الحوار المتمدن - موبايل
دور سياسة المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية على اقتصاديات البلدان النامية

نجم الدليمي

2013 / 7 / 26

دور سياسة المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية على اقتصاديات البلدان النامية

بقلم الدكتور نجم الدليمي

الجزء الاول

المبحث الاول :- المتغيرات الاقتصادية والسياسية الدولية بعد عام 1945 .
المطلب الاول :- نشأة وظهور نظام بريتون وودز .
المطلب الثاني :- اهداف المؤسسات الدولية بين النظرية والتطبيق .
المطلب الثالث :- اهم المآخذ على سياسة المؤسسات الدولية.
المبحث الثاني :- دور المؤسسات الدولية على واقع اقتصاد دول الاطراف .
المطلب الاول :- اهم المشاكل الاقتصادية – الاجتماعية في البلدان النامية .
المطلب الثاني :- النتائج الاقتصادية والاجتماعية لسياسية صندوق النقد الدولي والبنك الدوليين في البلدان النامية .
المطلب الثالث :- من اجل اقامة علاقات اقتصادية عادلة ومتكافئة بين البلدان الراسمالية والبلدان النامية .
الخلاصة :-
أ – بعض الاستنتاجات .
ب- بعض المقترحات .
ج_ دور قوى الثالوث العالمي في قيادة وتوجيه الاقتصاد الدولي
مصادر البحث

مقدمــة
شهد قرن العشرين احداث سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى غيرت ملامح النظام الاقتصادي العالمي ، واصحبت هذه الاحداث ظواهر عالمية وموضوعية ميزت هذا القرن ، ومن اهم هذه الاحداث هو قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917 . والانتصار على المانيا النازية عام 1945 وظهور منظمة الامم المتحدة وميثاقها الذي اكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها ، وظهور المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ، وحصول عدد كبير من بلدان اسيا وافريقيا وامريكيا اللاتينية على استقلالها السياسي ، ونضالها المستمر من اجل الحصول على التحرر الاقتصادي ، واستمرار الصراع والتناقض الموضوعي بين البلدان الراسمالية والبلدان النامية بهدف استكمال ونيل تحررها الاقتصادي والذي يشكل الحجر الرئيسي والاساس للسيادة الوطنية للبلدان النامية ، فبدون التحرر الاقتصادي الحقيقي لامعنى للتحرر السياسي الشكلي .
لقد استعرضت الدراسة اهمية مؤتمر بريتون وودز ودوره في ظهور المؤسسات الدولية وما هي الاهداف المعلنة والحقيقية لها ومدى تطابقها مع الواقع الفعلي والموضوعي ، وماهي القوى المحركة والموجهة لنشاط هذه المؤسسات الدولية ، لمن ولمصلحة من ؟ ، وكما تم تحديد اهم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلدان النامية وما هي نتائجها واثرها على اقتصاديات بلدان اسيا وافريقيا وامريكيا اللاتينية ، وكما تم توضيح اهم المآخذ على سياسية المؤسسات الدولية ، واهمية ايجاد نظام اقتصادي دولي جديد يقوم على اسس جديدة وعادلة واثر ذلك على تحديد شكل و مضمون العلاقات الاقتصادية بين المركز والاطراف ، وبينت الدراسة اهم الاستنتاجات والمقترحات من اجل تحديد دور ومكانة المؤسسات الدولية اتجاه البلدان النامية وبما يخدم المصالح الاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول


المبحث الاول : - المتغيرات الاقتصادية والسياسية الدولية بعد عام 1945
المطلب الاول :- نشأة وظهور نظام بريتون وودز .
قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية ، كانت ملامح النصر واضحة على المانيا النازية وحلفائها ، ولعب الاتحاد السوفيتي دوراً رئيسياً في تحقيق هذا النصر الكبير ، وبسبب ما خلفته الحرب العالمية الثانية خلال الفترة 1939 – 1945 من خراب ودمار وفوضى شملت جميع مرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية ، وبسبب ذلك بدء التفكير من قبل قادة البلدان الراسمالية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية من اجل اعادة ما دمرته الحرب العالمية الثانية ووضع الاسس الاقتصادية والمالية والتجارية لاعادة النشاط الاقتصادي للاقتصاد العالمي بشكل عام والاقتصاد الراسمالي بشكل خاص .
لقد تبلورت فكرة انشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في يوليو من عام 1944 ، وعقد في مدينة بريتون وودز الامريكية مؤتمراً دولياً ضم 45 دولة لمناقشة الوضع الاقتصادي والنقدي للاقتصاد العالمي ووضع الاسس السليمة له ، وكان للولايات المتحدة الامريكية دوراً رئيسياً في انشاء هذه المؤسسات الدولية من خلال الدعوة لعقد مؤتمر بريتون وودز ، ومن اهم نتائج هذا المؤتمر هو ظهور صندوق النقد والبنك الدوليين ، ولعبت الولايات المتحدة الامريكية دوراً هاماً وكبيراً في هذا المؤتمر بسبب نفوذها وهيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وظهرت الولايات المتحدة الامريكية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كقوة اقتصادية وعسكرية ، فهي امتلكت اكبر واقوى اقتصاد في العالم واكبر دولة دائنة في ذلك الوقت ، ويعود السبب الرئيسي في ذلك ، الى انها لم تدخل الحرب العالمية الثانية الا مؤخراً وكان اقتصادها يتطور ويزود الحلفاء وغيرهم بالسلاح والغذاء والدواء ... مما ساعد ذلك على ان تحصل امريكا على الذهب و بكميات كبيرة بسبب تصديرها للانتاج الغذائي والدوائي والحربي .
