الحوار المتمدن - موبايل



كتاب الزيارة - (قصة من الخيال العلمى ) - الفصل الأخير

محيي الدين غريب

2012 / 12 / 25
الادب والفن


الاستعداد
قبل السفر لكوسوتو بثلاثة أشهر طلب منا ( الفوج رقم 17) أن نلتحق بدورة تجهيزية لمدة ثلاثة أيام بمقر الاجتماعات لمكتب الرحلات التابعين له ، وأيضا لاستكمال بعض الإجراءات.
فى اليوم المحدد توجهت وزوجتى إلى هناك ، وكنا نتوقع ربما دورة مختلفة قليلا عن الدورات العادية نظرا للظروف غير العادية لمكان الرحلة بعد حدث الانفصال.
لكن ومنذ دخولنا قاعة الاجتماعات شعرنا أننا فى معسكر مغلق ، بدءا بأخذ بصمة العين ومرورا بإجراءات أمنية صارمة ثم تفاصيل بيروقراطية كثيرة أتسمت ببعض الخشونة والمبالغة فى التعامل بدت لنا لا تتناسب مع دورة تجهيزية سياحية أو حتى صحفية أو علمية.
بعد قليل تعودنا بعض الشيئ على المكان بعد التعرف على مكان الاقامة والأكل وما إلى ذلك ، ثم بدأنا التعارف على أعضاء فوجنا السياحى ، الفوج رقم 17 ، وهو تعارف هام فهؤلاء هم من سنرافقهم عن قرب طوال فترة الرحلة.
تقدم السيد أحمد بالترحيب بنا ، ثم بدأ بعرض خريطة مفصلة
لمنطقة كوسوتو الجديدة ، وتحدث عن تاريخ هذه المنطقة قبل حدوث الانفصال الشمسى وقبل أن تنال هذه الشهرة الواسعة وتصبح مقصدا سياحيا لملايين السائحين من كل أنحاء العالم.
فلقد كانت شعوب هذه المنطقة شعوب بسيطة وفقيرة لاتمتلك حتى الغابات الطبيعية والسفارى كباقى المناطق الأفريقية المجاورة وبلادهم لاتحدها أى سواحل ، لذلك أعتبر الكثير منهم أن ما حدث مؤخرا هو عدل من السماء عندما تغيرت أحوالهم الاقتصادية وهم سعداء بذلك.
وأستطرد السيد أحمد قائلا ومع أن أهل هذه المنطقة لم يعانوا شيئا يذكر أثناء وبعد حدث انفصال الشمس بالمقارنة لما عاناه بقية البشر فى باقى أجزاء العالم ، إلا أنهم قد عانوا بطريقة غير مباشرة. ذلك لأنهم سمعوا وشاهدوا ما حدث لباقى العالم ولكن باستثناء منطقتهم. وهذا الاستثناء هو ما راعهم وأصابهم بالعزلة لفترة طويلة قبل أن يكتشفوا حقيقة ما حدث.
ما أريد أن أقوله أننا فى زيارتنا لهم وفى تعاملنا معهم لابد أن نأخذ كل هذا فى الاعتبار.
ثم بدأ الكلام عن المخاطر التى يمكن أن تواجهنا هناك ، ولكنه سرعان ما تدارك ما يقول عندما لاحظ علامات القلق على وجوه المجتمعين ليقول : لا أقصد مخاطر بالمعنى المألوف ، ولكن ربما بعض من المعاناة للبعض خاصة فى الأيام الأولى جراء تغير ما تعودنا عليه فى السنين الأخيرة ، فهناك الليل ليس صناعيا والنهار يبدأ بشروق الشمس وينتهى بغروبها ، ولا وجود للشمس الصغرى.
ثم تكلم عن اختلاف أنواع البكتريا والأمراض التى نحملها والتى يمكن أن تكون ضارة بالنسبة لهم ، ولكنه أكد أنه لم تحدث حتى الآن أية مشاكل بهذا الخصوص.
فى اليوم الثانى كان الكلام عن الأماكن السياحية والترفيهية هناك ، وبالطبع كانت تتركز حول الاستمتاع بأوقات الشروق والغروب وقضاء الليل تحت أضواء القمر ومشاهدة النجوم وما إلى ذلك.
فى اليوم الثالث كانت تفاصيل كثيرة عن المشتروات المسموح بها والمحظور منها وعن إجراءات الحجر الصحى عند الوصول وعند المغادرة. ثم أستغل الباقى من الوقت للتعارف والتآلف بين أفراد الفوج الذى عرف بالفوج رقم 17.

