الحوار المتمدن - موبايل



ماجد الخطيب في مسرحيته الجديدة

جواد وادي

2013 / 12 / 11
الادب والفن




ماجد الخطيب في مسرحيته الجديدة
(ثور فالارس)
يثير اشكالية المثقف بالسلطة
من خلال ثيمة التعذيب في التاريخ
جواد وادي

هل يتطور الإنسان حقا، نحو مستوى حضاري أسمى؟ أم أننا اليوم متوحشون مثلما كنا في فجر التاريخ؟
ان تاريخ التعذيب هو توثيق للضراوة وسجل للفضائع الوحشية، حتى باسم الدين والعدالة،
هل أن من يسلك هذا الطريق لعله يصدم في يوم ما من خلال ادراكه بقدرته على هذه الضراوة والوحشية؟
ما إن بدأت بقراءة مقدمة الكاتب عن فكرة كتابة العمل، ومن أين استمدها، قبل الولوج إلى متون النص المسرحي، تذكرت تلك الأماسي المرعبة وأنا أطالع كتاب تاريخ التعذيب، تأليف (urwoodBernhardt H) وترجمة الراحل ممدوح عدوان، وما يحتويه من وصف لا يمكن لمن له قدرة هائلة على التحمل، ان يكمل قراءة الكتاب، لبشاعة وسائل التعذيب في التاريخ وما مرت به البشرية من محن ووسائل ابادة تفوق التصور، وكلها كانت باسم العدالة المزعومة، وهي عدالة الطغاة والسلطة الجائرة، وباسم الدين من خلال تشريع قوانين ينسبونها للسماء، تبيح لهم إبادة من لا يطيع الطغيان ويتجرأ بالتمرد عليها، حتى اضطررت لعدم تكملة الكتاب لاحساسي بالقشعريرة من شراسة اساليب التعذيب وقدرة بشر على إنتزاع جسد الانسان شلوا شلوا دون أن تحرك فيهم أية رهبة أو أسف وهم يتلذذون بتشريح الضحايا وشيها وباساليب إبادة لا يمكن تصورها، لينالوا رضى الحاكم وبطانته وهم يتلذذون بمشاهد القتل وسماع أنين الضحايا وكأنها سيمفونيات باذخة
يطرح الكاتب المبدع ماجد الخطيب الاشكالية دائمة الحضور في مشهدنا الثقافي باثارة موضوع علاقة المثقف بالسلطة، وله في هذه الثيمة مسرحيات صدرت، تتصدى لهذه الظاهرة بكل تفاصيلها.
فوجود شخصيات في المسرحية تعرض لهذه الاشكالية وتثير ملابساتها مثل: النحات (الفنان) الانتهازي، والمثقف المقاوم لنهج السلطة، متمثلا بالفيلسوف فيثاغورس، والشاعر المتهور بارليوس، والكتاب الاشباح الذين يتحدثون عن انتقام الطغاة منهم.
اليست هذه النماذج التي نلتقيها في المسرحية هي ذات العينات التي تمثل بشكل واضح النماذج التي عايشناها وما زلنا، لتمثل ظاهرة في المشهد الثقافي وتشي بهذه العلاقة بين السلطة والمثقف المهادن وسواه الرافض للتدجين وبيع الضمير.
هنا أشد على يد المؤلف لهذا التوظيف الفطن الذي من خلاله يدفع القارئ لعدم نسيان ما مر بالعراق من فضائع على يد الطغمة البعثية الفاشية الفاسدة، بابواقها وخدمها الاذلاء، وما عاناه من أهوال، لأن التعذيب بساديته وبشاعته لا دين ولا ملة ولا ارض له، مثلما الارهاب ووسائل القتل البشعة التي تمارس في وقتنا الراهن، مضاف لكل هذا بيادق الكتابة المندوفة أقلامهم بالعار والاستهلاك (الثقافي) الرخيص.
يقول الكاتب في مقدمته للعمل: قرر ثيرون، ملك اكراغاس، الواقعة في صقلية اليوم، في سنة 570 قبل الميلاد، بناء معبد جديد للإله ابوللو. ووقع اختياره على المهندس المعماري ليوداماس فالارس، من رودس، لتنفيذ خطة البناء. دام البناء 14 سنة كاملة. استخدم فالارس في البناء العبيد والأسرى، وجند جيشاً صغيراً من المرتزقة للاشراف على العمل.