يقول الباحث والمفكر الامريكي نهوم شومسكي لقد " اصابت الحرب العالمية الثانية معظم منافسينا الصناعيين بالضعف الشديد ، او حتى دمرتهم تماماً ، بينما تضاعف انتاجنا ثلاث مرات ، ولم تتعرض حدودنا لاي هجوم ... وبعد الحرب حازت على 50 % من ثروات العالم ... بينما كانت خسائرها البشرية متواضعة جداً بالمقارنة مع ماقدمه العالم "1 . في حين قدم الاتحاد السوفيتي في حربه العادلة ، الحرب الوطنية العظمى للفترة 1941 – 1945 ما بين 27- 30 مليون شخص .
ان من ابرز معالم التطور في النظام الاقتصادي الدولي هو ظهور اتفاقية بريتون وودز والذي على اساسها تم انشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ويكمن الجوهر الريئسي لهذه الاتفاية في الاتي :-
1- العمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنقدي والتعاون الاقتصادي بين الدول وعلى أسس عادلة تخدم جميع الدول .
2- ملء الفراغ الذي نشأ بعد انهيار قاعدة الذهب والعمل بالدولار كعملة دولية رئيسية .
3- لقد جاءت هذه الاتقافية كرد فعل للفوض الاقتصادية والنقدية والتقلبات الحادة في اسعار الصرف ، ومالذلك من اثار سلبية على اقتصاديات الدول .
4- لقد عبرت هذه الاتفاقية من حيث المبدأ عن المصالح الاقتصادية والطموحات السياسية للولايات المتحدة الامريكية بالدرجة الاولى ، بهدف الاسحتواذ على ثروات الشعوب وقيادة العالم ومن خلال هذه المؤسسات الدولية ووفقاً لمصالحها السياسية والاقتصادية والايديولوجية .
لايختلف صندوق النقد الدولي عن البنك الدولي من حيث المبدأ ، لا في النشأة ولا في الادارة و لا في الطبيعة الاقتصادية – القانونية ، فالاختلاف ان وجد فهو شكلياً ، فالدول الاعضاء في صندوق النقد الدولي هي نفسها اعضاء في البنك الدولي وان طريقة التصويت والحصول على القروض ... هي واحدة ، وهذه المؤسسات الدولية وجهان لعملة واحدة ولايختلفان من حيث الجوهر .
ان هذه المؤسسات الدولية كانت ولاتزال تعمل لصالح الاقتصاد الرأسمالي العالمي بشكل عام والاقتصاد الرأسمالي الامريكي بشكل خاص ، والعمل على تصدير الرأٍسمالية كنموذج اقتصادي – اجتماعي للبلدان النامية وعبر أساليب مختلفة وغير ديمقراطية من خلال فرض سياستها الاقتصادية ومن خلال عناوين مختلفة ومنها (( سياسة الانفتاح الاقتصادي )) و (( سياسة العلاج بالصدمة )) وغير ذلك .
كانت ولاتزال الولايات المتحدة الامريكية اللاعب والمهيمن الرئيسي على ادارة وتوجيه هذه المؤسسات الدولية ، وعلى مايبدو سيبقى هذا النهج اللاديمقراطي في المستقبل المنظور بدليل ان((صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، قد قاما كمؤسستين خاضعتين لسيطرة الولايات المتحدة ، كجهتين متحدتين لخدمة سياستها الاقتصادية العالمية ، وحتى كذراعين لنظام عالمي جديد متميز بامبريالية اكثر براعة وفاعلية )) 2.
ان الغرض الرئاسي من تأسيس هذه المؤسسات الدولية هو العمل على تحقيق مهام رئيسية الا وهي بسط الهيمنة الاقتصادية والفكرية والسياسية على العالم وتحقيق مصالح الولايات المتحدة الامريكية من اجل قيادة العالم ، وبهذا الخصوص يؤكد خبير الاستراتيجية الاميركية في معهد السياسة العالمية في نيويورك بنجامين ان((الاهداف الكبرى للسياسية الاميركية هي العمل على جعل العالم كله سوبر ماركت امريكي))3.
لقد كان الهدف الاخر لقيام هذه المؤسسات الدولية ، وهو تجنب وعدم تكرار السياسات الاقتصادية الفاشلة التي افرزتها الازمة الاقتصادية العالمية خلال الفترة 1929 – 1933 من القرن الماضي الا ان قادة الغرب الراسمالي ومؤسساتهم الدولية قد اخفقوا في منع ظهور الازمات المالية والاقتصادية في نظامهم الراسمالي ، بل نجحوا في التكيف مع هذه الازمات وترحيلها واشراك دول الاطراف في ازماتهم ، وان السبب الرئيسي في ظهور الازمات وتكرارها هو انها نابعة من الاساس الاقتصادي لهذا النظام القائم على الملكية الخاصة الاحتكارية لوسائل الانتاج ، وبهذا الخصوص يشير غارودي (( في سبيل الحفاظ على رخاء الولايات المتحدة ، تتبع سياسية اجبار الاخرين على الحد من المواليد ومنع تكاثرهم (حسب نصيحة كيسنجر) ويقال لهم انكم فقراء لانكم تنجبون اطفالاً كثيرين . والحقيقة انتم فقراء بسبب نهب الاستعمار لثرواتكم وخلخلة بني اقتصادياتكم ، وان مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي والجات ، تواصل هذا العمل بالاحتفاظ بمبادلات لامتكافئه في تقسيم العمل العالمي ، وبفرض نماذج تنميه على بلدان الجنوب ، وانظمه سياسيه لاتستجيب سوى لمصالح الشمال )) 4.
