عليها كذلك أن تصل إلى الوضوح الكامل فيما يتعلق بمعنى وصحة المنهج الذى يمكنها أن تدعم نفسها ضد أى نقد ... ويتبع ذلك ... أن الفينومينولوجيا مجبرة وفق ماهيتها (طبيعتها الماهوية) أى تقيم دعوى بكونها فلسفة أولى، وأنها بالتالى تطالب بالتحرر المطلق من كل الافتراضات، وبصيرة مطلقة منعكسة فى علاقتها بذاتها “( 8). الفينومينولوجيا باعتبارها منهجاً يجب عليها أن تكون نقية وخالصة وبدون أى افتراضات
أو مسلمات. وهنا بالضبط تختلف عنها فينومينولوجيا هيجل، ذلك لأنها بحث فى جميع الفروض والمسلمات المسبقة ولا تستبعد أى شئ. الدقة المنهجية عند هوسرل تتمثل فى العودة إلى الذات أو الوعى الخالص المتحرر من أى فروض ومسلمات، أما هيجل فإن تحليله الفينومينولوجى يجعله يتناول كل أشكال الوعى الزائفة والواهمة ولا يستبعد أى شئ. هوسرل يتفادى النزعة الشكية بممارسة نوع من الشك المحدود والمسيطر عليه والوصول إلى الوعى الخالص، أى إلى شئ لا يمكن الشك فيه، يتفادى خطر الشك بأن يلجأ إلى ما لا يمكن الشك فيه، وهذه هى طريقة ديكارت فى الأساس، أما هيجل فلا يخاف أن يتناول دعاوى الشك نفسه، يدخل مباشرة فى تحليل عملية الشك ذاتها والتى يسميها السلب. فالسلب هو فعل الشك، الشك وهو يقوم بفعله فى المعرفة والوعى، كاشفاً عن آليات عمله جاعلاً منه محرك العملية الجدلية، أى لا يستبعده كما يفعل هوسرل.
3 - الفينومينولوجيا باعتبارها فلسفة أولى :
فينومينولوجيا هوسرل تطمح لأن تكون ميتافيزيقا وفلسفة أولى. إذ يذهب إلى أن الفينومينولوجيا هى بحث عن الوحدات الذاتية( 9)، أى العناصر الذاتية التى تقوِّم أو تؤسس العالم على الطريقة الكانطية، ويذهب إلى أن نتائج البحث عن هذه العناصر أو الوحدات الذاتية هى نتائج ميتافيزيقية، لكنها ليست ميتافيزيقا بالمعنى المفهوم لهذه الكلمة، يقصد بالمعنى السئ، بل بالمعنى الأصلى الأصيل الذى يعنى الفلسفة الأولى( 10). هوسرل إذن يريد العودة إلى نوع من الميتافيزيقا الأصلية التى عرفها اليونان أو فلسفة أولى، وهى غير الميتافيزيقا السيئة التى نقدها كانط. هوسرل إذن يجمع من بين ما يجمعه فى فلسفته الفلسفة الأولى بالمعنى اليونانى.
ويذهب هوسرل إلى أن الفينومينولوجيا الماهوية هى الصورة الوحيدة التى يتحقق بها العلم الفلسفى أو الفلسفة الأولى. والملاحظ هنا أن هوسرل ينظر إلى الفلسفة باعتبارها علماً على أنها فلسفة أولى. وهو هنا يعود مرة أخرى إلى الفكرة أو النظرة القديمة للفلسفة، لأن هوسرل ينظر إلى الفلسفة الأولى هى أنها فلسفة ماهيات ومبادئ أولى وأسس وأصول، وهو نفس التصور القديم. الجديد الذى يأتى به هوسرل هو أن الطريق إلى هذه الفلسفة الأولى هو الفينومينولوجيا، والفينومينولوجيا الماهوية بوجه خاص. كما يظهر هذا واضحاً فى مقاله
” الفلسفة باعتبارها علماً دقيقاً “(11 ).
يقول هوسرل: ” نجد أمامنا نظاماً من التعاليم الظاهرية التى تقوم على قاعدة أساسية ليست هى بديهية الأنا أفكر، بل الوعى الكامل التام والكلى للذات نفسها. وبعبارة أخرى، فإن الطريق الذى يؤدى إلى معرفة الأسس الأخيرة بأوسع معنى للكلمة، أى بمعنى أن العلم الفلسفى هو الطريق نحو الوعى الكلى للذات بذاتها، أى بالوحدة الذاتية (الموناد) أولاً، ثم بالاشتراك بين الوحدات الذاتية ثانياً “( 12). ويكون ذلك عن طريق العودة المباشرة إلى الذات بالإبوخية وفقدان العالم مؤقتاً، أما هيجل فيقوم بنفس الشئ لكن عن طريق غير مباشر، الطريق الذى قطعته الذات نفسها فى معاناتها وتيهها فى العالم ووسط الموضوعات حتى عادت إلى ذاتها. هيجل لا يبدأ بالذات المطلقة بل بحالة الضياع فى العالم واصلاً منها بالتدريج إلى كيفية عودة الذات لذاتها، من الاغتراب والتموضع والتشيؤ إلى الوفاق وعودة الانسجام والوعى الذاتى. وهنا يكون هيجل أيضاً سابقاً على هوسرل فى تحقيق الأهداف التى يضعها فى آخر التأملات.
ثانياً - إشكالية المنهج :
عامل هوسرل الفينومينولوجيا على أنها منهج فى البحث الفلسفى فهى منهج لتأسيس
” المنطق الخالص “ فى ” أبحاث منطقية “، ومنهج فى تأسيس ” مذهب مثالى ترانسندنتالى “ فى
” الأفكار “ و ” تأملات ديكارتية “، وفى تأسيس ” منطق ترانسندنتالى “ فى ” المنطق الصورى والمنطق الترانسندنتالى “. لكنه فى الحقيقة كان يؤسس مذهباً دون أن يقصد، فالفينومينولوجيا هى ذاتها المذهب المثالى الترانسندنتالى الذى أراد تأسيسه، إنها مذهب متنكر فى صورة منهج. وكانت فلسفة هوسرل بذلك تحقق الفكرة الهيجلية الشهيرة القائلة إن الطريق الذى يقطعه العلم هو ذاته العلم، فالعلم عند هيجل، أى الفلسفة الشاملة، لا يتمثل فى نتيجة نهائية أو فى نقطة الوصول، بل فى الرحلة التى يقطعها بكل مراحلها.
1 - مفهوم هيجل عن المنهج :
العلم عند هيجل هو التعبير النسقى عن الحقيقة، الطريقة التى توضع بها الحقيقة
أو الصورة التى توضع فيها فى شكل نسق. هذا النسق ليس نسقاً بمعنى نظرية علمية تبدأ بمسلمات ومصادرات وتحتوى على قضايا وبرهان وتنتهى بنتيجة، بل هو نسق بمعنى عملية التكوين المعرفى التى تؤدى إلى الحقيقة فى النهاية، أى الرحلة المعرفية( 13). ويذهب هيجل إلى أن الفلسفة يجب أن نساعدها كى تقترب من شكل العلم، أو يجب أن تكون علماً كما يذهب هوسرل، بأن نكف عن اعتبارها حباً للمعرفة ونمارسها باعتبارها معرفة متحققة بالفعل. وهناك ضرورة داخلية تفرض على المعرفة أن تكون علماً، أى أن يتم التعبير عنها فى صورة نسق فلسفى، هذه الضرورة الداخلية هى عملية تطور الفكر الفلسفى ذاته، فعملية تطوره هذه عملية مقصودة وغائية وعضوية إذ أن كل مذهب يؤدى إلى الآخر الذى يليه عن ضرورة وبطريقة تراكمية( 14). تاريخ الفلسفة هو الذى يوضح أن هناك ضرورة داخلية لتحقق الفلسفة فى صورة علم أو مذهب.
فى مقدمة الفينومينولوجيا وجه هيجل نقده لنظرية المعرفة التقليدية وخاصة لكانط لكونه يريد أن يتعلم السباحة قبل أن يقفز إلى الماء، يريد أن يحاكم ويفحص أداة المعرفة قبل ممارسة المعرفة ذاتها. يجب ممارسة المعرفة للحكم عليها بعد ذلك، بالإضافة إلى أن نقد أداة المعرفة هو فى حد ذاته معرفة، ولذلك يبدأ هيجل فى الفينومينولوجيا مباشرة بفحص أشكال المعرفة أو الخبرة التى تحققت بالفعل. الحقيقة أن هوسرل هو الآخر مشغول بمسألة الأداة هذه. إنه مشغول بالبحث عن منهج للفلسفة، منهج خالص ونقى، ويستمر طوال حياته فى تطويره وتحسينه. إنه يصنع أورجانون للفلسفة. ومن هنا فإن نقد هيجل لنظرية المعرفة التقليدية ولفخته يمكن أن ينطبق على هوسرل. وهل أداة المعرفة أو المنهج الفينومينولوجى متصل أو منفصل عن موضوعه ؟ كيف يتوصل هوسرل إلى منهجه ؟ إذا كان هناك إنفصال بين المنهج والموضوع فإن النقد الهيجلى أيضاً سينطبق عليه. إن أفضل ما يمكن أن يقال فى هذا الصدد أن المنهج الفينومينولوجى هو نفسه المعرفة التى يقدمها لنا هوسرل، الأداة هى ذاتها المعرفة، أداة تحصيل المعرفة هى المعرفة ذاتها. وبخصوص المنهج الفلسفى يقول هيجل فى الموسوعة أنه يختلف عن أى منهج آخر، إنه لا يأتى من الخارج لينطبق على موضوعه، بل ينشأ من هذا الموضوع ذاته. هل تنشأ فينومينولوجيا هوسرل من موضوع الفينومينولوجيا ؟ لا. لأن المنهج الفينومينولوجى هو الذى يصنع موضوعه لا العكس.
