الحوار المتمدن - موبايل



أكاذيب حول الثورة الروسية

كوري أوكلي

2017 / 10 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة: ضي رحمي

اندلعت الثورة الروسية منذ قرابة قرن من الزمان، ولكنها لازلت محل هجوم حتى الآن. فهناك محاولات مستمرة لتشويه سمعة الثورة وقادتها داخل الأوساط الأكاديمية، وفي الثقافة الشعبية أيضاً، وهناك محاولات لترسيخ فكرة أن الستالينية كانت نتيجة حتمية للثورة.

إن الجدل الدائر حول روسيا ليس من قبيل الفضول التاريخي. والحقيقة أن سبب الهجوم الضاري على الثورة الروسية ذلك أنها كانت أضخم انقضاض وهجوم شُنّّ ضد الرأسمالية على الإطلاق حتى الآن. كما أنها كانت برهاناً على إمكانية الانتفاضة العمالية، ليس فقط لكسر نظام يقوم على الاستغلال والاستبداد، ولكن أيضاً للسيطرة على المجتمع وإدارته وتشغيله بأنفسهم. ورغم أن الثورة قد هزمت في نهاية المطاف، إلا أنها قد فتحت آفاقاً لإمكانية إسقاط الرأسمالية على الصعيد العالمي، والقضاء على الأغنياء والطغاة، ومن ثم إلغاء الانقسامات الطبقية، وبداية مرحلة جديدة من تاريخ البشرية – تلك التي تقوم على التعاون والملكية العامة، والمساواة الحقيقية والسلم. هذا يجعل التاريخ الحقيقي للثورة خطراً حقيقياً على الذين يسيطرون على الثروة والسلطة. وذلك هو السبب في محاولاتهم المستمرة لدفنها تحت جبل من الأكاذيب.

“أكتوبر مجرد انقلاب”

أولى الأكاذيب العظيمة، هي قولهم بأن الثورة نفسها كانت مجرد حدث أكبر قليلاً من انقلاب. يرفض أورلاندو فيجز، في كتابه “مأساة شعب، الثورة الروسية1891 – 1924″ الاعتراف بثورة أكتوبر حيث يقول “في الواقع، إن مثل هذا الحدث المحدود، لم يكن تأثيره أكثر من تأثير انقلاب عسكري، حتى أنه مر دون أن يلحظه أو يشعر به الغالبية العظمى من سكان بتروجراد”.

في الواقع، مثلت ثورة أكتوبر انتفاض شعبي هائل، وجماهيري حقيقي، ويمكن التأكد من هذا بسهولة إذا ما بحثنا في ما قاله حتى معارضو البلاشفة في ذلك الوقت. كتب يوليوس مارتوف، أحد قادة المناشفة البارزين، في خطابٍ له بعد مرور عدة أسابيع على اندلاع الثورة: “يجب أن تعي، من فضلك، إننا ورغم كل شيء أمام انتفاضة منتصرة للبروليتاريا، وتقريباً البروليتاريا بأسرها تدعم لينين، وتأمل أن تحررها الانتفاضة اجتماعياً”.

وعلى غرار كتابات مارتوف، كتب سوخانوف، وهو مؤرخ متعاطف مع المناشفة وكان متواجد في مدينة بتروجراد أثناء الثورة، أن “الحديث عن الثورة كأنها مؤامرة عسكرية بدلاً من كونها انتفاضة وطنية، في الوقت الذي كان فيه الحزب مدعوماً من قبل الغالبية الساحقة من الشعب، وحاز بالفعل، بحكم الأمر الواقع، على القوة الحقيقية والسلطة، كان بكل وضوح عبثاً وسخف”.

البلاشفة أنفسهم، كانوا بعيداً تماماً عن كونهم مجموعة صغيرة من المتآمرين، لقد كانوا بحلول أكتوبر 1917، حزب الطبقة العاملة الجماهيري بعضوية وصلت إلى قرابة ربع مليون عضو. وتقريباً في كل المصانع والثكنات، كانت أكثر العناصر نشاطاً ونضالية هم أعضاء في الحزب البلشفي. وفي المدن الكبيرة، خاصة موسكو وبتروجراد، تمركزت الكتل الأضخم من العمال والجنود المنضمين لهم. في ثكنة موسكو العسكرية، حصل البلاشفة على نحو 90% من الأصوات أثناء انتخاب المجلس العمالي.