يشير نيلسون اروو جودي سوزا الى ان اتفاقية بريتون وودز قد (( رسخت هيمنة الولايات المتحده الامريكيه في المعسكر الراسمالي .... ونقطة الانطلاق للتوسع الامبريالي العالمي )) 5 . وكما يؤكد سوزا الى ان ((صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين يعتبران في الواقع ، مجرد تابعيين للولايات المتحده واحتكاراتها)) 6 .


المطلب الثاني :- أهداف المؤسسات الدوليه بين النظريه والتطبيق
أن النظام الاقتصادي هو الذي يحدد طبيعة وهدف النظام السياسي الحاكم ، وان الاهداف الاقتصاديه والماليه والاجتماعيه يتحدد شكلها ومضمونها بالنظام السياسي القائم ، وهذا يعكس العلاقه الوثيقه والمترابطه والمتبادله بين السياسه والاقتصاد ، فالاقتصاد هو تعبير مكثف عن السياسه .
ان سياسة واهداف المؤسسات الدولية و المتمثلة بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجاره العالميه لهما اهداف مشتركه ومكمله بعضها للبعض الاخر بالرغم من انها مؤسسات دوليه متخصصه ، فمثلا صندوق النقد الدولي مؤسسه دولية مركزية تهتم بالنظام النقدي الدولي .... والبنك الدولي يهتم بمكافحة الفقر وتقديم القروض طويلة الاجل للمشاريع الانتاجية ، ومنظمة التجارة العالمية متخصصة بشؤون التجارة العالمية وهي تمثل سلطة عليا وعالمية وهي في خدمة مصالح الشركات العابرة للقارات من حيث المبدأ وتتصف قراراتها وسلطتها بالديكتاتوريه على الصعيد الدولي ، وهي تمثل احتلالاً اقتصاديا وتجارياً وحتى سياسياً ولكن بشكل ( سلمي ) و ( ديمقراطي ) على الدول الاعضاء ، وهذا ايضا ينطبق على قرارات وسلطة صندوق النقد والبنك الدوليين من حيث المبدأ والجوهر بدليل ان (( صندوق النقد الدولي قد تحول من وسيله للتعامل وفق معدلات التبادل ودفع ، بين الدول الصناعية بشكل اساسي الى اداة لسيطرة العالم الاول ( المقصود العالم الراسمالي ) على السياسه الاقتصاديه للعالم الثالث )) 7 .
ان الثالوث العبودي العالمي والمتمثل بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية يمثل الركن والذراع الرئيس الاقتصادي والسياسي والايديلوجي للنظام الامبريالي العالمي ، وهو الممثل والمدافع عن مصالح هذا النظام بشكل عام وعن مصالح الامبريالية الامريكية بشكل خاص . هناك تناقض بين الاهداف المعتلة والاهداف الحقيقية والمطبقة على ارض الواقع لهذه المؤسسات الدوليه ، وبنفس الوقت هناك اهداف مشتركة لهذه المؤسسات الدولية ، وهناك اهداف خاصة لكل مؤسسه دولية ، ولكن هذا التناقض او الاختلاف والتخصص لن يؤثر على الاتجاه العام لسياسة هذه المؤسسات الدولية فادوارهما مكمله بعضها للبعض الاخر .


ان من اهم الاهداف الرئيسه والمعتلة لصندوق النقد والبنك الدوليين تتمثل في الاتي :-
1. تشجيع وتنمية التعاون الدولي في المجالات النقدية والاقتصادية التي تواجه الاقتصاد الدولي .
2. العمل على تحقيق استقرار اسعار الصرف .
3. العمل على تطوير وتوسيع التجارة الدولية ، وتحقيق النمو المتوازن للمساعدة على تحقيق مستويات عالية من العمالة والدخل وتنمية الموارد الانتاجية .
4. العمل على تحقيق الاستقرار النقدي على الصعيد الدولي .
5. تقديم المساعده الفنية والمشوره وفي شتى المجالات المالية والاقتصادية .
6. تقديم قروض قصيرة الاجل ومتوسطة الاجل لاغراض متعددة وفي مقدمتها معالجة الاختلال سواء في الميزانية او ميزان المدفوعات .
7. العمل على توفير الثقة للدول الاعضاء بجعل موارد صندوق النقد الدوليين متاحة للدول الاعضاء وفق شروط محددة .8
ان تحقيق هذه الاهداف وغيرها يتم عبر وظيفتين رئيسيتين وهما وظيفة تمويلية اي تقديم القروض للدول الاعضاء وفق شروط محددة وقاسية ، اما الوظيفه الثانية ، فهي وظيفة رقابية وتعني المحافظة على استقرار سعر الصرف ومراقبة النظام النقدي الدولي وتقديم المشورة في السياسية النقدية للدول الاعضاء .
الاهداف الفعلية :-
يشكل صندوق النقد والبنك الدوليين ادوات اقتصاديه وايديولوجية رئيسية للنظام الامبريالي العالمي والهدف الرئيسي لهذه المؤسسات الدوليه يكمن بالاستحواذ والسيطرة على ثروات الشعوب والسيطرة على العالم وقيادته من قبل الامبريالية الامريكية .