2 - مفهوم هوسرل عن المنهج :
كان هوسرل دائم الرفض لأن يكون قد أسس مذهباً، وأنه ليس لديه مذهب. لماذا ؟ لأنه قدم منهجاً فقط، لكننا سوف نثبت أن هذا المنهج هو فى حقيقته مذهب متخف فى صورة منهج. ويصف لاور موقف هوسرل العدائى من المذهب ويقول إن المذهب فى نظره ينزع دائماً لأن يتجاوز البيانات المقام عليها. يريد أن يقول إن للمذهب قوة تفسيرية هائلة تتعدى نطاق المجال الذى ينظر له وينشأ فيه ليفسره، والحقيقة أن هذا ليس عيباً فى المذهب بل ميزة، وهو ليس عيباً إلا لفيلسوف تجريبى إنجليزى على طراز لوك أو هيوم، أو فيلسوف واقعى ضيق الأفق. والحقيقة أن هناك تناقضاً فى فكر هوسرل بخصوص هذه النقطة بالذات، فكيف يصف هوسرل فلسفته بأنها مثالية ومثالية ترانسندنتالية على وجه الخصوص ولا يعترف بالمذهب أو بأن لديه مذهباً ؟ إن مجرد إعلانه عن مثاليته الترانسندنتالية يجعل من فلسفته مذهباً على الفور، ويستمر لاور فى القول بأن هوسرل لا يتعاطف أبداً مع هيجل البانى العظيم للمذهب الفلسفى، فهو ينظر إلى مذهبه هذا على أنه غير علمى ونسبى ويفتقد إلى نقد للعقل ويؤدى فى النهاية إلى رد فعل طبيعى Naturalistic( 15). هذه إذن أربع تهم تحتاج إلى تفنيد. (16) يقول هوسرل إن مذهب هيجل غير علمى وهو يقصد بذلك أنه ليس مؤسساً على أساس منهجى واضح بالمعنى الفلسفى، أى على منهج فلسفى على شاكلة المنهج الديكارتى أو المنهج الفينومينولوجى ذاته. الحقيقة أن لهيجل منهجاً فلسفياً ويسمى بنفس الاسم: الفينومينولوجيا وهذه هى المفارقة الكبرى، كما أن لديه منهجاً بمعنى أساساً من المبادئ الواضحة، وهذا هو منهجه الجدلى. (17) يقول هوسرل أن مذهب هيجل نسبى، ويقصد بذلك أن فلسفة هيجل تحتوى على قدر كبير من التاريخية وتعترف بدور كبير وهام للتاريخ فى تشكيل الحقيقة الفلسفية. تاريخية فلسفة هيجل ينظر إليها هوسرل على أنها نزعة نسبية، لكنها هى ميزة وأفضلية فلسفة هيجل كلها. (18) يقول هوسرل أن مذهب هيجل يفتقد إلى نقد للعقل، لكن هيجل قد رفض تأسيس المذهب إنطلاقاً من نقد للعقل على شاكلة كانط، فبدلاً من تعلم السباحة قبل القفز إلى الماء قفز هيجل إلى الماء مباشرة، كما أن نقد العقل هو فى حد ذاته معرفة وهو لا يتمتع بالأولوية والقبلية وانعدام المسلمات والمصادرات الأولية التى يدَّعيها. إن فينومينولوجيا هيجل ذاتها من بين أهدافها العديدة تجاوز إشكاليات نقد العقل، وممارسة فلسفية جديدة تتجنب نقد العقل هذا وتبحث فى الإبستمولوجيا بطريق آخر غير طريق نقد العقل. (19) يقول هوسرل إن مذهب هيجل يؤدى إلى رد فعل ذى نزعة طبيعية، وهو يقصد بذلك أنه من فرط مثالية هيجل المطلقة والمتطرفة فإنها تثير رد فعل عكسى وشديد أيضاً نحو النزعة الطبيعية، وهو يقصد بها النزعات المادية التى ظهرت لدى فويرباخ وماركس وإنجلز، وردود الأفعال التجريبية الإنجليزية على الهيجلية الجديدة فى بريطانيا. ونقول لهوسرل إن فويرباخ وماركس وإنجلز لا يمثلون ردود أفعال عكسية ضد هيجل بقدر ما يمثلون اتجاهات تولدت من داخل الفلسفة الهيجلية، وهى عبارة عن تطوير وتنمية للهيجلية لا رد فعل عكسى عليها كما أوحى هؤلاء أو كما قدموا فلسفاتهم باعتبارها كذلك كنوع من الدعاية.
3 - التمييز بين المنهج وموضوعه :
فى عمليات تجريده المستمر للوعى الخالص ولمجال البحث الفينومينولوجى يقدم هوسرل فى نفس الوقت شيئاً آخر غير ملاحظ مباشرة ولأول وهلة، إنه ينقى أداة البحث أو المنهج الفينومينولوجى نفسه، فكلما عمل على تخليص موضوعه أو مجال بحثه وعلى تجريده أكثر كلما فعل نفس الشئ بالمنهج( 20). النقاوة المتزايدة لمجال البحث هى فى نفس الوقت نقاوة وتجريد مستمر لأداة البحث، المنهج الفينومينولوجى. المنهج هنا فى هوية مع موضوعه ومساوق له. وليست هذه ميزة إيجابية بل يمكن أن تكون عيباً سلبياً، فهى تعنى أن الباحث الفينومينولوجى يتوحد مع موضوعه ويتماهى معه؛ موقف الوعى المدروس وهو الوعى الخالص هو نفسه موقف الدارس، وعى الباحث الفينومينولوجى نفسه، وهذا خطأ. فهو يعنى أن الفينومينولوجى لا يأخذ من موضوعه مسافة فاصلة كافية لدراسته بموضوعية وبدون تحيز. وعلى الجانب الآخر سنجد أن هيجل قد ميز بدقة شديدة بين موقف الفيلسوف المراقب لحركة الوعى وهذا الوعى ذاته. صحيح أن هيجل يدرس جميع أشكال الوعى إنطلاقاً من موقف المعرفة المطلقة، إلا أنه يترك الوعى الطبيعى يسير فى طريقه الجدلى كاشفاً عن تناقضاته وتحولاته حتى يصل إلى المعرفة المطلقة التى هى موقف الفيلسوف الدارس نفسه. إن إصرار هيجل على انه ملاحظ ومراقب ومتابع دليل على أنه لا يدرس حركة الوعى بناء على موقف المعرفة المطلقة بل يترك الوعى يصف رحلته بنفسه. لا يعلن هيجل فى بداية تحليله أن هذه التحليلات مقامة من وجهة نظر الوعى المطلق أو المعرفة المطلقة، بل يعلن أنه سوف يتتبع حركة الوعى العادى نفسه وسوف يشرح موقفه ورحلته ذاتها حتى يصل معه إلى نهاية رحلته، التى هى المعرفة المطلقة ذاتها. والملاحظ أن هوسرل كلما حدد مجال الوعى الخالص فهو فى نفس الوقت يحدد المنهج نفسه، تحديد المجال هو فى نفس الوقت تحديد للمنهج. هوسرل لا يزال يسيطر عليه النزعة المنهجية ولايزال ينظر إلى المنهج باعتباره أداة.
4 - صعوبات تقديم فلسفة مثالية للجمهور :
إن ثلاثة من أهم وأشهر كتب هوسرل تحمل نفس العنوان الفرعى ” مقدمة فى الفينومينولوجيا “، وهى كتب تتوزع على فترات متباعدة تغطى كل مراحل تطور هوسرل الفكرى ( الأفكار 1913، تأملات ديكارتية 1927، أزمة العلوم الأوروبية 1936). تبلغ هذه الكتب نصف المؤلفات المنشورة لهوسرل، فلماذا كان عليه أن يقدم الفينومينولوجيا بأكثر من صيغة ؟ ولماذا كتب أكثر من مقدمة لنفس الفلسفة ؟ يرجع السبب فى ذلك إلى تغير نظرة هوسرل للفينومينولوجيا، فعندما كان يعتقد أنها برنامج عمل كتب الأفكار سنة 1913، وعندما رأى أنها تصلح كمقدمة للفلسفة الأولى كتب تأملات ديكارتية سنة 1927، وعندما اعتقد أخيراً أنها هى ذاتها المذهب الفلسفى لا مجرد أداة أو برنامج أو منهج كتب أزمة العلوم الأوروبية سنة 1936. كما يرجع سبب كثرة المقدمات إلى صعوبات تقديم مذهب مثالى للجمهور، تلك الصعوبات التى واجهت المثاليين الألمان من قبل.