صحيح أن انتفاضة أكتوبر نفسها لم تكن تمرداً جماهيرياً عفوياً أو غير منظماً، كما كانت انتفاضة فبراير العفوية التي أطاحت بالقيصر. بل كانت استيلاءاً منظماً على السلطة ومخططاً له. ولكن هذا لا يعني أن الانتفاضة كانت نتيجة عمل أقلية أو نخبة متآمرة. إن التنظيمان الرئيسيان اللذان تم من خلالها التخطيط للثورة ومن ثم تنفيذها هما الحزب البلشفي والمجالس العمالية، وفي حين أن البلاشفة كانوا في حد ذاتهم تنظيماً جماهيرياً، كانت المجالس العمالية أوسع وأرحب نطاقاً، من حيث جذب وتنظيم وتمثيل الأغلبية العظمى من العمال والجنود والفلاحين.

كانت المجالس العمالية تنظيمات ديمقراطية وتشاركية إلى أقصى درجة، واعتبرتها الجماهير بمثابة حكومتهم، المسئولة أمام الشعب. وكانت السلطة السياسية الهائلة التي أحرزتها المجالس العمالية بين العمال والجنود، السبب في اندلاع الثورة بشكل سلس جداً، وخاصة في بتروجراد.

نجد الأمر نفسه حين تبالغ العديد من الكتابات التاريخية في وصف الطابع “المنظم” لثورة أكتوبر. في الواقع، لقد كان الأسبوعان اللذان سبقا الرابع والعشرين من أكتوبر أسبوعان حافلان، حيث ذخرا بالمؤتمرات الجماهيرية، والمظاهرات والخطب العامة. كانت المصانع في كل مكان تطالب بنقل فوري للسلطة لصالح المجالس العمالية. كما أعلنوا عن ولائهم لـ”اللجنة العسكرية الثورية” التي أنشأت خصيصاً لتنسيق الانتفاضة.

في ذلك الوقت، كان قادة البلاشفة ينطلقون من مظاهرة إلى أخرى، وبأصوات مبحوحة، يتحدثون مع الآلاف من العمال والجنود. كما أغرقت الصحف والنشرات التي تناقش أحدث التحركات الشوارع. وبدأ الحرس الأحمر – ميليشيا العمال بمدينة بتروجراد يُقدر عددهم بنحو 25 ألف فرد – بالتدريب علناً في الشوارع الكبيرة والحدائق العامة. وتشكلت في كل مصنع تنظيمات قوية استعداداً لانتقال السلطة.

“البلاشفة خدعوهم”

ونظراً للامعقولية الأولى، تأتي الكذبة الثانية بأن الجماهير انخدعت بشكل مؤقت في دعم لينين والبلاشفة. هذه أيضاً قصة أخلاقية حول غياب عقل الجماهير عندما تقودهم مجموعة من الغوغاء المتعصبين.

ولكن، لم يكن هناك شيئاً غير منطقي أو لا عقلاني فيما يخص تنامي دعم البلاشفة عل مدار عام 1917. بل على العكس تماماً، ففي البداية نفر الكثيرين من البلاشفة وابتعدوا عنهم، خشية أن تكون معاييرهم التي اقترحوها شديدة التطرف. ولكن بتجذر الثورة وتطورها، أصبح واضحاً بما لا يدع مجالاً للشك أن استيلاء المجالس العمالية على السلطة هو الوحيد الذي يضمن تحقيق أهداف الثورة، وهذا ما كان يسانده البلاشفة. كان الدافع وراء اندلاع ثورة فبراير ثلاثة مطالب أساسية. إنهاء الحرب، الأرض للفلاحين، والخبز للعمال.

لكن الطبقة الرأسمالية، بمؤيديها داخل الحكومة المؤقتة إلى جانب الأحزاب الاشتراكية المعتدلة، كانوا عاقدي العزم على مواصلة الحرب بأي ثمن. كما أنهم لم ينتزعوا الأرض من ملاكها ولم يدعموا انتفاضات الفلاحين، ولم يقوموا بحماية العمال من هجمات رؤسائهم. وعلاوة على ذلك، بمضيّ عام 1917، أظهروا جميعاً أنهم كانوا على أتم الاستعداد للجوء إلى وسائل سلطوية متطرفة، بما في ذلك فرض ديكتاتورية عسكرية، من أجل وقف ضغط الجماهير الراغبة في رؤية أياً من مطالبها وقد تحقق.

