الحوار المتمدن - موبايل



مع الفلاسفة الإلهيين في استنباط القانون المطلق

بتول قاسم ناصر

2014 / 1 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


مع الفلاسفة الإلهيين في استنباط القانون المطلق

الفلاسفة الإلهيون :

هذا المصطلح له معان متعددة ويشمل كثيرا من الفلاسفة ومن نقصدهم في هذا البحث هم الفلاسفة الذين كانوا قد أسسوا المبادئ العقلية الأولى في الفكر الفلسفي ومهدوا أصول هذا الفكر ووضعوا قوانينه ولخصوا حججه وبراهينه وصاغوه في نظريات معمقة وخلصوه من الشوائب التي كانت تشوبه لدى من سبقهم من الخيال والخرافة والسحر ، ونريد بهم سقراط وأفلاطون وأرسطو . هؤلاء نظروا الى الفلسفة بأنها معرفة إلهية وهو المعنى الذي اعتقد به الفلاسفة المسلمون وهذا المعنى مرموز في قوله تعالى ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وبهذا الاعتبار سمى الله تعالى نفسه حكيما في مواضع شتى من كتابه المجيد ووصف أنبياءه وأولياءه بالحكمة وسماهم ربانيين حكماء بحقائق الهويات ، فالحكمة معرفة إلهية مصدرها الله الحكيم (المبدأ الأعلى) الذي بيده مفاتيح العلم وهو يؤتيها من يشاء(1) .. ولقد بقيت الفلسفة ملازمة للبحث في ما وراء الوجود وهذا التلازم بين الفلسفة والطابع الميتافيزيقي ظل قائما مع امتداد تاريخ الفلسفة .

الفلاسفة الإلهيون هم إذن فلاسفة اليونان الكبار سقراط وإفلاطون وأرسطو الذين انطلقوا من العقل وقبلهم كانت حكما وأفكارا تنم على بصيرة إلا أنها متناثرة لا رابط بينها ولا جامع يجمعها ولم تأت في بحث نظري منظم متماسك وفي كل منسجم شامل يؤلف نظرية عقلية عميقة تسهم في الإضافة الإيجابية للمعرفة ، ولم تتخلص من شوائب الإسطورة والخرافة والسحر والخوارق فلم تكن مستقلة عنها فكانت بعيدة عن المعقولية لذلك يقال ان الفلسفة بوصفها بحوثا عقلية راسخة إنما تعود الى هؤلاء العباقرة اليونانيين .
لقد ناهض هؤلاء الفلاسفة العظام أُسس‌ وكيان‌ الفلسفة‌ المادّيّة‌ ، فدوّنوا فلسفة‌ الإلهيّين‌ محتجين بالعقل ، واستدلّوا على‌ احتياج‌ الكون والطبيعة‌ إلى رب ‌أزلي‌ّ حكيم‌ قادر ، هو وراء الأسباب والغايات‌ وعلّة‌ العلل‌ ، وانحازوا في فلسفتهم‌ الى مكارم‌ الأخلاق‌ والفضيلة‌ وعالم‌ ما وراء الطبيعة‌ الذي‌ برهنوا عليه‌ بالبرهان‌ العقليّ .