اولا :- الهيمنة الفكرية :-
تعني الهيمنة الفكرية ( الايديولوجية ) هو سعي هذه المؤسسات الدوليه الى تصدير الراسماليه كنظام سياسي واقتصادي – اجتماعي للدول الناميه وغيرها من البلدان وباساليب متعدده وتحت ذرائع واهية وخادعة ، فقد تم تقويض الجزء الهام من المعسكر الاشتراكي والمتمثل بالاتحاد السوفيتي ودول اوربا الشرقية تحت ذرائع (( حقوق الانسان والديمقراطية والتعددية )) وتم تحقيق الهدف اللامشروع ولعب العامل الخارجي الدور الرئيسي والفاعل والموجه للعامل الداخلي ، ولعب (( عملاء النفوذ )) في قمة الحزب والسلطة السوفيتية والخيانة العظمى لغورباتشوف دورا رئيسياً في تقويض الاتحاد السوفيتي ، واعتبر( منظروا ) الغرب الراسمالي ( بانتصار ) الليبرالية وهذه هي نهاية التاريخ ، فنهاية التاريخ هي بناء المجتمع اللاطبقي ، المجتمع الذي يحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية وعلى اسس علمية وتكنولوجية متطورة ، مجتمع يخلو من الحروب والفقر والمجاعة والبطالة ، مجتمع يتحقق فيه السلام والعمل والحرية والمساواة والرفاهية للجميع وبدون تمييز ، فالراسماليه ليس لها مستقبل بل الاشتراكيه هي مستقبل البشرية .
ثانيا :- الهيمنة المالية :-
ان الهدف الرئيسي للمؤسسات الدولية هو الاستحواذ المستمر واللامشروع على ثروات الشعوب وخاصة شعوب بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية وافقارها واذلالها والعمل على استثمار رؤوس اموال هذه الدول و خاصة الغنية منها لصالح الاقتصاد الراسمالي وقبول الودائع المالية وخاصة من البلدان المنتجه للنفط بهدف تعظيم الارباح لصالح الطغمة المالية والتحكم بهذه الاموال من قبل البنوك والشركات الغربية وبما يخدم مصالحها في ظل غياب التكافؤ في العلاقات الاقتصادية والمالية ، وتصريف مؤقت لازمة نظامهم الراسمالي .
ثالثا :- الهيمنة الاقتصادية :-
ان الهدف المعلن لصندوق النقد والبنك الدوليين اتجاه البلدان النامية هو تقديم المساعده للدول الاعضاء في هذه المؤسسات الدولية لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتقديم القروض ومعالجة الاختلال في الميزانية الحكومية والميزان التجاري وميزان المدفوعات ... الا ان واقع الحال والفعلي لم يتم الالتزام به وتطبيق اهدافه فالذي حصل هو ان هذه الدول تحولت الى بلدان مصدرة لاهم الموارد الطبيعية ( نفط غاز...) والايدي العاملة الماهرة ، وبنفس الوقت تحويلها الى سوق لتصريف ((فائض)) الانتاج الراسمالي بهدف الحصول على الارباح الخيالية ، ودفع هذه البلدان في فخ المديونية الخارجية ، وتكريس التبعية والتخلف للاقتصاد الراسمالي، واصبحت العلاقه بين المركز والاطراف هي علاقة منتج ( البلدان الراسمالية ) مستهلك ( البلدان الناميه ) ، وان كل هذا وغيره قد ساعد البلدان الراسمالية من فرض هيمنتها الاقتصاديه على البلدان النامية ، وان الراسمالية لايمكنها ان تنمو وتتطور الا من خلال الاستحواذ والهيمنة وغزو الاسواق الخارجيه من اجل تصريف انتاجها ((الفائض)) والحصول على الارباح ، فالراسمالية تموت وتفنى بدون السيطرة على الاسواق الخارجية وبدون حروبها غير العادلة .
ان تنفيذ هذه السياسة الخطيرة من قبل المؤسسات الدولية واستمرارها اتجاه البلدان النامية تم ويتم من خلال ((اصدقاء)) و ((حلفاء)) الغرب الراسمالي ومؤسساتة الدولية في هذه الدول ، وان هؤلاء يحتلون مواقع هامة وكبيرة في هرم السلطة التنفيذية والتشريعية ، ويشير وليمون الى ان ((طبقة من العلماء الاقتصاديين في هذه البلدان ممن تدربوا في الغرب وطبقوا تحليلاً معيارياً تقليدياً تسنموا مناصب وزارية هم الذين ادخلوا في الغالب اصلاحات سياسية – اقتصادية ضخمة بخصوص كبح دور الدولة وزيادة الاعتماد على اليات السوق )).9
جوهر وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين :-
ان تحقيق الاهداف الفعلية لصندوق النقد والبنك الدوليين يتم من خلال تطبيق وصفة هذه المؤسسات الدولية ومن خلال ((حلفائهم )) و ((اصدقاؤهم )) في البلدان النامية ومن ((عملاء النفوذ))وهم في اهم المواقع الادارية في السلطة ، وان تنفيذ هذه الوصفة ((السحرية))في البلدان النامية قد تم وتحت مسميات عديدة ومنها مايسمى ، بسياسة الانفتاح الاقتصادي وسياسة مايسمى العلاج بالصدمة وغيرها من التسميات الاخرى ويكمن جوهر هذه الوصفة في :-
1. العمل على تطبيق ليبرالية الاسعار وليبرالية التجارة .
2. العمل على تنفيذ برنامج مايسمى بالخصخصة سيئ الصيت في شكلة ومضمونة .
3. العمل الجاد على تخفيض الدعم الحكومي وبالتدريج للقطاعات الانتاجية (زراعة ، صناعة) والخدمية (تعليم ، صحة ....) وفي النهاية رفع نهائي للدعم لهذه القطاعات .
4. ينبغي ابعاد دور الدوله الاقتصادي والاجتماعي من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمل على اضعاف قطاع الدولة وخاصة في القطاعات الانتاجية .
5. ينبغي العمل على تعزيز دور ومكانة القطاع الخاص الراسمالي في الحياة الاقتصادية .