واجهت المثالية الألمانية صعوبات كثيرة فى عرضها على الناس، وحتى على طلاب الفلسفة، ففخته قدم لمذهبه فى عديد من المقدمات، واحدة للعامة وأخرى ” لمن لهم مذهب فلسفى “ وذلك فى ” علم المعرفة “، ومقدمتين أخرتين فى المنهج الجديد Nova Methodo، ومقدمة أخرى فى ” عرض واضح وضوح النهار “( 21)، وأخرى فى ” رسالة الإنسان “ فى صورة حوار فلسفى. ولم يكن فخته راضياً عن عرضه للمذهب فى علم المعرفة، ويظهر ذلك واضحاً فى المنهج الجديد، فالهدف من محاضرات المنهج الجديد طوال سنوات 96 - 1799 هو تقديم عرض جديد للمذهب أوضح من المنهج الجديد وأكثر تفصيلاً( 22). وتردد فخته هذا هو ما جعل شلنج نفسه يقدم عرضاً آخر لمذهب فخته فى كتاباته الأولى، وفى نفس الوقت الذى كان يقدم فيه فخته مذهب المثالية الترانسندنتالية فى مقدمات وصور مختلفة، كان شلنج يفعل نفس الشئ حتى صدور كتابه System of Transcendental Idealism والذى يعد هو الآخر محاولة جديدة لعرض نفس المذهب ونفس المبادئ( 23). كما أن مشكلة عرض المذهب والتقديم له وتوضيح المبادئ، مبادئ المذهب، هى ما دفعت هيجل للمقارنة بين مذهبى فخته وشلنج، وهى محاولة دفعته هو نفسه نحو تقديم عرض آخر ومقدمة أخرى للمثالية الترانسندنتالية مختلفة تماماً وهى الفينومينولوجيا. لقد كان بين المثاليين الألمان اتفاق تام حول المبدأ العام لمذهب المثالية الترانسندنتالية واختلاف مطلق حول طريقة استنباط هذا المبدأ وعرضه وكونه مبدأ لمذهب، وحول شكل هذا المذهب ومكانة المبدأ منه. انتهى هيجل إلى أن خير طريقة لتقديم المثالية وتبريرها هى الطريقة الفينومينولوجية. والملاحظ أن هوسرل قد قام بنفس الشئ ورأى أيضاً أن خير طريقة هى فى استخدام المنهج الفينومينولوجى. فنظراً للتشابهات والتطابقات والتوازيات العديدة بين هوسرل والمثالية الألمانية وخاصة فخته، فإن هوسرل هو الآخر يعد مقدماً لطريقة جديدة لعرض مذهب المثالية الترانسندنتالية مثل شلنج وهيجل بالضبط، والملاحظ أن طريقته يسميها الفينومينولوجيا تماماً كما سماها هيجل، وهذا هو المصدر الأساسى أو أصل التشابه والاتفاق بينهما.
كتب فخته ” أسس علم المعرفة “ Foundation of Entire Science of Knowledge سنة 1794، وكتب له مقدمتين، واحدة بين 1795 و1796، والأخرى سنة 1797. ما الذى دفع فخته لكتابة مقدمتين لاحقتين لعمل كتبه بالفعل سابقاً ؟ الواضح أن كتاب الأسس كانت به درجة عالية من الصعوبة والتعقيد والتركيز مما دفعه إلى مزيد من التوضيح بكتابة مقدمة للعامة وأخرى للمتخصصين. وهذا دليل على أن كلاهما، العامة والمتخصصين معاً، وجدوا صعوبة فى فهم علم المعرفة. وإذا إطلعنا على محاضراته ” المنهج الجديد “ التى ألقاها بين 1796 و1799 وجدناه فيها غير راض أيضاً عن ” علم المعرفة “ ويقدم عرضاً آخر لنفس المذهب يختلف عن المقدمتين، بل هو يضع فى محاضراته مقدمتين مختلفتين( 24). يدل هذا على أن المثالية الألمانية واجهت صعوبات كبيرة فى تقديمها للناس بما فيهم المتخصصين، وهذا ما دفع فخته لتقديم أربعة مقدمات وعروض كثيرة بطرق مختلفة لنفس الأفكار. وكان هيجل واعياً بهذه الصعوبات، وأدرك أنها ترجع إلى المبدأ المستخدم فى النسق وإلى طريقه عرضه والاستدلال والبرهان عليه. والفينومينولوجيا من هذه الناحية تمثل عرضاً جديداً مبتكراً للمثالية الألمانية، مقدمة جديدة أخرى، والحقيقة أنها أثبتت أنها خير مقدمة وأنجح من مقدمات فخته العديدة، ومقدمات شلنج كذلك.
يمكننا أن نستنتج من كثرة المقدمات التى كتبها هوسرل للفينومينولوجيا أنها كانت دائماً فى حاجة إلى تحديد هويتها، إذ لم تكن واضحة بالكامل، وهذا أيضاً ينطبق على فلسفة فخته، الذى قدم مقدمات عديدة لفلسفته ابتداء من سنة 1794 وحتى أوائل القرن التاسع عشر. لقد واجهت فينومينولوجيا هوسرل صعوبات فى تحديد هويتها، وهذه الهوية كانت هويتها إزاء المحيط الفلسفى، أى المذاهب الفلسفية الأخرى المعاصرة لها، وكذلك إزاء التراث الفلسفى الغربى كله. وظلت فينومينولوجيا هوسرل تعانى من أزمة الهوية حتى وفاة هوسرل نفسه، وخاصة بظهور هايدجر الذى فرضت كتبه: الوجود والزمان، وكانط ومشكلة الميتافيزيقا وما هى الميتافيزيقا على هوسرل أن يعيد تعريف الفينومينولوجيا وتحديد هويتها مرة أخرى، وهو ما نتج عنه كتاب الأزمة. وأزمة الهوية هذه هى التى دفعت هوسرل نحو التأمل الديكارتى السادس، مقدمة أخرى وتحديد آخر لهوية الفينومينولوجيا وقد كتبه يوجين فنك آخر تلاميذ هوسرل( 25). لقد كان هوسرل وحتى آخر يوم فى حياته مشغولاً بهوية الفينومينولوجيا، وأعتقد أن أزمة الهوية لدى الفينومينولوجيا يرجع إلى طابعها الخليطى وإلى تناقضاتها الكامنة التى تحدث عنها أدورنو. وأعتقد أن أزمة الهوية هذه راجعة أيضاً إلى صعوبات واجهها، أو صعوبات تواجهها فلسفة ترانسندنتالية يراد لها أن تظهر وتثبت ذاتها وتفرض سيطرتها فى عصر انتهت فيه الفلسفات المثالية. وجزء من أسباب هذه الأزمة أيضاً يرجع إلى الطابع المتناقض لفينومينولوجيا هوسرل، إذ أنها فينومينولوجيا بدون جدل، وهيجلية بدون هيجل، تتظاهر بأنها تفهم جيداً وعلى وعى بأصولها التاريخية فى الوقت الذى يتجاهل فيه تماماً المثالية الألمانية، تعتقد أنها الغاية والهدف الأخير للتطور الفلسفى فى حين أنها لا تنظر إلى فخته وهيجل على أنهما نقطة إنطلاقها، بل تنظر إلى كانط والنزعة السيكولوجية، أى الكانطية الجديدة، على أنها نقطة إنطلاقها. سبب أزمة الهوية فى فينومينولوجيا هوسرل هو قفزها على المثالية الألمانية وعدم وعيها الكامل بصلاتها الوثيقة بالمثالية الألمانية. والحقيقة أن أزمة الهوية هذه، والتى بدأت الفينومينولوجيا تعانى منها مع ظهور هايدجر والوجودية فى النصف الثانى من العشرينات، هى التى دفعت هوسرل نحو مواقف أكثر هيجلية، أى نحو المصدر الأصلى للفينومينولوجيا وتطورها الأخير لدى هيجل، حتى أصبح يتفلسف بالطريقة الهيجلية تماماً فى الأزمة ويعتنق فلسفة فى التاريخ ونظرة لتاريخ الفلسفة هيجلية تماماً، وهذا أيضاً ما دفعه فى كتاب الأزمة إلى إدراك الصلة مع المثالية الألمانية ولو فى إشارتين عابرتين، وما دفع تلميذه فنك إلى التصريح بوضوح بهذه العلاقة الوثيقة فى التأمل السادس. لقد دفعت أزمة الهوية الفينومينولوجيا نحو مصادرها الحقيقة ونقاط انطلاقها اللاشعورية وإلى الوعى بما كان فى نطاق اللاوعى.
ثالثاً - استبعاد هوسرل للجانب التاريخى :
ظل هوسرل يستبعد تاريخ الفلسفة من مذهبه ابتداء من ” الفلسفة باعتبارها علماً دقيقاً “ (1911) وحتى ” تأملات ديكارتية “ (1927). أما فى ” أزمة العلوم الأوروبية “ (1936) فنشهد انقلاباً فى موقف هوسرل من التاريخ ومحاولة إدخال الجانب التاريخى فى فلسفته والتى تمثل رجوعاً عن كل مواقفه الثابتة السابقة والتى ظل ملتزماً بها طوال مراحل تطوره الفكرى. يتناول هذا العنصر موقف هوسرل المستبعد للتاريخ، ويتناول العنصر التالى الانقلاب الذى حدث فى رؤيته وتحوله إلى النزعة التاريخية.