القانون المطلق :
آمن الفكر الإنساني ومنذ أقدم عهود التفكير الفلسفي ، بوجود قانون عام مطلق ونظام متسق أو عقل كوني يحكم الوجود كله ، ويمكن إدراكه بالعقل النير الذي يكشفه ولا يوجده وسمي هذا القانون قديما ولدى الفلاسفة الإغريق بـ(القانون الطبيعي) . إن فكرة القانون الطبيعي لديهم تتمثل في ان هناك قانونا يعم الأشياء جميعا على العقل البشري في سبيل اكتشافه ان يتمعن في نظام الكون ومنطق الأشياء وطبيعة الروابط الاجتماعية فيستخلص منها هذا القانون الطبيعي . وان عليه ان يصوغ قوانينه الوضعية والأحكام القضائية والعلاقات الاجتماعية على مثاله حتى يصبح معيار صلاحية أو فساد أي فعل إنساني . فالقانون الطبيعي إيحاء توحي به الطبيعة ناتج عن التأمل بما تنطوي عليه من نظام وانسجام وتناسق ، يكشفه ذوي العقول المقتدرة . ولقد نمت وتطورت فكرة هذا القانون عبر تاريخ ممتد استمر حتى عصرنا الحاضر وتجسد بنظريات معاصرة مشهورة . ومن تحليل هذه الفكرة ومقارنتها بما نريده بفكرة القانون المطلق يتضح لنا أن القدماء أرادوا ما نعده مصدر هذا القانون وهو الإله المشرع الأعلى الذي يضعه والذي يوجه الموجودات في الطبيعة الى الإلتزام بتنفيذه والسير على وفق هداه . وهو مصدرعادل بل هو العدل المطلق كما أنه الخير المطلق لذا فهو يحكم ويوازن بعدل بين الأشياء ويدفعها الى تحقيق غاياته بانتصار العدل وطرد الظلم والشر . أما بحثنا فلم يقصد بالقانون المطلق مصدره الذي صدر عنه فقط إنما يقصد كل أطرافه وكل مبادئه التي يقوم عليها ويستند إليها ، وهذه مجموعة أسس عامة تسعى الى إيضاحه :
1 - القانون المطلق مجموعة قواعد عامة مجردة تنظم العلاقات بين الأشياء أوالأطراف المرتبطة بهذه العلاقات ، ومن هنا نستطيع ان نقرر خصائص هذا القانون بأن قواعده تتميز بالتجريد والعمومية ومن هنا جاءت تسمية القانون بـ(المطلق) ، فهي تسري على الكل وتخلو من الشروط او الصفات الخاصة التي قد تؤدي الى تطبيقه على طرف أو شيء معين بذاته أو على واقعة محددة بذاتها .2 - أن هذا القانون ينتظم الكون كله وهو قانون ثابت لا يتغير لا في الزمان ولا في المكان . وهو كامن في طبيعة الأشياء يهيمن على سلوكها . 3 - إن للقانون المطلق مضمونا وهذا المضمون ينطوي على هدف أو غاية ، وهي التي تضفي عليه قوة إلزامية من الناحية المعنوية ، وهذه الغاية تقوم في طبيعة الأشياء وتصدر عن هذه الطبيعة .4 - انه يسعى الى تنفيذ هذه الغاية وهو يلزم الأشياء أو الوحدات المرتبطة بطاعتها وتنفيذها بوساطة سلطة عليا تمنع مخالفته أي أن هنالك نوع من الجبر يضمن عدم الخروج على القواعد الواجبة الإتباع . 5 - ويتبين من هذا أن القانون له مصدر توجيه وتحكم هو الذي يضعه وهو الذي ينظم العلاقات بين أفراده وهو الذي يوجه سيره بما يخدم أهدافه ويطور مسيرته ويمنع الأطراف المخالفة من الخروج عليه . 6 - وهذا يعني أن فكرة هذا القانون تتضمن تناقضا والتناقض من أركان هذا القانون ، أي ان هذا القانون ليس هو مصدره فقط كما قصد به الأقدمون بل هو أطرافه المتناقضة المرتبطة ضمنه ، وهو يسعى الى دفع التناقض والانتصار للطرف الذي يمثله مصدر القانون . 7– هذا القانون يضمن تحقيق النظام والاستقرار وصولا الى غاية محددة . 8- وهو قانون اجتماع أي ان قواعده قواعد ارتباط تنظم وتوجه وتحكم العلاقات بين مجتمع الأشياء وتبين النظام الواجب الإتباع فيما ينشا بينها من علاقات وروابط . ومن هنا كان ارتباط القانون بوجود المجموع الذي يقتضي قدرا من الأطراف المرتبطة ثم قدرا من التنظيم يسمح له بإلزامها بوحدة الأهداف . فالقانون يوجد في مجتمع منظم تخضع أطرافه أو وحداته لسيادة سلطة عامة .
بداية التفكير بالقانون المطلق :
الفلسفة من تكوين الإنسان واصل خلقته لذا فإنه يتساءل عن علاقته بالكون وما وراء الكون وعن مصيره وعن الجوهري والعارض فيه ، وغير ذلك .. وهذه الأسئلة تراود كل عقل مهما كان بسيطا وله موقف منها وإجابة عليها مهما كان مستوى هذا الموقف وهذه الإجابة . والفرق بين العقول البسيطة والكبيرة أن هذه تحاول الإجابة بصورة منطقية وقد توفق الى مدى محدود أو واسع . وتبقى الفلسفة مهما كان مستوى طرحها وسداد نظرتها فروضا مجردة حتى تصدقها الحقيقة العلمية التي أصبحت متاحة في هذا العصر وفي ضوئها يمكننا أن نرجع الى العناصر المهمة في الطرح الفلسفي القديم لنرى كيف استطاع الفيلسوف بعقله المجرد ان يسبر غور الحقيقة الشاملة التي لاترى ولا تحس وهذا ما يؤكد حقيقة الوجود اللامحدود للإنسان .
في عهد الفلسفة التي سبقت الفلسفة اليونانية كان هنالك إيمان بشيء من قانون عام يحكم سير الحوادث ويضبط نظام الأشياء . ولقد تنبه الصينيون الى وجود نظام دائم في العالم هو الذي يحقق الانسجام والاستقرار في العالم ويرتبط الإنسان بهذا النظام ويساهم فيه . ولاحظوا ان من مباديء أو قواعد هذا النظام أن الكون يزخر بالاختلاف والتناقضات التي تتعارض ويرتبط بعضها ببعض ويكمله في ثنوية تختلف عن ثنوية فارس ، فالضدان لا يصارع احدهما الاخر وانما يكمله ولا يوجد الا بوجوده وبتعاونهما يتحقق النظام الكوني . ولقد مر الفكر الفلسفي بمراحل عكست تطوره وتأثره بطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها .. لقد كان التفكير الفلسفي لدى الأمم القديمة ممتزجا بالروح الديني او الفكر الخرافي حتى وصل الى الأمة اليونانية التي كانت امة مفكرة تعتمد التفكير المجرد . واليونان وهم أهل التفسير العقلي ذهبوا الى أن العالم خاضع لقانون ثابت ومن الممكن تفسيره بالعقل وحده وما هذا القانون الا قانون العقل الذي تسير وفقه الأشياء جميعا ، والله والعقل لفظان مترادفان فالله هو عقل خالص .
وفي عهد الفلسفة التي سبقت سقراط كان هنالك إيمان بشيء من قانون عام يحكم الأشياء . وكان الفلاسفة قبل سقراط في سبيل اكتشاف العام الكامن أو الوحدة الكامنة وراء الاختلاف يبحثون في أصل الكون ومنهم من أرجعه الى عنصر واحد فهو يرى من خلال تعدد صور الأشياء وتباينها وحدة شاملة تكمن وراءها ، فما يكمن وراءها هو الجوهري وما يظهر للسطح فأمر سطحي عرضي . وهذا يعني أنهم بحثوا عن الحقيقة البسيطة الواحدة التي تضرب في الأعماق دون النظر الى ما يبدو للحس الظاهر . فهي محاولات فلسفية كانت تنظر الى الكون نظرة فلسفية شاملة وتضع له تفسيرا يستوعب جميع جزئياته . فذهب طاليس المالطي الى أن أصل الكون ماء وانكسمندريس الى أنه اللامحدود او اللامتناهي وانكسيمنس الى أنه الهواء أوالتراب أو النار أو أنه هذه العناصر الأربعة وذهب آخرون الى أنه الوجود أو أنه الذرات وقد عبر الفيثاغوريون ان فكرة العدد والتناسق والنظام والوحدة وان القانون والرياضة هما منطق الأشياء .. الخ . إن هذه الأقوال نظرت الى العالم في إطار من الكلية الشاملة واستوعبته في فكرة واحدة أو أفكار قليلة فأذابت الفوارق بين الأشياء وتجاهلت ما بينها من اختلاف وتنوع وربطتها بشبكة من العلاقات جعلتها شيئا واحدا بعد أن كانت أشتاتا مبعثرة .
هذه البدايات الفكرية في البحث عما هو عام وراء الأشياء كانت بسيطة متناثرة لم تأت في بحث نظري وفي نظرية عقلية عميقة ولم تتخلص من شوائب الأفكار الدينية والإسطورية والخرافات والسحر والخوارق فلم تكن مستقلة عنها فكانت بعيدة عن المعقولية الى ان جاء عهد الفلسفة اليونانية فوضعوا لها الأسس العقلية لذلك يقال إن الفلسفة في أصلها وروحها وعبقريتها يونانية وما قبل الفكر اليوناني لا يصلح أن يكون أساسا لفكر فلسفي ايجابي معطاء(2) .
القانون المطلق لدى الفلاسفة الإلهيين :
آمن الفلاسفة الإغريق ، بوجود نظام متسق وقانون مطلق أو عقل عام يحكم الكون كله ، ويمكن إدراكه بالعقل النير ، وقالوا بوجود قانون طبيعي وبأن هذا القانون أبدي خالد وهو معيار صلاحية أو فساد أي فعل إنساني، وأي قانون وضعي أو عرف يضعه البشر . وعرف الرومان فكرة القانون الطبيعي عن الإغريق ويرجع الفضل في ذلك الى خطيب روما الشهير شيشرون.
لقد حاول فلاسفة اليونان الإلهيين الكبار وهم سقراط وإفلاطون وأرسطو أن يتلمسوا القانون الكلي الشامل المختبيء وراء الموجودات والمتموضع فيها ، وسنجد أن الحديث عن مباديء هذا القانون أكثر اقترابا من كونه نظرية عقلية متناسقة وبحثا فكريا منظما متماسكا لدى هؤلاء الفلاسفة الذين عدوا من أعظم فلاسفة العالم القديم والحديث على الإطلاق وقد أعطوا فكرا كان علامة على عصرهم ورمزا لحضارتهم وسمة مميزة لها .
فلدى سقراط نجد أنه ليس ثمة من فكرة فلسفية كان لها من التأثير في حياته بقدر ما كان لفكرة القانون الذي يكن له كل احترام وتقديس و كان ذلك لنزعته العقلية الصريحة في الأخلاق ومن النتائج المنطقية الهامة لاكتشاف الكلي عنده . وقد كان السفسطائيون يعتقدون انه تعاقد وضعي مصطنع وليس ذي قواعد راسخة في طبائع الأشياء لكن سقراط الذي جعل العقل رائده في كل شيء ذهب الى أنه لابد أن تكون هناك قواعد ثابتة للعمل كلية عامة مطلقة كما ان هناك قواعد ثابتة للفكر كلية عامة مطلقة . وهذه القوانين يجب على العقل ان يكتشفها كما يجب على الإرادة ان تطيعها , فالقوانين ليست اصطناعية وإنما تقوم على أصل ثابت وجذور راسخة في بناء الفرد والمجتمع والطبيعة ونظام الأشياء . ويعد سقراط أول من حاول إيجاد معايير عقلية عامة ومبادئ موضوعية ثابتة تصدق في كل مكان وزمان تقاس بها الأفعال الصالحة وتميز من غيرها . هذه المبادئ العامة تحكم الكون والطبيعة ويمكن الوصول إليها بالعقل . وهو يذهب الى ان القوانين العامة والعادلة إنما يستشفها العقل الإنساني من عقل أو روح الطبيعة التي هي بمنزلة قانون غير مكتوب ترتبط به ظاهراتها ومكوناتها وينعكس هذا القانون على عقول وقلوب البشر . كان سقراط يؤمن بوجود عدل إلهي يمكن للإنسان اكتشافه عن طريق العقل الإنساني ، فهناك عقل عام وقانون عام له السيادة وتجب طاعته. . لهذا القانون أصل إلهي فإذا كان القانون حقيقة ثابتة مطلقة تجب طاعته فهو اذن شيء مقدس إذ لابد أن يكون صادرا عن قوة حكيمة عادلة شاملة تقوم بالحق وتحرك الكون بأصول أزلية أبدية ثابتة ليست عرضة للتبديل والتغيير ولا تختلف باختلاف الزمان والمكان والدليل على وجود هذه القوة إنما هو وجود الإنسان وعقل الإنسان الذي ينعكس فيه العقل الإلهي والحكمة الإلهية فللكون صانع حكيم وعقل مدبر وهو خاضع في وجوده وفي سيره لتدبير عقل الهي في ظل قانون العناية الإلهية وهو موجه الى غاية مرسومة .
هذا القانون يرتبط إذن بجانبين : الأول يمثل العقل الإلهي وهو مصدره الإلهي الذي هو الأصل الثابت المطلق وجانب يمثل العقل الإنساني الجزئي المحدود الذي ينعكس فيه العقل الإلهي ولكن باختلاف عقول البشر .
ولقد دافع إفلاطون عن مبدأ القانون والعقل ضد مبدأ اللذة والمنفعة والغريزة . وكان كأستاذه يعد القوانين حقائق أزلية ثابتة مطلقة لا تتبدل ولا تتغير . ويؤكد على حكم العقل الإلهي الذي يسمى الناموس المشترك فالله هو مشرع القوانين التي تحكم الكون كله والتي يكتشفها العقل الإنساني المحدود ، ومنها نستنتج المبادئ العامة والموجهات العامة للخير والعدل والقيم العليا ، وعندما نستشعر هذه القيم في نفوسنا نكون قد استشعرنا القانون العام بداخلنا .
أن فكرة القانون المطلق أو الطبيعي العام اكتسبت طابعاً فلسفياً على يد أفلاطون وأرسطو.
فقد ذهبا الى أن هناك قوانين كونية لا دخل للإنسان في وضعها وليست عملا إراديا له. هذه القوانين الكونية يكتشفها الإنسان بالتأمل العقلي المجرد الذي يقود الى عالم المثل الذي يرتقي فيما وراء الواقع في العالم الميتافيزيقي . والتشريع الوضعي هو عمل إنساني، وبالتالي ليس له قيمة إلا إذا كان تقليداً للعدل الطبيعي . إن عالم المثل يمثل أصل القانون المطلق ، القانون المثالي وهو موجود في هذا العالم المثالي ، عالم المثل .
والمثل عند أفلاطون هي الوجود الحقيقي ، هي الشيء في ذاته ، وبهذا فإن المثل هي الجانب الجوهري الذي يقف في مواجهة عالم المادة أو الهيولى ، عالم الكثرة أو التعدد . وهذه المثل تنظم وتؤثر في عالم المادة أو الهيولى وتشكلها بحسب نسبة ما يتجلى فيها من عالم المثل وتحاول أن ترقى بها الى مستوى هذا العالم . إن المثل تريد أن ترتفع بما هو كائن الى مستوى ما يجب أن يكون .
ويرى أفلاطون أن تلك المثل حقائق ثابتة موجودة بالفعل وجوداً خارجياً مستقلاً عن الإنسان في عالم سام ، ويبرر ذلك بأن نفوسنا قبل حلولها في الأجسام كانت تعيش في هذا العالم المثالي ثم هبطت إلى العالم الأرضي، ومعها ذكريات كثيرة من عالم المثل، والعقل هو الذي يقود النفس إلى التذكر وبلوغ المعرفة الصحيحة ، فالمعرفة هي علاقة بين عالم المثل المستقل عن الوجود الإنساني والوجود الإنساني الذي ينتمي الى عالم المادة وهو عالم النقص . وهذه العلاقة تختلف بمستوى ما يتذكره أو يعكسه العقل . ولا يبلغ المعرفة الصحيحة ولا يدرك تلك المثل إلا عقل الفيلسوف . وهو يرى أن الحس لا يصلح أن يكون سبيلاً للمعرفة ، لأنه ينقل لنا مجرد التغيير المستمر ، وهو يدرك عوارض الأجسام ، ولا يصل أبداً إلى إدراك حقيقتها، والنظر للحس على أنه كل المعرفة فيه إنكار للعقل ،أما العلم وهو أسمى درجات المعرفة فهو الذي يتخذ موضوعه التصورات الفلسفية المجردة أو المثل العقلية ، فالعقل وسيلة ارتباط بالمطلق .
