الحوار المتمدن - موبايل



المعارضة الوطنية والبناء الديمقراطي للدولة الوطنية

لطفي حاتم

2013 / 3 / 3
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


بداية نشير الى ان الفكر السياسي الديمقراطي المعاصر ومنظومته السياسية المعتمدة في بناء الدول الراسمالية لم يكن وليد لحظة تاريخية محددة بل هو نتيجة لتطور الفكر السياسي البشري ونزاع مصالح قواه الاجتماعية والسياسية وبهذا السياق فان الشرعية الديمقراطية المعتمدة في بناء النظم السياسية للدول الراسمالية تعرضت ولا زالت تتعرض لتغيرات جدية افرزها الطور الراسمالي المعولم يمكن حصرها بموضوعات عامة مكثفة : ـ
الموضوعة الاولى:ــ ترابط شرعية النظم السياسية وكيفية الوصول الى سلطة الدولة السياسية لهذا فان الشرعية الديمقراطية التي انتجتها الطبقة البرجوازية في ادارة السلطة السياسية نتجت عن مساومة تاريخية وطنية اعتمدها الفكر السياسي الناظم لفعالية القوى الاجتماعية التي اطلقها اسلوب الانتاج الراسمالي .
الموضوعة الثانية: ـ الشرعية الديمقراطية الناظمة لآليات تداول السلطة السياسية جرى استغلالها من قبل اليمين المتطرف حيث اوصلت تلك الشرعية احزاباً فاشية ويمينية الى الحكم قادت اوربا والعالم نحو حروب وحشية .
الموضوعة الثالثة : ـ الشرعية الديمقراطية الناظمة للحياة السياسية الوطنية في الدول الرأسمالية المتطورة تتناقض وسياستها الخارجية حيث تشكل اللامساواة والاعتداءات العسكرية والتدخل بالشؤون الداخلية للدول الاخرى مضمون سياستها الخارجية .
الموضوعة الرابعة : ـ التناقض بين السياستين الداخلية والخارجية للدولة الراسمالية تشترطه حركة راس المال المعولم وصعود راس المال البنكي المتحالف مع قطاع الخدمات والراسمال العقاري الذي كثف نشاطه الاقتصادي خارج حدوده الوطنية الامر الذي حول الروح الوطنية لبرجوازية الدول الراسمالية الى نزعة كسموبوليتية .
الموضوعة الخامسة : رغم تجذر الدولة ومؤسساتها الوطنية في التشكيلات الراسمالية الكبرى الا ان التوسع الرأسمالي المعولم أحدث تباعدا بين السلطة التنفيذية التي تتشابك فاعليتها السياسية مع مصالح الشركات الدولية وبين الدولة ككيان ذات سيادة وطنية وتشكيلة اجتماعية تديرها القوانين الناظمة لفعاليتها السياسية والاجتماعية . ( * )
استنادا الى تلك الموضوعات الفكرية والسياسية الناتجة عن التغيرات التي احدثها الطور الراهن من التوسع الراسمالي على الشرعية الديمقراطية في الدول الراسمالية نتابع مسار الفكر الديمقراطي المناهض لاحتكار السلطة في دول التحرر الوطنية مترابطا وتبدلات سلطتها السياسية وقوى تشكيلتها الاجتماعية المساندة والمناهضة للسلطة برؤى عامة ومختزلة .
1
ــ ترابطت شرعية دولة حركة التحرر الوطني مع حركة شعبية واسعة استندت على افكار وشعارات وطنية مثل الاستقلال وبناء السيادة الوطنية ، التنمية الوطنية المستقلة ، مناهضة خيار التطور الرأسمالي ناهيك عن شعار العدالة الاجتماعية . لهذا فان الاجراءات الاقتصادية / السياسية التي اتخذتها النظم السياسية الوطنية الشعبية ساعدت على نهوض حركات اجتماعية شكلت سياجا وطنيا مسانداً للنظم السياسية (الثورية ) . ( ** )
ــ السياسة الاقتصادية الاجتماعية المثمرة التي أنتجتها دولة التحرر الوطنية فضلا عن ميل العالم لصالح فكر الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية تزامنت مع نزعات استبدادية في بنى السلطات السياسية الامر الذي مهد الطريق تدريجيا لتحول تلك النظم الى نظم سياسية مناهضة للحياة الديمقراطية.