قدم هوسرل نقده الأساسى للنزعة التاريخية فى ” الفلسفة باعتبارها علماً دقيقاً “، وركز نقده على هيجل الفيلسوف التاريخى صاحب أقوى فلسفة تاريخية. يتلخص نقد هوسرل للنزعة التاريخية عند هيجل فى الآتى: (1) برر هيجل شرعية كل فلسفة سابقة انطلاقاً من أنها تعبير عن عصرها، فكر الفلسفات عنده صحيحة. وهذا بالضبط من وجهة نظر هوسرل هو ما يجعل هيجل متهماً بالنسبية. (2) أدت فلسفة هيجل وخاصة فى تطوراتها التالية إلى ردود فعل سلبية على العلم والتطور العلمى. (3) فلسفة هيجل بإدعائها أنها هى الصحيحة وهى آخر فلسفة، وأن منهجها هو المنهج الوحيد الصحيح سدت الطريق أمام أى محاولة لجعل الفلسفى علماً دقيقاً. (4) اعترض هوسرل على النزعة المذهبية عند هيجل، فالحقيقة الفلسفية لا يصح أن توضح فى صورة مذهب فلسفى وفى شكل Doctrines ثابتة أزلية. ولذلك فإن هوسرل عمل عن قصد على استبعاد هيجل من فلسفته تماماً، واستبعاد أى عنصر هيجلى. والغريب أن الاتهامات السابقة يرد عليها هوسرل نفسه ص 78. إذ يذهب إلى أن ردود الفعل الهيجلية على العلم الحديث أتت بعد هيجل من جانب الهيجليين، أى أن فلسفة هيجل نفسه لا ذنب لها فى ذلك، كما يقول هوسرل فى نفس الصفحة أن أى فلسفة تنكر إمكانية قيام فلسفة مطلقة ونهائية أو فلسفة أولى لا تستحق أن تسمى فلسفة، لكن فلسفة هيجل من هذه الوجهة فى النظر ستكون مستحقة لاسم الفلسفة عن جدارة. هذا بالإضافة إلى أن فلسفة هيجل بإدعائها أنها فلسفة مطلقة ونهائية فمن الطبيعى أن يكون منهجها هو المنهج الوحيد الصحيح وأنها آخر المذاهب والفلسفات. يقبل هوسرل فكرة الفلسفة المطلقة ويقول أن اى فلسفة لا تعترف بفكرة الفلسفة المطلقة لا تستحق اسم الفلسفة، وفى نفس الوقت يرفض فلسفة هيجل لأنها أو لادعائها أنها فلسفة مطلقة، والفلسفة المطلقة من المنطقى أن تدعى أن منهجها هو الصحيح وأنها آخر الفلسفات. هوسرل إذن يناقض نفسه فى نقده لهيجلن والحقيقة أن ما ينقده عند هيجل يقوم به بنفسهن فهو أيضاً يدعى أن منهجه هو أصح منهج وأن فلسفته هى الفلسفة المطلقة والنهائية والأولى كذلك.
وقد أدرك هايدجر عداء هوسرل للنزعة التاريخية منذ وقت مبكر (1927)، وذلك قبل أن يرجع هوسرل عن موقفه ذلك فى ” أزمة العلوم الأوروبية “. كتب هايدجر عن ممارسة هوسرل للبحث الفينومينولوجى وتدريبه لتلاميذه على القيام بالرؤية الفينومينولوجية أنها
” تتطلب من المرء التخلى عن الاستخدام اللامفحوص للمعرفة الفلسفية “ أى عدم الاقتراب من التراث الفلسفى السابق واستخدامه فى التأمل أو توظيفه أو الاستعانة به فى الاستشهاد
أو فى إثبات صحة فكرة أو تأمل معين، وكذلك ” التخلى عن إدخال سلطة المفكرين الكبار فى النقاش “( 27). وهذا هو السبب فى أن هوسرل وتلاميذه لم يستطيعوا ولم يريدوا أن يبحثوا فى القرب والتشابه والتوازى بين الفينومينولوجيا والمثالية الألمانية، ولم يدركوا أن النتائج التى توصلوا إليها واحدة أو على الأقل متشابهة. لقد فرض عليهم هوسرل القيام بإبوخية على التراث الفلسفى وخاصة المثالية الألمانية، وكان هذا الإبوخية فى غاية الضرر لأنه قطع إمكانية أى مقارنة بين الفينومينولوجيا والمثالية الألمانية، كما جعل من الباحثين التاليين غير منتبهين لهذه الصلات. الحقيقة أن هوسرل قد رجع عن طريقته هذه فى الأزمة عندما لجأ إلى التأمل التاريخى فى تاريخ الفلسفة، وأيضاً قبلها عندما أعلن أن منهجه يشبه المنهج الديكارتى، لكنه فى الحقيقة ليس كذلك، إنه المنهج الفختى بحذافيره.
ما يؤكد وجهة نظرنا فى موقف هوسرل من تاريخ الفلسفة من أنه استعادى استئنافى لا تراكمى وتقدمى وتطورى وأن تاريخيته هى تاريخية العودة إلى الأصل الديكارتى - أنه فى الأزمة يعالج ديكارت على أنه فاتح أو بادئ البداية الصحيحة للفكر الحديث بوضعه للأنا أفكر، وتفسيره للوك وهيوم وكانط على أنهم يمثلون انحرافات عن الديكارتية الأصلية، وعلى أنهم فشلوا أو أخطأوا البعد الفينومينولوجى المتضمن فى الديكارتية ولم يستطيعوا اكتشافه، وقد أثبتنا نحن ما فى النقد الكانطى من أبعاد فينومينولوجية لم يستطع أن يجدها هوسرل نفسه: القصدية، الدور المعرفى المؤسس للذاتية الترانسندنتالية، مواجهة علم النفس، الإبوخية، الزمان الداخلى أو الحس الباطن. أخطأ لوك الكوجيتو الديكارتى بأن أضفى على الأنا نزعة سيكولوجية وفاته البعد الفينومينولوجى، وكذلك هيوم وكانط. هوسرل فقط هو الذى تمكن من استئناف الحدس الديكارتى للأنا واستئناف مشروعه واكتشاف الأبعاد الفينومينولوجية لديه. ويتوقف هوسرل عند كانط ولا يدرس ماذا حدث للفلسفة بعده على يدى فخته وشلنج وهيجل. والحقيقة أن الديكارتية تعرضت للاستئناف وللنقد على يدى فخته وهيجل على التوالى وكل ذلك لم ينتبه له هوسرل، والسبب أنه لم يكن دارساً جيداً لتاريخ الفلسفة، لأنه قد مارس الإبوخية على هذا التاريخ منذ البداية.
تكشف رؤية هوسرل للديكارتية عن أنه ينظر إليها أو يعتبرها ” راهنية مطلقة “
أو حضور دائم عبر تاريخ الفلسفة الحديثة، فهى البداية الحقيقية للإبوخية والكوجيتو، وظلت هذه البداية حاضرة لكن مع تشوهات وانحرافات لديه مع لوك وهيوم وكانط، حتى وصلت إلى هوسرل. لقد كانت الديكارتية حاضرة دائماً فى الفلسفة الحديثة، وهذا الحضور الدائم والمطلق لا يجعل من رؤية هوسرل لتاريخ الفلسفة رؤية تاريخانية بل سكونية وثابتة، إنه العود الأبدى عند نتشه، فليست هناك حركة متطورة تعمل على إنضاج الفكرة كما عند هيجل وتعمل على تقدم الفكر كلما استمر إلى الأمام، بل هناك لحظة متكررة التواجد يتم نسيانها أحياناً وتذكرها مع انحراف أو تحريف لها أحيان أخرى.
إن نظرة هوسرل لفلسفته على أنها استئناف للديكارتية لا تضفى البعد التاريخى على فلسفته، بل تلغيه تماماً، وذلك لأنها تبقى فى بنيتها وطريقة تفكيرها لا تاريخية، تبقى تحليلاً لبناء الوعى الخالص، الوعى اللاتاريخى فى الأساس. إذا كنت تريد من التحليل الفينومينولوجى للوعى أن يكون تاريخياً فيجب أن تحلل أشكال الوعى العينى التى ظهرت فى التاريخ بالفعل، أى يجب أن تلجأ إلى فينومينولوجيا للروح، وقد فعل هيجل ذلك، لا إلى فينومينولوجيا للوعى الخالص. تبقى علاقة هوسرل بالتاريخية علاقة خارجية فى الأساس، فهى علاقة تربط مذهبه بمذهب ديكارت المتشابه معه فى التأملين الأول والثانى: الشك والأنا أفكر، أى الإيبوخية والرد والذاتية الترانسندنتالية أو الوعى الخالص أو النويس العلاقة مع ديكارت والتى يصورها فتحى انفرد على أنها تدخل البعد التاريخى وتقيم صلة مع تاريخ الفلسفة فى فينومينولوجيا هوسرل لا تقدر على ذلك بالفعل لأنها ليست إلا علاقة واحدة ذات طرفين: هوسرل وديكارت، وكل ما بينهما لا ينتمى للعلاقة، إنها علاقة مع أصل وبداية واحدة ونقطة إنطلاق لا علاقة مع تاريخ بأكمله، لا علاقة مع تاريخ بمعنى سلسلة متطورة ومتقدمة من أشكال الوعى ومن الانكشاف التدريجى للحقيقة حتى تفتحها الكامل مع هيجل مثلاً، بل هى علاقة ذات اتجاه واحد وترجع إلى نقطة بداية واحدة فقط تُستأنف وتستعاد مع هوسرل، إنها علاقة مع الأصل لا مع التاريخ كله. هيجل ينظر إلى علاقة فلسفته بتاريخ الفلسفة على أنها تراكمية، وينظر إليها هوسرل على أنها استعادية واستئنافية، إنها استعادة الأصل المنسى والتى يعاد ظهورها لدى هايدجر، وهى كذلك شبيهه بالفكر الدينى اليهودى الذى كان يصر دائماً على العودة إلى الأصل وإلى البداية الخالصة النقية أو استعادتها أو استئنافها. موقف هوسرل من تاريخ الفلسفة مشابه لموقف الفكر الدينى اليهودى، والإسلامى أيضاً: استئناف أو استعادة البداية الأولى النقية والخالصة، وإذا كان للإيبوخية بعداً تاريخياً فهو يتمثل فى العودة إلى الأصل، فالإيبوخية يضع كل الفلسفات المعاصرة والسابقة بين قوسين ويصل إلى موقف ديكارتى، موقف البداية الأولى، ولذلك فتاريخية الإيبوخية هى تاريخية استئناف واستعادة للأصل وذلك بعزل كل ما بين هوسرل وهذا الأصل أو البداية من مذاهب.