رحلة الزيارة
كان كلما اقترب يوم الزيارة إزدادت معه سعادتنا ولكنها سعادة ممزوجة ببعض القلق ، ليس قلقا بالمعنى المألوف ولكن مزيج من الترقب والرهبة. فكل مانعرفه عن هذا المكان هو ما سمعناه وما قرءناه ، ولكن تبقى الصورة النهائية غير واضحة المعالم تنقصها حدود وأبعاد تجسدها.
ومع أن الغرض العام السياحى من تجربة ورحلة الزيارة لمنطقة كوسوتو هو الاستمتاع بشروق وغروب الشمس وسدول الليل والظلام ورؤية النجوم وماإلى ذلك ، تلك الظواهر التى عاشها الإنسان منذ الخليقة وعاشها معظم الزائرين ماعدا الأطفال اللذين ولدوا بعد الحدث، إلا أنها تعد تجربة فريدة غير عادية يضفى عليها الكثير من الغموض والرهبة كما أعرب جميع من قام بهذه الزيارة من قبل.
أخيرا جاء اليوم المنتظر الذى طالما انتظرناه ، انتظارا كان مليئا بالإثارة ، اختلط فيه الخيال بالتمنيات والتوقعات فنسج كل منا صورتة الخاصة المحببة له كما يشاء عما يتمناه وعما يمكن أن يحدث وعما يمكن أن يكون.

