الحوار المتمدن - موبايل



تداخل الأجناس الأدبية في (المقاصة) / أبو هريرة وكوجكا - انموذجا -

بتول قاسم ناصر

2014 / 1 / 29
الادب والفن


ظاهرة التداخل بين الأجناس الأدبية هي نتيجة لكون الأدب ظاهرة إنسانية متطورة بفعل عوامل خارجية وداخلية وهو عملية إبداعية والإبداع يكسر الحدود ويكره التقولب ضمن محددات ثابتة ، ومن هنا جاءت هذه الظاهرة التي قيل عنها إنها نوع من التراسل أو التعالق أو الترافد أو التماهي أو التنافذ أو التناص الإجناسي مابين النصوص الأدبية وسمي النص الناتج عن هذه العملية بالنص الجامع أو النص المفتوح أو النص الحر الخ..
تميل الأجناس الأدبية الحديثة إلى الانفتاح بعضها على بعض وإلى الترافد بالعناصر الأساسية المميزة لها فيتزود بعضها من بعض فتتزحزح حدودها وتفقد بعض ملامحها الأصلية وتتحلى بملامح جديدة ، في عملية تحول مستمر مع احتفاظها بثوابت لا تستطيع إن هي نزعتها أن تتسمى بالاسم الخاص بها . وأصبح النقد الأدبي ينظر للجنس الأدبي من خلال تداخلاته المختلفة فلم يعد للأجناس الأدبية نقاؤها القديم .. إن التجارب المعاصرة تؤكد أن مسألة نقاء الجنس الأدبي وهويته الخالصة أمر لم يعد له وجود فقد استحال الى مكونات هجينة تتداخل بنيويا فيما بينها فيتزحزح الجنس باتجاه تشكل جديد ولا يعود يميز نسبته إلى الجنس الأصلي الا ما يتعلق بالشكل الخارجي والهيئة العامة ، فهناك نوع من التفاعل العام بين النصوص حتى لو كان الاختلاف بينها واضحا .. لقد تجاوز النقاد مفهوم الجنس أو النوع الأدبي ، فلا تقليد ولا فروق بين الأنواع الأدبية و ظهرت أعمال تتجاوز تقاليد الأنواع الأدبية وتنظر الى هذه التقاليد بأنها مجرد حقيقية زائفة يؤمن بها بعض الأدباء و القراء . إن نظرية الأجناس الأدبية تقوم اليوم على حقيقة التداخلات الكثيرة وفي عناصرها المختلفة ، والأجناس التي لاتتطور تجاوزها الوقت ولم يعد لها مكان .
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوة الى إلغاء الحدود الفاصلة بين الأجناس السردية ، نجد من يرفض ذلك و يصرّ على أن وجود ما هو مشترك بين الأجناس الأدبية لا يعني بالضرورة تداخلها إلى الحدّ الذي ينتج معه جنس جديد . ولا بد من وجود قواعد تحدد الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص، فالتحديد مدخل لمعرفة هويته وقراءته والحكم عليه ، ولا بد لكل نص من مقومات يستند إليها تسمح لنا بنسبته الى جنس أدبي عام، مهما بلغت درجة خروجه على القواعد التي تطبع ذلك الجنس .
وهكذا أصبح تداخل الأجناس الأدبية أمرا واقعا و حقيقة ثابتة واتجاها فنيا راسخا ، بل تجاوز ذلك ليصبح عند بعض الأدباء غاية يسعون اليها ليتميزوا بها ، و إن نشأ بينهم خلاف حول نتائج هذا التداخل والمدى الذي يبلغه .
وتعد الرواية " وفي غياب مفهوم دقيق ومحدد لها الجنس الأكثر تحرّرا لأنها كما يقولون جنس غير مكتمل ولم تتوضح كل ملامحه حتى الآن فلا حدود له وما ينفكّ يخترق الأجناس التقليدية القديمة ويحتويها ومازال مستمرا في تطوره ولا نعرف المستويات التي سيبلغها في تطوره والأبواب التي سينفتح عليها .
بحثنا هذا يسلط الضوء على تداخل جنس الرواية أو القصة مع "فن المقالة ليكون محاولة تطبيقية للنظر في تداخل الأجناس الأدبية ، وقد تركز البحث على العرض و التوضيح والنقد والتحليل لأحد أعمال ( ذو النون أيوب ) - ابو هريرة وكوجكا - ، في محاولة لمعرفة اتجاه هذا التداخل والمستوى الذي وصل اليه في خلخلة الحدود التي تقوم عليها الأجناس ؟ .
