الحوار المتمدن - موبايل



الروائية السورية لينا هويان الحسن: أكتب لأمدح الصحراء ولأهشم صورة الماضي..

حكمت الحاج

2012 / 12 / 31
الادب والفن


الروائية السورية لينا هويان الحسن: أكتب لأمدح الصحراء ولأهشم صورة الماضي..
حاورها: حكمت الحاج

لينا هويان الحسن: كاتبة وشاعرة وصحافية من سوريا. تخرجت في كلية الآداب – قسم الفلسفة بجامعة دمشق. لها في الرواية: معشوقة الشمس 2000 دار طلاس التروس القرمزية 2001 دار الشموس التفاحة السوداء – 2003- دار الشموس بنات نعش –2005 دار شهرزاد الشمس سلطانات الرمل –2009 دار ممدوح عدوان. ولها في الشعر: نمور صريحة –وزارة الثقافة السورية 2011 . وفي الأبحاث لها: كتاب توثيقي عن البادية السورية بعنوان مرآة الصحراء -2001 دار الشمعة. وكتاب –أنا كارنينا تفاحة الحزن –دراسة – 2004 دار شهرزاد الشام.

لقد فوجئتُ بنمورك الصريحة. كأنك أطلقت نمور خيالك على اللغة والشكل الأدبي. هل هي استراحة المحارب وأنت تركنين إلى هذا النوع من الكتابة أم انك جد واعية لما ارتكبت من معاصٍ في حق الشعر والنثر؟ أين تضعين كتابك هذا؟ أنا اسميها قصائد نثر بامتياز. وأنت ماذا تسمينها؟ ولماذا؟

انطلقت من منطق "الصراحة، المباشرة، المواجهة" لهذا لم أطرح نفسي كشاعرة فأنا مخلصة لمشروعي الروائي ولكن الإخلاص سيكون مملا إذا لم تحدث بعض الخيانات الصغيرة مثلا . وهذا النص "نمور صريحة" هو الخيانة أو الهفوة أو النزوة التي ارتكبتها عن سابق الإصرار والتعمد وأعرف تماما أنه يندرج ضمن خانة " النثر" لكن لدى طباعة النص في وزارة الثقافة اضطررنا لإصداره ضمن سلسلة "الشعر" لأنه لا وجود لسلسة" النثر". أنا بطبعي أرتكب أشياء وأشياء وأكون واعية تماما لما افعل لهذا أنا جاهزة لأي مسمى يمكن أن يطلق على "نمور صريحة".

حسب التصنيفات النقدية المعاصرة فان نمور صريحة يندرج فعلا ضمن ما يسمى بقصيدة النثر prose poem وفي الكتاب التماعات ترقى إلى مستوى الشعر الصريح لذا فانا اسمي قصائدك بأنها قصائد صريحة وان كان إخلاصك للرواية كما تقولين يمنعك من التصريح بذلك. لكن دعيني أسألك لماذا كانت عوالم كتابك الشعري هذا مختلفة تماماً عن عوالم رواياتك حتى ان أجمل نص في نمور صريحة برأيي كان عن جيمس بوند أسطورة السينما العالمية؟

الأدب هو أن نخالف أنفسنا ونفاجئ غيرنا، ونصوصي الروائية المستلهمة من الصحراء وعالم القبيلة صنفتني سلفا ضمن ثيمة محددة، وفي نمور صريحة عثرت على مساحة من حرية التعبير عن بعض ما أحبه ويعجبني وكذلك بعض أفكاري الخاصة حول الحب. وشخصيات عامة مثل مارادونا وجيمس بوند وألان ديلون . .

أسألكِ لقد درستِ الفلسفة في جامعة دمشق. بمعنى انك درست كيف يمكن لنا ان نحكم على الأشياء. أنا شخصيا اتبنى التعريف القائل ان الفلسفة هي طريقة للنظر إلى العالم من اجل تفسيره ومن ثم الحكم عليه. إلى أي مدى كان لثقافتك الأكاديمية ومعارفك العامة التأثير على كتاباتك وهل انعكس ذاك التأثير ان وُجدَ سلبا على إبداعك أم إيجابا؟ هلا حدثتنا كيف؟

الفلسفة، بالنسبة لي هي طريقة للاحتيال على هذا العالم -مثلا - أن تقول "نعم" وتفعل " لا"، الفلسفة فنّ "زئبقي" أتاح لي "التلاعب" في "الجمود" التقليدي الخاص بالمجتمعات العربية، ومن ناصية الفلسفة انطلقت إلى العوالم التي أحلم فيها وبالطريقة التي تنسجم مع ما أعتقده بشأن الحياة والكون. . فقط بهذه الطريقة أقول ما أريده في نصوصي دون أن يتربص بي شبح الإدانة. ومن هنا أعود إلى نص نمور صريحة، حيث لذْتُ باللغة الشعرية والمجاز والتورية غيرها من ألاعيب اللغة لأمدح "الافتراس" وأن أمدح الذئب واسخر من الحملان.. مدحت الأفعى وسمها القاتل. . بذريعة الشعر مدحت ما لم يجرؤ غيري على مدحه.