أقلاع الفوج 17 من المطار القديم

وقد تكون فترة الانتظار هى أجمل جزء من الرحلة ، ففيها ترتب الأحداث بغير مفاجآت وبعيدا عن الواقع ، ولكن يجب ألا نبالغ فى تصديقها حتى لا نحبط إذا لم يتحقق كل ما تمنيناه وتخيلناه.
فى الموعد المقرر وصلنا إلى صالة السفر بالمطار القديم ، وكان فى توديعنا إبنتنا وبعض الأصدقاء وتجمعنا تحت اللافتة الضوئية الصفراء المكتوب عليها الفوج رقم 17 والتى تدرجت إلى اللون الاحمر بوصول المصعد الذى سيقلنا إلى مكان الاقلاع وإلى داخل الطائرة.
ومع تحرك المصعد توالت علينا التوجيهات والإرشادات للالتزام بالإجراءات العملية وماإلى ذلك. ولاأظن أن أحد منا كان فى حالة من التركيز لاستيعاب مايقال حيث كان هناك بعض التوتر عندما أدركنا أننا بالفعل قد بدءنا الرحلة ، ولكن لحسن الحظ كانت جميع هذه الإرشادات قد تعلمناها عن ظاهر قلب فى فترة التجهيز والإعداد.
كان متعمدا أن تختلف وسيلة الطيران فى هذه الرحلة عن الوسائل الحديثة لتكون بالوسائل البطيئة التقليدية ، ومع أنها باهظة التكاليف إلا أنها أكثر إثارة لأنها تعطى متعة الإحساس بالطيران والاقلاع والهبوط بالسرعات العادية على خلاف ما تعودناه فى العقود الاخيرة ، حيث السفر بالوسائل الحديثة بالطائرات الصاروخية أو من خلال الأنابيب الكهرومغناطسية التى تختصر الرحلات الطويلة إلى أجزاء من الساعة يكون فيها المسافر جزء من الطائرة التى تطير بسرعة تزيد عشرات أضعاف سرعة الصوت.
بعد المزيد من إجراءات الجوازات دخلنا إلى الطائرة وكانت من طراز أيرسبيس القديمة ، أضيفت لها بعض التحسينات بعد ازدياد الطلب عليها خصيصا لهذه الرحلة. وكان قد توقف استعمالها فى العقدين الماضيين عدا استعمالها احتياطيا فى قليل من الأحيان. كانت تتسع لأربعمائة راكب بينما كنا لانزيد عن مائتين ، لذلك كانت الخدمات واساليب الراحة متوفرة أكثر من العادة.
تناولنا بعض الوجبات والكثير من الأدوية بعضها للوقاية وبعضها لزيادة المناعة والاسترخاء وذلك أثناء مشاهدة بعض الافلام السياحية والوثائقية عن حدث الانفصال ، متى وأين وكيف بدأ والاحتمالات المستقبلية للظواهر الطبيعية وما إلى ذلك.
كان مخططا أن نصل إلى مطار كوسوتو فى وقت بعينه بحيث يمكن الاستفادة والتمتع بالرحلة منذ اللحظات الأولى من الوصول.
حلقت الطائرة بضعة دقائق فوق المدينة قبل الهبوط ، كان منظرا رائعا ، فالسماء تغشاها بعض الغيوم هنا وهناك ، وظلال الغروب يزحف برفق فوق الجبال والوديان الخضراء ، وشعاعات الشمس تنساب فوق سطح الماء مؤذنة بالرحيل.
أثناء تحليق الطائرة أجريت الفحوص على الطائرة لإزالة أى شحنات للأشعة العاكسة قد تكون عالقة بها ، وبعدها سمح لنا بالهبوط.
بعد الهبوط انتقلنا عبر أنابيب الحجر الصحى حيث أجريت الفحوص الالكترونية ، ومررنا بعدد من الاجهزة للتخلص من أى شحنات زائدة عن المعدلات الطبيعية وللتأكد من مطابقة معاييرالسلامة المطلوبة. كانت إنذارات المرور والانتظار كثيرة نسبيا ومقلقة بعض الشيئ ، وكان المسؤولون يطمئنوننا بين الحين والآخر بأن هذه الإجراءات قد تبدو مكررة إلا أنها ضرورية لسلامة الجميع.
كان معظمنا فى حالة من الإرهاق والتعب والتوترلأننا حتى الآن لم ندخل فعليا إلى كوسوتو وقضينا أكثر من ساعتين بين الإجراءات والتصاريح ، ومما زاد من قلقنا هذا الشغب الحادث فى صالة السفر المجاورة والتى يفصلنا عنها حاجز ضخم من الزجاج. فلقد أكتشف بوليس أمن كوسوتو تخلف بعض المسافرين عن موعد المغادرة وآخرون رافضون المغادرة.
وكانت ظاهرة محاولات الهروب والبقاء أو الإختفاء داخل البلاد لمدة إضافية دون تصريح ظاهرة متكررة ومقلقة بالنسبة لأمن البلاد ، وهو ما كان محظورا تماما.
أخيرا انتهينا من جميع الإجراءات وتنفسنا الصعداء عندما استقلينا القطار المعلق المفتوح وتنفسنا لأول مرة هواء كوسوتو.
كان كل شيئ مخطط له فى تفاصيل دقيقة ، الساعة قاربت السابعة والشمس فى أوج الوانها المتدرجة من اللون البرتقالى والاحمر تنزلق برشاقة نحو الغروب ونسمات الهواء تلاطف وجوهنا وكأنها ترحب بنا.

