الحوار المتمدن - موبايل



القامشلي بين مطرقة الكورد وسندان العشائر العربية

باسل عبد الكريم

2013 / 3 / 3
القضية الكردية


لم يعد خافياً على احد بان الحديث عن تلك المعركة الجهورية في القامشلي باتت على الأبواب ولكن هذه المرة بشكل مغاير لما كان متوقعاً ومجهزاً له!. فبعد ان بقيت محافظة الحسكة وتحديداً مدينة القامشلي بعيدة نسبياً عن الصراع الثوري الدائر في سوريا وتحول هذه الرقعة إلى ملاذ آمن لآلاف العائلات اللاجئة، وتمركز عناصر pkk القادمة من جبال قنديل أملاً في استعادة واحدة من مواقعها الاستراتيجية لبناء حلم اقل ما يقال عنه اليوم بأنه بات "بالياً" ولا سيما انها خسرت حصونها في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا قبل ان تعود وتستغل حالة الفراغ التي تسببت به الأحزاب الكردية التي عودت شعبها على الخذلان بهم. وتشكيل فيما بعد قوة كردية مشكلة من اطراف عدة ولجان شعبية للدفاع عن مناطقهم من تحرشات بعض الفرق الإسلامية المقاتلة والمدفوعة من تركيا المرعوبة من فكرة استقرار واستقواء الكورد، ولا يخفى على القاصي والداني بان المشكلة الكردية هي أم المشكلات في تركيا منذ أكثر من تسعين عاماً، فكان إشعال جبهة رأس العين وما رافقها من تطورات إلى يومنا هذا.
اليوم يلعب الأتراك بالإضافة إلى "الجهاديين" لعبة أخرى من خلال استعادة علاقاتها القديمة مع عشائر المنطقة، والبداية كانت عبر شيخ قبائل البقارة نواف البشير المتهم بالوقوف وراء الفوضى في منطقة رأس العين، وتطور الحال في الأيام الماضية بتحرك إطراف سياسية تركية أجرت اتصالات واسعة مع قسم كبير من العشائر العربية المنتشرة حول القامشلي، بهدف معلن هو بناء جبهة موحدة ضد حزب الاتحاد الديموقراطي وبقايا وحدات الجيش السوري التي لا تزال تنتشر في المدينة، وآخر غير معلن هو تحجيم الأكراد في المنطقة بعد نجاح تركية في أيقاظ الأحقاد العربية الكوردية من القمم بترويج بعبع الانفصال!. ولدي معلومات مؤكدة بان الشيخ محمد الفارس، زعيم قبيلة طي التي يسكن عشرة آلاف فرد منها الحي الجنوبي من مدينة القامشلي هو واحد من أعوان هذه العشائر التي تم التفاوض معه بعد ان عدل عن موقفه المدافع عن النظام وإدراكه اللعبة السياسية، كذلك نقل الأتراك عبر اطراف عشائرية أسلحة إلى عشائر الغمر في قرى تنورية الغمر وأم الفرسان وحلة الغمر وهي قرى تسيطر على الهضاب الشرقية المطلة على القامشلي وهؤلاء لا يخفى على احد كيف جيء بهم إلى المنطقة، ولكن الغريب والمثير للجدل هو تحرك عشائر شمر التي يقودها حميدي بن دهام الهادي، وفرع شمر الجربا الذين يحتفظوا بعلاقات تاريخية مع العديد من الاطراف والعشائر الكوردية في سوريا وكردستان العراق، فما الذي وراء انتفاضة شمر والقبائل العربية الأخرى بهذه السرعة التراجيدية؟. لو استمعنا إلى الاطراف العربية سيمطرونا بالعديد من الأسباب التي لا تشكل سوى حجج وعناوين لتفاصيل صغيرة لا تنبئ بان تحركات الأسابيع الماضية هي بحجم تلك الأسباب!، والحقيقة هي غير ما جاء بها أبي سلمة!، فتركية وبعد ان زرعت خيوط استراتيجيتها في المناطق الكوردية السورية باتت على شفا حفرة من حصد ثمار نشر فكرة ان الجزيرة السورية ذات طابع عربي فقط وأن الكورد يسعون إلى إعلان دولة كوردستان في سورية، في اقل تقدير نجحت حتى الآن في ترسيخ الاعتقاد لدى قبائل طي الذين لديهم فكرة تاريخية بان القامشلي فعلاً جزء حميمي من "ديرة طي" كما يتناقلون بين انفسهم!، ولا يخفى على احد بان قبيلة طي لها تحالفات وثيقة مع مجموعة كبيرة من عشائر الجوالة والبني سبعة وحرب والراشد والبوعاصي والغنامة والمعامرة والشرايين والعساف والحريث... الخ، ونجحت أيضا في أقناع شيوخ قبيلة الجبور واحدة من اكبر العشائر العربية عدداً، بأنهم بالفعل الحكام الفعليين لمدينة الحسكة!، وتكاد تنجح الآن في تحريك قبيلة عدوان اصغر القبائل عدداً، ما يقارب 12 ألف نسمة، والمتواجدة بكثافة في مدينة رأس العين، ويرأسها الشيخ حلو محمد الحلو، الذي لعب وقبيلته دوراً في احداث 2004، في سعيهم إلى فرض الانضباط والهدوء على مدينة رأس العين، بعد ذبح اثنين من وجهائها!!، ورقة إضافية أخرى تسعى تركيا الاستفادة منها مستقبلاً، وهي قوام 12 ألف عائلة لاجئة من دير الزور يتم اعدادها كقوة مجهزة للهجوم الذي يجري الإعداد له...الخ. وان كان يعتقد البعض ان هذه العشائر تعاني فيما بينها من ثارات وتصفيات وبالتالي من الاستحالة ان تشكل قوة موحدة في وجه الأكراد، هذا اعتقاد صحيح، ولكنه يتحول إلى استنتاج غبي، عندما يكون عنوان هذا الاصطفاف ودافعه "رغبة الكورد في تشكيل دولة"، وكل كوردي يعلم عين اليقين ان هذه الكتل القبلية، تتداخل في ما بينها وتأخذ صيغة تحالف سياسي وعسكري عندما يتعلق الأمر بهم.