ويرى أرسطو أن هنالك نظاما ثابتا لا يتغير يحكم الأشياء وليس تبعا للصدفة . وما يدل على وجود قانون واحد ثابت وراء الأشياء هو انتظام العالم وتناسب الحركات بعضها مع بعض . ان الحركة الأزلية الأبدية حركة متصلة تجري على وتيرة واحدة في كل أجزائها ولا بد ان تكون علتها واحدة أيضا ومحركها واحد .
وكان أرسطو قد قسم القانون الى قانون عام طبيعي وقانون خاص مدني . ان القانون الطبيعي لدى أرسطو هو جوهر الأشياء وهو يعتقد بأن الأشياء الموجود في الطبيعة لا تعبر بذاتها عن الوجود ، وإنما الوجود الحقيقي هو جوهر هذه الأشياء . ولذا كانت الفلسفة لديه هي البحث عن حقائق الأشياء وجوهرها أي البحث عن القوانين الموجهة الكامنة وراءها ، حيث رأى أن القانون الطبيعي هو غاية أو جوهر الوجود المادي وهو جوهر القانون الوضعي الذي يضعه الإنسان أو تضعه الشعوب المختلفة بصورة مكتوبة أو غير مكتوبة (أعراف وعادات) انه محاكاة للقانون الإلهي الذي يجده الإنسان في نفسه والذي يحاول من خلاله أن يحقق العدل الطبيعي والقانون الطبيعي ، لذلك فإنه خاص من جانب وعام من جانبه الآخر .ان القانون العام هو قانون الطبيعة وهو ما يعتقد الناس جميعاً ببديهيتهم الطبيعية ان يكون معيار التفرقة بين الصواب والخطأ حتى لو لم يضمهم أي مجتمع أو اتفاق .
إن الطبيعة تنطوي على علتها الغائية كما يذهب أرسطو وهي تتجه بحكم طبيعتها الباطنة إلى تحقيق تلك الغايات أي أن القانون متضمن فيها وهو يوجهها من باطن ولا ينفصل عنها . وهذا ما يختلف به أرسطو مع أفلاطون فجوهر أو صورة المادة لا توجد مفارقة لها وللموجودات الجزئية وإنما هي توجد في الوجود الجزئي العيني . فالشيء نفسه يحمل في طياته جوهره وقانونه ، ومهمة الفلسفة اكتشاف هذا الجوهر وهذا القانون ، إن الشيء يتكون من عنصرين من مادة وجوهر ، أي من وجود مادي وجوهر وهو ما يجب أن يكون عليه هذا الوجود . وجوهر الشيء لا ينفصل عن مادته ، ولا توجد مادة بدون جوهر او جوهر بدون مادة ،وهنا نسأل هل يفهم من كلامه هذا انه لا يقول بوجود الجوهر بدون مادة ؟ ونرى أنه يؤمن بإمكان ذلك ولكن ليس بالنسبة الى المادة والموجودات الجزئية فهذه لا توجد بدون جوهر وجوهرها لا يوجد بدونها ، ولكن بالنسبة الى الوجود الجوهري فهو يمكن أن يوجد بدون مادة فهناك صور من الوجود الجوهري قال إنها توجد بدون مادة منها صورة الصور أو ( الله ) الذي قال انه صورة محضة لا يشوبها شيء من المادة وقال عن العقل الفعال في الإنسان بأنه مفارق للمادة وانه يبقى بعد موت الإنسان وهو من عالم آخر غير العالم المادي . فعدم وجود الجوهر مفارقا للمادة إنما يخص الأشياء المادية فقط فجوهرها ملازم لها وهو ينزع بها نحو تحقيق الغاية من وجودها او القوانين المتضمنة فيها .
لقد ذهب الباحثون الى أن أرسطو يختلف اختلافا جذريا مع إفلاطون ولا نظن ذلك صحيحا . فصنفوا أرسطو فيلسوفا واقعيا وإفلاطون فيلسوفا مثاليا والحق أنهما مثاليان وواقعيان ، بمعنى انهما يؤمنان بعالم ما وراء الطبيعة والواقع وكذلك بعالم الطبيعة والواقع . فليس صحيحا ان المثل الأفلاطونية لا تنزل الى الأرض وان أرسطو قد نزل بها الى الأرض فالمثل تنعكس في المادة مع اختلاف نسبة هذا الانعكاس ، فكلاهما يقول أن الطبيعة تتكون من صورة ومادة . .
إن القانون الطبيعي وهو القانون المعبر عن العقل الكلي والعدل الكلي ماثل في طبيعة الأشياء . ويقولون إن هذا معناه أن القانون الطبيعي هو استلهام لحقيقة الواقع والصحيح انه يلهم الواقع لكي يكون على غراره لأنه كامل وجوهري فهو العلة الغائية التي تدفع الأشياء لكي تتماثل معها .. إن هذا القانون مطلق لا يختلف باختلاف الأشياء التي يكمن فيها . إن الأشياء نسبية بالنسبة الى القانون المطلق . والقوانين التي يضعها الإنسان نسبية بالنسبة اليه ، فهو يمثل سمو العقل الكلي وثباته الى جانب نسبية القوانين الوضعية وتباين أحكامها ، وهذا يمثل جدل النسبي والمطلق فالطبيعة بجانبيها تمثل هذه الجدلية المكونة من مادة وجوهر ، إن الطبيعة لدى أرسطو ليست ثابتة أزلية وليست ظواهر ثابتة وإنما هي حالة وجودية تسعى إلى التحقق التدريجي المستمر . وبذلك فالموجودات الطبيعية عند أرسطو تتكون من عنصر طبيعي ظاهر وآخر جوهري . ويكون القانون الوضعي مكونا من عنصر طبيعي وآخر قانوني ، وهذا العنصر الطبيعي ثابت لا يتبدل بتبدل الأمكنة بينما العنصر القانوني هو أمر اتفاقي متغير.
المبادئ العامة للقانون المطلق :
من المبادئ أو القواعد العامة التي وصفها الفلاسفة الإلهيون لهذا القانون العام في محاولتهم لاكتشاف حضوره الكامن وراء الأشياء والذي يحكم وجودها ويوجه سيرها :
-التناقض والحركة والصراع :
فالتناقض من المباديء المهمة لهذا القانون أو النظام الذي يحكم كل شيء في الوجود . وإن الفلسفة الميتافيزيقية لا تنفي وجود المتناقضات فهذا أمر يقره كل منطق وكل فيلسوف منذ أقدم عصور الفلسفة المادية والإلهية ، فهي تؤمن بمبدأ التناقض وبوجود المتناقضات ووحدة الأضداد كما أن هذه الفلسفة لم تنكر الحركة بل آمنت بالحركة ، وما يحصل بين الأضداد الخارجية المستقلة من صراع إنما هو حقيقة مسلم بها وملاحظة في الواقع ولا تحتاج الى إثبات في مختلف الفلسفات منذ فجر التاريخ الفلسفي ، وملاحظ كذلك ما يقوم بين هذه الأضداد الخارجية المستقل بعضها في الوجود عن بعض من صراع وما يؤدي اليه من نتائج . . وهذا التفاعل بين الأضداد المستقلة هو من الديالكتيك ويمت بصلة الى التناقض الذي يقول به المنطق الميتافيزيقي ، فهناك متناقضات وإن بينها تجاذبا وإنها عملية ديالكتيكية تقع في قلب المادة. .
ولا يعني مبدأ عدم التناقض_ وهو المبدأ الفلسفي الميتافيزيقي - عدم وجود الأضداد إنما يعني أن الأضداد توجد بصورة مستقلة فلا تختلط هويتها ولا يكون أحدها هو الآخر وهو ما جاءت به فلسفة هيجل والفلسفة المادية الديالكتيكية إذ يلغيان مبدأ الهوية الذي تؤمن به الفلسفة القديمة . إن الفلسفة القديمة تؤمن بوجود وحدة للأضداد من دون أن تضرب مبدأ الهوية وعدم تناقضها. وفي داخل هذه الوحدة وفي قلب الأشياء يحدث هذا التفاعل بين المتناقضات المستقلة . فهذه الأشياء هي الوحدة التي تتفاعل فيها المتناقضات . إن الأضداد تجتمع في وحدة ولكن دون أن يمس مبدأ الهوية وإن الأشياء تنطوي على التناقض ولكن المتناقضات تحتفظ بهويتها وتتفاعل فيما بينها وتكون لهذا التفاعل نتيجة كما تقول الفلسفة الكلاسيكية . فهناك صراع بين نقائض وأضداد (مجتمعة في وحدة معينة ) وهذه (الوحدة) تتيح للمتناقضات أن تتفاعل وأن يؤدي هذا التفاعل الى نتيجة ، فهذا لا يتنافى مع مبدأ عدم التناقض الذي تأخذ به الفلسفة الكلاسيكية .
إن التناقض قانون في الطبيعة وهو قانون في الفكر حيث ان الاشياء تتناقض وترتبط بعلاقات التنافض هذه في الواقع كما في الفكر ، إن التناقض بين الموجودات في الطبيعة هو الرابطة التي تربط بينها وهو العقل المبثوث في الأشياء الطبيعية . ويؤثر بعضها في بعض من خلال هذه العلاقات فهو الديالكتيك أو الجدل أوالعقل الذي يربط بين الأشياء ، فالديالكتيك يقسم على نوعين: 1 ـ ديالكتيك الواقع 2 ـ ديالكتيك الفكر . ان الديالكتيك الواقعي موجب لتطور الوجود وهو مرتبط بديالكتيك الفكر.. فالتطور الجدلي موطنه الفكر والواقع . ولقد أشار الفلاسفة الذين سبقوا سقراط الى الجدل الذي بين الأشياء والأفكار كهرقليطس الذي قال : (أننا نعيش فى عالم الأضداد ) حيث كل شئ يتحول إلى ضده . فالساخن يصير بارداً والعكس – والجاف يصبح رطباً والعكس إذن كل شئ لا يبقى على حاله أبدا ، فالتناقض موجب للتفاعل والتغير وصيرورة الأشياء الذي عبرت عنه عبارته : (إنك لا تستطيع أن تنزل الى النهر الواحد مرتين فإن مياها جديدة تجرى من حولك دائماً ) هذه الأفكار عن الحركة والتغير المستمر وصراع الأضداد كانت من المباديء الأساسية في المنطق القديم .
التناقض في الفكر :
إن التناقض يتخلل عالم الفكر والمادة، فهناك ديالكتيك قائم ومستمر في هذين العالمين . ولو رجعنا الى كلمة ديالكتيك لعرفنا أنها كلمة يونانية مشتقة من( ديالوج (Dialogues)) و هو بمعنى المحادثة و المجادلة . فبحسب المعنى الفلسفي يقصد من الجدل حوار خاص لكشف الحقيقة بين المتحاورين غايته الوصول إلى المعرفة ويعتمد المقابلة بين الأفكار المختلفة والمتناقضة ومعرفة بعضها ببعض أي انه يركز على العلاقة أو الجمع بينها فالحوار أو الجدل لا يقوم على طرف منفرد ، وبهذا الجمع أو العلاقة تتعين وتعرف ويطرح ما هو جديد .. فالديالكتيك منهج للفكر او العقل للوصول الى الحقيقة يعتمد على وجود التناقض والعلاقة بين المتناقضات في الفكر أي انه عملية فكرية عقلية .. إن التقابل بين الأفكار المختلفة، يعني تضاربها وصراعها وتطورها واستحراج حقائق جديدة منها وتحقق ما كان كامنا منها وظهوره الى العلن . ففي الإنسان حقائق كامنة يستخرجها بالحوار..
لقد كان هذا هومنهج سقراط ، ومنهجه هو الحوار الاستنباطي القائم على التهكم والمنتهي الى التوليد ، والتوليد يعني توليد الأفكار والحقائق والوصول الى تحديد الماهيات ، اذ يعتقد أنه إذا كان الانسان غير مدرك العلم الصحيح فان فيه مع ذلك حقائق كامنة يستطيع الانسان ان يستخلصها من نفوس الاخرين . فهي حقائق لا يدري الانسان بها ولكنها على كل حال كامنة في نفسه ووسيلة استخراجه منها انما هو الحوار الذي يعني استدعاء الأفكار الأخرى وعدم النظر إليها من طرف واحد . هذا هو لب المنهج السقراطي وهو ما يسميه بالتوليد اي مساعدة الناس على ان يستخرجوا الحقائق بانفسهم . ان المعاني موجودة في النفس كامنة فيها فلا سبيل الى استخراجها منها وتوليدها الا بالحوار أي باحتكاك العقول والأذهان فالعلم إنما ينبت بين اثنين ويتطلب وجود الحقيقة أو توليدها طرفين اثنين . وقد قيل إنه هنا يشبّه ما يقوم به بعمل أمه, فهي كانت تقوم بتوليد وإخراج الطفل من بطن أمه وهو يقوم بإخراج الفكرة من عقل صاحبها. كان يبدأ حديثه بتوجيه أسئلته على شكل ثرثرة جدليه يهدف بها الكشف عن هوية مجادليِه واكتشاف مدى ما يعرفونه وما لا يعرفونه. ومن ثم يعلّمهم طريق الحوار البنّاء الذي يبدأ من (العدم الفكري) وينتهي باليقين (الوجود الفكري ) .
الجدل أو الديالكتيك لدى سقراط منهج فلسفي معرفي وطريقة للفكر للوصول الى تحديد الماهيات الحقيقية يأخذ بالتدرج في الحقائق حتى الوصول للحقيقة المطلقة ، وان الفكر ينتقل من الجزئي إلى الكلي و من الكلي إلى الجزئي وهذا هو الدليل الاستقرائي ، وان معرفة الماهيات هي المعرفة الحقيقية .
لقد عد سقراط بنسبته معرفة الكليات وماهيات الأشياء الى العقل صاحب الحد الكلي ومنهج الاستقراء وهو الانتقال من المحسوس الى المعقول ومن صغار الأشياء الى كبارها للوصول الى المعنى الكلي أو الماهية فلا يكفي لمعرفة شيء الاقتصار على وجوده المحسوس بل لا بد من معرفة ماهيته المعقولة والوصول الى حده الكلي فالمعرفة بالجزئيات لا تغني من الحق شيئا أما الذي يغني فهو الحد الكلي والمعرفة الكلية . فالمعنى الكلي هو الاصل وبدونه لا تكون معرفة حقيقية . ولقد نقل المعرفة من معرفة الجزئيات الى الكليات الى ماهيات الأشياء ، أي انه يبحث في صلة الأجناس والأنواع بعضها الى بعض وفي نسبة هذه الماهيات بعضها الى بعض وصلة الماهيات بعضها ببعض من اجل الوصول الى تحديد صحيح لماهيات الأشياء ومعرفتها التي هي العلم الصحيح وهذا المنهج يسمى بالديالكتيك .
إن العقل أو وسيلة المعرفة الحقيقية وهو كذلك لأنه يكون علاقة بين المتناقضات تمكنه من الفهم والتمييز بين المعقولات . إنه يطرح الفكرة ونقيضها ، يبحث في صلة المتناقضات ، يوصل بينها من أجل أن يميز بينها ويعرفها .
و العقل نفسه علاقة بين المتناقضات فهو يتضمن أركان أو أطراف التناقض في هذا القانون المطلق ، فالعقل الإنساني فيه جانبان مختلفان جانب إلهي متعال على المادة وجانب مادي يرتبط بالمحسوسات المدركة . فالعقل الإلهي والحكمة الإلهية ينعكسان في العقل الإنساني عند سقراط ، ينعكس فيه العقل الإلهي والحكمة الإلهية وهو القادر على الإيغال فيهما . وإذا كانت التجربة الحسية عاجزة عن الوصول الى هذا العالم الإلهي فان العقل قادر على التقدم فيه أشواطا بعيدة بقدر حظه من العلم والفضيلة وخضوعه لنظام الخير والعدل . ولهذا فان العقل ليس من معدن هذا العالم انه شيء خالد أسمى من الزمن وامنع على التغير انه نفثة من العالم المعقول وصورة شبه كاملة للقوة الشاملة التي تنظم العالم وتضبط سيره .
ولأن العقل ينعكس فيه القانون العام فهو عام في الناس جميعا فهو الوجود الثابت في الإنسان وهو الذي يتوصل الى معرفة الوجود العقلي الثابت للأشياء أي ماهيتها الجوهرية في ذاتها والى حدها الكلي لا وجودها الجزئي المتغير . فالعقل ينتزع من أوصافها الجزئية المحسوسة بالاستقراء والتحليل والمقارنة والمقابلة والديالكتيك المعاني الكلية الثابتة فيها كالمباديء والنواميس وماهياتها . فالماهية ثابتة في الأشياء والموجودات ومن الممكن التوصل اليها بالحد او التعريف الذي هو مجموع الخصائص الذاتية للشيء المعرف . ماهية الأشياء هي هي لا تتغير وحقائقها ثابتة والعلم بها ثابت في العقل اي ان العقل هو الماهية الجوهرية للوجود . فالكلي هو الثابت وهو المشترك بين الجزئيات . والوجود العقلي هو الوجود الحقيقي وهو الحقيقة المطلقة وهو الروابط الذهنية العامة . الوجود العقلي للأشياء هو حقيقتها الثابتة ....