ــ النزعات الاستبدادية التي حملتها دولة التحرر الوطنية ساهمت في اختزال الدولة الوطنية الى سلطة سياسية لعبت السلطات التنفيذية فيها دورا حاسما في ادارة شؤون البلاد السياسية والاقتصادية وما نتج عن ذلك من تراجع السلطات التشريعية والقضائية فضلا عن تحجيم الحركة السياسية الديمقراطية .
ــ اتسمت فعالية الحركات الديمقراطية المناهضة لاحتكار السلطة بازدواجية النهوج السياسية فمن جانب اتخذت قوى المعارضة الديمقراطية موقفا مساندا لنظم الشرعية ( الثورية ) استنادا الى محددات فكرية واجتماعية اساسية منها الاصلاحات الاجتماعية ، تدخل الدولة لصيانة الثروات الوطنية ، الحفاظ على سيادة الدولة الوطنية . ومن جانب أخر وبسبب حرمانها من النشاط السياسي العلني ناهيك عن اقصاءها من المشاركة السياسية في ادارة شؤون البلاد الوطنية ناهضت القوى الديمقراطية الوطنية الميول الديكتاتورية البازغة في انظمة الحكم الوطنية .
ــ فصائل التيار الليبرالي واليسار الاشتراكي تبنت الفكر السياسي الديمقراطي المناهض لاحتكار السلطة ونزوعها الاستبدادي وبهذا المعنى نشير الى ان بنية اليسار الاشتراكي الأيديولوجية لم تقف عائقا في اعتماد نهوج سياسية تتجاوب وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية . (*** )
ـ 2
ـــ تعزز البنى السياسية لنظم الشرعية ( الثورية ) بعد هيمنتها على السلطتين الاقتصادية والسياسية أفضى الى بناء سلطات استبدادية تعتمد سيادة الروح البوليسية واضطهاد الكتل الاجتماعية المناهضة لاحتكار السلطة.
ــ احتكار النظم الاستبدادية للحياة الاقتصادية أدت الى تغيرات في البنى الطبقية والاجتماعية أهمها ( أ ) نهوض شرائح اجتماعية طفيلية تطورت بفضل الخصخصة وتوصيات المؤسسات المالية الدولية الى فئات برجوازية متحالفة مع الراسمال الاجنبي . (ب ) اتساع قاعدة الكتل الاجتماعية المخربة وتحول الكثير من شرائحها الى قوى هامشية . ( ج )انحسار القاعدة الاجتماعية للقوى الطبقية المطالبة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية .
ـــ الاستبداد السياسي المتواصل وانهيار التنمية الوطنية المستقلة فضلا عن انحسار القاعدة الاجتماعية الساندة لكفاح القوى المناهضة للاستبداد واحتكار السلطة أدت الى عجز التيار الديمقراطي العلماني من احداث انتقال سلمي ديمقراطي للسلطة الامر الذي شجع دول الكولونيالية الجديدة على التدخل في الشؤون الداخلية لدول الاستبداد السياسي .
ـــ انهيار النظم الاستبدادية بفعل العنف الداخلي والخارجي انتج حزمة من الاشكالات السياسية لمنظومة البلاد الوطنية اهمها : ـ
أ : ـ بزوغ شرعية سياسية للحكم ترتكز على القوة التصويتية المتحصنة بالولاءات الطائفية العرقية لا تتجاوب والشرعية الديمقراطية المنبثقة من تنازع المصالح الاجتماعية .
ب : ـ اسلوب العنف المعتمد في الاطاحة بالنظم الاستبدادية ساهم في سيادة قوى اليمين العربي في الحياة السياسية متمثلا بتياري الوصاية الدولية والسلفية الجهادية المتشاركان بكثرة من السمات السياسية والاجتماعية منها : ــ
* :ــ هامشية القوى الاجتماعية الساندة لكلا التيارين حيث يتشكل تيار الوصاية الدولية من قوى ليبرالية مغتربة عن التشكيلة الوطنية بسبب نشاطها في مؤسسات اعلامية ، بحثية وصحفية في دول المهجر. بينما تتشكل قوى السلفية الجهادية من محيط التشكيلات الاجتماعية التي افقرتها السياسات الاقتصادية المتجاوبة وتوصيات المؤسسات المالية الدولية .
**ـــ اعتماد كلا التيارين على استخدام العنف والروح الانقلابية في توجهاته السياسية بالضد من القوى الديمقراطية المعتمدة على الكفاح السلمي والحوار الوطني .
*** : ـ مناهضة كلا التيارين للروح الوطنية فضلا عن معاداة التحولات الاجتماعية الناتجة عن تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وذلك بسبب ترابط تيار الوصاية الدولية بالليبرالية الجديدة الرافضة للحماية الاجتماعية ، بينما يعتمد تيار السلفية الجهادية على توجهات فقهية ماضوية لا تتماشى ومتطلبات البرامج الوطنية الاجتماعية الاقتصادية الملموسة .
**** :ــ يتشارك تياري اليمين العربي المتطرف بتخريب البناء الديمقراطي للدولة الوطنية وذلك من خلال ما يروج له التيار الجهادي لبناء مؤسسات حكم سلفية تستمد مفاهيمها من قواعد فقهية وضوابط ايديولوجية ، ومن جانبه يساهم تيار الوصاية الدولية بإعاقة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية من خلال مطالبته بالتدخلات الخارجية لحل النزاعات الوطنية وما ينتج عنها من تفكك مؤسسات الدولة وتشكيلاتها الاجتماعية .
ان الموضوعات السياسية الاجتماعية المثارة تطرح على الباحثين والسياسيين اسئلة موجعة تتلخص بـ : ـ هل تساعد الديمقراطية السياسية الناتجة عن العنف الداخلي المبارك خارجيا على اعادة بناء دولة التحرر الوطني الديمقراطية ؟ . وهل يشكل تحجيم دور الدولة في الحياة الاقتصادية / الخدمية محيطا ضامناً لصيانة ثروات البلاد الوطنية ؟ واخيرا هل تشكل الشرعية الديمقراطية للنظم السياسية في الدول الوطنية اطارا لبناء دولة العدالة الاجتماعية ؟ .
3
بات معروفا أن خيارالتطور الاجتماعي المرتكز على النموذج الاشتراكي لم يعد مطروحا الا في آفاقه الاستراتيجية التي لازالت مقدماتها الاقتصادية والفكرية غير واضحة المعالم ، وبذات السياق أصبحت التنمية الوطنية المتمحورة على الذات موديلا يصعب الاخذ به بسبب طبيعة الطور الراسمالي المعولم المتمثلة بــ : ـ
ــ تعذر بناء اقتصادات وطنية مستقلة بسبب تشابك مستويات الاقتصاد العالمي وميله نحو بناء تكتلات اقتصادية دولية اقليمية قارية .
ــ سعى الشركات الدولية الاحتكارية والمؤسسات المالية ومن خلال اشتراطاتها ومساهمتها في تحديد البرامج الاقتصادية السياسية الى تحجيم تدخل الدولة الوطنية في صيانة ثرواتها الوطنية وحماية مصالح تشكيلتها الاجتماعية .
ـــ استبدال مبدأ السيادة الوطنية بمبدا التدخل والمشاركة في اقتسام الثروات الوطنية أدى الى إعاقة نهوض كتل طبقية وطنية قادرة على قيادة وحماية التحولات الاجتماعية والاقتصادية لصالح التغيير الديمقراطي .
ـــ سياسة دول الكولونيالية الجديدة المرتكزة على التدخلات العسكرية المباشرة ومساندة العنف الداخلي المناهض للانظمة الاستبدادية أفضت الى بناء نظم سياسية تستمد شرعيتها الوطنية من ديمقراطية سياسية جرى اختزالها الى شرعية انتخابية تعتمد القوة التصويتيتة المذهبية والعرقية. (**** )
استنادا الى تلك اللوحة التحليلية يتمتع التيار الديمقراطي العلماني باهمية استثنائية نظرا لدوره الفاعل في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الامر الذي يتطلب من ذلك التيار اعادة بناء رؤيته الفكرية ونهوجه السياسية استنادا الى طبيعة التحديات الدولية والمهام الوطنية والتي ارى بعضاً منها في الاشكالات الأتية : ـ
اولا : ـ اختزال الدولة الوطنية الى سلطة سياسية فضلا عن تزايد مشاركة الخارج في شؤونها الداخلية يشترط وحدة المعارضة الديمقراطية العلمانية على قاعدة اعادة بناء الدولة ومنع تعرض منظومتها السياسية والاجتماعية الى التفكك والضياع .
ثانيا : ــ سيادة المساومات الطائفية والعرقية وتحولها الى اعراف دستورية في بناء النظم السياسية يتطلب من التيار الديمقراطي العلماني العمل على نقل الشرعية الانتخابية الى الشرعية الديمقراطية عبر بناء تحالفات سياسية / اجتماعية وطنية مناهضة للطائفية السياسية .
ثالثاً ــ تعرض الثروات الوطنية الى نهب الشركات الدولية وتفشي الفساد في الحياة السياسية يدفع التيار الديمقراطي العلماني الى الانتقال من البرامج المستقبلية الى النهوج السياسية الوطنية الملموسة الامر الذي يساهم في بناء رؤى اقتصادية اجتماعية مشتركة تنطلق من صيانة الدولة لثرواتها الوطنية وتطوير دورها في بناء شبكة الضمانات الاجتماعية .


