الحوار المتمدن - موبايل
ثلاجة الموتى- قصة قصيرة

عبد الفتاح المطلبي

2013 / 3 / 20

ثلاّجَةُ الموتى
عبد الفتاح المطلبي
قصة قصيرة
((الكتابة شكل من أشكال الصلاة)) فرانز كافكا
كنتُ أفكر ُ بالسمكةِ التي تلقفُها الصنّارة فتعودُ أختُها للصنارةِ ذاتها وبالطعمِ ِ ذاته لتلقفـَها ، ثم أختهما الثالثة ، وهكذا يفاخرُ الصيادُ بمهارتهِ ويتشبث بمكانه من النهر، تسائلت، لِمَ يحصل ذلك؟ ، هل للأسماك من ذاكرة؟
الذاكرةُ عادتْ بي إلى الصفّ الثالث الإبتدائي ، يومَها قالَ المعلمُ: من منكم يستطيع أن يعرف أحجيتي؟ أنصتنا جميعاً ، قال: طويلٌ ..طويلٌ لانعرف من أين يبدأ وإلى أين ينتهي!!، سكت الجميع بعضُهم فكر أنه حبل طويل وبعضهم فكرأنه ُ درب طويل، قال المعلمُ: هو متحركٌ لايسكن ولا يستقر ماضٍ قدماً يعلو تارةً وأخرى ينخفض، يلتوي و ينعطف بشدة أحياناً يكونُ ناعماً في بعض التواءآته كالحريروغالبا يكونُ خشناً كالمِحكّ
قال المُعلم: ها..؟
سكت الجميعُ فواصلَ المعلمُ وصفـَهُ بصبرٍ نافذ: يمضي بين الناسِ لا يراهُ أحدٌ، ينسابُ انسياباً ، لا يشعرُ به الغافلون حتى يأخذهم بغتةً أخذاً وبيلاً!!!
سأل المعلمُ التلاميذ َ: ها ؟ هل عرفتم؟
راحتْ عينا المعلمِ تجوسان خلالَ صفّ المقاعدِ الخشبيةِ ثم أشارَ إليَ قائلاً: ماذا تقول ياولدي؟قلت: أستاذ إنه ثعبانٌ ..ثعبانٌ طويلٌ، ضحك الأولادُ فخجِلتُ لكنّ المعلمُ ردّ اعتباري قائلاً أحسنتَ، لكنه ليسَ ثعباناً. تطلع إلينا بحزن قائلاً: إنهُ الزمن أيها الأولاد ..................!!
وهكذا تغيرالزمنُ فمن سِقاء جدّي الذي كان يبيع الماء في هاجرة الصيف إلى مصنع الثلج الذي عمل به أبي شغيلاً شادا الحزام على بطنه حتى اشتراه، إلى صالة الخزنِ المبرد التي اشتريتها أنا بعد بيع مصنع الثلج إبان رواج لحوم الهند ودجاج البرازيل المذبوح بيد إسلامية خالصة ، الزمن يتغير ، يتلوى ، لعن الله انفلونزا الطيور الآسيوية وجنون البقرالأمريكي وانفلونزا الخنازير الأوربية ، لم يعد بعد ذلك من لحوم الهند ودجاج البرازيل ، الصالة المبردة سليلة سِقاء الماء ومصنع الثلج صارت خاوية على عروشها وكدنا نُغلـّقُ من خلفها الأبواب لولا الزمن وانعطافاته ، تذكرتُ إذ قلتُ : إنه ثعبان أيها المعلم، انعطف بشدة إذ راح الموت يسير في الطرقات عاريا بل أشد عريا مما خلقه الله ، لماذا يمر الناس في الطرقات التي يرتادها الموت فلا يعودون إلا أشلاءً بالأمس مات خمسون بسيارة مفخخة واليوم مزق حزام ناسف عشرين على مقربة من مكان الموت الأول ، الأسماك لا ذاكرة لها ، هل صار الناسُ أسماكاً ، كادت أعداد الموتى أن تضاهي أعداد الأحياء ولولا إصرار الناس على التناسل ووجود تلك الأيادي الرحيمة لزحف الموتى على الأحياء ، لابد لعدد الأحياء أن يزيد قليلا على عدد الأموات إذ من يواريهم التراب غير الأحياء، هتف بداخلي هاتفٌ أن لاتخدع نفسك أيها الوغد، أهكذا تُحسبُ الأمور، مليونان من الجثث دفاعا عن البوابة الشرقية ومليونان في المقابر الجماعية ومليونٌ في عملية صيد الديك الرومي وعشرة سنوات عجاف من قتل الفقراء في الأسواق و(مساطر) العمال، لايكاد يخلو أسبوعا من مقتلة عظيمة بذريعة مجد الرفاق وعطر الجنة ولا زلنا لا نعلم أأحياءٌ نحنُ أم أموات إذن هكذا تجري الأمور والغلبةُ للقوي,,،