والمنهج الديالكتيكي لدى إفلاطون هو الطريق الى المطلب الأسمى والغاية القصوى للعلم وهوأسمى درجات المعرفة وموضوعه التصورات الفلسفية الكلية او المثل العقلية والحقيقة العليا حقيقة الحقائق وهذا هو العلم الكلي او العلم الأعلى الذي يطلب لذاته .
العقل الإنساني جدلي في عمله فهو يطرح أفكار تتناقض ويدفع بعضها ببعض ويخرج بنتيجة منها . وكما انه يجمع الأفكار المتناقضة فهو يتكون من جوانب متناقضة فله جانبان : جانب جوهري هو الوجود الحقيقي يمت الى (المثل) بصلة وجانب يمت الى العالم المادي الذي هو سلب وعدم يتصل بالمحسوسات المتغيرة . أن العقل أو النفس الإنسانية يجتمع فيها جانبان متناقضان ، يجتمع فيها الخلود والفناء على نحو سواء وقد أتاها الخلود هبة من الإله الصانع الذي خلقها فالنفس الإنسانية فيها جانب خالد وهو النفس الناطقة كما فيها ايضا شوائب غير عاقلة تتمثل بالجزئين الفانيين من النفس الإنسانية ففي الإنسان ثلاث نفوس :1 - النفس الناطقة وهي جوهر روحي نجهل حقيقته وهي خالدة وتتولى إدارة الجسم وقيادته الى الرفعة بالتفكير ومقرها الرأس لشرفها وعلو مكانتها 2- النفس الغضبية 3 – النفس الشهوانية . و جانب الخلود في النفس الإنسانية أنها هي مقر(المثل) والمثل هي الماهيات الخالدة او الصور وهي حقائق كلية ثابتة موجودة بالفعل وجودا خارجيا مفارقا مستقلا عن الإنسان . فهذه المثل ليست مادية وانما هي معان مجردة خالدة والأشياء المادية إنما تتشبه بها لأنها ناقصة تفنى عاجلا أم آجلا . فالأعمال الفاضلة الفردية قصيرة الأجل ولكن الفضيلة هي حقيقة سرمدية دائمة ، ومعنى ذلك أن كل موجود إنما يتعين نوع وجوده وصفته بمشاركته في مثال من هذه المثل وتشبهه به وهذه المشاركة وهذا التشبه عنصران يتفاوتان في الأشياء قوة وضعفا ولكنهما لن يبلغا الكمال فإنما الكمال للمثل ولمثال المثل خاصة وهو مثال الخير . إن المثل هي النماذج الحقيقية للوجود وبحصول صورها في أذهاننا يحصل لنا العلم فهي الموضوع الحقيقي للعلم ومعرفتها هي المعرفة اليقينية.. إنها هي مصدر المعرفة فالنفس عندما كانت في عالم المثل اطلعت على كل شيء وأحاطت علما بكل شيء لكنها في حلولها في البدن نسيت معارفها وبشيء من الانتباه يمكنها أن تتذكر ما كانت قد اطلعت عليه وهكذا فالمعرفة تنبع من باطن النفس لا من خارجها وبعبارة أخرى إن المعرفة تذكر والجهل نسيان . إن النفس خالدة بسبب اتصالها بعالم المثل عن طريق العقل الذي هو مقر المثل والذي يعقل أو يدرك المثل العقلية الخالدة ، ولا يصح أن يدركها الحس لان الحس متغير وهي سرمدية ثابتة لا تتغير ولا ينالها فساد . وهي مركوزة في النفس عل حين ان الحسيات عابرة تكتسب اكتسابا وكذلك هي مطلقة بينما الحسيات نسبية تختلف باختلاف الأشخاص والظروف والأحوال . وهي أيضا متسقة فيما بينها فيها انسجام وتناغم ونظام وأما الحسيات فهي متنازعة فيما بينها متعارضة يكثر فيها التشويش والاضطراب وأخيرا إنها كلية بينما لا تقدم لنا الحواس الا شتاتا من المعلومات الجزئية المبعثرة . هي في وقت مصدر المعرفة كما أنها علة لها فمثال الجمال في عالم غير العالم المحسوس فالجمال مدرك كلي نستنبطه بعد النظر في شتى الأشياء الجميلة فلولا أن في أذهاننا فكرة سابقة عن الجمال لما عرفنا أن هذه الأشياء بالذات تشترك في صفة الجمال ، ففي العالم الخارجي عالم المثل جمال في ذاته مستقل عن عقل الإنسان ولو لم تكن نفوسنا حاصلة على هذا المثال لما استطاعت أن تدرك الشيء الجميل ..
وإذا كان سقراط قد قال إن معرفة الماهيات هي المعرفة الحقيقية فانه لم يقل ان وجود الماهيات هو الوجود الحقيقي.. وقد رفع إفلاطون في نظرية المثل هذه الماهيات الى منزلة الوجود الحقيقي وسلب كل شيء دونها أي حق في الوجود أي ان الوجود الفعلي هو انعكاس المثل في الأشياء ومنه انعكاسها في العقل او النفس وفي مقابل المثل وضع العدم وهو المادة او المحسوسات التي معرفتها تتصل بالمعرفة الجزئية . إن العقل الإنساني يجتمع فيه النقيضان ففيه تنعكس المعرفة الكلية عن طريق المثل وفيه تنعكس المعرفة الجزئية عن طريق الحواس .
الديالكتيك لدى ارسطو هو منهج العقل في عملية المعرفة وهو فن الكلام او فن الحوار لأن الكلام والحوار فكر وعقل .
وكما أنه ثنائي في مذهبه في الأشياء الواقعية فهو كذلك ثنائي في مذهبه في النفس فالبدن هو بمنزلة المادة أوالهيولى والنفس هي بمنزلة الصورة . ان مذهب أرسطو في النفس كمذهب أستاذه إفلاطون وقبله سقراط يقول بوجود بدن ونفس فلم يكن واقعيا صرفا ... إن العلاقة بين النفس والبدن هي من الوثاقة والقوة بحيث لا يمكن للنفس ان توجد مفارقة . والنفس الإنسانية لدى أرسطو او النفس الناطقة يتميز بها الإنسان دون الحيوان لأن الإنسان وحده يتميز بقوة النطق او العقل وهو القوة القادرة على إدراك ماهيات الأشياء والخواص العامة المشتركة بين المحسوسات التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان فالحواس إنما تدرك الجزئيات وأما العقل فيدرك الكلي الذي ينطبق على جميع الأفراد .
العقل الإنساني مكون من جانبين متناقضين يمدانه بمصدرين متناقضين للمعرفة : العقل الهيولاني والعقل الفعال ، فالعقل الهيولاني يمده بالمعرفة الجزئية وهو عقل بالقوة أي مجرد استعداد للتعقل إنه يشبه صحيفة بيضاء خالية من الكتابة ولكنها قابلة لان يكتب عليها كل شيء فهي العقل المنفعل .أما العقل الفعال الذي يمده بالمعرفة الكلية فأرسطو مضطرب في أمره ففي حين يصرح في كتاب النفس بأن العقل الهيولاني والعقل الفعال موجودان في النفس الإنسانية يصف العقل الفعال بصفات تميزه عن العقل الهيولاني بل وعن قوى النفس جميعا إذ يقول إنه مفارق أي غير ممتزج بمادة أو يفارق المادة وإنه هو وحده لا يفنى بفناء البدن لأنه خالد دائم بينما يقول عن العقل الهيولاني إنه فاسد .. إن القوى الحسية والعقل الهيولاني تضمحل وتتلاشى ولا يبقى إلا العقل الفعال فقوله ببقاء العقل الفعال ومفارقة الصورة البدن يجعله متفقا مع أستاذه إفلاطون مع أنه ثار عليه وانتقد آراءه الخاصة بجوهرية النفس وحلولها في البدن ومفارقتها له بعد الموت .
التناقض في الواقع :
قلنا ان الفلسفة القديمة تؤمن بمبدأ التناقض ووحدة الأضداد وتؤمن بمبدأ الهوية . فالفلسفة الميتافيزيقية لا تنفي وجود الأضداد وما يحصل بين الأضداد من صراع ، كما ان هذه الفلسفة لم تنكر الحركة .. وهذا التفاعل و الحركة بين الأضداد الخارجية هو من الديالكتيك ويمت الى التناقض الذي يقول به المنطق الميتافيزيقي بصلة .
إن التناقض بين الأضداد المستقلة إنما هو أمر ملاحظ ومعروف وهويدرك بالحواس وبالعقل . ومن صور التناقض التي تكلم عليها الفلاسفة الأقدمون التناقض بين الشيء وضده و التناقض بين الشيء ونفسه وهو الذي ينتج عنه تطور الأشياء والظواهر وتقدمها من مرحلة الى أخرى وهذا تحدثوا عنه من خلال التناقض بين الصورة والهيولى أو الجوهر و المادة .
فمن صور التناقض لدى إفلاطون فضلا عن التناقض بين الأضداد الخارجية التناقض بين المادة والصورة فهو يصفهما بما يجعلهما يتناقضان . فالمثل لدى إفلاطون وهي من عالم الصور تتناقض مع الوجود المحسوس الذي هو من عالم المادة ، وهو يصفها – كما مر معنا - بأنها الأسس الاأولى للوجود ولا أساس لها وهي جوهر الأشياء ولا جوهر فوقها ولا يحدها زمان ولا مكان فهي أزلية أبدية لا تكون ولا تفسد .. إن عالم المثل هو عالم الأفكار والمعاني وهذا مبرر شرفه وكماله وأما عالم المادة فهو عالم الأشباح والظلال وهذا مبرر خسته ودناءته وهو يصف عالمنا بأنه عالم الأشباح والظلال في مقابل عالم الحقيقة ... المثل أولى الجواهر وأولى الموجودات وأجدرها بالوجود إذ المثل أو الكليات هي الوجود الحق وكل ما عداها هو وهم وخيال فالوجود العقلي عنده أولى من الوجود الحسي . المثل من عالم الصورة المجردة من المادة او الهيولى فهي المصدر الأساسي لكل وجود هيولاني فعالم الصور هو عالم الحقائق وعالم المادة هو عالم الأوهام .. المثل هي مصدر المادة التي هي عدم ووهم ، يقول إفلاطون ان الصور مفارقة للمادة فهي جواهر تقوم بذاتها ولا تحتاج الى ما تقوم به غير ذاتها فهي مبدا كل وجود وكل وجود فإنما منها يستفيد وجوده ولم يستطع تصور الهيولى أو المادة تصوره لشيء موجود باستمرار بل لقد قال عنها إنها عدم صرف .
وبالنسبة الى الوجود الإنساني فإنه مكون من صورة ومادة كذلك ، فهو يتألف من نفس و بدن ويذهب إفلاطون الى ان النفس جوهر روحاني مفارق كان موجودا قبل وجود البدن وسيظل موجودا بعده وما وجوده مع البدن الا لفترة قصيرة من الزمن سيغادره بعدها الى الملأ الأعلى . التناقض بين النفس والبدن عند إفلاطون هو تناقض بين الصورة المفارقة للمادة والتي هي جوهر روحاني خالد ومستقل وهو من عالم المثل وبين المادة التي هي عنده عدم أي ان التناقض بينهما تناقض بين الوجود والعدم اللذين يعيشان حالة انفصال وليس حالة تلازم ..
إن عالم المادة أو العالم المحسوس هو الصورة المتحركة للأبدية التي هي العالم المعقول وهو المثل . وهو يرى أن هذا العالم وكائناته المحسوسة لا تنشا الا عن مشاركة جزء من المادة في مثال من المثل فيتشبه به ويحمل على بعض كماله ولكنه ليس هو إياه إذ لا يمكن أن تكون المحسوسات هي المثل لأنها متصلة بمادة والمثل معقولة . إن المادة التي صنع الله منها عالمنا ليست حقيقية لأنها ليست وجودا وإنما هي سلب للوجود إنها عدم محض وخلاء مطلق لا صورة لها ولا قوام ولكنها تتقبل كل صورة تحل فيها لتتقوم بها مؤقتا وتكون جسما . وهي رخوة غير متماسكة وتتحرك حركات مضطربة آلية بلا نظام ولا غاية لها ولا تدبير في سيرها . وهذه المادة هي أصل العالم ومصدر الكثرة فيه وسبب ما نرى من فيه من نقص ومن خسة . وإذا كانت المادة أو الهيولى أصلها عدم فإن هذا العدم قديم وهذه المادة بهذا الوصف أزلية قديمة لا أول لها . وقد ذكر إفلاطون في إحدى محاوراته ان الصانع قد احدث العالم محتذيا المثل أي انه ركب الصورة المأخوذة عن المثل في المادة الخام ( التي كانت عدما ) ومن هنا قال بعض المفسرين إن افلاطون يقول بحدوث العالم وهذا ما نفاه بعضهم الآخر محتجا بأن الصانع الذي يشكل موجودات العالم محتذيا المثل إنما يضع الصورة في المادة المضطربة القديمة التي كانت (موجودة) قبل تشكيل الصانع لها ، وهذا البعض لا يراعي وصف إفلاطون لهذه المادة بأنها (عدم) صرف قبل ان يضع الصورة فيها لكي تتخذ شكلا ماديا ، إن هذا أدى الى عدم فهم موقفه الحقيقي بصدد مشكلة قدم العالم وحدوثه فذهبوا في تفسيره كل مذهب . لقد نظر إفلاطون الى المادة بأنها كانت سلبا أو عدما او فراغا في الأصل ولكنها تصبح شيئا واقعيا بعد أن تتلبسها الصورة أو الجوهر أو المثل . إننا نرى أن إفلاطون لا يختلف مع أرسطو في تصوره للمادة فأرسطو عبر عنها بما هو( ممكن الوجود قبل أن يوجد) وعبر