لقطة من القطار المعلق نحو البحيرة

الغروب من البحيرة المتفرعة من النهر البرتقالى

تحرك القطار لنجد أنفسنا فى محازاة سلسلة من الجبال الخضراء المتوسطة الارتفاع فى الناحية الأخرى المواجهة للشمس ، تبدو وكأنها تقف تبجيلا لطقوس الغروب وتطل على بحيرة صغيرة متفرعة من النهر البرتقالى ينعكس عليها ما تبقى من ضوء الغروب وتتناثر حولها بعض المساكن والأبنية.
كان المنظر خلابا حتى أننا لم نلتفت كثيرا لمرشد الرحلة الذى بدأ فى شرح مفصل عن تاريخ المنطقة التى نمر بها.
نحن فى انتظار الحدث الهام الذى جئنا من أجله ، فبعد قليل ستغرب الشمس ولن تشرق أية شمس صغرى كما تعودنا فى بقية أنحاء العالم السنين الأخيرة. بعد قليل ستختفى الشمس الوحيدة هنا ويسدل الليل ظلامه طوال ساعات حتى بزوغها فجر يوم جديد.
مرت الدقائق فى بطئ محبب وأيقنا أننا نعيش روعة هذا الحدث ، ونظرت إلى زوجتى جاكى فوجدتها سارحة فى عالم بعيد حتى أنها نسيت للمرة الثانية منذ رحيلنا تعاطى دواءها ، مع أنها تستخدم الشريحة اللاصقة على طبلة الأذن والتى تعمل عمل المفكرة وتهمس لها من حين لآخر عن ميعاد تعاطى الدواء وما إلى ذلك.
كان القطار المعلق يسير بهدوء ويتوقف أحيانا احتراما للحظات الغروب حتى لايكدر صفو الاستمتاع بهذه اللحظات.
بعد أكثر من ساعة توقف القطار وكانت الشمس قد اختفت وراء الأفق وبدأ الظلام يزحف مع برودة خفيفة منعشة وتوجهنا إلى المطعم الذى كان يطل على البحيرة.
كان الوجوم لايزال قابعا على الوجوه وكأننا لانزال نتشكك فيما نرى ونعيش ، نتلفت حولنا ونلتفت إلى بعضنا البعض لنتأكد أننا لانحلم وأننا نعيش ليلا حقيقيا وليس صناعيا ، وأن ظاهرة الشروب بشروق الشمس الصغرى بمجرد غروب الشمس الكبرى لم ولن تحدث هنا.
نظرت فى ساعتى فكانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساء ودرجة حرارة المكان 24 درجة ودرجات الرطوبة والأشعة الفوقية والتلوث جميعها درجات فوق المعتدلة ، ولولا رائحة الطعام التى انبعثت من مطبخ المطعم لما كنا لنلتفت أننا لم نتناول أى طعام منذ أكثر من خمسة ساعات منذ تناولنا الوجبة الأخيرة.
كان كل شيئ مختلفا ، رائحة الهواء ولون الطبيعة ومذاق الشراب والطعام ، ربما بسبب الحالة النفسية ، وربما لاختلاف المناخ ، وربما بسبب الأدوية التى تناولناها لكى تزيد من يقظة ونشاط أجسامنا ، وربما أى شيئ آخر المهم أننا جميعا فى حالة عالية من السعادة والهدوء النفسى.
فجأة تذكرت الجد جاك والصندوق الخشبى ، كنت سأحزن كثيرا لو لم أتذكره الآن وفى هذه اللحظات بالذات ، فمنه تعلمت كيف أستمتع بجمال الطبيعة وأقدرها. وهو الذى كتب شعرا ونثرا عن لحظات الغروب وسحرها ، آه لو كان يعيش معى هذه اللحظات ، وسرحت طويلا حتى أن جاكى لاحظت ذلك وقالت : أستطيع أن أخمن بل أجزم أنه الجد جاك ، أليس كذلك ؟.
بعد العشاء أخذنا بعض الراحة ثم اننتقلنا بالسيارة إلى مكان فى أعلى الجبل. كان الليل قد بدأ يزحف ليبتلع آخر ما تبقى من غسق الغروب من على صفحة ماء البحيرة ويسدل ظلاله على القرى فى أسفل الوادى.
