الحوار المتمدن - موبايل



بعد نصف ساعة نعود إلى فلسطين .

فريد العليبي

2012 / 11 / 21
مواضيع وابحاث سياسية



قبل سنوات زرت مخيم اليرموك ، الواقع في الأطراف الجنوبية لمدينة دمشق ، و قد بدا وقتها كما لو كان ينظر بعين دامعة إلى شقيقه جبل قاسيون ، الواقف في أعالي الطرف الشمالي للمدينة ، فالشقيقان العربيان السوري و الفلسطيني لم يوحدهما تجار الوحدة و بيروقراطيوها ، بقدر ما وحدتهما المعاناة . تُرى ماذا كان يقول الجبل للمخيم و المخيم للجبل ؟
خاطب يوما مظفر النواب الذي يلقبه العراقيون بأبي عادل دمشق بلسان بغداد قائلا :
أعاتب يا دمشق بغض دمع حزين .....................
أتيتك و العراق دموع عيني ، لماذا تجعلين الدمع شامة
رفاق الأمس هل في الدوح أنتم ، أم الوطن الكبير غدا ظلاما
و قد كان العهد بنا إن دجت الليالي ، نهب إلي بنادقنا احتكاما
رفاق الأمس محال أن أفرط في الندامى .
كانت هناك وقتها مساحة للوم ، أما اليوم فلا مكان للملامة فالفاجعة موزعة بالعدل و القسطاس بين العرب كافة ، من الماء إلى الماء ، فماذا ستقول دمشق لبغداد أو غزة لسيدي بوزيد ؟
لم تكن تلك زيارتي الأولى لليرموك ، ففي كل مرة سافرت خلالها إلى سوريا إلا و يممت وجهي شطر المخيم ، ففيه شذى أرض البرتقال الحزين كما سماها غسان كنفاني ، و ذكريات سنوات خلت ، عندما أقمت في حي مساكن الزاهرة الذي يجاوره ، و درست في ثانوية العودة عددا من بناته و أبنائه ، و نسجت خيوط صداقات جميلة مع كثيرين ، طلبة و صحفيين، و فدائيين و باعة خضار، و أساتذة جامعات ، و التقيت مثقفين منهم الفلسطينيان ناجى علوش و أحمد نسيم برقاوى ، و العراقي هادى العلوي و السوري جاد كريم الجباعى ، بصحبة صديقي الصحفي و الكاتب الفلسطيني عبد الأسدي ، الذي لا أعرف عن أحواله شيئا ، في هذا الدمار الرهيب الذي تتعرض له سوريا الآن .
بعد اللقاء بعدد من الأصدقاء في أرجاء المخيم ، أثناء تلك الزيارة ، وقفت في ناصية الشارع بحثا عن سيارة أجرة ، لم يطل انتظاري فقد ظفرت بمبتغايا سريعا ، كان السائق كهلا فلسطينيا اقترب من الشيخوخة ، تبادلت معه التحية ثم كان لنا حوار عن هموم الحياة و مصائب العرب، حتى حط بنا رحال الحديث في أرض البرتقال إياها ، عند نقطة فاصلة من تاريخها ، أي في عام " نكبتها " .
قال محدثي أن من بين ما يتذكره عن عام 1948 ، قدوم ضابط عربي رفقة جنوده إلى الحي الذي كان يقطنه ، فطلبوا من ساكنيه مغادرته بسرعة لأن المعركة تقتضى التمترس فيه ، و اتخاذه نقطة ارتكاز للقضاء على عصابات الهاجانا و شتيرن الصهيونية المتحصنة قريبا من هناك، و تأكيدهم أن هذا لن يستغرق أكثر من نصف ساعة ، قبل عودة السكان إلى بيوتهم آمنين ، و هو ما صدقه الجميع ، و كيف لا يفعلون والأمر يتعلق بتقديم عون للجيوش العربية التي هبت لإنقاذهم .
ما حصل بعد ذلك معلوم للجميع ، فقد حاربت الجيوش العربية بأسلحة فاسدة و حكاما مهزومين ، و تحولت نصف الساعة تلك إلى ليل طويل و دهر مديد ، هو عمر الاحتلال الذي يمطر غزة الآن بقنابله ، مثلما أمطر قبل ذلك مدنا و قرى عربية كثيرة أخرى ، لا تزال جراحها نازفة إلى اليوم ، و لا شئ جديد في الزمهرير العربي ينبئ بانبلاج الفجر قريبا في أرض البرتقال الحزين ، بعد أن ألقت أمريكا و أخواتها و بناتها و خدمها و حشمـــــــــها القبض على العرب متلبسين بفعل الثورة ، فقررت إرجاعهم عنوة إلى عصر الحجارة و الحديد ، و لكن تحت الرماد اللهيب ، و من يبذر الشوك يجنى الجراح و يأكله العاصف المشتعل .
* أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية







التعليقات


1 - يبقى الامل فينا
منير الصعبي ( 2012 / 11 / 21 - 19:18 )
من يريد اخي العزيز واستاذي الكريم ان يلامس الوجع الفلسطيني المهاجر فعليه ان يزور مخياماتهم في الشام او درعا او مخيم الحسين في عمان او مخيمات الفلسطينين في لبنان واخيرا في العراق ليعي بالملموس بعضا من الوجع الفلسطيني والاه الغلسطينية المتجدده مع كل زمن حاضر وكل زمن غارب والملاحظ ان الفلسطيني رغم ولادته في هذه المخيمات فانه ما زال متمسك بنفحة وطنه وحلم العودة لارض الاجداد . وكما تفضلت فقد انجبت المخيمات الكثير من الشخصيات الوطنية الفلسطينية المبدعة في كل المجالات . شكرا لما تفضلت به فقد شوقتني لليرموك ولازقته وحاراته ومحلاته وللصلاة في جامع القدس .تقبل مروري مع التقدير

اخر الافلام

.. باريس: الحريري يؤكد عودته إلى بيروت خلال الأيام المقبلة


.. الحريري يؤكد من باريس حضور مراسم عيد الاستقلال في لبنان


.. اجتماع لممثلي الدول العشرين لتوقيع اتفاق خفض استخدام الفحم




.. قناة العربية - البث المباشر


.. أبرز ما قاله الحريري بعد لقائه ماكرون