هذه الطرائقية الفلسفية التي تتحدثين عنها الأن بشكل غاية في الدقة هل قمت بما يناظرها في حقل نشاطك الآخر إضافة للشعر ألا وهو الرواية؟ وان كنت قمت بذلك حقاً فهل تمت الاستعانة بنفس الآليات المذكورة أم كان لفن الرواية ان يفرض عليك اجتراح آليات جديدة مناسبة غير تلك التي استعملتها لمخاطبة العالم شعريا؟

آليات الشعر مختلفة بقدر كبير عن آليات الكتابة الروائية. في الشعر قد نعبر بكلمة أو كلمتين، لكن في الرواية سنحتاج إلى طريق - ليس سهلا أن نجترح الدروب والطرق ليسلكها بطل صنع من الورق ونرسله انى نشاء ليقول ما نشاء - سيحتاج الكاتب لكم هائل من هذه الخدع الصغيرة لتصل رسالته. . الرواية فنّ قائم بذاته، وهذا الفن الكبير يحتاج لعدة فنون يتضمنها منها فن "شق الطرق وتعبيدها" بنفس طويل، أيضا فن "التفخيخ ومن ثم التمويه" وحين ينفجر النص يكون الكاتب قد أصبح بعيدا وبريئا ومتفرجا وتترك الأشياء لمصيرها. هذه هي الفلسفة.

أدب الصحراء أو الرواية الصحراوية نوع أدبي مميز في ثقافتنا العربية الراهنة لكنه ضعيف الحضور. أنا لا أكاد أتذكر غير أسماء إبراهيم الكوني الليبي وعبد الرحمان منيف السعودي العراقي الأردني وصبري موسى المصري وروايات متناثرة لكتاب لم يختصوا بهذا الشأن الأدبي. لكنك ومنذ البداية اختصصت بالرواية الصحراوية وتحديدا بالرواية البدوية ان صح التعبير النقدي فهلا أخبرتنا كيف اهتديت إلى هذا الخيار؟
لم يكن خيارا بل كان قدرا. الأدب كما الحب، قدر جذاب يقف في وجهك ولا يتركك تعبره أو تتجاوزه. عليك المرور خلاله. وليتم هذا لابد من شفافية رهيبة. . وأنا لم اختر العالم الصحراوي، فأنا ابنة لقبيلة "الجُميله التغلبية" تقاسمتني المدينة مع البادية وعشت في عالمين نقيضين وتعلمت من كليهما. ولحظة أن قررت دخول عالم الأدب لم أعثر على درب إلا وكان يمر من صحرائي وباديتي وقبيلتي. كبرت بين خرطوش بارودهم وحدائهم الحربي ومعاركهم الكثيرة. وورثت تاريخا كاملا منهم. كنت مهيأة تماما لأكتب نصي الصحراوي وأعيد كتابة الماضي وتذوقه. أنا مغرمة بالماضي، حظيت بتاريخ شخصي وماضوي نادر وساحر قلما تمنحه الحياة لأحد.

إذن لن يكتب أحد عن الصحراء والبدو رواية إلا وكان منها ومنهم؟ هل هذا ما ترينه؟ ولكن تل ستوفر الصحراء دوما أبناء لها متعلمين مثقفين وموهوبين كي يكتبوا عنها؟

الروائي لا يكتب إلا نفسه، ينضح من ذاته، يكتب عوالمه، قد يستطيع كاتب محترف ان يكتب نصا عن الصحراء دون ان يكون من أبنائها- لكنه سيكون مزيفا تفوح منه رائحة الافتعال، الصحراء مكان ذكي -مثلما وفر الأنبياء، يستطيع توفير الأدباء متى ما احتاجت الصحراء لأدباء- وأنا لم أكتب إلا لأنها قررت أن أجئ في المكان والوقت المناسب لتمنحني شرف تدوينها.