6. من الضروري ان تتم معالجة الحجوزات المالية سواء في الميزانية الحكومية او غيرها من خلال تخفيض الانفاق الحكومي على القطاعات الانتاجية والخدمية وتطبيق سياسة التقشف سيئة الصيت ، وان المتضرر الرئيسي من هذه السياسة المالثوسية هم الفقراء الذين يشكلون الغالبية العظمى في هذه الدول .
7. العمل على ايجاد سوق حرة للنقد الاجنبي ومن دون رقابة واشراف بين الدول ، اي حرية الانتقال للنقد الاجنبي .
8. العمل على خلق طبقة رأسمالية في البلدان النامية وكذلك العمل على تكوين طبقة متوسطة في هذه البلدان وهم فشلوا في تحقيق ذلك ، بل ظهرت فئه طفيلية تابعة ومتخلفة ،ناهبة وسارقة لثروة الشعب وبشكل غير شرعي ومرتبطة بالغرب الامبريالي ومؤسساته الدولية وان مصالحها مترابطة ومتشابكة من الناحية السياسية والاقتصادية مع البلدان الراسمالية ومؤسساتها المالية والاقتصادية الدولية .
ان هذه الوصفة (( السحرية )) تحمل طابعا طبقيا وايديولوجيا ، تهدف الى تصدير الراسمالية كنظام اجتماعي-اقتصادي الى البلدان النامية باساليب متعددة وان هذه الوصفة لن تحضى بتأيد وقبول من قبل الغالبية العظمى من شعوب البلدان النامية ولا حتى من قبل شعوب رابطة الدول المستقلة ( جمهوريات الاتحاد السوفيتي ) ولا من قبل شعوب دول اوربا الشرقية بدليل ان (( عدد المواطنين النافرين من اقتصاد السوق في تزايد مستمر ... وان هؤلاء المواطنين قد صاروا يتحفظون عن الاطار السياسي المناسب لاقتصاد السوق وعن الديمقراطية ... واننا نشهد فزعاً من اقتصاد السوق المحررة من القيود )) 10 .
ان تطبيق وصفة المؤسسات الدولية سواء تم ذلك بالتاثير او الضغط او التهديد الاقتصادي ، او بتقديم الوعود المالية والمناصب الادارية في السلطة (( لحلفائهم – اصدقاؤهم )) فان هذا النهج اللاديمقراطي يعني احتلال البلد(( سلمياً )) سواء كان ذلك بشكل مباشر او غير مباشر لغالبية البلدان النامية ، ومن اهم افرازات واخطار هذه الوصفة المشعوذة هي انها اشاعت الفوضى والخراب الاقتصادي والاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي في هذه البلدان وتم اضعاف السيادة الوطنية والقرار الوطني لهذه الدول .
يشير فريدمان (( لم تعد امريكا بحاجة لان تحتل دولة عسكريا ، فالاحتلال يمكن ان يحدث فعلا بالثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا وبمنظومة القيم )) وكما يؤكد فريدمان ان (( من يتمرد فسيتعرض كما تعرضت له اندونيسيا وماليزيا وتايلند والهند ، عندما انطلقت كلاب الصيد ، تهتك سمعتها ، وتكالب عليها (( القطيع الالكتروني ))مغتصبا ثرواتها مستخدما قوة صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الامريكية ... ))11 .
البنك الدولي :- اهدافة بين النظرية والتطبيق :-
تاسس البنك الدولي على اساس معاهدة بريتون وودز عام 1944 ، ويظم عدة مؤسسات متخصصة ومنها : وكالة التنمية الدولية ، ومؤسسة التمويل الدولية ، ووكالة الضمان الاستثمارية المتعددة الجوانب ،والمركز العالمي لحل النزاعات الاستثمارية ويظم في عضويتة 184 دولة .
ان من اهم الاهداف المعلنة للبنك الدولي والتي تمثلت في مكافحة الفقر وتطوير المشروعات الانتاجية ، وتقليل التفاوت الاقتصادي – الاجتماعي بين الدول على الصعيد الدولي وعلى صعيد كل دولة ومعالجة العجوزات المالية وتخفيض اعباء الديون الخارجية للدول النامية ، وتشجيع الاستثمار الاجنبي مع توفير الضمانات القانونية له ، والعمل على تعزيز النمو المتوازن الطويل الامد للتجارة العالمية وغيرها من الاهداف .12
هناك اهداف مشتركة بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وفي نفس الوقت فأن هذه الاهداف تحمل طابعا متناقضا بين النظرية والواقع الموضوعي الملموس اذ يؤكد ريتشارد بيت((وعلى النقيض من مزاعم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ساءت الى حد كبير... اوضاع الفقراء ومعظم قطاعات المجتمع بسبب فوضى اسواق العمل والحد من انفاق الدولة في مجال الخدمة الاجتماعية ولاسيما في التعليم والصحة)) 13.