وما أقنع في النهاية الكتلة الجماهيرية بأن البلاشفة كانوا على حق، وأقنعهم أيضاً بضرورة الإطاحة بالحكومة المؤقتة، كان انقلاب كورنيلوف – تلك المحاولة الفاشلة المدعومة من قبل القيصرية الرجعية في محاولة لاستعادة السلطة في أغسطس. فشلت محاولة الانقلاب تلك فقط لأن البلاشفة أعلنوا التعبئة وحشدوا الجنود والعمال لوقفها، رغم أن هذا الانقلاب كان مدعوماً من صفوة المجتمع. لقد أثبت هذا الانقلاب نهائياً وعلى نحو حاسم أنه لا يوجد حلٍ وسط، وأن الاختيار ينحصر بين حكم المجالس العمالية أو الديكتاتورية العسكرية. حدث هذا في الأسابيع التي تلت بدء البلاشفة في حصد تأييد الأغلبية، حتى في أكثر المناطق رجعية في البلاد.

بعيداً عن أن يكونوا ضحايا للشعبوية الفجَّة، لقد حطمت الطبقة العاملة الروسية كل الأحكام المسبقة و”المفاهيم السائدة” وكل الأفكار التي ترسخت في المجتمع القديم من خلال تجربتهم الثورية وتعاملهم مع ردود الأفعال المتباينة لمختلف القوى السياسية في التعامل مع الثورة، هكذا توصلوا لفهم حقيقي للواقع الذي يواجههم. بلا شك، قد لعبت الدعاية البلشفية دوراً محورياً في التوصل لهذا الفهم، لكنه كان مجرد دوراً مسانداً للدور الذي لعبه الصراع نفسه. وعلى حد وصف أحد العمال، “لطالما أكد لنا البلاشفة أنهم ليسوا هم الذين سوف يقنعونا بصحة شعاراتهم، بل الحياة نفسها من ستفعل”. وبحلول أكتوبر كان هذا هو ما حدث بالفعل.

“نهاية كارثية للثورة”

الكذبة الثالثة كانت بشأن الثورة نفسها، وتقول أنه رغم كل النوايا الحسنة، فإن صعود ستالين إلى السلطة في عشرينيات القرن العشرين كان دليلاً على أن ثورة جذرية حقيقية لا يمكن أن تكلل بالنجاح. وهذه الحجة تنقسم إلى جزأين. الأول ببساطة مناهض للديمقراطية وهي فكرة أن أي حكم ديمقراطي حقيقي في مجتمع ما، لابد وأن ينتهي أما بالفوضى، أو بالديكتاتورية. ومن المثير للدهشة، أنه هناك شيء شاذ في تلك الحجة التي يطرحها المدافعون عن النظام الاجتماعي القائم، والذي تسيطر فيه بالفعل أقلية ضئيلة على السلطة الحقيقية، وهي أن أية محاولة لبناء مجتمع ديمقراطي حقيقي، ستؤدي في النهاية لسيطرة أقلية لا ضمير لها على هذا المجتمع!!

يقضي معظم الناس حياتهم ولا يجدون غضاضة في فكرة أنهم بالكاد يسيطرون على حياتهم تلك، ناهيك عن المجتمع ككل. الثورات، ولا سيما الثورة الروسية، أطاحت بهذه الفكرة وقلبتها رأساً على عقب. فالثورات تحرر أفكار الملايين من البشر وتساعدهم على إدراك أنهم لسيوا مجبرين على تنفيذ أوامر سلطوية، وأن بمقدورهم الوقوف في وجه الطغاة. ومن الناحية النفسية، ليس هناك فرصة أضعف من ذلك تمكن ديكتاتوراً من السيطرة.