قرأت لك في أدب الصحراء والرواية البدوية التي تتربعين على عرشها ولا ينافسك فيها احد من النساء الكاتبات خاصة روايتين هنا بنات نعش وسلطانات الرمل. الثانية جذبتني كثيرا لكن الأولى سحرتني وتكاد تكون نسيج وحدها. بنات نعش يتكسر فيها الزمن وتتداخل الشخصيات وتتنوع طرائق السرد من استخدام اللغة الشعرية حتى أسلوب التقرير الصحفي. بينما بدت سلطانات الرمل وكأنها تنحو باتجاه خلق شخصية ساحرة لن تنسى أبدا وهي شخصية حمرا الموت. هل أبطالك دوما بهذه الغرابة أم هم على ارض الحقيقة غربيون؟

"الغرابة" فكرة جيدة كبداية وكانطلاقة من قبل الكاتب صوب الأدب، الغريب يلفت الانتباه ويجذب ويعلق في الذاكرة، وهذا يقودنا إلى السحر بعينه، عندما يسحرنا شيء يعني أنه فتننا. وأنا افتتنت ببطلاتي اللواتي قدمتهن للقارئ أو الأصح "سلطاناتي" فأنا اعترفت أني لم أخترعهن، إنهن موجودات قبلي وشهيرات في التاريخ الشفاهي في بوادي الشرق الأوسط، وأنا اختلستهن. لقد أعجبنني في وقت مبكر من عمري، كبرت وأردت أن أشبههن- ربما- ومن خلالهن حاولت ترسيخ غرابة "قلمي، ونصي" ورواياتي حتى أبلغ مستوى السحر، أي طموحي أن أكون ساحرة أكبر من طموحي أن أكون روائية. والأدب ليس إلا طريقا صوب طموحي الأخير: "السحر".

ما كنت انوي ولوج هذه المساحة ولكن كلامك عن السحر يستوجب علي ان أقول ودائما بالعودة إلى رواياتك وقصائدك النثرية ان الصيت المأخوذ عن البدوي انه لا يؤمن بشيئين هما الانتحار والسحر هل هذا له علاقة بما تكتبين وكيف يتجلى في أدبك؟

لم أسمع عن بدوي انتحر، إنه كائن يقدر الحياة كثيرا، ولهذا يؤمنون بالسحر. لقد ترعرعت في كنف نساء "ساحرات" بكل ما للكلمة من معنى، يضربن بالرمل يقرأن النجوم. تعلمت الكثير منهن لكن لا أتكلم كثيرا في هذا الموضوع مع من حولي من أبناء المدن لأنهم يخافون "السحر". بطلاتي أو "سلطاناتي" كلهن يمارسن السحر وحمرا الموت قتلت واحدة من غريماتها بتلك الطريقة في رواية سلطانات الرمل. السحر أهم أسلحة المرأة لتنفيذ كيدها" العظيم". وأنا قدمت بطلاتي دائما ضمن هذا الاطار. . أنا بطبعي لا أتنصل من صفات المرأة ونوازعها الطبيعية كالغيرة والكيد والحيلة القائمة على خصوصية الأنثى.

كيف كان لك ان تكتبي عن الصحراء وأبطالها الذكوريين بطريقة نسوية من شأنها إعلاء مرتبة المرأة الصحراوية إلى ذرى البطولة؟ أستطيع القول انك عملت في رواياتك على تأنيث الصحراء وهي المذكر العصي على نون النسوة، فهل طمحت في أدبك إلى قهر ذلك الرجل الصحراوي الذي لا ينتحر ولا يؤمن بالسحر بدفنه تحت سحر إناث الصحراء شبيهات الغزلان ولكن أيضا السلطانات على الرمال؟

لا نساء غزالات في الصحراء، تلك شائعة أطلقها الشعراء، الغزال كائن جميل ورشيق في كل الظروف ليحظى بالهروب من مفترسيه، بينما نساء الصحراء أخبث من الغزلان، ولا يطمحن -على طريقة الحركة النسوية مثلا- بقهر الرجل أو حتى مساواته، إنهن يطمحن للسيطرة عليه مهما كانت الوسيلة. حتى لو كان بالسحر وغيره من الممارسات. الرجل هو الطرف المغلوب على أمره بشكل ما في الصحراء فهو يحارب ويقاتل ويقتل ويحرز البطولات ليلفت انتباه محبوبته التي لن توفر طريقة في استفزاز رجولته لتمنحه نفسها أخيرا. إنهن نساء ثمنهن غال وباهظ. وعذرا من نساء المدن لأن هذا المنطق لم تعرفه المدن كما عرفته البوادي فالرجل مطالب أن يكون فارسا وفتّاكا حتى يحظى بمبتغاه من محبوبته. الصحراء باختصار لم تكن يوما إلا أنثى وداهية.