وفى السماء بدت النجوم ساطعة متألقة توحى لنا بالطمأنينة ، ونسمات الهواء البارد تداعب وجوهنا فى رفق بين الحين والآخر.
إنتصف الليل ومرت الساعات ومع ذلك لم يغلبنا النعاس ، والسعادة تغمر الجميع فى جو شاعرى لامثيل له وددنا ألا نفيق منه لولا تعليمات مرشد الرحلة المرافق لنا بوجوب الإستعداد للعودة إلى الفندق.
لقد حان الوقت للنوم بعض ساعات إستعدادا ليوم جديد مليئ بالإثارة والمفاجاءات.
فى طريق العودة كانت فرصة لمعظمنا أن نتبادل الحديث الذى كان منقطعا تقربيا منذ وصولنا لإنشغال كل منا بتفاصيل الاستمتاع بالرحلة.
وفى الفندق استسلمنا جميعا لنوم حقيقى ولليل حقيقى منذ حدث الانفصال ، أستمتعنا به وكأننا لم ننم من قبل وبالرغم أننا بعيدون عن أوطاننا آلاف الأميال.
استيقظنا فى الصباح ونحن فى نشاط وسعادة مع أننا لم ننم أكثر من خمسة ساعات ، لانصدق ان كل هذه الأحداث حدثت فى اليوم الأول ، فلقد مر الوقت بطيئا رقيقا ممتعا.
فى غمرة الأحداث نبهتنى جاكى أننا نسينا تماما أن نطمأن إبنتنا ماجى كلاميا عن وصولنا ، آملة أن تكون هى متابعة لتحركاتنا على المونيتر الفضائى كما أتفقنا. وطمأنتها أنها ربما أيضا استطاعت فك شفرة رؤيتنا من خلال القمر الصناعي المتابع لهذه الرحلة وربما ترانا الآن ، فهى كما تعلمين فضولها كبير لمثل هذه الأشياء.
بعد الافطار توجهنا إلى صالة الاجتماعات للإعداد لبرنامج اليوم والذى سيبدأ بزيارة القرية المجاورة والتعرف على تاريخها ، ثم بعض المقابلات مع أهل القرية ، وبعدها جولة حرة وفترة للراحة ثم نلتقى فى المساء للاستمتاع بسهرة طويلة حتى ساعات الصباح الأولى.
كان هناك المئات من الرحلات الرسمية لقرى كوسوتو على مدى الأعوام السابقة لأغراض مختلفة ، منها العلمية والاجتماعية والسياسية والثقافية لتغطية مواضيع مثل تأثر متوسط أعمار المواليد والوفيات وظاهرة الولادة المبكرة. وأيضا ما جد من أمراض وفيروسات وما أنقرض منها ، والملاحظات على تغير المناخ ، وتأثر الأديان ، وما جد من عادات وتقاليد وروحانيات وما أندثر منها ، ثم مقارنة ذلك بما يحدث فى باقى العالم خارج كوسوتو.
ولقد أرهقت مثل هذه المقابلات أهل القرى ، ومن هنا جاء الحرص على ألا تبدو المقابلة مع أهل القرية أنها تغطية صحفية أو حتى اجتماعية.
كانت القرية المجاورة تبعد حوالى الساعة وأسمها كاريدل على أسم لزهرة جميلة تنبت فى مثل هذا الوقت من السنة وتكسى سفوح الجبال على طول الطريق ، ويتدرج لونها من الاحمر إلى البرتقالى فى رونق بديع.
وفى الطريق لاحظت جاكى أننى بدأت الاستعداد للعمل ، مع أننى حاولت إخفاء ذلك قدر الإمكان حتى لا تفقد الزيارة طابعها السياحى. لكن الوقت قد حان ، وكان على مراجعة ما أعددته من الأسئلة لطرحها على أهل القرية والحصول على إجابات وتسجيل كل ما يمكن من ملاحظات على سلوكياتهم وكل ما قد يفيد البحث الذى جئت خصيصا له.
لاشك أن العلم الحديث سهل علينا الكثير ، فعلى سبيل المثال ليس هناك ما نحمله من كاميرات أو أجهزة تسجيل أو عدسات أو حتى أدوات للكتابة. وبدلا عن كل هذه الأشياء فقط على أن أضغط على المفتاح الخاص فى ساعة يدى المجهز لاستقبال الساتلايت والذى سيقوم بدوره بمتابعة الرحلة بالصورة والصوت فى الأبعاد الأربعة ومن عدة زوايا ثم تسجيلها على الكمبيوتر.