وفي ليلة ربيعية من سنة 556، وبينما كانت المدينة، بأمر من ثيرون، تحتفل بافتتاح المعبد العظيم، هاجم جيش فالارس، الذي أعده من العبيد، القصر الملكي، فتك رجاله بثيرون وعائلته، استبيحت المدينة، ولقي الآلاف من سكان المدينة حتفهم. نصب فالارس نفسه ملكاً على عرش اكراغاس، وذاع صيته بين ملوك اثينا ورودس وطيبة كطاغية دموي نكل بكل صوت معارض، وأعدم كل من خالفه في الرأي. وإلى جانب قسوته البالغة وساديته ودمويته، عرف عن فالارس، في الوقت ذاته حبه للفنون، ورعايته للشعراء الذين يمتدحونه. وصار على كل مبدع لايكرس فنه لمديح الطاغية ان يجد ملاذا في الجزر النائية.
رغم كل هذا العسف يتبرع النحات المعروف بيريليوس بثور نحاسي هائل، سمكه سنتمتر واحد، ومجوف، إلى الطاغية فالارس كي يقدم به"القرابين" لأبوللو. كان الثور النحاسي بلا فتحات، عدا عن باب موقد، و فتحات الفم والمنخرين. وزود الفنان"المبدع" المنخرين والفم باجهزة موسيقية تحول صرخات الضحايا في جوف الثور إلى موسيقى. وكان فالارس يعب النبيذ ويرقص على أنغام الموسيقى منتشياّ بساديته، وهو ما جعل الروائي فريدريش هيبل يصف قصائد هاينه بأنها مثل الموسيقى التي تنطلق من جوف ثور فالارس. والمؤلم جدا في الموضوع، كما هي الحال مع قصة" جزاء سنمار"، أن النحات بيرليوس كان أول ضحايا ثور فالارس.
وجدت من الضروري الاستعانة بمقدمة المؤلف لما تتضمن من اهمية لشرح الدافع لكتابة هذا العمل وتوضيح اساسي للقارئ الذي قد يتساءل عن مصدر الكاتب في جهده هذا، وبدل أن يضيع في دوامة البحث، يباشر بقراءة هذا العمل الجدير بالاهتمام حقا، لأن هم الكاتب من هذا الاقتباس هو اسقاطه على محطات أساسية وفاصلة في تاريخ العراق، وما مر به من محن لأن الطغيان لا وطن ولا جغرافية له مع اختلاف في بعض التفاصيل، يظل يقض وجود البشر ويجعلهم دائمي الرعب والتشظي من وصول ماكنة المحو بفرسانها الذين أدمنوا هذه الأجواء ومشاهدة ضحاياهم وهم يقطعون أوصالا، أو يدفنون أحياء أو يشوون شيا، كما الخراف، وهذا ما يتناوله العمل الذي بين أيدينا، ومن حقنا أن نعلن وقوفنا مع الكاتب، كونه لا يريد أن ينسى تلك المرحلة الدموية المخيفة التي مرت على وطنه، واحرقت الاخضر واليابس، وطنا وشعبا وضرعا، كامتداد لمراحل الطغيان في التاريخ والوسائل المرعبة التي مرت على الانسانية، بمسوغات لا توجد الا في عقول الطغاة ومن يحيط بهم من قتلة وأشرار ومخبولين، وللكاتب عمل مهم تناول ذات الثيمة الخارجة من رحم الطغيان في مسرحيته المونودراما (عاشق الظلام).
المسرحية تحمل عنوان (ثور فالارس)
بشخوصها:
بيريليوس : نحات مشهور
غالاتيا : خطيبة بيريليوس
ميلانخوس: مهرج الملك وأب غالاتيا
فالارس : ملك اكراغاس
الشبح : هو ستيسيكورس، شاعر يوناني ملحمي عظيم
تيليماخوس: صديق بيريليوس وحفيد الملك ثيرون
بارليوس : شاعر، صديق بيريليوس
فيثاغورس: أحد أعمدة الحكمة الهيللينية السبعة