تكثرين الاستشهاد في رواياتك بمقتبسات من مستشرقين رحالة زاروا منطقة وادي الفرات وبادية الشام وكما يبدو لي فإنك تعملين استشراقا معكوسا من حيث زاوية الرؤية بالنسبة للراوي المضمر داخل السرد الروائي عندك. هل يفتح هذا التكنيك الباب أمام اتهام رواياتك بأنها إنما تكتب استجابة للنداء الاستشراقي هذا المتضمن رؤية كل ما هو قديم ومتخلف في حياة الشرق على انه غريب وشاعري؟

لقد كتبت استجابة لنداءات عميقة الغور تعتمل في داخلي. ولقرون طويلة لم يلج الصحارى والبوادي غير المستشرقين وهم جواسيس. والجاسوس لا يكذب في تقاريره. ولهذا اعتمدت بعض تلك التقارير كتوثيق لابد منه وانا أتولى مهمة كتابة نص لم يكتب قبلا فكيف لي أن أقنع قارئا لا يعرف عن البدوي إلا الخيمة وابنة العم كما روجت الدراما العربية التعيسة والهشة لسنوات طويلة بأن ذلك البدوي أنشأ دولا عصية لم ترضخ للعثمانيين؟ وإن سلاطين الشرق كانوا يتملقون زعماء تلك القبائل؟ كان لابد من الوثيقة من باب احترام تفكير القارئ وتزويده بمعلومة يستحقها عن عالم شبه مجهول. وشئنا أم أبينا فإن العالم البدوي موسوم بالشاعرية وهذا له مبرراته الكثيرة عبر التاريخ.

الحب في رواياتك ممزوج بالدم ومسلكه وعر تحف به الأخطار رغم ليونة الدخول فيه في البدايات.. هل الحب وتناوله بهذه الطريقة هو السبب الأول في طغيان اللغة الشاعرية على أعمالك الروائية وخاصة سلطانات الرمل؟

لا انفصال بين الحب والشاعرية، حيث يكون الحب ستكون الشاعرية موجودة. وللحب نكهات مختلفة. ولنكهة "الدم" مذاق خاص لا ينتسى، قد يكون صعبا ومثيرا لاعتراض القارئ مثل حب قطنة الكنج لطراد الزبن والحرب التي تسببت بها. لكن هكذا يحدث التاريخ بالضبط. ولطالما كان "الحب" الذريعة الفضلى التي يستعملها التاريخ بين وقت وآخر -ربما- ليضفي على نفسه الشاعرية ذاتها. . ولهذا فالشاعرية عنصر جذب رئيسي للقارئ. ولنا أن تستعرض الروايات التي تتصدر عرش القرن العشرين -جميعها- تتميز بالشاعرية. وليس كل الأدباء قادرين على إضفاء ميزة الشاعرية على نصوصهم، لأنها ميزة لا تفتعل أبدا تماما كالحب.

سيحسدك الروائيون على عناوينك وخاصة بنات نعش.. ما دلالة ورمزية هذا العنوان تحديدا خاصة وانه يتكرر داخل نسيج الرواية ككناية نسوية. هل يمكن القول ان بنات نعش دلالة على حلم البدو المفقود تحت سرفات مكائن الحياة الحديثة؟

بنات نعش، إنهن إناث السماء المدوخات. لقد كبرت وأنا أنظر إلى السماء ليلا . تقريبا أنا أحفظ أسماء النجوم ومواعيد بزوغها ومعانيها. لكن بنات نعش قد فتنتني حكايتهن.. النجمات السبع اللواتي يحملن نعش أبيهن في كل ليلة يطلبن الثأر، ربما لأني شخصيا أؤمن بشرعية الثأر، فلولا الثأر لتحولت الصحراء إلى مكان تعمه الفوضى، عندما نثأر لأنفسنا فإننا نحافظ على تخومنا محمية وهذا سر أن القبائل العربية ظلت تحمل ذات الأسماء -بعضها- لخمسة آلاف عام، والسماء أنثى تعتمد ذات التكنيك، النجوم تخاطب بعضها عبر البريق، وتهدد بعضها وتنتقم مرسلة النيازك والشهب الفتاكة. . السماء تشبهنا نحن البشر وهذا ما سيجهله دائما أبناء المدن وما سيعرفه دائما أبناء الصحارى.