أما الجزء الثاني من أكذوبة “كارثة لا مفر منها”، قولهم أن هناك شيء يتعلق بالبلاشفة هو الذي مهد الطريق أمام ستالين ومعسكرات العمل القسري. ودليلهم على هذا عادة، بضعة أسطر من كتيب لينين “ما العمل؟” الذي كتبه عام 1902، يقتطعونها خارج السياق ليبدو الأمر وكأن لينين أثنى على شكل شائن من الجمعيات السرية التي تهدف إلى السيطرة على العالم. يقول المؤرخ لارس لي، أن معظم النقاد الذين أقتبسوا هذا الجزء من “ما العمل؟”، ببساطة لم يقرأوه بالأساس. هذا الكتيب، في الواقع، كان حول كيفية بناء منظمة اشتراكية جماهيرية في صفوف الطبقة العاملة الروسية، وهذا تحديداً، وياللعجب، ما قام به لينين ومناصريه. الغريب أن حتى مجرد إلقاء لمحة خاطفة غير متمحصة على أعمال البلاشفة، قبل وأثناء عام 1917، يكشف لنا عن بناءهم لحزب ديمقراطي لأقصى درجة، لا أثر فيه لأي شبهة نخبوية أو سلطوية.

ولكن، إذا كانت هذه هي حقيقة ما حدث، كيف استولى ستالين على السلطة؟ ولماذا انحط الحزب هكذا في العشرينيات؟

السبب الرئيسي أن الثورة لم تنتشر خارج روسيا. قبل نظرية ستالين حول “الاشتراكية في بلد واحد”، كان من مباديء الماركسية أن الاشتراكية لا يمكن أن تنجز في بلد واحد محاصر بقوى رأسمالية معادية. لقد كان هناك اتفاقاً عالمياً أنه إذا لم تتم الإطاحة بالرأسمالية من أوروبا كلها، في هذه الحالة فإن الثورة الروسية لابد مهزومة. ولهذا السبب اهتم لينين وتروتسكي، وغيرهم من قادة البلاشفة اهتماماً كبيراً بتشجيع الحركات الثورية في أوروبا، تلك الحركات التي نجحت (ليس تلك التي تسمع عنها الآن) في تفكيك الامبراطورية النمساوية المجرية، وإسقاط القيصر الألماني، وإنهاء الحرب.

هكذا سار الأمر لعدة سنوات، لكن بحلول بواكير العشرينيات كانت الموجة الثورية قد هزمت، واستقرت الرأسمالية. وكانت الحرب الأهلية قد قضت على الطبقة العاملة الروسية، ودون دعم ولو ثورة واحدة منتصرة في أي من الدول الأوروبية المتقدمة، لا يمكن أن تستمر ثورة محاصرة وجائعة. وفي هذا السياق، تمكن ستالين من شنّ هجوم دموي خلال العشرينيات لتدمير كل ما تبقى من سلطة العمال.

وبالطبع كانت كذبة مريحة للغاية القول بأن هناك استمرارية بين ستالين ولينين، بين الانتفاضة ومعسكرات العمل القسرية. مريحة لستالين الذي، وبإسم الاشتراكية، انتهك بوحشية تامة كل مبادئها. وكانت أيضاً مريحة للغاية للغرب الرأسمالي، الذي أشار إلى الستالينية بوصفها النتيجة الحتمية لأية محاولة لتغيير المجتمع نحو الأفضل.

ولا يزالون يدعون ذلك حتى الآن، لكن في حين أن من المهم الرد على أكاذيبهم، لابد للغضب الشديد الذي يدفعهم إلى تشويه سمعة الثورة الروسية أن يمدنا بالشجاعة؛ فالدافع وراء حدة الغضب تلك ليس مجرد كراهيتهم لمن يريدون تغيير نظام المجتمع القائم، ولكن أيضاً خوفهم.. خوفهم من أننا سنعيد الكرَّة مرةً أخرى.







اخر الافلام

.. مظاهرة أمام القنصلية الأمريكية في أربيل رفضا لتطورات كركوك


.. أخبار عربية وعالمية - مصدر أمني: 30 قتيلا على الأقل في تفجير


.. أخبار عربية - قوات سوريا الديمقراطية: الرقة ستكون جزءا من سو




.. حمدان بن محمد يفتتح -تحدي دبي للياقة- بمشاركة مجتمعية واسعة


.. الإمارات تجدد دعمها لجهود دفع عملية السلام في المنطقة