الأحياء أوأشباههم يرتادون الطرقات كأسماك في بركة آسنة ، يموتون كل يوم والموت يقيم سرادقه على الطرقات، أينما سارت ، لم تعد ثلاجة موتى الطب العدلي تستوعب كل هذه الأعداد ، فأنواع الموت تعددت ولازالت طرق الموت المبتكرة حديثا تصل بلدنا تباعا ، لم يكن أمام السلطات الصحية إلا الإستعانة بنا نحنُ أصحاب ثلاجات الدجاج ولحم البقر الهندي التي أفل مجدها بفعل جنون البقرالأمريكي وانفلونزا الدجاج الآسيوي و إنفلونزا الخنازير الأوروبية ، عروض مغرية قُدمت لنا من الحكومة إذ أن الحكومة لا هم لها إلا إخفاء موتاها وتنظيف شوارعها من الدماء التي تجعل الشوارعَ حمر ، هل رأيتم شوارعَ حُمر؟ نحن رأينا! وهكذا دخلنا السوق من جديد ، بزغ فجر الثلاجات من جديد ، العمل يسير بوتائرَ عالية، هناك من يستثمر المال في إنتاج مزيدٍ من الجثث ونحنُ نستثمرُأموالنا في عالم تبريد جثث الأموات، البلدان من حولنا استثمرت أموالها في هذه الصناعة الرائجة، مفخخات وأحزمة ناسفة وميليشيات مسلحة وفرق موت كفوءة وخبراء عملوا في الهندوراس ودول اللاتين، الهواء يقتل فهو ملوث بدخان ملايين محركات الديزل من أجل أن نتابع أحداث أفلام اليانكيز والمسلسلات التركية، ولنمت بعد ذلك ، الأنهار مليئة بالجثث، هكذا راجت البضاعة ودخلنا موسوعة غينز كأكبر دولة منتجة للجثث،لدينا حقول الألغام الشاسعة زرعها آبائنا الرفاق لنأكل ثمارها نحن ، نزرع العبوات الناسفة في الحدائق والدروب والحصاد وفير طال الخراب مساكن الأحياء وصارت المقابر والجبانات عمارا وواصلت ثلاجات الأموات عملها بنجاح تحفظ الجثث طازجةً لاتصلها يد الخراب أبدا ، أدخلنا الحواسيب في أعمالنا وحدثنا أساليبنا حتى صار الكثير من الناس يتمنى أن تُحفظ جثته بعد موته في ثلاجاتنا المتطورة، وليس عجيبا أن يُفضلنا الناس فنحنُ نقدم كل الخدمات للجثث، الجثث تحصل على رعاية خاصة في مجموعتنا التي توسعت أعمالها وحصلت على دعم الدول المتقدمة ، اعلاناتنا تقول أننا مستعدون لترميم الجثث التي مزقتها المفخخات ولدينا بقايا مجهولي الهويةالذين لا يطالب بهم أحد وبقايا ذوي الأحزمة الناسفة المنفجرين على الناس ، رؤوس، أطراف ، شقة صدر ، كل شيء متوفر، تصلح لترميم الجثث الميسورة لتظهر بمظهر جنائزي لائق، نلفها بالسلوفان المستورد المُعطر وهو آخر صيحات السوق، ابتكرنا قسما للملفات وإنتاج الأقراص المدمجة للذكرى،تحوي كل ما يتعلق بالضحية، صورة قبل الحادث وأخرى بعد الحادث، شهادات الوفيات الرسمية الضرورية لذوي الضحية من إجل استلام تعويضات الحكومة وبطاقة مجانية لمن يتعامل معنا تؤيد أنه من ذوي الضحايا مؤيدة بالختم الرسمي، يبرزها المستفيد وقت الحاجة في الدوائر الرسمية وحواجز الطرق الخارجية ، كل شيء مرتب ومنظم ، وفي الشارع الأخضر المؤدي إلى الحي الأخضر ، حيث يسكن أمثالنا عندما تشاهد سيارة فارهة أو مصفحة على أحدث طراز تعرف أن واحدا منا نحن تجار الموت ، مالكي ثلاّجات الموتى من يستقلها وربما تشعر بالإحباط فتتمنى لو أنك من أصحاب ثلاجات الموتى المرفهين في الدنيا وفي الآخرة يؤجرون.