ان سياسة التخريب الاقتصادي والاجتماعي المخططة والمنظمة لهذه المؤسسات الدولية اتجاه بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ورابطة الدول المستقلة ( جمهوريات الاتحاد السوفيتي ) وخاصة روسيا ودول اوربا الشرقية وعلى مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماية والثقافية والايديولوجية اضحت واضحة للعيان وبالملموس ولايمكن لاحد انكار ذلك ، بدليل ان ما حدث في (( بنجلادش هذا البلد صاحب الكثافة السكانية العالية ، والموارد الشحيحة ، كان يعتمد على زراعة وتصنيع الجوت ، للحصول على العملات الاجنبية ، والحبوب لسد حاجة الشعب ، فجاءت قرارات صندوق النقد الدولي ، بتنظيم هيكلية الاقتصاد ، مشترطا اغلاق ثلث المنشأت العامة وحتى الخاصة ، وتسبب هذا في فصل اكثر من 35 الف عامل . وتحت مسمى (( المعونة الغذائية الامريكية )) لبنجلادش ، استخدمت امريكا برنامج (( العمل مقابل الغذاء)) ( يشبه البرنامج السيئ الصيت الذي فرضته امريكا على الشعب العراقي تحت مسمى ((النفط مقابل الغذاء )) والذي ينفذ تحت اشراف وكالة المعونة الامريكية , لتمويل مشاريع الاشغال العامة , لم تدفع امريكا اجورا للعمال , بل راحت تدفع له قمحاً امريكياً . ولو اشترت القمح من السوق المحلية لقدمت تشجيعا للمزارعين ، وعملة اجنبية لبنجلادش ، ولكنها اختارت غير ذلك وخربت زراعة الحبوب ، وهذا ماتفعله في شمال العراق وجنوبه ووسطه ،فلا تشتري في مشروع ((النفط مقابل الغذاء)) شيئا من السوق المحلية ،مما سبب ضربة للفلاحين والمزارعين ، واليوم تغرق العراق بالسجاير الامريكية ،علما بان شمال العراق يزرع كميات كبيرة من التبغ لاتجد اليوم من يشتريها وما يحدث ((في كل من الصومال وجنوب الصحراء الافريقية ورواندة وشرق وجنوب اسيا مثل الهند وفيتنام وامريكا اللاتينية ))14 ،الادليل وبرهان على النهج التخريبي من قبل هذه المؤسسات الدولية اتجاه اقتصاديات البلدان النامية واقتصاديات رابطة الدول المستقلة وخاصة روسيا الاتحادية ، ناهيك عن اقتصاديات دول اوربا الشرقية .
لقد فشلت قوى الثالوث غير المقدس في تحقيق اهدافها المعلنة في البلدان النامية وحتى في البلدان الرأسمالية وفي مقدمة تلك الاهداف مكافحة الفقر والبطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية في هذه البلدان ، وكما شوهت هذه المؤسسات الدولية عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي من خلال تعميق التفاوت في الثروات والدخول على صعيد الدول والافراد في ان واحد ، ففي عام 2008 وصل عدد المليارديرية في العالم 1125 ملياردير وبلغت ثروتهم 4 تريليون و 400 مليار دولار ، وان اجمالي ثروة اغنى الاغنياء تساوي على وجه التقريب مجمل الدخول التي يحصل عليها في عام واحد نحو 3 مليار شخص ، اي التي يحصل عليها مجمل سكان الهند وباكستان وبنغلادش وتايلاند وماليزيا وفيتنام والفلبين والقارة الافريقية برمتها 15 .، وفي عام 2010 وصل عدد الميليارديرية في العالم 1110 ملياردير وبلغت ثروتهم 3 ترليون و600 مليار دولار 16 . ان عملية التطور الاقتصادي – الاجتماعي وخاصة في مرحلتها المتقدمة الاوهي الامبريالية تلازمها التشوه وتعميق الهوة الاقتصادية – الاجتماعية في المجتمع وهذه هي صفة ملازمة وحتمية لهذه التشكيلة بدليل ان الثروة الكلية لأغنى 200 شخص في العالم لعام 2000 وصلت الى تريليون دولار ، بينما وصل دخل 285 مليون شخص يعيشون في افقر 34 دولة في العالم الى 167 مليون دولار ، وان الناتج المحلي الاجمالي لافقر 84 دولة في العالم يعيش فيها ربع سكان الارض اقل من الثروة الكلية لاغنى ثلاثة اشخاص في العالم ، وحوالي نصف سكان العالم ، اي ثلاثة مليارات شخص يعيشون على ماهو اقل من دولارين في اليوم كدخل ثابت ، ويوجد حوالي مليار شخص في العالم دخلوا القرن الحادي والعشرين وهم غير قادرين على القراءة والكتابة وحتى التوقيع باسمائهم ، ويوجد حوالي 7 مليون طفل في العالم يموتون سنوياً بسبب الفقر وازمة الديون 17 .
ان المواطن في البلدان الرأسمالية فاقداً لكثير من حقوقه الاساسية وفي مقدمتها حق العمل المشروع له ، وفي ظل غياب هذا الحق يتزايد معدل البطالة وبالتالي يتزايد معدل الفقر ، وان الرأسمالية لم تعطي اهمية جدية لهذه المشاكل ، وان الانسان ليس له قيمة واحترام لاهم حقوقه ، فالحيوان يفضل على الانسان بدليل ينفق الغرب الأمبريالي على ((اطعام القطط والكلاب في اوربا وامريكا مبلغاً سنويا يتجاوز 10 مليار دولار ، وهذا يكفي لاطعام جائعي العالم )) وان ((الغرب ولاسيما الولايات المتحدة هي المهندس الاكبر لفقر العالم )) 18 . وان ((مايهم الولايات المتحدة الامريكية هو استقرار وتأمين الطبقات العليا والمستثمرين الاجانب ، واي نجاح اجتماعي واقتصادي خارج ذلك يمثل نموذجاً خطراً يجب تدميره قبل انتقال عدواه )) 19 .
يؤكد ورويك موراي ان ((ثلاثة ارباع سكان العالم غير محظوظين ،ويجد غالبية انفسهم في ظروف فقيرة غير صحية مع القليل من الامن الاقتصادي . كثير من فقراء العالم يعيشون في مناطق قروية في العالم الثالث )) وكما يؤكد ايضا ((يعيش في الالفية الجديدة 1،3 مليار من الناس على اقل من دولار اميركي واحد في اليوم ، واكثر من 800 مليون شخص يعانون من سوء التغذية ، و 840 مليونا اميون ، ويفتقر 1،2 مليار نسمة الى المياه الصالحة للشرب)) 20 .