ذهب هوسرل فى ” تأملات ديكارتية “ إلى ” ضرورة البدء بدءاً جذرياً جديداً فى الفلسفة “( 28). هذه الفكرة لدى هوسرل تكشف عن موقفه من تاريخ الفلسفة المناقض لموقف هيجل، فليس هناك بدءاً جذرياً جديداً فى الفلسفة لدى هيجل، فكل فلسفة تبدأ من نقطة نهاية سابقتها، ذلك لأن تاريخ الفلسفة تراكمى ودائم التقدم وسلسلة متصلة الحلقات. يذهب هوسرل إلى ضرورة البدء جذرياً فى الفلسفة بناء على فلسفته هو التى تبدأ بالأنا الخالص والإبوخية، فهذه المبادئ تتطلب بالفعل بداية جديدة. كما أن قول هوسرل هذا مناقض لما سوف يقوم به هو نفسه فى أزمة العلوم الأوروبية إذ سيوضح أن الفينومينولوجيا نتيجة طبيعية ومنطقية لتطور الفكر الأوروبى وضرورة تحتمها اتجاهات هذا التطور، كما أن لها إرهاصات أيضاً فى فلسفات سابقة مثل ديكارت وكانط وبرنتنانو. هوسرل لا يبدأ بداية جذرية جديدة وهذا باعترافه هو، وأيضاً بتحليل عميق لفلسفته والذى يكشف عن خلفيات كانطية جديدة وأخرى من دلتاى وثالثة من فخته ويبدو أنه نفسه غير واع لها.
رابعاً - الموقف الهيجلية الأخيرة لهوسرل :
رجع هوسرل عن مواقفه السابقة من النزعة التاريخية فى ” أزمة العلوم الأوروبية “ (1936) الذى هو آخر مؤلفاته المنشورة.
يتضح من كتاب الأزمة كيف ينظر هوسرل إلى الفينومينولوجيا على أنها غاية محايثة للتطور الفلسفى، وهنا تظهر مقارنة مع هيجل، لأن هيجل هو الآخر ينظر إلى علمه الفلسفى أو منطقه أو فلسفته فى الهوية على أنها غاية محايثة ظلت تتكشف وتتحقق بالتدريج طوال تطور الفلسفة وصراع مذاهبها حتى اكتمل ظهورها النهائى على يد هيجل. المحايثة موضوع مشترك لدى هيجل وهوسرل، وكذلك التطور المحايث أو الباطنى لعلم الفلسفى الكلى.
وتأكيداً من هوسرل على الجانب التاريخى فى الفلسفة يقول: ” إن تاريخ الفلسفة ننظر إليه من الداخل، هو صراع أجيال الفلاسفة، الذين هم حاملى ذلك التطور الروحى، العائشين والمستمرين فى الحياة فى جماعة روحية، فى الصراع المستمر للعقل “ المستيقظ ” لأن يأتى إلى نفسه، لفهم لذاته، لعقل يفهم ذاته عينياً فى فهمه للعالم الموجود، كما هو موجود فى حقيقته الشاملة الكلية “( 29). تحتوى هذه الفقرة على عدد من الأفكار الهيجلية الصحيحة وهى: (1) تاريخ الفلسفة تاريخ صراع أجيال الفلاسفة. (2) وهو تاريخ للتطور الروحى لهؤلاء الفلاسفة الذى هو نفس التطور الروحى للإنسانية كلها. (3) العقل الواعى بذاته يسعى نحو فهم ذاته عن طريق فهمه للعالم.
يتحدث هوسرل حديثاً هيجلياً عن تطور الفلسفة الحقة، الفلسفة الواحدة الكلية، ويذهب إلى أنها ظلت تتطور لبدا أنساق فلسفية عديدة، حتى اكتملت على يده بالطبع، وهو يقف فى وصفه لهذا التطور عند كانط( 30)، مما يجعلنا نذهب إلى أنه يأتى بعد كانط مباشرة، أما
المثالية الألمانية بعد كانط فقد اتبعت طريقاً خاطئاً، أى أن كل مسيرة الفلسفة حتى كانط كانت مسيرة سليمة، وما اختلاف المذاهب وتعارضها وصراعها إلا المظهر الخارجى فقط لتطور الفلسفة الترانسندنتالية الذى يسير فى عمق هذه المذاهب ومن وراء ظهورها، أما المثالية الألمانية فلا تنتمى لهذا الخط فى التطور لأنها أخذت طرقاً خاطئة. تطور الفلسفة الحقة إذن ليس شاملاً ولا يجمع كل المذاهب، لأنه يستبعد المثالية الألمانية. المثالية الألمانية هى الكابوس المزعج لهوسرل، وهى النظير والمقابل لفلسفته، وهى التى تجعل فلسفته فى خطر دائم. لاحظ أن جميع فلاسفة المثالية الألمانية كانوا أصحاب مذاهب ترانسندنتالية مثل هوسرل تماماً، ومع ذلك يستبعدهم، كما أن لأحدهم كتاباً يسمى فينومينولوجيا الروح ويستبعده هوسرل كذلك ولا يعتبره تطوراً نحو مذهبه الفينومينولوجى. يقول هوسرل: ” ولذلك فالفلسفة الترانسندنتالية فى أشكالها غير الناضجة الأولى فى الإنجليزية ولدى كانط، على الرغم من أن هؤلاء الفلاسفة لم ينجزوا تأسيساً علمياً جاداً، وعلى الرغم من أن هيوم قد انسحب إلى شكية أكاديمية غير صحية، لا تشكل طريقاً خاطئاً، ولا حتى ” أحد “ الطرق من بين طرق عديدة، بل الطريق الوحيد نحو المستقبل الذى كان يجب أن يأخذه التطور الفلسفى بإطلاق وذلك كى تتغلغل إلى الشكل المنهجى المحقق الذى من خلاله فقط يمكنها أن تكون علمية، فلسفة تعمل فى ظل الفهم الذاتى الواقعى لمعنى مهمتها - إقرأ رسالتها ” الفختية “، هوسرل هنا يحدد للفلسفة رسالة على النمط الفختى)، بروح الكمال (التمام) - عاملة بيقيت ذاتى حول أساسها، وأهدافها، ومناهجها. هذا الشكل الناجز لا يمكنه أن يدخل فى الواقعية التاريخية إلا باعتباره نتيجة لأكثر الانعكاسات الذاتية راديكالية، فى شكل بداية أولى، حيازة أولى للمهمة الموضحة، وللأساس المؤكد والمنهج المؤدى إليه، بداية أولى لعزيمة نحو العمل، عمل البحث فى الأشياء ذاتها “( 31). من الممكن العثور على جمل مطابقة لنفس هذه الفقرة فى فينومينولوجيا هيجل.
يأتى هوسرل بفقرة فى غاية الأهمية تكشف عن تماثل أفكاره مع أفكار هيجل فى الفينومينولوجيا. يقول هوسرل: ” تسير الحياة الإنسانية الشخصية فى مراحل من الانعكاس الذاتى والمسئولية الذاتية ابتداء من الأفعال المنعزلة العرضية إلى مرحلة الانعكاس الذاتى والمسئولية الذاتية الكليتان وحتى نقطة الحصول فى الوعى على فكرة التسيير الذاتى aut، فكرة توجه الإرادة نحو صياغة حياة المرء الشخصية كلها فى الوحدة المركبة لحياة من المسئولية الذاتية الكلية، وبالتتابع، نحو صياغة المرء لنفسه إلى أنا حقيقى، الأنا المسير ذاتياً الحر الذى يهدف تحقيقه عقله الباطن innate الجهد نحو أن يكون حقيقياً لنفسه، وأن يكون قادراً على أن يبقى فى تماهى مع نفسه باعتباره أنا عقلانى، لكن هناك صلة داخلية غير قابلة الانفصال correlation بين الأشخاص الفرديين والجماعات بفضل اتصالهم المتبادل interrelated المباشر وغير المباشر فى جميع مصالحهم - اتصالهم فى كل من الانسجام والصراع - وأيضاً فى ضرورة تمكين العقل
الفردى الشخصى من أن يأتى إلى تحقق أكثر كمالاً فقط باعتباره عقل جماعى - شخصى والعكس “( 32). هذه الفقرة أوردناها بكاملها على طولها لأنها هى الدليل الواضح على الانقلاب الهيجلى الأخير الذى قام به هوسرل. وإذا حاولنا البحث عن سبب هذا الانقلاب الهيجلى لوجدنا احتمالاً فى أن يكون المواجهة مع هايدجر. مواجهة هايدجر هى التى فرضت على هوسرل اللجوء إلى أرضية هيجلية، أو إلى إضفاء الطابع الهيجلى على فلسفته. لكن كيف تكون فينومينولوجيا هوسرل أقدر على مواجهة هايدجر مع تحولها الهيجلى ؟ لأن هوسرل أدرك أن لهايدجر نظرة للفلسفة، نظرة موحدة لتاريخ الميتافيزيقا الغربية، لا يمكن أن تواجه إلا بنظرة أخرى مضادة تنظر لتاريخ الفلسفة على أنه تراكمى وغائى وذو هدف يتجه إليه، نحو تنمية الفلسفة الحقة الواحدة، أى نظرة هيجلية لتاريخ الفلسفة، ونظرة هيجلية أيضاً للتاريخ وللحضارة الغربية أساساً، لأنها هى الأخرى القادرة على الوقوف أمام الفلسفة الهايدجرية فى التاريخ، المتأثرة بفشته وشلنج.