****************
((أبو هريرة وكوجكا)) رواية (ذو النون أيوب) وقد صدرت عن دار المعارف في تونس في العام 1995 ، يترجم لنا ((ذو النون أيوب)) فيها لمرحلة من مراحل حياته قضاها بعيدا عن وطنه. ومن هنا تأتي قيمتها من كونها وثيقة دقيقة تترجم لصاحبها في هذه المرحلة من حياته في الغربة لكنه لا يجعل من نفسه بطلا مباشرا للرواية وإنما يتحدث فيها عن نفسه من خلال صديقه (محمود طه) الذي يرسل له رزمة أوراق هي عبارة عن مذكراته في سنيه العشرة الاخيرة ، ويرجوه نشرها.. ومايدعونا الى القول بأنها ترجمة لصاحبها ما ورد فيها من معلومات تحدد ((ذو النون أيوب)) تحديدا دقيقا بما نعرفه عنه مسبقا ، والأمر الأكثر تأكيدا أنه يدعو من يريد أن يتعرف عليه أن يقرأ روايته هذه(1). ونحن نعرف أن أدبه لا ينفصل عنه فهو دائما ينقل لنا تجاريه الخاصة ويستخلص قصصه من الحوادث اليومية التي يشاهدها ويعاني منها ويقول إنه حين لايجد هذه الحوادث فإنه لا يستطيع أن يكتب قصة . وصحيح أنه يدخل بعض الأشياء غير الموجودة في الأصل مما يسميه ((رتوشا)) لابد منها لكن ذلك لايخرج القصة عن كونها حادثة واقعية فعلية. فهو لا يتخيل الحوادث أو لا يختلقها ، إنما يقتبسها من المجتمع ومن المشاهدة اليومية ، وهي المواد الأولية لتركيب كل ما يكتب ، وهذا ما يميزه من غيره من الكتاب كما يقول(2).
في هذه الرواية يكتب عن أفكار تكونت لديه بعد أن عاش في الخارج واطلع على التطبيق الفعلي للأفكار الإشتراكية التي ناضل من أجلها وتعرض الى الأذى في سبيلها في وطنه العراق وهو يعرب عن قناعته الجديدة بسوء وفشل التطبيق من خلال هذه الرواية وبدلا من أن يكتب مقالة سياسية واجتماعية يبين فيها آراءه الجديدة يفضل كعادته أن يكتبها من خلال الأدب القصصي وهو ما يعمد إليه دائما الأمر الذي دعا القاص الكبير عبد الملك نوري يسميها (مقاصات ) إذ يرى أنها مقالات ولكن صيغت بالشكل القصصي .، وهو يقول عن نفسه – من خلال بطل القصة - إنه :( تكونت لديه نتيجة مطالعاته الكثيرة آراء اجتماعية وسياسية مغرقة في التطرف. ولو أبقى كل ذلك لنفسه أو تحدث به مع اصدقائه وأقرانه فحسب لهان الأمر ، الا انه أخذ يكتب وينشر وكانت كتاباته من نوع عجيب ، فقد كان يطلق قلمه على سجيته مادة وأسلوبا ، فتجده يكتب مقالا تحسبه قصة أو قصة لاتخرج من أسلوب المقال أو نظما منثورا أو نثرا منظوما ) ونحن لا ننكر أن يتضمن الأدب الفكر السياسي للكاتب ولكن من دون أن يتجاوز عناصر الفن القصصي ودون أن يغلب الفكر السياسي على مقومات الفن لديه وهذا ما وقع فيه كاتبنا مما جعل الذين درسوا أدبه لا يتجاوزون وصف عبد الملك نوري له.. ولربما أراد أن يمارس نوعا من تمرده وثورته على الأفراد الذين ينتقدهم ويفضحهم مشنعا عليهم ، فهو يرفض كذلك الانتماء الى قواعد تجنيسية محددة راسخة متعارف عليها كما يرفض هؤلاء والأنظمة والأفكار التي ينتمون إليها فهو ينتمي الى نفسه فقط وهو غير قابل للتأطير . أو إنه لا يريد أن يكون صادقا في نسبة ما تتضمنه مقالاته إليه مباشرة لأن هذا يعرضه لمساءلة السلطة فيخرج مقالته في شكل الرواية لكي يجنب نفسه ما يمكن أن يتعرض له من أذى في حال المكاشفة والمباشرة .