تدور أحداث المسرحية في أربعة أماكن هي: (ورشة عمل الفنان بيرليوس، والبلاط الملكي، والساحة المثلثة، ومعبد الجماعة الفيثاغورية)
تبدأ المسرحية بصرخات عالية وصليل سيوف ولعنات وكل ما يعبر عن حرب أو مجزرة، يقتل فيها حشد من البشر.
يضع الكاتب القارئ ما أن يفتتح القراءة، بمشهد رعب وكأنه يريد تنبيه متلقيه بان ما سيأتي منمشاهد سيدور في ذات الأجواء المخيفة.
يبدأ الشبح بالقول بأن الملك ثيرون يريد بناء معبد للإله ابوللو، وهذا الاعلان كمفتتح للحوار يرسخ ايمان الملك الديني وتمهيده لتوظيف ما سيدور من قتل مرعب باسم الدين وبمباركة الرب. ليقع الاختيار على فالارس لتفيذ تصميم البناء الذي يعد خطة بعد اتمام العمل بالقضاء على الملك ثيرون واستباحة المدينة وتنصيب نفسه ملكا على أكراغاس.
هكذا تبدأ المهمة بالخيانة ثم حرب ابادة وطقوس دم، لندرك أن عهد الطغيان يؤسس على جماجم البشر ويستمر في ظل سطوة هذه المشاهد، والغريب في الأمر أن فالارس هذا عرف بحبه للفنون الذي يمجده ورعايته للشعراء الذين يمتدحونه، السنا ونحن نعرج على الأحداث منذ آلاف السنين وكأننا نعيش ذات المشاهد التي حاصرتنا بقسوتها في راهننا الدامي وعلى يد طاغية لا يختلف كثيرا عن فالارس بأبواقه ومداحيه.
ان التاريخ يعيد نفسه، يريد الكاتب أن يوصل هذه الفكرة للقارئ، وإن الطغيان إرث كوني يختلف في بعض أساليبه ولكنه يتداخل عبرحقب زمنية غابرة ليخرج بحلة موشاة بالدم والابادة وفرض سلطة القمع والفوضى.
يقول الشبح:
حسب رغبة الملك ثيرون، صمم فالارس المباني الثلاثة بشكل هندسي تتكون بينهم ساحة مثلثة واسعة، وهكذا شكل القصر الملكي، والحديقة الملكية، والمعبد أضلاع الساحة المثلثة في قلب أكراغاس.
قد تكون هذه اشارة الى ان يراد من بناء المعبد هكذا أن يشكل الطوق للتحكم بتفاصيل الأمكنة.
النحات فرح بتكليفه بتتمة التمثال لأن هذا سيدر عليه ربحا وفيرا يحيل حياته الى نعيم وهو لا يعلم بانه سيكون أول ضحايا التمثال، حيث يقول لزوجته: (سيكون قربان عرسنا الجميل... ذخرا لبناء بيتا لأطفالنا).
أليس هذا تسقيط للحدث على الراهن العراقي حين يتحول الطبالون والمداحون أبواقا للطاغية وحين دارت عليهم ماكنة الموت وجدناهم قد توزعوا في أصقاع الكون هربا من المحو وبأردية والوان جديدة.
غالاتيا: لا تقل لي أنك نحت تمثالا يخلد هذا الطاغية الدموي...
بيرليوس: أرجوك يا حبيبتي... اهدأي...وأطمئني... لم أنحت تمثالا للملك صدقيني، ولكنني سأهديه تمثالا يقربه كثيرا إلى ملك طيبة وكهنة دلفي...
الشبح (محذرا): إياك والوثوق بوعود الحكام فهي...
بيرليوس: فهي وعود كتبت على ماء، كما يقول فيثاغورس...
يبدو لي أن أخطاء المقربين للطغاة واحدة، فرغم الخوف الذي يستوطنهم من غضب الطاغية، يذهبون بعيدا في التزلف وبيع الضميرسعيا للغنائم وحفاظا على أرواحهم من سياط السلطان، ولكن لا فائدة من هاتف الرعب بداخلهم حين تمتد لهم يد المحو لتكون قاب قوسين.
نكتفي بهذا المشهد المعبر لوصف ماكنة الموت المخيفة، لنترك القارئ بشوق لتتمة العمل:
(بيرليوس يخاطب الملك بعد أن إبتهج بما رأى من صنع)