افلاطون عنها بالسلب او العدم الذي يتحول الى وجود ونرى أن كلا التعبيرين يصدق على تصور واحد لم يختلفا فيه فالمادة لم تكن وجودا واقعيا إنما كان لها بعض التميز عن الوجود الجوهري الذي تمثله المثل او الله . هذا وإن المادة كانت تتحرك حركة عشوائية غير منتظمة الا أن الصانع تدخل لكي ينظم الكل تنظيما يظهر فيه اثر العقل والروية والغائية أي انه جعل حركتها موجهة بالعقل وإنها تتجه الى غاية إلهية . فتكونت جزئيات من المادة وتميزت في أشكال مختلفة حتى نشأت العناصر الأربعة . ومن هذه العناصر خلق الصانع جسم العالم وجعله على شكل الكرة أحسن الأشكال كما صنع الأشياء فيه على نماذج المثل ، لكن جميع الأشياء في العالم تظل تقليدا ناقصا لعالم المثل أو نقلا مبتورا عنه وهذا النقص لم يكن لعجز في الصانع بل لضعف في طبيعة المصنوع أي ضعف في الجانب المادي لا الجانب الجوهري ، فإذا لم يكن العالم كاملا فهو قريب من الكمال على كل حال أو قل هو تقليد للكمال . وهذا يعني أن المخلوقات المادية تبقى تتناقض مع عالم المثل الذي أراد الله الصانع لها ان تكون على غراره بسبب النقص الذي تعاني منه بسبب طبيعتها المادية . ولكن لأنها تتضمن المثل أي تتضمن غاية إلهية وعقلا إلهيا فإنها تحاول أن تتجاوز هذا النقص حتى تكون في أعلى صورة لها . فالحركة كما يفسرها افلاطون إنما هي صراع وتفاعل بين عالم المثل الكامل أو عالم الصور وبين العالم الواقعي المحسوس الذي يتضمن في داخله نقصا هو ما عبر عنه بالعدم أو السلب الذي تحاول الأشياء أن تطرده عنها لكي يتحقق وجودها كاملا ، أي ان هناك صراعا يدور بين المادة التي هي عبارة عن انعكاس غير كامل عن المثل وبين المثل التي هي الجوهر الكامل ، إنه صراع بين الكل الكامل الذي هو جوهر الأشياء والجزء الناقص والذي هو الظاهر المتحقق منها . وهذا الصراع هو الحركة في العالم المحسوس .. إن الحركة إنما هي صراع بين المتناقضات ولكن قبل أن يخلق هذا التناقض وتخلق الأشياء المادية الواقعية كانت هنالك حركة – كما يذهب افلاطون - ولكنها حركة مضطربة لم تتوجه الى غاية فنظمها الصانع وشاء لها أن تتوجه بالعقل وبالغائية ومن هنا لا نستطيع أن نستنتج أن التناقض الواقعي هو مصدر الحركة عند إفلاطون ، نعم إنه مصدر الحركة المنظمة المتجهة الى غاية ولكنه ليس مصدر الحركة مطلقا لأن هذه كانت موجودة قبل أن تخلق المادة وتفارق حالة العدم وهي موجودة كذلك عند أرسطو. إن هذا العالم متحرك ومحسوس وهذه الحركة المحسوسة هي الزمان الذي خلقه الصانع . لقد خلق الزمان بخلق العالم المحسوس ووجدت القبلية والبعدية فقد كان زمان الموجودات الأرضية من عمل الصانع اذ انه قد ولد بميلاد العالم المحسوس فهو الصورة المتحركة للأبدية التي يتصف بها العالم المعقول ..
أما أرسطو فرغم اختلافه مع افلاطون فلقد أبقى على المقدمات الافلاطونية في نظرياته في أكثر من موضع ومن هذه النظريات نظرية الصورة والمادة او الهيولى فلم يكن واقعيا صرفا ولا مثاليا صرفا ..
يرى أرسطو من باب التناقض بين الجوهر والمادة أن الجوهر هو الأول في الوجود وأحق المقولات باسم الوجود إذ بانعدامه تنعدم جميع الموجودات وأما المقولات الأخرى فوجودها بالتبع لأنها حالات للجوهر . وهو سابق عليها جميعا فإنها تتقوم به أما هو فلا يتقوم إلا بذاته ، هو الشيء القائم بذاته . وهذا هو المفهوم المنطقي للجوهر أما المفهوم الوجودي له فهو ما يشير الى مفردات هذا العالم فهو الفرد الجزئي المكون من مادة وصورة ، أي ان الجوهر لا وجود مستقل له الا بالمنطق لا في الواقع ما عدا الجوهر الذي يمثله الوجود الإلهي والذي لايتحرك ولا يقترن بالمحسوس .
أرسطو الفيلسوف الواقعي يركز على الوجود العيني المحسوس .فالكلي عنده رغم كونه شيئا حقيقيا وموضوعيا إلا انه ليس له أي وجود مستقل فإنما الوجود للجزئيات لا للكليات وكلما اقترب الشيء من الوجود الفردي كان أمعن في الوجود ، فمدار الجوهرية عند أرسطو إنما هو التحقق العيني والوجود في الخارج فكلما اقترب الشيء من هذا التحقق كان أمعن في الوجود وبالتالي أمعن في الجوهرية . لكن أرسطو لا ينفي ان تكون هناك جواهر مفارقة للحس وبريئة من المادة فهناك جواهر أزلية خالدة مفارقة للحس ولا تلحق بها الحركة على أي وجه كان وهي الله والعقول المفارقة والجزء الناطق من النفس المسمى بالعقل الفعال . والله هو صورة محضة لا تشوبها شائبة من الهيولى لأن الهيولى نقص وهو منزه عن النقص . ويترتب على ذلك انه فعل محض فلا يداخله شيء مما هو بالقوة وإلا لاحتاج الى فاعل آخر يخرجه من القوة الى الفعل فهو الأصل السابق بالنسبة الى الوجود المادي . وهو العلة الفاعلة ، وهوعلة ذاته ولا يقتصر أمره على انه صورة محض او فعل محض وإنما هو في قمة الصورية والفعلية وأعلى درجة من درجاتهما . وهو خير محض لان الخير المحض هو ما لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه ولذلك تصبو اليه كل الكائنات فهو العلة الغائية التي تتوجه اليها الأشياء والتي تحركها جميعا دون ان تتحرك . واخيرا هو عقل خالص فلا عمل له إلا التعقل والتفكير . إنه يتأمل ذاته ويفكر فيها وحدها ، هو عاقل ومعقول وليس كالإنسان الذي ينشطر فيه العاقل عن المعقول .
ولقد طبق نظرية الصورة والمادة في مذهبه في النفس فهو كأستاذه إفلاطون وقبله سقراط يقول بوجود بدن ونفس وهما نقيضان .. ولكن العلاقة بين النفس والبدن هي من الوثاقة والقوة بحيث لا يمكن للنفس ان توجد مفارقة كيف لا وهي صورة والصورة لا توجد مفارقة للهيولى ، فأرسطو ينكر حالة الإنفصال وهذه المفارقة إنكارا تاما ويقول بتلازم المادة والصورة تلازما ضروريا لا مجال فيه لفصل أحدهما عن الآخر الا في بعض حالات وفيما عدا ذلك فكل شيء آخر لا تنفك فيه الصورة عن المادة فلا تفرقة بين المادة والصورة في الحالات العادية إلا في الذهن وعلى سبيل التجريد ومن اجل العلم فقط اما من حيث التحقق العيني في الوجود فان الطرفين يوجدان معا على الدوام ، لا وجود للصورة مفارقة للمادة فيه. .
وكما لا يوجد جوهر بدون مادة لا توجد مادة بدون جوهر والمادة بدون جوهر( هي مادة في حالة كمون والجوهر هو الذي يجعلها حركة ) ..انه – كما قلنا - لا ينكر وجود الجوهر بدون مادة مطلقا ، فهو يؤمن بإمكان ذلك ولكن ليس بالنسبة الى الموجودات الجزئية فهذه لا توجد بدون جوهر وجوهرها لا يوجد بدونها ، ولكن بالنسبة الى الوجود الجوهري فهو يمكن أن يوجد بدون مادة فهناك صور من الوجود الجوهري قال انها توجد بدون مادة منها صورة الصور أو ( الله ) الذي قال انه صورة محضة لا يشوبها شيء من المادة وقال عن العقل الفعال في الإنسان بأنه مفارق للمادة وانه يبقى بعد موت الإنسان وهو من عالم آخر غير العالم المادي . فعدم وجود الجوهر مفارقا للمادة إنما يخص الأشياء المادية فقط فجوهرها ملازم لها وهو ينزع بها نحو تحقيق الغاية من وجودها أو القوانين المتضمنة فيها .
إن التناقض بين الموجودات لدى أرسطو أمر واقع وتتعدد أشكاله وهو يؤلف ثنائيات متلازمة وهذه الثنائية نراها تتجلى في كل فلسفته من حيث أن كل شيء يتكون من مادة وصورة حيث الصورة (الكيفية الفاعلة ) والهيولى أو المادة ( الكيفية المنفعلة ) وعند اتحاد الهيولى بكيفيتين من الكيفيات الأربع ينتج أول الموجودات في عالم الكون والفساد وهي العناصر الأربعة الماء والهواء والنار والتراب ولما كانت الهيولى هي العامل المشترك بين هذه العناصر جميعا صح أن تتعاقب عليها الأضداد بتأثير الكيفية الفاعلة في الكيفية المنفعلة وأمكن للعناصر أن تتعاقب على الهيولى بعضها بعد بعض لا بمحض الصدفة بل تبعا لنظام ثابت لا يتغير. فالتناقض هو حلول احد الضدين بعد الآخر بوساطة خروجه من القوة ( وهي المادة قبل أن يمسها الفعل ) الى الفعل وبوساطة حركة الصراع بين الصورة والمادة يخرج احد النقيضين من القوة الى الفعل ويحل محل العنصر الآخر ويتجاوزه وهذا ما يسميه حركة الكون والفساد .
إن التناقض في الأشياء يتخذ حالة الفرق بين نسبة المادة والصورة في الأشياء . حيث أن المادة أو الهيولى توجد في حال القوة قبل ان تخرج الى حال الفعل فتزيد من نسبة المادة أو نسبة الصورة المتجسمة في المادة . فالتناقض هو تناقض بين نسبة القوة الى الفعل ، بين نسبة الكمون والوجود الفعلي الواقعي . ومع أنه يقول ان المادة والصورة لا يمكن أن يفترقا ( في الأشياء المادية ) فإنه يتبين من تفسيره إنه توجد حالة للمادة تكون مجرد إمكانية للتحقق وأنها غير متحققة لأن الجوهر غير متجوهر فيها فهي منفصلة وغير ملتحمة بالصورة بعد وهنا يمكن ان نلاحظ حالتين متناقضتين : الحالة الأولى هي الصورة الجوهرية الكاملة والثانية هي واقع متحقق ولكن ينطوي على إمكانية ، وهذا يعني انه تناقض بين ما هو كامل وبين ما هو ناقص عن الكمال وهذا هو التناقض كما يراه أرسطو ، انه تناقض بين الكل وبين الجزء ، بين ما هو كل كامل وما هو جزء ناقص .
إن نسبة ما يتحقق من الصورة في المادة يجعل المادة تتناقض مع جوهرها وهو عالم الصور تناقض الجزء مع كله . فالعالم على درجات بعضها فوق بعض بتفاوت نصيبها من المادة والصورة . وما هو في درجة منحطة فمادته غلبت صورته .
هناك صراع دائم بين الصورة والمادة ولأن الصورة تنحل فيها العلة الغائية والعلة الفاعلة اذ الصورة فعل أو كمال فإنها تقتضي بطبيعتها الحركة وذلك لأنها تسعى الى الكمال وهذا هو غايتها ، وسعيها هذا يقتضي منها الحركة التي تتجاوز فيها ما هو كائن الى ما يجب أن يكون . وأما المادة فهي قابلة للحركة وتلقي أفاعيل الصورة فهي منفعلة لا فاعلة . هذه هي الناحية الحركية أو الدينامية في مذهب أرسطو . ففي الوجود دينامية دائمة وحركة لا تنقطع وبحكم هذه الدينامية فان الصورة لا تنفك تجذب العالم الى أعلى كما أن المادة لا تنفك تجذبه الى أدنى فحركة العالم إنما تتلخص في جهد الصورة لتشكيل المادة ومقاومة المادة للصورة وعنها ينتج الكون والفساد في الطبيعة . فلولا مقاومة المادة لما كان فساد ولولا جذب الصورة لما كان كون فالكون والفساد أداة الطبيعة الى بلوغ أهدافها العليا وتحقيق غاياتها البعيدة في التحقق الكامل . أن الشيء ينطوي على ما هو وجود بالقوة وبواسطة حركة الصراع بين الصورة والمادة يخرج الذي هو عدم أو وجود بالقوة من القوة الى الفعل وبوساطة حركة التجاوز يتم تجاوز الصورة لكل الوجود بالقوة ..
وبالنسبة للصراع الكائن في الجسم الإنساني بين النفس والبدن فإن النفس التي تقابل الصورة التي تقترن بها العلة الفاعلة تدفع الهيولى الى التحقق والخروج من حال الكمون او الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل وهذا هو تفسير نمو الجسم الإنساني . إن الخروج الكامل لما هو بالقوة يعني ما سماه سقراط بالتوليد فهي عملية تشبه الولادة حيث الخروج من عالم الكمون الى عالم الظهور والتحقق الفعلي .