والرسائل أسلوبه المفضل لاسيما في مجال القصة والرواية ، يبعثها شخص اليه ليقوم هو بنشرها. ولقد اتبع هذا في روايتيه ((الدكتور ابراهيم)) و((الرسائل المنسية)). وهو في أسلوبه هذا متاثر بنماذج معينة في القصة العالمية اعتمدت على هذا الأسلوب(3) ، وهو يعترف بأنه نشأ ((على أدب عالمي أكثر مما نشأ على أدب محلي))(4). موضوعها وكما يذكر هو: ((نقد اسلوب تطبيق الاشتراكية في البلاد الشيوعية))(5) ، ويعين في الرواية نقد ((النظام الشيوعي في جيكسلوفاكيا والديمقراطي في النمسا))(6) لكن ((بلهجة صديق مشفق يصدق صاحبه لايصدقه))(7) وهو يستقي معلوماته من الشعب نفسه ، في الشارع ، في المعمل ، من الفلاح ، من العاهر ، من الطاهر ، من الجاد ، ومن الماجن(8) .. فالموضوع إذن موضوعه الأثير السياسة ، وموضوع آخر : هو الموضوع العاطفي يختلط به أو يقدم أحدهما من خلال الآخر ، وهو في هذا يكرر نفسه أيضا. وما أن يطلع القاريء على هذه الرواية حتى يستحضر أمامه كل ماكتبه ((ذو النون ايوب)) سابقا ، وهو في هذا الكل كان المدافع المتحمس لأفكار معينة ، يدعو لها ويلقى الأذى بسبب ذلك في موطنه لما كانت أفكارا مجردة آمن بها وتحمس لها. وما أن اصطدم بها في مجال التطبيق كما يقول حتى عاد لينال منها ، أو من الطريقة التي تطبق بها، وبالأسلوب نفسه الذي اتخذه أولاً للدفاع عنها .. ونحن نعرف عنه أنه لايكتب الا إذا أُثير ، وإلا إذا احتج. ومايثيره وما يحتج عليه أمور يصفها بالمآسي والمتناقضات والانحطاطات في الحياة السياسية والاجتماعية لاتتفق مع ما نشأ في فكره –كما يقول- من المثل العليا التي حصلت بوساطة مطالعاته في الآداب على اختلاف أنواعها. فكان إذا وجد مايثير التساؤل والاعتراض والاستنكار ، تساءل واعترض واستنكر ، فقد استهوته في الكتابة أمور لم تستهو غيره ، فراح يهجم ((على القمم في المساوئ الاجتماعية و القمم في السياسة الخاطئة)) ولا يقتصر ذلك على مجتمعه – ومازلنا ننقل كلامه – إنما كانت عاطفته الانسانية تحمله هموما تتسع لتشمل العالم الذي أصبح يتعرف على ما في بعض مجتمعاته التي سافر إليها من مساوئ فراح ينتقدها بالحدة نفسها. وقد ذكر أنه فعل ذلك في آخر أعماله غير المنشورة –وهو يشير الى هذه الرواية إذ لم تكن قد نشرت بعد – ويقرر أن استمراره على الكتابة إنما هو لاستمرار الأوضاع التي لا تريحه في كل مكان يرتاده ، وهذا يعين دافعه في الكتابة ، فهو تدفعه غايات اجتماعية تحدد رؤيته للأدب على انه رسالة ذات هدف اجتماعي تتجه الى الإنسان تريد أن تنبهه الى سوء الأوضاع الاجتماعية لكي يثور عليها ويزداد اصرارا على مقاومتها. ومن هذا نبع التيار الواقعي عنده وهويحدد فهمه للواقعية في الأدب ومفهومه للقصة ، فالقصة ((هي كل شيء واقع)) وواقع ينتقد ويحتج عليه(9). ومن هنا نجده في هذه الرواية ينتقد أوضاعا وواقعا لكنه يتعدى نطاق وطنه ، وما ينتقده هو سوء تطبيق الافكار التي تعتمدها بعض البلدان الاشتراكية وهو يعرض بسوء تطبيقها ، وفي مناحي الحياة كافة فلا يترك جانبا حياتيا الا جاء به معرضا. ولأجل ذلك يأتي كل ما في الرواية مفتعلا مختلقا ليتم له مايريد. ولأجل ذلك أيضا نراها مثقلة بالشروح والتعليقات التي تطبعها بطابع الكتابة البحثية والدعائية وما يريده من دعاية لأفكاره ، ومن هنا جاءت عيوبها الفنية الكثيرة .. يقدم روايته هذه بـ ((بداية)) يستعرض فيها حياة صاحب المذكرات استعراضا سريعا بما يعرفه هو عنه ، حيث ترجع معرفته به الى عهد الصبا ، وكان يلقبه ((أبا هريرة ..)) لأنه كان ((مولعا بالقطط ولعا عجيبا))(10). وعندما (بلغ سن الرجولة أشرك في حبه للقطط التي تمشي على أربع أخرى تمشي على رجلين(11).