الهوامش
* : ـ ــ تتمحور التناقضات الطبقية في المجتمعات الراسمالية حول دور الدولة في الحياة الاقتصادية / الاجتماعية وحدود تاثيرها على طبيعة السوق الراسمالي القادر على ادارة التوازنات الطبقية والاجتماعية .
* *: أستخدم مفهوم النظم السياسية الشعبية لغرض التوصيف المنهجي الذي يضع فواصل افتراضية بين تحولات سلطة الدولة الوطنية من الشرعية ( الثورية ) الى السلطة الاستبدادية .
***: ـ ــ تحول اليسار الاشتراكي نحو نظم الشرعية الديمقراطية يمثل تتويجا لنهوج سياسية معتمدة تاريخيا مضمونها المشاركة الوطنية في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية .
**** : ـ اعني بدول الكولونيالية الجديدة المراكز الراسمالية الاستعمارية بهدف تمييزها عن الدول الراسمالية البازغة مثل الصين ، البرازيل , روسيا والهند .







اخر الافلام

.. الجزائر: اعتقال متظاهرين في مسيرة طالبت بالإفراج عن المدون م


.. يوميات الأرجنتين.. صراع اليمين واليسار


.. لقاء د.قدري جميل على قناة العربية الحدث 20/11/2018




.. 8. Who is Bolsonaro and how did he get elected?


.. Chris Baugh at Socialism 2018 rally