جميع المؤشرات السابقة توضح بان جملة هذه التحركات ضد القامشلي هدفها إخضاع الأكراد لابتزاز سياسي وعسكري لتحجيم جملة مطالبهم إلى أدنى درجة ولا سيما بان اتهام الفصيل الكوردي المسلح بالوقوف إلى جانب النظام ما زال يدور في راس الجميع، وما يزيد من الطين بلة، التصرفات اللامسئولة لعناصر pkk مثلما حدث في بعض القرى ذات الغالبية الكوردية عندما طرد منها في الأيام القليلة الماضية عوائل من عشائر عربية، قائلين بالحرف الواحد " عودوا إلى بلدانكم هذه أرضنا"، وبما ان التسمم بلغ بالعقول إلى هذه الدرجة، من غير المنطقي الحديث عن تجسيد الفجوة العربية الكوردية عبر الانفتاح على بعضها البعض، والذي يمر أولاً بتجاوز مفردات الخطاب القومي من الطرفين والتأكيد ثانياً على مفهوم المواطنة كقاعدة يقف عليها الجميع وتنهض عليها سوريا الجديدة، ومن الصعوبة أيضاً أقناع كل الأطراف بان الغالبية العظمى من الكورد لا يريدون الانفصال ولا يريدون ابعاد أي مكون آخر كما يروج عنهم، لكنهم يريدون الاعتراف بحقوقهم وإدارة المناطق التي يعيشون فيها جنباً بجنب مع بقية المكونات وبنسب تعكس التعداد السكاني لكل مكون، ولا اعتقد أيضاً عندما يصل الابتزاز إلى حد وضع الكورد المحايدين إمام خيارين الأول الانضمام إلى لواء العشائر العربية ضد عناصر pkk، والثاني التمسك بحزب العمال الكردستاني، ان يضحوا بالخيار الثاني مقابل الأول كونهم يدركون جدياً ان الكورد لبعضهم ضمانه محققة للاستمرار على الأرض مهما اختلفت وجهات النظر، عوضاً عن تعلمهم جيداً من دروس الغدر عبر التاريخ. والحال يبقى على ما هو عليه نحو التناحر الأهلي، فلا العشائر العربية ستتنازل عن هدفها متسلحة بالدعم التركي وامتداد ارتباطها العشائري مع العراق، ولا الكورد مجهزون لتقديم تضحيات لغيرهم، متسلحين بقوى الأمة الكردية التي لن تتركهم في سوريا فريسة لمن يتربص بهم، وبين هذا وذاك شيطان تركي يتجهز لقصف القامشلي بالمدفعية تمهيداً للهجوم عليها كما فعلوا في رأس العين، إلى جانب فرق استخباراتها المجهزة للدخول فور انتشار الفوضى وتنفيذ سلسلة من التصفيات بحق قيادات كوردية فاعلة محلياً، ومن غير المستبعد ان تبلغ التصفيات اطراف عربية أيضاً تلعب دور الوسيط!. ما لا تدركه العشائر العربية بأنها هي الأخرى مجرد وسيلة مؤقتة تستخدمها تركية الآن للتضييق على المكون الكردي في سوريا وإلحاق الأذى بهم، لاستخدامهم كورقة تفاوض في يدها ومكسباً أمام حزب العمال الكردستاني الذي تنخرط معه أنقرة حالياً في مباحثات ومفاوضات من أجل إيجاد حل سياسي للقضية الكردية في تركيا نفسها، وكذلك ستحول نفسها إلى طعم سهل في حال تغيرت الظروف السياسية وتبين صحة ما يشاع عنه بقوة في هذه الأيام بان اتفاقاً ربما أمكن التوصل إليه بين أوجلان والدولة التركية تقدم تركيا بموجبه تنازلات للأكراد مثل الاعتراف بهويتهم الكردية في الدستور، والتعلم بلغتهم الأم في المدارس، وحكم ذاتي على شاكلة إدارة ذاتية موسعة من دون تسميتها بالحكم الذاتي، مقابل أن يترك الحزب سلاحه ويتخلى عن التطلع الانفصالي، والاحتمال الأخير مستند إلى الشعور بوجود قرار أمريكي – تركي لقبول الحل الفيدرالي لأكراد المنطقة، بحيث تكون تركيا الراعي والحامي لهذه الفيدراليات الكردية، وهذا ما قد يقلب موازين القوى رأساً على عقب. إذاً بات من الواضح ان التقاتل الكردي العربي ليس من مصلحة احد وعندما تندلع شرارته لن تخمد حتى يبيد طرف الآخر، إلى هنا وتضيع الحكمة عن العقول وتعمى الأبصار، والخاسر الأكبر هم آلاف العائلات والضحايا التي لا ناقة لها في الموضوع ولا جمل، فهل من عاقل يتعظ ويدرك غدة؟.







اخر الافلام

.. الهلال الأحمر الإماراتي يقود جهود الإغاثة في سقطرى بعد إعصار


.. لجنة حقوق الإنسان في ليبيا تدين التفجير الإرهابي ببنغازي


.. الحصاد- اليمن.. المجاعة تحاصر 8 ملايين




.. المجاعة تهدد حياة ثمانية ملايين يمني


.. مطالب في واشنطن بالتحقيق بشأن تعذيب المعتقلين باليمن