تدور فصول من روايتك بنات نعش في العراق إبان الاحتلال الإنكليزي للبلاد أوائل القرن العشرين وثمة حديث داخل الرواية عن التفريعات الطائفية والعرقية والمذهبية التي كانت بمثابة تحديات تواجه المنطقة برمتها تلك الفترة. هل يصح القول ان ثمة استشراف وربما نبوءة كان كامنا في الرواية وها قد وجد نفسه متحققا الآن وهنا في منطقة الهلال الخصيب وقلبها صحراء بلاد الشام؟

من هوايات الأدب أن يكون بمثابة نبوءات. كتبت الرواية بعد قراءة متأنية لتاريخ المنطقة، وما تضمنته وقد يبدو بمظهر النبوءة، جاء تلقائيا عقب مناورة معمقة لذلك التاريخ، ولا ننسى أن التاريخ يعيد نفسه، أتمنى لو أن رواية بنات نعش تُقرأ مرة أخرى وستمنح القارئ ما سيفاجئه حتما.

هل لنا أن نعرف من أين استللت مادتك التاريخية تلك؟

تطلب مني الأمر قراءات مكثفة لكل ما وصلت إليه يدي من كتب وتقارير ومنشورات صحفية متناثرة، أيضا قرأت "استشراق" إدوارد سعيد، حتى أتجنب المطبات المحتملة لدى الخوض في هذا المجال.. وأخمن أني نجحت بشكل معقول في تزويد النص بهوامش توثيقية جاءت لصالح الرواية.

وبالنسبة للتوثيقات الخاصة بحياة البدو والبادية، هل كل مرجعياتك هي شفوية أم ثمة مدونات صحراوية ربما محدودة التداول؟

المرجعيات التوثيقية المتعلقة بالاستشراق وحدها مدونة، في حين تضمنت الرواية كثير من المعلومات حول الصقور والخيول والأسلحة وأسرار نباتات الصحراء غالبها شفاهي قمت بتدوينه خصيصا لصالح الرواية، هذا عدا عن استذكاراتي، فأنا أحمل ذاكرة بدوية تخولني أن أزعم أنها ثرية للغاية -باختصار امتلك منجما حقيقيا بهذا الشأن.

هل كل شخصياتك النسائية في سلطانات الرمل وفي بنات نعش متخيلة أم لها ظلال من الواقع؟ وكم هي نسبة حلول أجزاء من شخصيتك أنت ككاتبة داخل نسيج الشخصيات خاصة وانك بالفعل تنحدرين من أرومة بدوية صحراوية حقيقية النسب والانتماء؟

الرواية تتضمن سلفا اعترافا بحقيقية بعض السلطانات، وأيضا تضمنت إشارات واضحة إلى تلك الشخصيات، مثل حمرا الموت وقطنة الكنج. وثمة سلطانات اختلستهن من التاريخ الشخصي القريب جدا من عائلتي. ولا يسعني الإنكار اني كتبت شيئا من ذاتي، الأدب مرآة تعكس داخل الكاتب. وكل كاتب ينكر ذلك هو كاذب بالتأكيد. كتبت "المرأة" كما أراها وكما تربيت على رؤيتها. ابتداءاً من أبي كان للرجال دور حقيقي في تشكيل " سلطاناتي" كما حضرن بشكلهن الأخير في رواية سلطانات الرمل وكما برزن في رواية بنات نعش. وقد أشرت إلى ما قاله الأمير أمين أرسلان عن قطنة الكنج وهو الذي رآها مرتين في عمان. ذكرت ذلك على الغلاف وضمن هوامش الرواية.

حاول بعض النقاد ممن كتبوا وبعض القراء من النقاد والكتاب ممن لم يكتبوا بعدُ وخضت معهم شفويا بشأن رواياتك، حاولوا القول ان ثمة منطقة من الارتباك تظهر في ادبك اذا ما نظرنا إليه من وجهة نظر النسوية أو الفيمينيزم أي النقد النسوي للأدب، والأمر متعلق بكونك امرأة تكتب رواية عن حياة الصحراء والبداوة عبر نساء صنعن مسارب تلك الصحراء لكن خلف تلك الغلالة من الشفافية التي تقرب من الرومانسية تقيع ملامح اللعبة الروائية الحداثية جدا ولنقل إنها ما بعد حداثية وهاك ملمح منها أنت أشرت إليه أنفا ألا وهو الوثيقة والتقرير التاريخي ومدونات الرحالة المستشرقين الخ وسؤالي هو كم هي نسبة وعيك بكونك تكتبين رواية ضمن اقوى شروط الحداثة وما بعدها؟