إن العالم متغير وكل تغير يحدث إنما لتحقيق الكمال والوصول الى الأفضل ولما كانت العلة الغائية – التي تقترن بالعلة الفاعلة والعلة الصورية - هي الكمال الذي يتجه اليه كل معلول ولما كان وجود الهيولى هو وجود ممكن وغير واجب يخرج من القوة الى الفعل فإن العلة الصورية الغائية الفاعلة تدفعها الى التحقق والظهور والوجود الواقعي وهكذا توجد الهيولى ويتحقق ظهورها . فالهيولى لا تتحقق الا بعد تحصيل الصورة لها أو تحصيلها هي للصورة وسعيها الى الالتحاق بها بسبب عشقها لها ، وهذا العشق المستمر للصورة من جانب الهيولى هو ما يسمى بالحركة ، فالصورة هنا هي علة حركة الهيولى وبشيء من هذا القبيل يفسر أرسطو تحريك الله للعالم . فهو علة غائية للكون تشتاق اليها الهيولى وتطلبها وهذا الشوق هو مصدر حركتها .
يفسر أرسطو ما نرى في الأشياء من تغير على أساس وجود موضوع قابل لتلقي أي فعل عليه . فالتغير لا يمكن تفسيره الا إذا سلمنا بوجود موضوع تطرأ عليه التغييرات و تتعاقب عليه ، فالتغير دليل على أن هناك ما يتغير ما يقبل التغير أو يقع عليه التغير وهذا القابل شيء غير معين أي هو خال من أي تعين ولكنه يمكن ان يتحقق بأي تعين أي أن يتحول الى شيء ما وذلك لان الصفات والأعراض التي تتوالى على الشيء الواحد لا يمكن القول إنها تتحول بعضها الى بعض وإنما هي تتعاقب على موضوع ثابت يظل هو هو على الرغم مما يجري عليه من تغييرات . هذا الموضوع أو هذا القابل هو ما يطلق عليه اسم الهيولى وبه وحده يمكن تفسير ما يحدث من تغير أي أن الهيولى هي قابل لأي صورة ممكن أن تتحقق فيها وقابل للتغير .
وأما مادة افلاطون فهي عدم والعدم لدى افلاطون يقابل كما قلنا الهيولى ( غير المتحقق الوجود او القابل للوجود) لدى أرسطو . ولما كانت الهيولى مجرد قابلية واستعداد فهي قوة مهيأة للفعل ولكنها ليست فعلا إنها سلب للفعل او قل إنها لا تصبح أو لا توجد بالفعل الا عندما تحل فيها كيفية ما تعطيها صفاتها الذاتية وتكون ماهيتها وعندئذ تتجوهر ويدركها الحس . هذه الكيفية التي تحل في الهيولى هي الصورة فالصورة هي مجموع الصفات التي تطلق على شيء ما لأن بهذه الصفات يتم كمال الشيء فإذا سلبت عنه لم تبق فيه الا الهيولى فحسب أي إن الصورة هي الحالة الكاملة للشيء وهي التي تدفع الشيء للتحقق شيئا فشيئا فيحل عرض محل عرض آخر حتى يصل الى الكمال والنهاية وهذا التحقق يتمثل بالصراع بين المادة والصورة .. فالوجود الحقيقي عند أرسطو إنما هو وجود الصورة لا الهيولى بينما وجود الهيولى أدنى مرتبة بكثير من وجود الصورة وذلك لان الوجود بالفعل أعلى مرتبة من الوجود بالقوة ، والهيولى وجود بالقوة بينما الصورة وحدها هي وجود بالفعل وليس معنى هذا كما يذهب أرسطو انه ليس للهيولى أي وجود والا لم تحدث الأشياء . وهنا نشير الى معنى الوجود القديم للهيولى والى مسألة قدم العالم عنده ..
يبين أرسطو ان العالم قديم فالهيولى موجودة بالقوة منذ الأزل ومهما كان البون شاسعا بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل فهي على كل حال ليست عدما محضا والا استحال أن تكون مبدأ لوجود ما بالفعل فلها إذن بالضرورة شيء من الوجود مهما انحط قدره ولنقل إنه نوع من التعين في مقابل الوجود بالفعل ، ومن هنا نظرية أرسطو في قدم العالم , فقد استبعد فكرة الخلق وقصر فعل الله في العالم فقط على تحريكه بطريقة العشق وجعل هذا التحريك فعلا ضروريا لا إرادة فيه بوجه لا سيما وقد رأينا ان الحركة أزلية والزمان ازلي وكلها مفاهيم تحول دون نسبة الخلق الى الله . إن العالم لا يحتاج الى موجد أوجده فكل شيء فيه أزلي أبدي لا يفتقر الى خالق يخرجه الى حيز الوجود.. العالم موجود منذ الأزل وسيظل موجودا الى الأبد وكل ما هنالك من صلة بين الله والأشياء فإنما هي صلة تجاور في الوجود يعني أن العالم موجود كما أن الله موجود وان كان وجود الله غير وجود العالم . ان الله لم يخلق العالم لأن الله ثابت يظل هو هو دائما له نفس القدرة دائما وليس هناك زمان أولى يكون بداية للخلق من زمان آخر .. فلا خلق ولا إيجاد من العدم وإنما كل شيء قديم لا أول له في الوجود . ينفي أرسطو خلق الله للعالم كما ينفي علم الله بالعالم لأن في ذلك سقوطا يجب تنزيه الله عنه فلا يليق أن يعلم العالم وهو أقل منه والا كان ناقصا لأن شرف العلم من شرف المعلوم فإذا علم شيئا غيره لحقه دنسه وفسد بفساده وصار ناقصا مثله . لكن إذا كان لا يعلم العالم فكيف يحركه ؟ إنه يحركه على سبيل الشوق فقد مر معنا أن الهيولى تعشق الصورة وتطلبها فهي بذاتها إمكانية محضة . فتأثير الله في العالم ليس أكثر من تأثير صورة يتعشقها محبوها إذ هو لا يؤثر فيه الا بجاذبيته وجماله أي من حيث هو علة غائية فقط لا عناية لها ولا تدبير ولا قصد فيها ولا روية . لقد أخطا أرسطو المرمى فإذا كان الله لا يتصل بالعالم لا من جهة العلم ولا من جهة الخلق ولا من جهة التدبير فما مبرر القول به إذن ؟ إذا كانت الأشياء إنما تفعل بذاتها وتنتظم بذاتها وتسير على أحسن ما يكون السير بذاتها فما حاجتها الى مبدأ يسيرها وعلة تنظم أفعالها ؟ ... جعل من الله قائدا لا علم له بجيشه وعلة لا فعل لها في معلولها فكل شيء مشغوف بحب المبدأ الأول وهذا الشوق هو سبب ترقي الموجودات وانتقالها من طور الى طور . كيف يمكن تدبير هذا العالم من قبل إله لا يعلم الا ذاته كيف وجد العالم في الأصل وكيف يمكن أن يبقى إذا لم يكن المبدأ الأول عالما به مدبرا لأموره .. لقد جعل العالم والإله قطعتين منفصلتين لا اتصال بينهما فلا يملك تفسيرا يزيل الشك والارتباك .
إن الوجود الفردي المحسوس هو الوجود المادي المتحرك حركة واقعية محسوسة فالحركة هي أهم شرائط هذا الوجود عند أرسطو ، وتقع الحركة في اربع مقولات : مقولة الجوهر والكم والكيف والمكان . فالحركة من حيث هي مقولة الجوهر هي حركة التغير أو حركة الكون والفساد ومن حيث هي مقولة الكم هي حركة الزيادة والنقصان ومن حيث هي مقولة الكيف حركة الاستحالة أما من حيث المكان فهي حركة النقلة . وعندما يفرق بين حركتين : حركة الكون والفساد وحركة الاستحالة ، يصف حركة الكون والفساد وهي التي تتعلق بالصفات الذاتية للشيء وهي التي يتطور فيها الشيء بتجاوز التناقض فيه بأن فيها يحل موجود محل موجود آخر أي إن الحركة فيها إنما تتم بين نقيضين . وأما حركة الاستحالة فلا تتعلق بالصفات الذاتية بل بالصفات العرضية ففيها يحل عرض محل عرض آخر فليست الحركة هنا بين نقيضين بل بين أعراض لا يصل الاختلاف بينها الى حد التناقض . هذا وتفترض الحركة عدة أشياء فهي تفترض أولا موضوعا وطرفين وعلة إذ لا بد للحركة من موضوع تقوم فيه والا امتنعت الحركة . وأما الطرفان فهما الاتجاه من والاتجاه الى فالحركة تتجه من حال القبلية أو التهيؤ الى حال التحقق والوقوع وباصطلاح أرسطو من حال القوة الى حال الفعل . ومن هنا فالحركة عند أرسطو إنما هي استكمال لما هو بالقوة او تحقيق له ، وهذا هو تعريفها العام عنده اذ يقول ( إن الاستكمال أو التحقيق لما يوجد بالقوة من حيث يوجد بالقوة هو الحركة فاستكمال المتغير من حيث هو متغير هو التغير واستكمال القابل للزيادة والنقصان هو الزيادة والنقصان واستكمال القابل للانتقال هو النقلة . وكذلك لا بد للحركة من علة تكون سببا لها والا كانت علة ذاتها فالشيء لا يكون علة ذاته والا كان علة ومعلولا وهو خلف ، والعلل أربع علة مادية وعلة صورية وعلة فاعلة وعلة غائية ) . وقد رأى أن هذه العلل يمكن اختصارها ورد بعضها الى بعض . فوجد ان العلل الثلاث التي تذكر الى جانب العلة المادية ( الصورية والغائية والفاعلة ) يمكن ردها الى علة واحدة هي العلة الصورية فالعلة الفاعلة والعلة الغائية هما والعلة الصورية شيء واحد إذ يرتد بعضها الى بعض حتى تنحل في الشيء الى علته الصورية وأما العلة المادية أو المادة فلا تنحل الى غيرها ولذلك ترتد العلل في الموجودات الطبيعية الى علتين اثنتين فقط هما العلة المادية والعلة الصورية وبتعبير أوجز المادة والصورة .
فالحركة ترافق الوجود المادي المحسوس بل هي أهم شرائط هذا الوجود ولكنها لا توجد بوجوده فالحركة أزلية قديمة قدم وجود المادة كما يذهب أرسطو ، وإذا حققنا بمسألة قدم وجود المادة لديه نجد أنها قبل أن تتقدم من الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل كانت عبارة عن حالة كمون وهي ما يعبر عنه بما هو قابل للوجود أو إمكانية للوجود أي ان الوجود الواقعي أو الوجود بالفعل لما يوجد بعد ، إن الحركة انتقال من حال الى حال كما يقول ولما لم يكن هنالك انتقال بعد الى الوجود بالفعل فلا وجود للحركة وبهذا يمكننا أن نقول إن وجود الحركة يقترن بالوجود الفعلي وهذا الوجود يصاحبه وجود التناقض فالتناقض حركة .. يقول أرسطو إن المادة بدون جوهر( هي مادة في حالة كمون والجوهر هو الذي يجعلها حركة ) إن حلول الجوهر فيها يعني حركتها وقبل حلوله فيها أي قبل وجودها الفعلي فهي وجود كامن .. إن حركة التغير والتطور لدى أرسطو أو الكون والفساد تحدث عن طريق تحول احد الضدين الذي هو وجود بالقوة الى وجود بالفعل بوساطة خروجه من القوة الى الفعل وهذا نفهم منه أن الشيء ينطوي على وجود بالقوة أو ما هو قابل لأن يكون مادة ومعه وجود الصورة وبوساطة حركة الصراع بين الصورة والمادة إذ تسعى الصورة الى إخراج كل الوجود بالقوة الى وجود بالفعل يخرج احد النقيضين من القوة الى الفعل ويحل محل الوجود بالقوة ويتجاوزه وهذا ما يسميه حركة الكون والفساد التي تعني ترافق الحركة مع التناقض ..
وكما تستلزم الحركة المادة والمكان فهي تستلزم الزمان حتى لتكاد تختلط به وتصبح وإياه شيئا واحدا فارسطو كافلاطون قد ربط الزمان بالحركة الا ان الفارق بينهما ان افلاطون يعد الزمان هو الحركة ذاتها أما أرسطو فيعد الزمان هو مقدار الحركة . فالزمان إذن ليس هو الحركة انما هو الجانب المعدود من الحركة ، ما يقبل العد منها . ويتخذ أرسطو من ارتباط الزمان بالحركة دليلا على أزليتها فالزمان لا بداية له ولا نهاية وكذلك الحركة لا بداية لها ولا نهاية لأننا لا يمكن ان نتصور المتقدم والمتأخر بغير زمان ولا زمان بغير حركة فالحركة اذن أزلية أبدية لأنها مرتبطة بالزمان وبذلك ينفي أرسطو فكرة حدوث الزمان والحركة ويقول بقدمهما وأبديتهما وبالتالي بقدم العالم وأبديته . وهذا مردود بعد ما استنتجناه من كلام أرسطو فصحيح أن الحركة تقترن بالزمان إلا أنهما ليسا أزليين فالزمان يبدأ منذ ولادة الحركة حيث التقدم والتأخر الذي قال إنه من خصائص الحركة حيث يتقدم الوجود بالقوة (يتحرك ) ليكون وجودا بالفعل وقبل ذلك كان مسبوقا بوجود أحد النقيضين (الصورة ) الذي هو الوجود الجوهري أو الوجود بالفعل وتصاحبه المادة وهي في حالة كمون أي وجود بالقوة وعدم تحقق وعدم وجود فعلي وهي ما يسميه إفلاطون العدم ، وهذا يعني عدم وجود التناقض وعدم وجود الحركة والزمان .
إن الحركة لدى أرسطو نتيجة للصراع بين التناقضات الداخلية في وحدة المتناقضات والأضداد لتنجم عن الصراع بينها تحقق جديد للوجود ، فهي سير تدريجي للوجود وتطور للشيء في الدرجات التي تتسع لها إمكاناته . ولذلك حدد المفهوم الفلسفي للحركة بأنها خروج الشيء من القوة الى الفعل تدريجيا ، فالشيء المتحرك يحتوي على الفعلية والقوة أو الوجود والإمكان معا وهذا هو تشابك القوة والفعل أو الإمكان والوجود واتحادهما في الشيء المتحرك ، فإذا نفد الإمكان ولم تبق في الشيء طاقة على درجة جديدة انتهى عمر الحركة . ويرى ارسطو أن في المحتوى الداخلي للشيء إمكانا للدرجة المقبلة واستعدادا لها ،أي أن في داخل الشيء يتشابك (الإمكان أو القوة ) و ( الواقع أوالفعل ) . أن التشابك والإجتماع والتفاعل في داخل الشيء هو الوحدة التي تجمع بين الإمكان أوالقوة والواقع أو الفعل، ونستطيع أن نفسر الإمكان أو القوة بالطاقة أو السلب الذي في الأشياء ، والواقع أو الفعل بما تحقق من ذلك الشيء أو ما انتقل اليه الشيء في حركته محققا تاريخ نفسه . الشيء المتحرك هو الوجود المتطور الذي يثرى ويتدرج بصورة مستمرة حتى تستنفد بالحركة تلك الإمكانات التي يتضمنها الشيء ويستبدل في كل درجة من درجات الحركة الإمكان بالواقع والقوة بالفعلية . فالحركة كما يشرحها ارسطو إنما هي صراع وتفاعل بين الفعل والقوة ، والقوة والإمكان هو ما عبر عنه افلاطون بالعدم أو السلب الذي تحاول الأشياء أن تطرده عنها لكي يتحقق وجودها كاملا فتنتهي الحركة . وهكذا نجد أن ارسطو يفسر التطور واستمراره في العالم المادي بالتناقض بين المادة وجوهرها مادام أحد الجانبين واقعا متحققا (إيجابا) ولكنه ينطوي على سلب مازال إمكانا وقوة أو طاقة لما تتحقق بعد(عدما) فالجانب المادي متناقض وهذا الجانب بدوره يتناقض مع (الصورة ) التي هي الوجود الكامل والتي تتضمن العلة الفاعلة والغائية التي تسعى الى الكمال ، أي ان هناك تناقضا وصراعا بين الكل الجوهري والغاية التي يتضمنها الشيء والتي تسعى الى تجاوز الجزء ( الواقع المتحقق ) الذي يتضمن سلبا والذي يعاني نقصا . وهو يقر بالاجتماع بين المتناقضات ( الكل والجزء ) ويقول باشتباك الجانبين ، وهذا الاشتباك يعني صراعا وحركة . فالحركة كما يشرحها ارسطو إنما هي صراع وتفاعل بين الواقع الذي يتضمن الإمكان والقوة وبين الصورة التي تمثل الكمال والفعل .
من هنا نرى انه ليس صحيحا ما نسب الى المنطق القديم او منطق ارسطو من انه يقول بعدم التناقض وانه يؤمن بالثبات . فهو يقول بأن الوجود الحقيقي هو الوجود المادي المتحرك حركة محسوسة فالحركة هي أهم شرائط هذا الوجود . ويقول بالتناقض لكن لا بمعنى ان الشيء هو ضده ، إنما بمعنى أن الأشياء تتفاعل مع أضدادها المستقلة عنها وتتصارع وتكون لهذا التفاعل أو الصراع نتيجة وحركة وتغير . إن الأضداد تجتمع في وحدة ولكن دون أن يمس مبدأ الهوية وإن الأشياء تنطوي على التناقض ولكن المتناقضات تحتفظ بهويتها وتتفاعل فيما بينها ونتيجة هذا التفاعل أن الجانب الذي يمثل الوجود السابق هو الذي ينتصر فيؤثر في الجانب السالب أو يطرده من وحدة العلاقة ويؤول الأمر اليه وهذا ما نفهمه من فلسفة ارسطو فهناك صراع بين نقائض وأضداد (مجتمعة في وحدة معينة ) وهذه (الوحدة) تتيح للمتناقضات أن تتفاعل لتتحول وتتغير أي تتحرك ولا تثبت .. فهذا كله لا يتنافى مع مبدأ عدم التناقض الذي تأخذ به الفلسفة الكلاسيكية ونحن هنا نفهم ان احد النقيضين في علاقة الوجود بالعدم وهو العدم كما يسميه افلاطون أو الوجود بالقوة كما يسميه ارسطو يتحول الى وجود لكن (الوجود) لا يتحول الى عدم أي أن احد النقيضين وهو الوجود السابق هو الذي ينتصر على نقيضه ومن خلال مراحل من عملية النفي أو التجاوز ويبقى بعد انتهاء عملية الصراع او الحركة وانتهاؤها . فالحركة ليست أزلية كما يذهب ارسطو .
أما علة الحركة عند أرسطو فهو يذهب الى ان الحركة لابد من ان تتوقف عند محرك أول يكون علة جميع الحركة ولا علة له . والمحرك الأول لا يتحرك انه يمد بالحركة كل ما عداه وهو منزه عنها ثم ان الحركة انتقال من حال الى حال وهذا يتنافى مع الكمال المطلق . وبما ان البداية والنهاية حدان للحركة وبما أن الحركة في الكون لا حدود لها بمعنى انه لا ابتداء لها ولا انتهاء – كما يذهب أرسطو - فان المحرك الاول المحدث لهذه الحركة ذو قوة لا نهائية وبالتالي فهو أزلي ابدي ثم انه واحد من كل وجه يدل على وحدته . المحرك الأول هو الله وهو صورة الصور التي تقوم بذاتها دون حاجة الى الهيولى . وهو صورة محضة لا يخالطها شيء من المادة ، إنها علة العلل أو المبدأ الأول وأما ما عداه فلا يخلو من المادة قل أو كثر .. الأفلاك تستمد حركتها من الله المحرك الأول الذي لا يتحرك وتتم حركتها بنوع من العشق المتجه الى الله اي بحركة غائية بحتة ، وهنا يبدو أرسطو مرتبكا وغير واضح وهو ما نبه عليه الشراح والباحثون فكيف يقول المحرك ولا يحرك شيئا .
أما شكل الحركة فإن افلاطون يذهب الى أن العالم له أفلاك بعضها في جوف بعض والأرض تقوم في مركز العالم وهي مقر الجنس البشري والحيوان والنبات . أجسام الكواكب تتحرك حركة دائرية منتظمة خالدة والأرض كروية الشكل ثابتة في مكانها لا تتحرك وقد اختار افلاطون لهذا العالم الشكل الكروي والحركة الدائرية عملا بمبدأ الأفضل الذي ينادي به ( أفضلية الحركة الدائرية على غيرها من الحركات ، وأفضلية الشكل الكروي على غيره من الأشكال والحجوم ) .
والكون كروي عند أرسطو لان الكرة أفضل الأشكال ولان الشكل الكروي هو الذي يمكن للمجموع فيه ان يتحرك حركة واحدة متصلة أزلية أبدية تدور في خط منحن مقفل على ذاته لا طرف له ولا حدود ولا يحتاج الى خلاء خارجه . فلا تتحقق الأزلية والأبدية الا بالحركة الدائرية إذ لا أول لها ولا وسط ولا آخر ولا بدء ولا انتهاء فهي الحركة الوحيدة التي تذهب من ذاتها لتعود الى ذاتها بينما الحركات الأخرى كالمستقيمة مثلا تذهب من ذاتها لتعود الى غيرها .