جدول رقم (1)
نسبة التفاوت في الدخول بين اغنى الدول وافقرها 21 .
السنة نسبة التفاوت
1820 3:1 ضعف
1950 35:1 ضعف
1973 44:1 ضعف
1990 150:1 ضعف







جدول رقم (2)
مقدار التفاوت في الدخول بين الاغنياء والفقراء 22 .
الفترة مقدار التفاوت
فترة الستينات 30:1 مرة
فترة السبعينات 60:1 مرة
فترة التسعينات 90:1 مرة
عام 2003 290:1 مرة

أن الراسماية تولّد وتنتج الفقر والاذلال ، والعوز والتخلف وانحطاط المستوى المعاشي للغالبية العظمى من المواطنين وبهذا الخصوص يؤكد جوزيف ستكلتز لقد (( كانت النتيجة في العديد من الشعوب الوقوع في مهاوي الفقر ، وفي العديد من البلدان فوضى اجتماعية وسياسية ، فصندوق النقد الدولي – مثلا – ارتكب اخطاء في جميع الميادين التي يشارك فيها سواء في التنمية وادارة الازمة في البلدان المتحولة من الشيوعية الى الراسمالية ))23.
يشير ستكلتز على حقائق موضوعية والتي تعكس تنامي العوز والفقر في البلدان التي طبقت سياسة صندوق النقد والبنك الدوليين ، اذ يوجد 2,8 مليار شخص يعيشون على اقل من دولارين يوميا ، اي اكثر من 45 بالمئة من سكان العالم ، وان الفقر كظاهرة اجتماعية – اقتصادية تتزايد باستمرار ،بدليل في عام 1990 قدر عدد الفقراء الذين يعيشون على اقل من دولارين في اليوم 2,718 مليار شخص ثم زاد العدد الى 2,801 مليار شخص عام 1998 24 ، وهذه الظاهرة في تزايد مرعب وبشكل مستمر ، وهذاهو الجوهر الرئيس للنظام الامبريالي العالمي .
ان مخططو السياسة الاقتصادية والمالية للمؤسسات الدولية في البلدان الراسمالية هم من اكثر الفئات البيروقراطية والطفيلية وفشلو في وضع المعالجات الجذرية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلدان النامية والسبب الرئيس يعود الى ان هؤلاء ((الخبراء)) يضعون سياسات اقتصادية واجتماعية للبلدان النامية لاتنبع ولا تتلائم ولاتتطابق مع واقع وحاجات وتطلعات شعوب البلدان النامية وبالتالي دفعوا هذه البلدان وشعوبها الى مآزق خطيرة لها بداية وليس لها افق قريبة للحل الجذري ، بدليل يوجد اكثر من مليار عاطل عن العمل وهذا يشكل ثلث قوى العمل الدولية وان علاقة المؤسسات الدولية وخبرائها بالبلدان النامية علاقة السيد / الاقطاعي بالعبد / الفلاح .فعلى سبيل المثال (( عندما يقرر صندوق النقد الدولي مساعدة دولة ما ، يرسل (بعثة) من الخبراء الاقتصادين يفتقرون الى خبرة واسعة عن الدولة ، فهم على الارجح لهم معرفة مباشرة بفنادق الخمس نجوم من معرفتهم للقرى )) 25 .

المطلب الثالث :- اهم المآخذ على سياسة المؤسسات الدولية :-
ان تاسيس صندوق النقد والبنك الدوليين جاء بهدف معالجة الاثار الاقتصادية والاجتماعية التي سببتها الحرب العالمية الثانية بالاقتصاد الاوربي وكذلك العمل على معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلدان النامية . ان الاهداف المعلنة لهذه المؤسسات الدولية هي مشروعة وسليمة الا انه لم يتم الالتزام بها من حيث التطبيق ، فالتنظير للاهداف المعلنة شيء والتطبيق الفعلي لسياسات هذه المؤسسات شيء اخر ، وتحمل هذه المؤسسات الدولية في نشاطها طابعاً متناقضاً في الشكل والمضمون ، ويعود السبب الرئيسي الى ان هذه المؤسسات الدولية كانت ولاتزال تعمل لصالح الاقتصاد الراسمالي العالمي وانقاذه من ازماتة الحتمية بشكل عام ولصالح الاقتصاد الامريكي بشكل خاص ، وليس لصالح اقتصاديات البلدان النامية ، وهذا هو طابع وجوهر التناقض لهذه المؤسسات الدولية .
ان من اهم الماخذ على السياسات الاقتصادية لصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية هي الاتي :-
1. تسعى وتهدف هذه المؤسسات الدولية الى فرض مايسمى بسياسات الاصلاح الاقتصادي وتحت عناوين ومسميات متعددة ومنها سياسة الانفتاح الاقتصادي ، وسياسة العلاج بالصدمة ...، وان هذه السياسات ماهي الاسياسات مؤدلجة ومنحازة لصالح الطبقة البرجوازية في البلدان النامية وحلفاؤهم في البلدان الراسمالية ، وان هذه السياسات غير ديمقراطية لانها مفروظة ومشروطة وتعمل بالضد من مصالح الغالبية العظمى من شعوب البلدان النامية ، وكما تهدف هذه السياسات الى اضعاف ثم تصفية دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والغاء دور ومكانة قطاع الدولة وبنفس الوقت تعزيز دور ومكانة القطاع الخاص الراسمالي وربطه بالاقتصاد الراسمالي .