إن كتاب الأزمة يعد رجوعاً من هوسرل عن مبدأه القائل بالعودة إلى الأشياء ذاتها. فتقديم الفينومينولوجيا عن طريق مدخل تاريخى لا يعد عودة إلى الأشياء ذاتها بل توجهاً إلى الفينومينولوجيا عن طريق آخر غير مباشر، طريق تحليل الآراء الفلسفية لفلاسفة آخرين. كما أن كتاب الأزمة يعد خروجاً عن مبدأ هوسرل فى الوضع بين قوسين بما فى ذلك أفكار الفلاسفة الآخرين. وعلاوة على ذلك فإن الكتاب يعد مجرد تحليل تاريخى عادى ينتمى إلى تاريخ الأفكار ويهدف إثبات أن المشكلات التى بقيت بدون حل فى التراث الفلسفى تجد لها حلاً فى الفينومينولوجيا(33 ). إنه مناقشة مدرسية وعادية جداً لآراء فلاسفة آخرين، وهذه نقطة أخرى لهوسرل، فلماذا لم يطبق منهجه الفينومينولوجى وهذا الموضوع ويمارس تحليلاً فينومينولوجياً للمذاهب التى تناولها باعتبارها نماذج أو أشكال من الوعى الفلسفى ؟ وهنا المفارقة الكبرى، ففيلسوف الفينومينولوجيا لم يتبع أسلوب تحليل الوعى، ولم يجعل من دراسته للمذاهب الفلسفية تحليلاً للخبرة الفلسفية بالموضوع الفلسفى وتحليلاً للوعى الفلسفى. إذا كان قام بذلك فسوف يكون قد قام بفينومينولوجيا هيجلية، سوف تنقلب الفينومينولوجيا لديه إلى فينومينولوجيا الروح لهيجل. المفارقة أيضاً أن هوسرل فى آخر تقديم له للفينومينولوجيا وفى أفضل ما كتبه طوال حياته باعترافه نفسه يتبع الأسلوب الهيجلى الغائى - التاريخى.
يكاد هوسرل يقول أنه يمارس النقد المحايث، ويكاد يكرر نفس كلام هيجل فى مقدمة فينومينولوجيا الروح. يقول هوسرل: ” إن مهمتنا توضيح الغائية فى الصيرورة التاريخية للفلسفة، وخاصة الفلسفة الحديثة (أى كون الفينومينولوجيا هى هذه الغاية واكتمال رحلة الفلسفة الحديثة)، وفى نفس الوقت تحقيق وضوح ذاتى لأنفسنا، التى هى حاملة هذه الغائية. نحن نقدم على فهم الوحدة التى تجرى عبر كل المشاريع الفلسفية فى التاريخ والتى تعارض بعضها بعضاً وتعمل معاً فى أشكالها المتغيرة. (فعلى الرغم من تعارض الفلسفات وصراعها إلا أن بينها وحدة معينة، أو تشكل هى ذاتها وحدة ما، وتتجه نحو غاية وهى الوصول إلى الفلسفة الحقة. إنها النظرة الهيجلية للفلسفة بعينها). وفى نقد مستمر ينظر دائماً إلى المركب التاريخى الكلى على أنه مركب شخصى(34 ). (أى الذى ينظر إلى التاريخ وتاريخ الفلسفة خاصة على أنه جزء من الوعى الفردى، جزء مكون له، أو إلى تاريخ الفلسفة على أنه تاريخ شخصى، أى تاريخ للوعى بالفلسفة، وعى الفلاسفة بالفلسفة، أى فينومينولوجيا هيجلية) نحاول فى النهاية تحقيق المهمة التاريخية التى يمكن أن نعترف بها على أنها الوحيدة التى نمتلكها شخصياً (وهذا يثبت تفسيرنا السابق) وهذا ما نهدف تحقيقه لا من الخارج، من الوقائع، كما لو أن الصيرورة الزمنية التى تطورنا نحن أنفسنا منها كانت مجرد سلسلة علية خارجية. لكن نحن نهدف إلى تلمسها من الداخل (وهذا هو النقد المحايث بعينه. يريد هوسرل أن يقول هنا أنه سوف يعالج تاريخ الفكر الحديث أو الفلسفة الحديثة على أنه تاريخ تكون وتشكيل وعينا المعاصر بما أننا جزء من هذا التراث الفكرى ونتاج له. يريد هوسرل أن يبحث فى تاريخ الفلسفة باعتبارها تاريخاً للوعى الحديث، ولوعينا نحن الذى هو النتيجة الأخيرة لتاريخ هذا الوعى الحديث، إنه يمارس فينومينولوجيا هيجل بالتمام والكمال). وبهذه الطريقة فقط نستطيع، نحن الذين لا نمتلك تراثاً روحياً وحسب بل صرنا ما نحن عليه الآن فى أسلوب تاريخى - روحى، نستطيع أن يكون لدينا مهمة خاصة بنا بحق “( ). فينومينولوجيا هوسرل بهذه الطريقة تعد إحياء للمثالية الألمانية بكل أعلامها. فمع التشابهات العميقة بين هوسرل من جانب وكانط وفخته وهيجل من جانب آخر نستطيع أن نقول ذلك. هذا بالإضافة إلى أنها إعادة طرح وفى شكل وأسلوب جديد، لكن لا يصرح بذلك نهائياً، بل العكس، ينظر هذا الطرح لنفسه على أنه جديد ومبتكر وغير مسبوق ونهاية واكتمال تاريخ الفلسفة والغاية النهائية.
1 - تماثل تشخيص الأزمة الروحية :
ما يشخصه هوسرل على أنه أزمة حياة life-crisis للإنسانية الأوروبية هو ما شخصه هيجل على أنه فقدان القوة الموحدة من حياة الناس والناتجة عن افتقاد المدنية اليونانية وكنيسة العصور الوسطى. المدنية اليونانية كانت توحد بين العام والخاص، الدولة والفرد، الدين والفن، السياسة والأخلاق، وكذلك الكنيسة كانت توفر حياة جماعية مفتقدة فى الحداثة الأوروبية. وعندما نتعرف على أزمة الحياة التى يتكلم عنها هوسرل نكتشف أنها تظهر على المستوى الفلسفى فى صورة الثنائية بين الاتجاه المادى والاتجاه المثالى، أو الموضوعانى الفيزيائى والسيكولوجى، وهو نفس الانشقاق الذى تحدث عنه هيجل فى بداية مقال الفرق وبداية الإيمان والمعرفة. يريد هوسرل من الفينومينولوجيا أن تكون هى حل مشكلة هذه الثنائيات المتعارضة، وحلاً للأزمة الروحية للغرب، تماماً كما كانت فلسفة هيجل. والحقيقة أن فينومينولوجيا هيجل كلها تأخذ على عاتقها معالجة نفس الأزمة ونفس الانشقاقات باعتبارها وصفاً لطريق الناس، والتغلب عليه فى النهاية تعد خير من شخص أزمة الغرب وقدم لها حلولاً فى نفس الوقت. والحل الهيجلى معروف ويهدف إلى إعادة الوفاق Reconciliation.
لا يقف التشابه بين هيجل وهوسرل عند النظر إلى الفلسفة على أنها علاج للأمراض الروحية للعصر ولأزماته، بل يتعدى ذلك إلى تشخيص هذه الأمراض والأزمات. فكل منهما ينظر إلى الأزمة الروحية على أنها انقسام عبر ثنائيات: الجسم والروح، الذات والموضوع، العقل والعالم، يظهر هذا التشخيص لدى هوسرل فى أزمة العلوم الأوروبية. وإذا عرفنا أن أزمة العلوم لهوسرل هو توضيح لفلسفته ومشروعه الفكرى أدركنا أن منهجه الفينومينولوجى هدفه معالجة هذه الأزمة بالذات، معالجة حالة الانقسام والقضاء على الثنائيات فى الفكر الغربى، وهذا هو هدف هيجل بالضبط. والاثنان يذهبان إلى أن القضاء على هذه الثنائيات يجب أن يتجسد فى علم فلسفى أو فى معرفة مطلقة أو فى علم عن الذات المطلقة. وليس الاتفاق بينهما فى تشخيص طبيعة الأزمة الروحية وتشخيص طبيعة الدواء وهو المعرفة المطلقة، بل يتعدى ذلك إلى تحديد اسم المنهج المستخدم لإقامة هذه المعرفة المطلقة، الفينومينولوجيا. ويبدو أن هيجل كان أكثر إخلاصاً فى السعى وراء هذا الهدف وتحقيقه، وأكثر دقة، لأنه أطلق على كتابه فينومينولوجيا الروح، فالروح هى الهدف وهى المقصودة بالعلاج وهى المصابة بالأزمة، ولأنه لم يقتصر فى تحليلاته الفينومينولوجية على الجانب الابستمولوجى كما فعل هوسرل، بل تعدى ذلك إلى تحليل جميع الجوانب الثقافية والتاريخية فى الروح الموضوعى، والجوانب الروحية فى الروح المطلق. لقد كان هيجل مدركاً أن الأزمة الروحية لا يمكن أن يقتصر علاجها على الجانب الابتسمولوجى كما اعتقد هوسرل، بل يجب أن يمتد هذا العلاج إلى الجانب الاجتماعى والثقافى والتاريخى، وهو ما فعله هيجل فى الفينومينولوجيا.