وتقضى القوانين الدولية ضرورة الحصول على تصريح بالموافقة على أن المقابلة مسجلة ومراقبة من بعض الجهات وذلك حفاظا على حقوق الآخرين.
كان أيضا على أن أستعيد كل تفاصيل الإرشادات التى حصلنا عليها مؤخرا كصحفيين ، خاصة فى مثل هذه المقابلات.
بدءا من الحرص على ألا تبدو المقابلة مع أهل القرية أنها تغظية صحفية رسمية ، ومرورا بالمراعاة الدقيقة النفسية لهم (والتى تعقدت وتراكمت جراء حدث الانفصال ، أو كما يسمونه هم حدث الانفجار) ، ثم مراعاة الدقة فى نقل حقيقة وقع ما حدث فى هذه المنطقة ، علي أن نتذكر أنهم هم من يعيشون الحياة الطبيعية بينما نحن المختلفون.
كانت لقاءاتنا بأهل المدينة مثيرة ومثمرة ، فهم غاية فى البساطة والكرم ويعتبروننا لسنا فقط زوارا سائحين بل زوار من كوكب آخر. ولقد استقبلونا بحفاوة بالغة. وبالرغم من أنهم اعتادوا مثل هذه الزيارات على مدى الأعوام الماضية إلا أننا شعرنا بصدق ترحيبهم وكرمهم وهم يعرضون يضائعهم السياحية المتنوعة.
بجانب عرض الصور الطبيعية والصور الزيتية المختلفة الأشكال والأصناف لمناظر الغروب والشروق والليل والنجوم والسماء ، كانوا أيضا يعرضون النباتات الليلية والتى كان معظمها من بين المحظورات ومحظور خروجها خارج كوسوتو خوفا من إنتقال أى نوع من البكتريا أو الفيروسات قد تؤثر على البيئة.
وكان العلماء يعملون على قدم وساق فى الفترة الأخيرة لنفى أو تأكيد هذه المخاوف.
كانت المفاجأة فى لقاءاتنا معهم أنهم كانوا أكثر وعيا وتفهما مما كنا نقدر، وبدلا من أن نطرح نحن عليهم الأسئلة أصبحنا نحن اللذين نجيب على أسألتهم الكثيرة المتنوعة الواعية ، بدءا من نظرة العالم الخارجى لهم ، وعما وصل إليه العلم بخصوص محاولة إزالة أو إزاحة الشمس الصغرى بتفجيرها ، ومدى خطورة الأمراض الناجمة عليهم بعد حدث الانفجار.
لكن الأهم كان هو ما لاحظناه من إستياء وقلق على وجوههم وتخوفهم على مستقبلهم من احتمالات أن تتحول بلادهم إلى حقل للتجارب. فتزايد أعداد الوفود العلمية فى السنوات الأخيرة لإجراء التجارب العلمية والتى همها الأساسى بجانب الاستفادة العلمية أيضا التربح المادى جعل أهل كوسوتو فى تشكك دائم من تعرضهم للاستغلال من الآخريين. فأى خطأ فى هذه التجارب أو تسرب أى بكتريا ضارة ربما يعرض بيئتهم إلى أخطار. وكان لابد علينا من طمأنتهم فى كل مرة.
جاء وقت الغذاء لنلتقى مع أهل القرية فى مجموعات صغيرة مما أتاح فرصة أخرى للحوار وسماع المزيد من الآراء ، ومرة أخرى نتأكد أن للطعام والشراب مذاقا مختلفا. ولما لا فالخضروات والبذور والفاكهة نبتت وتفتحت من دورة زراعية طبيعية وظروف مناخية طبيعية لليل ونهارطبيعيين.
ومرة أخرى نستنشق هواءا طبيعيا نقيا حرمت منه معظم المدن فى سائر العالم.
ولقد بذلت مجهودات كبيرة أن تكون منطقة كوسوتو خالية من التلوث بالمحافظة عليها ، فلقد منع بناء المصانع بجميع أنواعها واغلقت جميع المناجم واستخدمت فقط الطاقة النظيفة وما إلى ذلك.