2. ان سياسة القروض ومايسمى بالمساعدات المالية الممنوحة من قبل المؤسسات الدولية للبلدان النامية دائما تكون مشروطة بشروط صعبة وقاسية ومعظم هذه القروض تتوجه نحو تطوير قطاع الخدمات وقطاع الاستخراج بالدرجة الاولى وليس تطوير القطاعات الانتاجية اي القطاع الصناعي والقطاع الزراعي ، وهذه السياسة تصب في خدمة مصالح الشركات الاحتكارية لرأسمالية العالمية في البلدان الرأسمالية ،ناهيك عن ارتفاع سعر الفائدة على القروض المقدمة للبلدان النامية ، مما حمل هذه البلدان اعباء مالية كبيرة وادخلها في مآزق مالية مرعبةً ، واصبحت هذه الدول تواجه صعوبات جدية في دفع خدمة الدين ناهيك عن الديون نفسها ، وكما تمارس هذه المؤسسات الدولية في تكريس سلطتها الدكتاتورية من خلال استخدامها للادوات السياسية والمالية والاقتصادية الكبيرة على البلدان النامية الراغبة في الحصول على القروض او مايسمى بالمساعدات في فرض (حق) الاشراف والتدخل المباشر على طريقة وتوجيه وانفاق هذه القروض وحسب اهدافها ومصالحها ، وهذا يعد تدخلاً مباشراً في الشؤن الداخلية لهذه الدول وهو ايضا مخالف لمبدأ الديمقراطية والتكافؤ في العلاقات الاقتصادية الدولية ، ومما يؤكد ذلك ((فيما يتعلق بالمؤسسات المالية والتجارة العالمية يوجد اجماع واسع للرثاء على فقدانها للشرعية الديموقراطية)) وان هذه المؤسسات واقعة((تحت تأثير الاوساط المالية الامريكية وعقدة ولستريت والخزينة الامريكية)) 26.
3. تقدم المؤسسات الدولية التسهيلات المالية فيما يتعلق بالقروض و ((المساعدات)) واعطاء الاولوية للدول السائرة في ركبها ونهجها السياسي والاقتصادي اي للدول ((الحليفة – الصديقة )) التي تقوم بتنفيذ السياسة الاقتصادية لهذه المؤسسات الدولية بهدف تطبيق وتبني سياسة اقتصاد السوق الرأسمالي هذا من جهة ، ويتم عرقلة وتنفيذ القروض وما يسمى بالمساعدات المالية للدول الرافضة لنهج هذه المؤسسات الدولية وتحت مبررات وذرائع واهية ومنها غياب الديمقراطية ، وحقوق الانسان ...، وكما تعطي هذه المؤسسات الدولية اهمية كبيرة لمصالح الشركات المتعدد الجنسية والعمل على ضمان حقوق هذه الشركات القانونية بما فيها ضمان الارباح وتحويلها للخارج وعلى هذا الاساس ((يلجأ الامبرياليون الى مختلف الاساليب ومنها (المساعدات) الاقتصادية وخصوصا العسكرية منها ، ولاتقدم هذه المساعدات ولاتباع الاسلحة الابشروط تؤمن مصالح السياسة الخارجية للامبرياليين )) 27 .
4. هناك علاقة ترابط وتشابك في المصالح والاهداف بين البلدان الراسمالية الصناعية المتطورة وخاصة الولايات المتحدة الامريكية وبين المؤسسات الدولية ، فالدول الامبريالية وخاصة الامبريالية الامريكية هي التي تهيمن وتوجه وتسيطر على نشاط وعمل هذه المؤسسات الدولية وفقا لمصلحتها ومصلحة النظام الراسمالي ، وتعتبر هذه المؤسسات الدولية ادوات فاعلة ورئيسة للتعبير عن المصالح السياسية والاقتصادية والايديولوجية للبلدان الراسمالية بشكل عام وللولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص وان هذا الترابط والتفاعل والتشابك يتم على حساب مصالح شعوب البلدان النامية ، وبهذا الخصوص يؤكد بريجينسكي لقد " كانت امريكا .... قوة توسعية شرهة اقليميا ومتعطشة للارض ولا تعرف معنى الرحمة في السعي الى تحقيق مصالحها المادية وامبريالية في طموحاتها الدولية ، ومنافقة على صعيد نزعتها الديمقراطية " 28 ، واخيرا شهد شاهد من اهلها .
5. ان سياسة المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية قد ساعدت ولاتزال تساعد على هروب رؤوس الاموال الوطنية من البلدان النامية الى البلدان الراسمالية وباساليب متعددة وغير مشروعة ، مما ساعد هذا النهج الخطير على تعمق ظواهر خطيرة الا وهي تنامي ظاهرة الفساد المالي والاداري وعملية غسيل الاموال ، وتنامي معدلات البطالة والفقر والجريمة والتلوث الاجتماعي ... وكما ساعد هذا النهج اللاشرعي على اضعاف وتدهور وتخريب الاقتصاد الوطني للغالبية العظى من البلدان النامية ، واضعاف السيادة الوطنية وتكريس التخلف والتبعية للبلدان الراسمالية ، وبالتالي تم تكريس وتعميق الاستقطاب والتمايز الاقتصادي – الاجتماعي بين البلدان النامية لصالح البلدان الراسمالية ، بدليل يشكل الشمال الغني 15 بالمئة من مجموع سكان العالم الا ان نصيبة من الناتج المحلي الاجمالي العالمي لعام 1999 بلغ 77% ، في حين يشكل الجنوب الفقير 80 بالمئة من سكان العالم الا ان نصيبة من الناتج المحلي الاجمالي العالمي لايتعدى 20 بالمئة ، وان مليار نسمة تتصرف ب5 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي العالمي ، وهذا اقل من الدخل المحلي الاجمالي لفرنسا .