إن محاضرات هوسرل حول أزمة الإنسان الغربى وأزمة العلوم الغربية ليست بعيدة عن روح فلسفة هيجل. فهو يذهب إلى أن الفلسفة هى التى تستطيع معالجة حالة الضياع والفساد الأخلاقى أو الروحى للإنسان الغربى والتى تستطيع التعامل مع الأزمة، تحديد دور علاجى مقصد لأزمة موجود أيضاً لدى هيجل، وأزمة روحية على الخصوص، تتمثل فى حالة الانقسام فى الروح الغربى والتى تظهر فى صورة ثنائيات. الفلسفة عند هيجل إذن تعمل على التوحيد والوفاق وتعيد الوحدة المفتقدة. يظهر ذلك فى الفقرة المتعلقة بالحاجة إلى الفلسفة فى مقال الفرق، ولدى هوسرل فى أزمة الإنسان الغربى.
ويأتى هوسرل بعبارة هيجلية تماماً، إذ يقول: ” إن الصراعات الروحية الأصيلة للإنسانية الأوروبية تأخذ شكل صراعات بين الفلسفات “( 35) لأن الفلسفة هى أعلى تعبير روحى عن هذه الإنسانية وهى أعلى مراتب الثقافة الأوروبية، ولكونها كذلك فإن تأملاً غائياً تاريخياً حول الفلسفة يعد فى نفس الوقت تأملاً غائياً تاريخياً حول تاريخ العلوم الأوروبية ذاتها. يستعين هوسرل هنا بروح الفلسفة الهيجلية، ولذلك فالأزمة هى تحليل هيجلى تماماً لموضوعها. لقد انتهى هوسرل هيجلياً.
2 - تاريخية المذهب :
إن تحقق المذهب الفلسفى عند هيجل يكشف عن ضرورة تاريخية، إذ أنه انكشاف للمطلق فى التاريخ. يذهب هيجل إلى أن هناك ضرورتان تفرض على المطلق أو مبدأ الهوية أن يتم التعبير عنه فى صورة علم، أى مذهب فلسفى، ضرورة داخلية، وضرورة خارجية، والضرورة الداخلية تأتى من طبيعة هذا المبدأ نفسه، أما الضرورة الخارجية فيفرضها الزمن، هى ضرورة زمنية فى الأساس، ذلك لأن ” العملية الزمنية ترفع الفلسفة إلى مستوى النسق العلمى “( 36). وتوضيح هذه الحقيقة هى ” التبرير justification الحق للمحاولات التى تهدف إثبات أن الفلسفة يجب أن تتحصل على هذا الطابع (العلمى النسقى) “. لاحظ أن هيجل هنا يأخذ الزمن حليفاً له، فسوف يثبت أن العملية الزمنية أو العصر أو التاريخ هو ما يتيح للفلسفة أن تكون علماً نسقياً وما يتيح للمطلق أن يوضع فى صورة مذهب فلسفى. ونشهد هنا أولى ملامح الزمانية
أو التاريخية فى فكر هيجل والمختلطة فى هذا النص بالذات مع الفلسفة وعمليتها وسعيها نحو المطلق ووضعه فى صورة مذهب. يريد هيجل أن يقول أن فى تعاقب الفلسفات ضرورة تاريخية أو زمانية، أى اتجاهاً ضرورياً نحو غاية وهى التحقق الكامل والنهائى للمطلق فى صورة علمية، أى فى مذهب فلسفى، تاريخية الفلسفة أو زمانيتها هى التى تفرض عليها ضرورة التعبير عن ذاتها ومبدأها فى صورة مذهب. نلاحظ هنا كيف ينتقل هيجل من زمانية وتاريخية الفلسفة إلى طابعها النسقى أو المذهبى. لقد استخدم هيجل كما نرى هنا فكرة الزمان وفى سياق تبرير مذهبه المثالى، وهو استخدام يسبق هايدجر، كما يسبق هوسرل فى الأزمة.
تحمل فكرة هوسرل عن الفلسفة العلمية تطابقاً مع رؤية هيجل للفلسفة الكلية. يقول هوسرل: ” إن المشكلة المصاغة بالتالى بطريقة عامة هى المشكلة الراديكالية التى تخص الإمكانية التاريخية للعلم الموضوعى، الفلسفة العلمية موضوعياً - العلم الذى ظل موجوداً لزمن كواقعة تاريخية والذى وصلن على الأقل فى أحد فروعه وهى الرياضيات الدقيقة والعلم الطبيعى الرياضى إلى تحقق هائل مثمر “( 37). هوسرل يتناول فى هذه الفترة موضوعاً جديداً ولو أنه عالجه فى الأزمة لكن دون أن يصرح بأنه يدرس هذا الموضوع وهو الإمكانية التاريخية للفلسفة العلمية الموضوعية، وفى الفلسفة الكلية الحقة. موضوع الإمكانية التاريخية لعلم ما هو موضوع هيجلى أصيل. ويستمر هوسرل فى القول بأن ” المشكلة الأخرى المتعلقة بإمكانية المعرفة (وهنا يستطيع المرء أن يتكلم عن مشكلة ابستمولوجية خالصة) مرتبطة بتلك الإمكانية التاريخية لهذه المعرفة “( ). هوسرل يذهب إلى أن سؤال الإمكان الكانطى مرتبط بسؤال الإمكانية التاريخية الهيجلى، ويذهب بعد ذلك مباشرة إلى أن توضيح الإمكانية التاريخية هذه سوف يكون من المهام الأساسية التالية، لكن هوسرل بالطبع لم يقم بذلك، ولو كان قد قام بذلك لكان قد وجد نفسه يكتب فينومينولوجيا هيجلية. لقد توصل هوسرل فى هذه العبارات إلى نقطة غنطلاق هيجل نحو الفينومينولوجيا وإلى أحد بواعث تحوله الفينومينولوجى، وهى أن سؤال الإمان الكانطى الابتسمولوجى الصورى لا يمكن أن يحل أو يتم تناوله بدون تحويله إلى سؤال إمكان تاريخى جدلى. هيجل فى الفينومينولوجيا يستعيض عن سؤال الإسكان الكانطى بسؤال الإمكان التاريخى، ويتناول المعرفة بطريقة أخرى، طريقة إمكانا التاريخى الجدلى التطورى التكوينى، لا طريقة إمكانها الصورية القبلية الترانسندنتالية على الطريقة الكانطية. لقد انتهى كانط من طريقته الصورية الترانسندنتالية القبلية إلى عدم إمكان المعرفة المطلقة واستحالة معرفة المطلق، أما هيجل فيوضح إمكان المعرفة المطلقة بطريقة أخرى تاريخية تكوينية تطورية. لكن لأن هوسرل لا يزال يتمسك بمثالية ذاتية وبفكرة الأصل والأساس فهو يبحث عن بداية لمثل هذا البحث عن الإمكانية التاريخية للعلم الكلى، ويجد هذه البداية فى نشأة الهندسة باعتبارها رياضيات خالصة.
وفى ملحق لكتاب ” أزمة العلوم الأوروبية “ بعنوان: ” إنكار الفلسفة العلمية. ضرورة الانعكاس. الانعكاس يجب أن يكون تاريخياً. كيف يجب أن يكون التاريخ ؟ “ يتحول هوسرل إلى هيجلى أصيل، فهو مثل هيجل يناقش دعاوى إنكار الفلسفة العلمية باعتبارها العلم الكلى، ويذهب إلى أن الفلسفة العلمية بجب أن تكون معرفة بالمطلق، وأن هذا النوع من المعرفة كان دائماً معرفة بالإله لأنه هو المطلق واللامشروط، ومعرفة للعالم فى كليته وشموله لأنه هو مجموع ما يحدث وكلية كل شئ والمحيط الأعلى والكلى والأعم، وأن الفلسفة لهذا السبب اتحدت مع الرعية فى العصور الوسطى لأن هدفهما كان قريباً جداً، وأن سبب إنكار الفلسفة العلمية الكلية الآن أن هذه الأنساق الميتافيزيقية وهذا الاتحاد بين الفلسفة والدين قد انتهى إلى غير رجعة. وان الفيلسوف كى يستطيع أن يتفلسف جيداً وعلى أساس سليم يجب أن يكون واعياً بموقعه فى التاريخ، ونتيجة تفلسفه هذا على التاريخ، ” فمن خلال انغماسنا فى المضمون المعاد للحياة للأنساق الفلسفية التقليدية فقط نستطيع أن نشعر بهذا الدليل “( ) (الذى يشير إلى حدوث نجاحات صغيرة وجزئية فى الطريق المؤدى إلى العلم المطلق أو الفلسفة الكلية، ويشير كذلك إلى الإمكان والضرورة العلمية لظهور مثل هذه الفلسفة). النجاحات الصغيرة الجزئية فى الطريق نحو العالم الكلى، والدلائل التى تشير إلى الضرورة والإمكانية العلمية لمثل هذا العلم الكلى هو موضوع فينومينولوجيا هيجل. ويقول هوسرل: ” ليس من شك فى أننا يجب أن نستغرق فى الاعتبارات التاريخية إذا كنا نريد أن نكون قادرين على فهم أنفسنا كفلاسفة وفهم ما يجب أن تكون عليه الفلسفة من خلالنا “( ) أى يجب أن نستغرق فى تأمل تاريخى مستخدمين تاريخ الفلسفة باعتباره تاريخ تطورنا نحو كفلاسفة. هذا التأمل التاريخى ” يتعلق بوجودنا كفلاسفة وبالترابط، وجود الفلسفة من خلال وجودنا الفلسفى “( ) أو وعينا الفلسفى الهيجلى. لكن كيف نتعامل مع تاريخ الفلسفة بالطريقة التى يوصى بها هوسرل ؟ بأن نقرأ كل فيلسوف ووعينا على غايته الأخيرة وتطوره الأخير، وأن نقرأ كل تاريخ الفلسفة باعتبارها سلسلة مترابطة تتجه نحو غاية، وبهذه الطريقة سوف نفهم أفلاطون مثلاً فهماً جديداً، وبالطبع فهذا الفهم هو فهم له باعتباره مرحلة فى التطور الفلسفى، مرحلة مرتبطة بسابقتها ولاحقتها. يوصينا هوسرل هنا بقراءة تاريخ الفلسفة قراءة فيبالوجية تكوينية هيجلية فينومينولوجية (بالمعنى الهيجلى) ووعينا على تطورها اللاحق. الملاحظ أن هوسرل الذى كان دائم الاستبعاد للموضوعات التاريخية فى أعماله، أى التى تخص تاريخ الفلسفة، ودائم التجاهل لغيره من الفلاسفة وخاصة المثالية الألمانية، ينقلب إلى الموقف المعاكس تماماً فى الأزمة، ويتحول إلى التبرير التاريخى لمذهبه على الطريقة الهيجليةن ويعتبر تاريخ الفلسفة جزءاً هاماً من تأملات الفيلسوف وعمله.