عندما أدرك سن الشباب ((بدت عليه أمور غريبة مصحوبة بميول فنية وأفكار أعلى من أفكار من هم في سنه ، لقد كان رساما بالفطرة محبا للمطالعة ... لم يلهه ذلك عن الدراسة ولم يتأخر فيها حتى أنهى دراسته العليا وتوظف في بنك))(12).. كان يقيم معارض فنية للوحاته ((تثير غيرة الرسامين المحترفين وحسدهم))(13) ولم يقف أمره عند هذا ((فقد تكونت لديه نتيجة مطالعاته الكثيرة آراء اجتماعية وسياسية مغرقة في التطرف. ولو أبقى كل ذلك لنفسه أو تحدث به مع اصدقائه وأقرانه فحسب لهان الأمر ، الا انه أخذ يكتب وينشر وكانت كتاباته من نوع عجيب ، فقد كان يطلق قلمه على سجيته مادة وأسلوبا ، فتجده يكتب مقالا تحسبه قصة أو قصة لاتخرج من أسلوب المقال أو نظما منثورا أو نثرا منظوما ، ويقف بكل ذلك أمام القراء كما يفعل بلوحاته. وضج المتزمتون في المجتمع العراقي المتأخر عندما رأوا تاثير ذلك الشيء وحامت الشبهات السياسية حواليه وكانت نتائج ذلك أن وضعته الشرطة السياسية في اول قائمة تضم أسماء الخطرين على النظام القائم من الهدامين والشيوعيين والملحدين والأباحيين وما أشبه ذلك. وكانت العقوبة على هذه التهم شديدة قد تصل حد الإعدام ولكن الرجل بقي سادرا في غيه ففصل من عمله وسجن وشرد في العهد الذي سمي بائدا ، وضويق في ما تلاه من عهود أطلقت عليها أسماء تتراوح بين الثورة الخالدة او العهد المقبور حتى شب عهد الثورات عن الطوق وبدأ يبشر بالخير وكان صاحبنا قد تورط في شبابه في الانخراط في الحركات الشيوعية السرية ، تلك الحركات التي كان يضمها حزب واحد))(14) ولما بدأت تنقسم على نفسها ((نفر صاحبنا منها بحكم طبيعته الناقدة المتمردة التي تأبى ما لايتفق وينسجم مع منطقه))(15). وتجمعه بالمؤلف ظروف شاذة في براغ بعد اسقاط الجنسية العراقية عنهما الاثنين بعد الثورة ((الثورة الثانية)) ثم يفترقان عند ((الثورة الثالثة)) وصار التقاؤهما نادرا. ويعلم فيما بعد أنه أصيب بأمراض خطيرة من جملتها أمراض القلب))(16) وأخيرا يأتيه نبأ مصرعه ((لا نتيجة لتلك الأمراض بل لحادث من حوادث السيارات ، فيخالف المألوف في مماته كما خالفه في حياته))(17).. ويحزن لمصرعه هذا حتى يفاجأ يوما برزمة الأوراق التي ذكرناها مرسلة من مجهول اليه. وما أن يطلع عليها حتى يبغت بما تضمنته ، ومن هنا ينفض يديه عن دور الراوية تاركا لصاحب المذكرات مهمة اطلاع القارئ على ما جاء فيها ، بعد أن يكون قد مهد لنا بـ ((البداية)) و((النهاية)) والموضوع كذلك. ومن خلالها نتعرف على تفاصيل حياته في هذه المرحلة المحددة وقصة حبه لفتاة جيكية تصغره بثلاثين سنة ، من خلالها ، ومن خلال الناس الآخرين، ومن خلال الأوضاع التي يتحدث عنها ، يوضح لنا ما الذي حمله على أن ينتقد ويهاجم. وهذا ما نستطيع له تلخيصا لأنه أراده كله ...