هنا ستحضر صديقتي الفلسفة، كل من درس الفلسفة يعرف أن النقد الجمالي والأخلاقي من أهم "المواد الدراسية" في هذا التخصص، أي باختصار أنا واعية تماما لما افعل وربما القليلين هم من النقاد أنفسهم اطلعوا حقا على مفهوم الرواية ألـ ما بعد حداثية، وحين كتبت سلطانات الرمل وضعت نصب عيني مفهوم المرويات الكبرى عند بول ريكور، أيضا أنا من المعجبين بتفكيكية جاك داريدا ومغرمة بفكرة " الهدم" لهذا سيرتبك الناقد لأني أزعم أني سبقته بأشواط، ونصوصي القادمة يفترض أنها سترسخ مشروعي الأدبي والأسلوبي.
الرواية جنس أدبي ثري وفسيح يتيح كل أشكال السرد ومن هنا أنطلق عندما أكتب.

بدأ السر الكتابي يتضح. وأنت كاتبة بعدة أوجه ركيزتها الفلسفة ووسيلتها الشعر. وانها لذخيرة لا يتحصلها كل شخص بسهولة. وحسب جاك ديريدا فإن النص بلا بنية معطاة سلفا لأن أساس أية بنية هو مركزها والتمركز متشظٍ في عرف التفكيكية إلى مراكز كل واحد منها له منطق مركزي. بناءاً على هذه الرؤية الفلسفية هل استطيع القول ان سردك الروائي في حقيقته الدفينة هو ماضٍ في تهشيم البنية الأساسية للحياة الصحراوية والفردانية البدوية بينما هو في ظاهره تمجيد لقيم الصحراء؟

سؤالكَ يغريني بجرعة عالية من الصراحة: أنا أكتب لأهشم ما رسخه كل الجيل السابق من الأدباء وحتى زملائي المعاصرين بخصوص رأيهم بالماضي والتاريخ "العربي" تحديدا. أكتب لأمدح الصحراء ولأهشم الماضي العربي.. خذ مثلا النظرة التقليدية لحرب البسوس أو داحس والغبراء يعتبرها المنطق الأدبي إنها وصمة عار بتاريخ العرب وهذا ما لا أراه أنا إنما أرى العكس. . صعب أن أشرح ذلك لكن سهل أن أكتب نصا أدافع فيه عن وجهة نظري. عاجلا أم آجلا سيكتشف الكثير من زملائي عداوتي الدفينة لمنطق نصوصهم ورؤيتهم القاصرة لتاريخنا وللشخصية العربي، أيضا عداوتي المشهرة لنصوص زميلاتي الكاتبات " النسويات" اللواتي قدمن نصوصا لا تحتاج لجهد تفكيكي لأنها أصلا ممزقة ومهترئة تحمل منطقا ساذجا يحاكم الرجل كأنه عدوٌ، وتحمله كل خيباتها العاطفية. أنا أقدس الفرادنية وكل ما كتبته يصب في خدمة هذه الفكرة وحتى "نمور صريحة" خطوة واضحة في هذا الاتجاه. بالنسبة للحياة الصحراوية "أفككها" ليسع القارئ "التلذذ" بما اقدمه وأحكيه.

سؤال أخير قد يبدو مقحما، لكن لا بد منه: هل تلهثين شأن زميلاتك خلف الجوائز؟ ثمة من يقول ان عينك على بووكر العربية. ما رايك؟

ألهث وراء الزمن الذي يقيّم كل شيء ويرتب ويرسخ ويذكي. الجوائز لا تنقذ نصا رديئا من سلة المهملات . عيني على أكبر عدد ممكن من القرّاء. أيضا ألهث وراء الترجمة إلى لغات أخرى لأنها الطريق الصحيح للانتشار.
التقاها: حكمت الحاج







اخر الافلام

.. زوجة الفنان الراحل ناجي العلي تكشف أسرارا عن جوانبه الشخصية


.. كأس العالم مع النجوم - الفنان جورج نعمة


.. فيلم -صدمة ورعب-: لماذا صدّق الاعلام الامريكي تبريرات ادارة




.. هذا الصباح– سوق غرينتش للوحات الفنية والمشغولات اليدوية


.. محمد رغيس من عرض الازياء الى التمثيل