الغائية : لسقراط نزعة غائية واضحة أورثها افلاطون وأرسطو وامتدت بامتداد الفلسفة بعده سواء في القرون الوسطى او في العصر الحديث . ولقد ذكرنا انه كانت لفكرة القانون عنده احترام وتقديس وكان لها كل الأثر في حياته . وقد رد على السوفسطائيين الذين كان يعتقدون ان القانون من اختراع الإنسان فلا باس من الخروج عليه مادام غير ذي قواعد راسخة في طبائع الأشياء . لكن سقراط كان يؤمن بأن القوانين ليست اصطناعية وانما هي تقوم على أصل ثابت وجذور راسخة في بناء الفرد والمجتمع والطبيعة ونظام الاشياء ، ولابد ان تكون هناك قواعد ثابتة للفكر كلية مطلقة وهذه القوانين يجب على العقل ان يكتشفها كما يجب على الإرادة أن تطيعها وتخضع لها ..
فإذا كان القانون حقيقة ثابتة مطلقة وجب طاعته أي أن القانون له غاية أن يتحقق عن طريق إرادة الإنسان وعقل الإنسان الذي ينعكس فيه العقل الإلهي والحكمة الإلهية ، ووجود الإنسان دليل على وجود هذه القوة الإلهية ، فهو إذن شيء مقدس له أصل الهي إذ لابد أن يكون صادرا عن عن قوة حكيمة عادلة شاملة تقوم بالحق وتحرك الكون بأصول أزلية أبدية ثابتة ليست عرضة للتبديل والتغيير ولا تختلف باختلاف الزمان والمكان فللكون صانع حكيم وعقل مدبر وهو خاضع في وجوده وفي سيره لتدبير عقل الهي في ظل قانون العناية الإلهية وهو موجه الى غاية مرسومة تسير وفق خطة معقولة وكل ما فيه مرتب ترتيبا من شانه أن يحقق العدل والخير والجمال ويخدم الغايات العليا .