بيرليوس : زودت الفم بآلة موسيقية كي تخرج صرخات الضحية من الفم وكأنها خوار ثور يجامع بعنفوان، وزودت المنخرين بآلتين موسيقيتين صغيرتين تحولان زعيق وعويل المشوي إلى موسيقى جميلة تليق بطقوس تقديم القرابين.( ينهي حديثه) وكل هذا، أيها الملك العظيم، تحت تصرفك كي تهديه إلى كهنة دلفي.

إن الكاتب المبدع والمثابر البهي ماجد الخطيب، لا يني أن يوظف كل امكاناته في الكتابة المبدعة لاخراج نصوص تحاكي الراهن المرير، ولا يسعى فقط لتناول الحدث من زاوية تاريخية للابلاغ المجرد من المعاني، بل هو توظيف فطن وذات معنى لربط الماضي السحيق بما يحصل الآن من فضائع على يد الطغاة، وقد لا يتسنى للعديد من المبدعين قراءة محطات تاريخية لها تاثيرات خطيرة على حياة البشر، ولسنا أمام فلم سينمائي يعرض للحكاية أو الأسطورة، بل هو تبليغ يتطلب نباهة وقراءة فاطنة للحدث التاريخي، لأن تاريخ البشرية واحد ومشترك برغم الاختلافات في جغرافيته، وحتى يبتعد المبدع عن التبليغ المباشر للاحداث ويوظف مهاراته في الكتابة والتناول ليحقق فائدتين في آن واحد، السرد التاريخي للحدث كما في حكاية ثور فالارس الأاسطورة، واضفاء المعاني ليضعها في قالب ممتع يحاكي الهم اليومي للقارئ الباحث عن متعة التواصل مع الكاتب الموسوعي، وهذا ما نحتاج إليه في انتاجنا الابداعي لتحقيق فوائد جمة. وهذه هي الوظيفة الحقيقية للأدب.
ويقينا أن الكاتب ماجد الخطيب قد خصص وقتا طويلا وجهدا استثنائيا للحفر في تاريخ التعذيب مع وضع لمساته الخاصة من شخوص مضافة من مخيلته وأحداث متممة، لتحقيق المتعة الدرامية للعمل.
فهناك وظيفتان للأدب على مر العصور، إحداهما نفعية والأخرى جمالية، ونقصد بالنفعية هي التربوية والتبليغية وهذه وظيفة ليست بالهينة حين يسعى الكاتب لإيصال فكرة تظل تعتمل في وجدان القارئ، والوظيفة الجمالية التي لا بد منها لتحقيق المتعة واللذة في القراءة وتهذيب الذات القارئة.
وهذا ما نجده بشكل جلي في كتابات المبدع ماجد الخطيب وعبر اعماله التي أنجزت قراءات عن بعضها في مناسبات سابقة، وهي تستحق المتابعة باضاءات عاشقة.
متمنياتي له بمواصلة هذا الرفد الراصد والبليغ من التواصل في إغناء المكتبة المسرحية التي تعاني من شحة كبيرة في الابداع المسرحي بالجديد والجاد والممتع.
صدرت المسرحية عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش في المملكة المغربية
لوحة الغلاف للفنان العراقي المقيم في المانيا حسام البصام
تصميم الغلاف من انجاز الفنان اخلاص عباس المقيم في ألمانيا.







اخر الافلام

.. الفنان الكبير سعدي الحلي و أغنية لا يولدي


.. اغنية يصبرني للفنان الكبير أحمد نعمة


.. تعلم اللغة في بلاد اللجوء بداية الطريق نحو الاستقرار




.. بتحلى الحياة – الفنانة كارلا رميا


.. #بروح_رياضية.. لاعب #تنس يفاجئ زوجته و يطلب من الجماهير الغن