رحلة العودة بالطائرات السريعة من خلال
ممرات الانابيب الكهرومغناطيسية المعلقة فى الفضاء.

مطار كوسوتو الجديد
وفى المساء مرة أخرى ولكنها الأخيرة أتيحت لنا فرصة للاستمتاع بالغروب والليل حتى ساعات الفجر.
وبعد تبادل الهدايا وأخذ الصور التذكارية كان علينا أن نودع أهل القرية ، وكم كان وداعا حارا مفعما بالشعور الصادق بالرغم من قصر فترة التعارف ، وتمنينا جميعا لو أن مدة الزيارة طالت أكثر.
كان علينا أن نعود أدراجنا إلى الفندق للنوم والاستعداد للرحيل ، ومع الرحيل بدأ الحنين إلى الوطن ، إلى إبنتنا ماجى والأصدقاء وهو ما هون علينا فراق كوسوتو.
إجراءات العودة والمغادرة لم تكن أقل تعقيدا من إجراءات الوصول ، ومع ذلك مرت سريعة ومنظمة.
مرة أخيرة ونحن نحلق فوق كوسوتو نلقى نظرة لنستمتع بالمناظر التى بدأت فى التلاشى بسرعة خاطفة حيث أننا نستقل فى طريق العودة طائرة سريعة من الطراز الحديث على خلاف رحلة المجيئ التى كانت نوعا ما بطيئة. ستستغرق الرحلة أقل من ساعة بسرعة تفوق سرعة الصوت عدة مرات من خلال ممرات الأنابيب الكهرومغناطيسية المعلقة فى الفضاء.
ويبدو أن ذلك متعمدا حتى يعطى لنا من الناحية النفسية أن حلم الرحلة قد أنتهى ، وأننا فى طريقنا إلى أرض الواقع ، واقع الحياة المعقد بعد حدث الانفصال ، واقع كنا قد نسيناه لبضعة أيام أثناء هذه الزيارة التاريخية الرائعة.
استقبلنا فى المطار إبنتنا ماجى وبعض الأصدقاء وتبادلنا الأحضان وأتفقنا أن نلتقى فى القريب فى جلسات مطولة للحديث عن هذه الزيارة.
عدنا إلى منزلنا الذى كنا قد افتقدناه بعض الشيئ ، ربما أيضا افتقدنا ساعة الشروب والزجاج المقرمع والنظارات الليلية وكل ذلك.
كان على أن أختلى فى حجرة مكتبى بالمنزل لإعداد التقرير الأولى عن الزيارة ، وبعدها الإعداد لمؤتمر موسع لعرض التفاصيل.
الأيام القليلة التى أمضيناها هناك فى كوسوتو بدت الآن وكأنها حلم جميل مر خاطفا فى حياتنا نسترجع أحداثه فى خيالنا بين الحين والحين ، ويظل تحقيقه مرة ثانية غير واقعى فى حياتنا حيث ستعطى فرصة الزيارة بالقطع لآخرين.
ماذا يخبأ لنا القدر ، هل سيستطيع العلم والعلماء ترويض الطبيعة وإجبارها على أن تعود بنا إلى ما كنا عليه قبل حدث الانفصال وقبل ظهور الشمس الصغرى ، هل سيخاطرون بتفجيرها مجازفة بينما احتمالات ارتطام أجزاء منها بالأرض محتملا.
هل سيخاطرون بإخراجها عن مدارها مما قد يعرض الأرض والكواكب التابعة لها إلى كوارث مناخية لانعرف عقباها. وهل ستنقرض بعض الحيوانات والحشرات والنباتات فى القريب العاجل كما يتوقع بعض العلماء.
ماذا يخبأ لنا القدر لو أستمررنا فى التجارب النووية والاستخدامات الحديثة للأشعة العاكسة على الكواكب الأخرى كما هو مخطط لها.
هل ستكون هذه التجارب سببا لانفصال جزءا آخر من الشمس كما
يعتقد بعض العلماء ، على أنها كانت السبب فى الانفصال الأخير ، ولربما تكون سببا لحرمان الإنسان من أشياء أخرى كما حرمته من الليل.
هل ستمر الأرض بعصر جليدى آخر تندثر فيه حياة الإنسان والحيوان والنبات.
هل سينعم الإنسان بحياة أفضل كما يريد ويخطط ويأمل ، أم أن فضوله سيطغى على آماله.
كانت هذه السطور هى ما وددت أن أختتم بها تقريرى الأولى عن الزيارة ، وهى نفس ذات السطور التى عبر بها الجد جاك عن تخوفه منذ عشرات السنين ، وهى التى لاتزال تعبر عن مخاوفنا جميعا حتى الآن.
ووجدت نفسى بعيدا عن حجرة مكتبى هناك بجوار الصندوق الخشبى أتصفح أوراق الجد جاك ، ولم أفق إلا على نداء زوجتى تذكرنى بموعد النشرة الإخبارية.
****







اخر الافلام

.. شرح الجزء الثاني من درس البدل في مادة اللغة العربية للصف الث


.. الأقصر تشهد افتتاح أسبوع الثقافة التونسى


.. عين لندن... مهرجان سينمائي يعنى بحقوق الانسان




.. فيلم “المسافر” يستعرض الازمة السورية و مشاكل اللاجئين في مهر


.. مهرجان لوميير: السينما للجميع - cinema