وعند افلاطون فإنما المثل هي النماذج الحقيقية للوجود وهي معاييرنا الدائمة التي يسعى الوجود المادي الى التشبه بها وتجسيمها في الواقع ، ولها الكمال ولمثال المثل خاصة وهو مثال الخير وهو المثال الأعلى وحقيقة الحقائق وجوهر الوجود الذي جميع المثل تتجه اليه لأنها كلها تنشد الخير وتسعى اليه كما تتجه اليه كل الموجودات . وإذا كانت المثل المنطلق فهي الوجود الجوهري الأول وهي الحقيقة النهائية كذلك لأن الموجودات كلها تسعى اليها والى تحقيقها في الوجود الظاهر فهي النهاية المتحققة كما أنها البداية الجوهرية .
ومذهب أرسطو في الطبيعة والحياة مذهب غائي فالطبيعة ليست كتلة من الحوادث الهوجاء وانما هي ممتلئة بالمظاهر التي يدل نظامها على أنها تتجه نحو هدف معين فكل شيء موضوع لغاية أو أنه يسعى لغاية ولكل كائن حي غاية . وهكذا فالغائية ليست شيئا خارج الكائن الجامد او الحي وإنما هي توجهه من باطن ومعنى هذا ان الغائية لا تقتصر على الكائن الواعي وإنما هي مثبتة في قلب الطبيعة بأسرها . وإذا كانت الغائية تحرك الموجود من باطن وكانت هي الموجهة لعلته الفاعلة وكان الله غاية الغايات فهذا يؤدي الى نوع من وحدة الوجود وحلول الله في صميم الأشياء . ان الله هو خير محض ولذلك تصبو اليه كل الكائنات فهو العلة الغائية التي تتوجه اليها الأشياء والتي تحركها جميعا دون ان تتحرك ،انه يحركها على سبيل الشوق فقد مر معنا أن الهيولى تعشق الصورة وتطلبها فهي بذاتها إمكانية محضة . إن الله هو علة غائية للكون تشتاق اليها الهيولى وتطلبها وهذا الشوق هو مصدر حركتها. فتأثير الله في العالم ليس أكثر من تأثير صورة يتعشقها محبوها إذ هو لا يؤثر فيه الا بجاذبيته وجماله أي من حيث هو علة غائية فقط .
وهو يفسر الحركة والتغير بأنه سعي الى تحقيق الغايات الكامنة في قلب الأشياء . فالعالم متغير وكل تغير يحدث إنما لتحقيق الكمال والوصول الى الأفضل والعلة الغائية هي الكمال الذي يتجه اليه كل معلول . إن الوجود بالقوة يحتاج الى فاعل يخرجه من القوة الى الفعل وهو العلة الفاعلة التي هي العلة الغائية كذلك أي إن تطور الأشياء يتجه الى تحقق الوجود بالقوة وصيرورته الى وجود بالفعل وهو موجه بالغاية التي ترتبط بالعلة الفاعلة . وإذا كانت الحركة لها غاية وكانت الغاية متضمنة في الأشياء منذ بداية الانطلاق في الحركة وإذا كانت الحركة تبلغ غايتها في النهاية فإن معنى هذا أن النهاية هي البداية التي انطلق منها سير الحركة وهذا يعني أن شكل الحركة يتخذ شكلا دائريا . والحركة الدائرية هي الحركة التي اختارها أرسطو وافلاطون للكون كله .
ونجد في أقوال أرسطو تفسيرات غير واضحة ، فهو يقول بترابط الصورة والمادة في الأشياء وأن العلة الصورية ترتبط بها علتان أخريان هما العلة الفاعلة والعلة الغائية فهذا معناه أن الأشياء تتحرك من ذاتها متجهة الى الغاية التي تتضمنها داخليا وان هذه العلة الغائية هي الكمال الذي يتجه اليه كل معلول في حين يقول إنها متجهة بقوة الشوق الذي يشدها الى الله . وهذا نفسره بأنه يذهب الى أن أحد الطرفين المتناقضين في الأشياء له أصل سابق عليه وهذا الطرف هو الصورة لا المادة والصورة هي العنصر الجوهري في الأشياء فهذا الطرف له أصل سابق على المادة وهو علة لوجوده ووجود الطرف الآخر أي المادة. وهذا الأصل السابق هو ( صورة الصور) أو الله الذي تتجه اليه الحركة وهو غاية الحركة ولكن هذا الاتجاه والغاية يأتي على سبيل الشوق لله عن بعد لا من حيث أنه النافذ فيها المدبر لأمرها وعلى أساس الانفصال لا الاتصال . أنه يذهب الى أن أحد الطرفين المتناقضين في الأشياء له أصل سابق عليه وهذا الطرف هو العنصر الجوهري في الأشياء كما ذكرنا ، وهذا الأصل السابق هو الله الذي تتجه اليه حركة الأشياء ، فهو يقول بوجود العقل الفعال في الإنسان والعقل الفعال صورة قبلية مفارقة للهيولى كما يقول وقد فسرها بعض الشراح بأنها الله وإذا كانت تقترن به العلة الغائية فإن الأشياء أو الموجودات موجهة بهذا العقل الفعال القبلي الذي يتصل بعالم الإلوهية فالله هو الغاية المحركة للموجودات .
الخلاصة :
أن تاريخ العقل الإنساني هو تاريخ محاولته من اجل فهم العالم و الوجود فهما عقليا صحيحا . والعقل يخضع كما الاشياء الأخرى لصيرورة الزمان و بالتالي يتطور مع الزمان بفعل هذه الصيرورة , حتى يصل إلى مرحلة الكمال العقلي .. ولكننا اذا ما طالعنا مساهمة العقل الإنساني في فجر تاريخه الفلسفي متمثلة بفلسفة هؤلاء العمالقة اليونانيين لا نستطيع ان نقول ان عقل الإنسان كان بدائيا في بدء عملية التفكير وتفسير الأشياء الطبيعية ثم تطور به عقله , بل نقول إنها البداية الكاملة أو الكبيرة التي تتحقق في النهاية ولكن لا من خلال بعض العقول الفلسفية الكبيرة بل ومن خلال حركة فكرية واسعة تضمنت علوما كثيرة ، الفرق أن العلوم كثرت وتوسعت وبقي عقل الإنسان كبيرا منذ ولادته .
والذي نستنتجه من الآراء الفلسفية لهؤلاء الفلاسفة وهم يبحثون عن الحقيقة الجوهرية ما نستطيع ان نلخصه بالحقائق الفلسفية الآتية :
1 – ان هناك قانونا مطلقا يعم الكون كله وإنه يتغلغل في بناء الفرد والمجتمع والطبيعة ونظام الأشياء وهو يكمن خلفها وأنه يحكم كل شيء ويوجهه الى غاياته المحددة .
2 - إن التناقض من قواعد هذا القانون ، وهو يتخلل عالم الفكر والمادة، وترتبط المتناقضات بعلاقات التناقض محتفظة بهويتها وأنها تتفاعل وتتصارع ويؤول هذا الصراع الى نتيجة . وان الديالكتيك هو القانونً الذي يحدِّد مسيرة الفكر والواقع عبر عمليات النفي المتتالي فهو المحركً للطبيعة وللفكر .
(2 )إن التناقض حالة وجودية ، وهو حالة حركة وصراع تقابل حالة أخرى هي حالة سكون واستقرار كانت قبل أن تخلق الحركة حيث عالم المثل عند افلاطون وحيث الله الواحد المحرك الذي لايتحرك عند ارسطو . كانت المادة بصورة (العدم) كما عبر افلاطون او بصورة (ما هو إمكانية محضة للوجود) كما عبر ارسطو أي ان التناقض لم يوجد بعد فهي حالة سكون قبل أن يكون الوجود الفعلي الذي تصاحبه الحركة . وهذا يعني أن الوجود كان سابقا ولكن بطرف واحد من أطراف التناقض هو الوجود الجوهري وهو المثل او الله المحرك فيما بعد للعالم . وكان الطرف الآخر (عدما ) أو (ما هو ممكن الوجود) . فالسكون هو الحالة السائدة قبل الحركة قبل أن تخلق المادة مع أننا نجد وصفا يربكنا عن هذه المرحلة للمادة القديمة عند افلاطون والتي تتحرك حركة مضطربة ليست بروية وعقل وهداية ، ولأزلية الحركة والزمان عند أرسطو .
3 - إن صورة الحركة هي صراع بين المتناقضين يسعى أحدهما فيه الى نفي الآخر او تجاوزه ، والنقيضان هما الوجود الجوهري الذي كان سابقا والوجود المادي الذي يخلق فيما بعد بفعل الله الصانع عند افلاطون والعلة الفاعلة في الأشياء التي ترتبط بعلة العلل التي هي الله عند أرسطو وذلك لأن الوجود المادي فيه نقص ولا يخلق لأول مرة وهو كامل بل يخلق على مراحل او درجات حتى يكون كاملا على مستوى المثل او حتى يخلق كل الوجود بالقوة ليكون وجودا بالفعل وعلى مستوى الفعل الجوهري الكامل ، فعلاقة التناقض تتمثل بعلاقة الكل الجوهري مع الجزء الواقعي .. واذا كان النقيضان يتصارعان، وأن أحدهما الذي كان سابقاً على وجود نقيضه هو الذي سينتصر وسيطرد نقيضه العدم أو ما هو ممكن الوجود ، فأن الحركة ستنتهيء بانتهاء التناقض وأن الصراع بين هذا النقيض السابق وبين نقيضه سينتهي الى انتصاره وبقاء (الوجود) وحده بعد طرد نقيضه كله . .
(4) إن الوجود السابق جوهر او مضمون او فكر وبعد أن يخلق نقيضه العدم وتخلق الحركة ويتم التحول الى حالة التناقض فإن الوجود يصبح ظاهرا ، يصبح وجودا ظاهرا ولكنه لايظهر منه الا الجزء المحدود الذي يعادل الجزء المحدود الذي انعكس من المثل أو الوجود الفعلي فيه (إذ لا يظهر كل العدم مرة واحدة لأن وجوده وجود جزئي) أما الوجود الجوهري السابق فإنه يبقى يمثل وجوداً كامناً الا ما ظهر منه جزئيا أو ما انعكس منه جزئيا في المادة . وهنا تنشأ علاقة صراع جديدة بين الوجود الكلي الكامن والوجود الجزئي الظاهر وأن علاقة الصراع بين الوجود الكلي الكامن او الجوهر او الفكر وبين الوجود الظاهر او الفعل او الواقع(الذي تحقق جزء منه) تبقى مستمرة ، إذ لا يكون التحول الى فعل او واقع يظهره مرة واحدة فهذا يحدث على مراحل حتى ينتقل الى الكمال الذي يمثله هو، أي ان الفكر يتناقض مع فعله. واذا كان التناقض صراعاً فإن الصراع يبقى طالما وجد تناقض بين الفكر والفعل، بين المضمون والشكل. وإنهما متى ما تطابقا انتهى التناقض وتوقف الصراع لأن غاية الصراع أن يبلغ بالفعل الى كمال الفكر. فالمثل لا تنعكس على المادة مرة واحدة لهذا تعاني المادة من نقص ولا تبلغ الكمال الذي تمثله المثل إلا بعد مراحل من عملية الخلق فالأشياء تنتقل في الدرجات التي تتسع لها امكاناتها حتى تصل الى الكمال . فهي تتدرج في مراحل متجاوزة الى الكمال حتى تصله . والفكر أو الجوهر في تجاوزه المتواصل او في حركته الرافضة لا ينسى هذه المراحل التي يتجاوزها، إنما يحتفظ بها أجزاءً من غايته الكلية. إن الفعل مصدره فكر والشكل مصدره مضمون. فالفكر خالق للفعل، والمضمون خالق للشكل، وبهذا فلا وجود للثاني من هذه الا بالأول منها حيث نص افلاطون وارسطو على أولية هذا الوجود .
5- إن الصراع تحكمه غاية هي البداية التي تحرك بها الصراع وهي النهاية التي ينتهي اليها الصراع. والغاية هي تحقق فعل أحد النقيضين الذي هو سابق او ثابت، وفعله هو نفيه للآخر الذي هو عدم أو ممكن الوجود أي وجوده بغير وجود نقيضه.. أي ان أحد النقيضين هو الغاية التي يتوجه اليها الصراع كما أنه البداية فالمثل هي الغاية التي يتجه إليها الوجود عند افلاطون والله الذي هو صورة الصور تتجه المادة أو الهيولى إليه أو الى التشبه به بحكم الشوق الذي يشدها إليه ، وعندما تكون النهاية هي البداية فمعنى هذا أن مسيرة حركة الصراع تتخذ شكلاً دائرياً وهي الشكل الذي نص عليه فلاسفة اليونان .
6 - إن الصراع يرتبط بغاية هي نفي أحد النقيضين للآخر، وقضاؤه على التناقض. وهو يبقى مستمراً طالما وجد تناقض مع الغاية التي يريد بلوغها هذا النقيض حتى اذا ما بلغها وقف عندها. واذا انتفى التناقض انتفت الحركة واستقرت، فقد قلنا إن التناقض حركة، أي ان الحركة لها أجل مسمى تنتهي عنـده وهذا ما لم يقل به بعض الفلاسفة الذين درسناهم .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) ينظر : الأسفار العقلية الأربعة - صدر الدين محمد الشيرازي - ج ٢-;- - الصفحة ٢-;-٢-;-
(2) ينظر: (مع الفلسفة اليونانية ) الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا ، منشورات عويدات ، بيروت – باريس ، الطبعة الثالثة 1988 . ص57 – 76 .. وينظر الكتاب نفسه في الأفكار الفلسفية الواردة في البحث للفلاسفة اليونانيين ..







اخر الافلام

.. انتحاريون وقناصة خاضوا آخر معارك داعش في شرق سوريا


.. ماي ستستقيل إذا صُوّت لصالح الاتفاق مع بروكسل


.. عاجل: الجيش الإسرائيلي يتهم حماس بإطلاق صاروخ سقط في تل أبيب




.. نتنياهو يقطع زيارته للولايات المتحدة بعد سقوط صاروخ أطلق من


.. الجزائر: ما هي السيناريوهات المحتملة الآن؟