خاتمـــة :
لماذا كتب هوسرل أزمة العلوم الأوروبية ؟ ذلك الكتاب الضخم الذى ظهر فى أواخر حياته ؟ الحقيقة أن هذا الكتاب يوضح ضرورة التوجه نحو الفينومينولوجيا انطلاقاً من تفسير وتقييم تاريخ الفكر الأوروبى كله وحتى عصر هوسرل. لكن لماذا كان لزاماً على هوسرل أن يعود إلى تبرير منهجه وفلسفته مرة أخرى فى أواخر حياته ؟ ألم يعطينا مبررات وحجج فلسفية بما يكفى طوال حياته ؟ الحقيقة أنه اكتشف نقصاً خطيراً فى فكره، يتمثل هذا النقص فى مثل هذا التبرير التاريخى لمنهجه وهو ما قام به فى أزمة العلوم الأوروبية. هوسرل إذن يعود إلى نفس طريقة هيجل فى تبرير فلسفته، فالفينومينولوجيا لديها نفس هدف أزمة العلوم الأوروبية، أى تبرير فلسفة أو منهج بإثبات ضرورتها التاريخية وإلحاحها المعاصر، وأنها تتويج لحركة الفكر ذاته والتعبير المعاصر عن تطور هذا الفكر، إنهما بذلك يحتلان تكوينان لظهور المنهج
أو الفلسفة مثل ” بناء الفعل الاجتماعى “ لبارسونز. إلا أن الاختلاف كبير، فهيجل يحقق هذا الهدف بتحليله للوعى، وهوسرل بتحليله للمذاهب الفلسفة بطريقة مدرسية أو أكاديمية تقليدية بحتة. تبرير هوسرل لمنهجه ينقسم إلى تبرير منطقى فى الأبحاث المنطقية، وتبرير فلسفى فى الأفكار، وتبرير تاريخى فى أزمة العلوم الأوروبية، لكنه ويالاللسخرية والعجب لا يبرره تبريراً فينومينولوجياً، فهو لا يمارس تحليلاً فينومينولوجياً لظهور المنهج الفينومينولوجى ذاته، وإذا قام بذلك فسوف يجد نفسه يكتب فينومينولوجيا هيجلية. الدليل على أن هوسرل لم يحلل ظهور الفينومينولوجيا أو يبررها فينومينولوجياً هو الاختزال أو الإبوخية الفينومينولوجى نفسه، فهو لا يبرر القيام به تبريراً فينومينولوجياً.
الحقيقة أن ما دفع هوسرل لاتخاذ المواقف السابقة هو مواجهته لهايدجر. فهوسرل فى الأزمة يقدم نظرة مناقضة لنظرية هايدجر لتاريخ الفلسفة الحديثة وتاريخ الميتافيزيقا الغربية. هايدجر يتهم الميتافيزيقا الغربية كلها بنسيان الوجود ونسيان السؤال عنه ويمارس تدميراً لها سوف يتحول إلى تفكيك لدى دريرا، أما هوسرل فيأخذ وجهة النظر المعاكسة، إنه يقول أن تاريخ الميتافيزيقا الغربية منذ اليونان يكشف عن حركة ضرورية داخلية ويعبر عن صراع الإنسانية الروحى، أى أنه تاريخ نسقى غائى مترابط وضرورى ويكشف عن مسيرة العقل، عكس هايدجر الذى لا يكشف هذا التاريخ من وجهة نظره عن شئ إلا الاضمحلال والنسيان، نسيان الوجود. هايدجر يريد تدمير الميتافيزيقا الغربية كلها ليبدأ من جديد ويطرح سؤال الوجود بعد أن تم نسيانه، أما هوسرل هنا فيقول أن تاريخ الفلسفة منذ اليونان يكشف عن سعى الإنسانية نحو تحقيق كيان روحى. الصراع مع هايدجر والرغبة فى إضفاء طابع أكثر إنسانية على الفينومينولوجيا وفى توضيح دلالتها بالنسبة للوجود الإنسانى هو الذى دفع هوسرل نحو تبنى مواقف هيجلية فى أواخر حياته. والحقيقة أن هذه المواقف الهيجلية التى ينتهى إليها هوسرل كانت متضمنة فى فلسفته طوال السنين السابقة على كتاب الأزمة، فهى متضمنة منذ 1911 فى ” الفلسفة باعتبارها علماً دقيقاً “، لكن الصراع مع هايدجر والأسباب السابقة هى التى جعلت ما هو مضمر يظهر إلى العلن وما هو ضمنى يصبح صريحاً، وما كان خفياً يظهر إلى النور. المشروع الفلسفى لهوسرل كشف فى النهاية عن ملامحه الهيجلية التى كان يحرص هوسرل دائماً على إخفائها. فالأهداف الفلسفية التى أخذ هوسرل على عاتقه تحقيقها كانت أهدافاً هيجلية منذ البداية، وهو قد لجأ إلى طريقة تحليل خبرة الوعى أو الفينومينولوجيا كخطوة أو مرحلة فى تحقيق هذه الأهداف، فالأهداف هيجلية والطريقة هيجلية، وليس بغريب أن يكشف هوسرل عن الطابع الهيجلى الذى كان مخفياً فى آخر عمل له. التشابهات والتوازيات التى لاحظناها طوال مراحل تكوين المذهب وفى كل جزئياته بينه وبين هيجل اكتملت واتضحت أكثر بظهور النية الهيجلية لفلسفة هوسرل فى النهاية. فلأن ما يقوله فى الأزمة هو نيته الحقيقة وبمثابة اعتراف فلسفى، ظهرت كل هذه التشابهات والتوازيات.
Hegel: Science of Logic, Vol. I, P. 81.
(2) Ibid: P. 81 - 82.
(3) Ibid: P. 79.
(4) Ibid: P. 84.
(5) Hegel: Phenomenology of Mind, Op. Cit., P. 24.
(6) Ibid: P. 82.
(7) Ibid: P. 92.
(8) Husserl: Ideas, P. 188.
(9) Ibid: P. 272.
(10) Ibid: P. 273.
(11) Ibid: P. 170.
( 12) هوسرل: تأملات ديكارتية، ص 295.
(13) Hegel: Phenomenology of Spirit, P. 70.
(14) Loc. Cit.
(15 ) Lauer: A Reading of Hegel’s Phenomenology of Spirit, Op. Cit, P. 75.
(16) Husserl: Ideas, P. 199.
( 17) أ.د. حسن حنفى: فيشته فيلسوف المقاومة، ص 210.
( 18) Fichte: Foundations of Transcendental Philosophy, Op. Cit., P. 21.
( 19) أ.د. حسن حنفى: المرجع السابقن ص 212 - 213.
( 20) Ibid: P. 82.
(21 ) Eugen Fink: Sixth Cartesian Meditation, Op. Cit., P. 2.
( 22) Heiddeger: History of the Concept of Time, Op. Cit., P. 21.
( 23) هوسرل: تأملات ديكارتية، ص 103.
(24) Husserl: The Crisis of European Sciences, Op. Cit., P. 339.
(25) Ibid: P. 192 - 193.
(26) Ibid: Loc. Cit.
(27) Ibid: P. 338.
(28) Ibid: P. XXXII.
(29) Ibid: P. 70 - 71.
(30) Ibid: Loc. Cit.
(31) Ibid: P. 15.
(32) Hegel: Phenomenology of Mind, P. 71.
(33) Husserl: The Crisis of European Sciences, P. 347.
(34) Ibid: P. 348.
(35) Ibid: P. 389.
(36) Ibid: P. 391.
(37) Ibid: P. 392.
د. أشرف حسن منصور







اخر الافلام

.. ترامب يشكر السعودية بشأن انخفاض أسعار النفط


.. الجيش اليمني يحاصر معقل الحوثي ويقطع الإمداد عن صعدة


.. البصريون ينتظرون الحلول من الحكومة




.. البصريون ينتظرون الحلول من الحكومة


.. داعش يحاول هيكلة تنظيمه عبر ولايتي الجزيرة والجبل