في الفصل الأول يكاد البطل ينتهي من كتابة قصة حياته عن هذه المرحلة التي قضاها في جيكوسلفاكيا والتي سيرسل بها الى المؤلف. وهو يبدأ من مرحلة متأخرة من حياته ثم يرجع الى ماقبلها قليلا ، ثم يرتد بنا الى ماقبل ثمان سنوات(18) يوم كان موظفا في السفارة العراقية ، وعندها يتعرف بهذه الفتاة الجيكية ، فيلتصق بها من أول يوم رآها فيه. ومن هذه المرحلة يصعد بنا الى مرحلة أخرى لنجده في فراشه مريضا فيقوم بكتابة قصته تلك. فالكاتب لايتقيد بمفهوم السرد التقليدي للأحداث في هذه الرواية: يبدأ من النهايه ثم البداية ، والنهاية مرة أخرى. فظاهرة الزمن في روايته هذه تكاد تكون مضطربة وهو لايراعي هذه الظاهرة. وفي تقديري أنه لايهمه أن يراعيها لأنه يريد من كتابته شيئا واحدا ، وهو الموضوع او الفكرة التي تهتم المقالة السياسية بها ، أما غير ذلك فهو لايشترطه ، فقد ينتقل بنا من اللحظة الآنية التي هو بصددها الى ما ماقبلها بسنين مرة واحدة ، ليعود بنا بالسرعة نفسها الى الوقت الذي انطلق منه ليتابع لنا سرده ..
الشخصية البارزة في الرواية والتي كانت أكثر بروزا من شخصية البطل نفسه هي الفتاة الجيكية التي كان يلقبها بالكوجكا(19) لأنه تكلم على كل شيء من خلالها ، وقد تكون من قصدها بقوله: ((في آخر ماكتبت فإن القصة جميعها تتشكل من خلال امراة))(20) ولانكاد نعرف عنها في البداية شيئا ثم ومن خلال الحوار نعرف أنها ابنة رأسمالي نمساوي يمتلك معملا للصابون. وهو رأسمالي مثالي ، فقد صار الكاتب يجد في هؤلاء الذين كان يهاجمهم المثالي الحق الذي يحاول أن يرسم له صورة محببة ((كان يداري عماله ، يبني لهم الدور، ويوفر لهم سبل العيش ، ولم يثوروا عليه غير مرة واحدة بتحريض من الحركات العمالية التي كانت تأتي من براغ))(21) أما أمها فهي هنغارية من نبلاء النمسا والمجر معا. وكانت مدللة أبويها لأنها أصغر أبنائهما ولهذا حاول هؤلاء أن يتخلصوا منها وهي صغيرة بمحاولة قتلها. ولكنهم لم يفلحوا ، وعندما تأتي الشيوعية تجردهم مما يملكون ((ولم يبق ما يدفع الأخوة الى الشر))(22) كما تقرر هي ولكنها لاترى في هؤلاء إلا ما تراه في إخوانها فهم ((القساة الظلمة الذين يسرقون الإنسان ، ويسلبونه كل ما يملك ، ثم يسجنونه أيضا ولايقبلون له عذرا مادام هو وأبوه أو جده من أصحاب الأموال. إن الله سيعاقبهم كما عاقب إخوتي لمحاولتهم قتلي وأنا طفلة))(23) فهم يضطهدونها بسب ماضيها. وهنا يقع الكاتب في تناقض لأن هؤلاء لايؤاخذون (كيلدا) – إحدى شخصيات الرواية – على هذا الماضي ، بعد أن أصبحت نموذجا للعمال الصالحين المخلصين))(24) في عهد الحرية. ثم نعرف أنها تحمل شهادة دكتوراه في الكيمياء ، ولكنها اختارت التمريض عملا. متزوجة سابقا من ضابط هرب بعد تسلم الشيوعيين الحكم الى انكلترا. لها ابنان : فانيا ، وجابور. ونعرف أيضا أنها تشك في كون فانيا ابنتها ، لأنهم في نظامها يأخذون الأولاد ساعة ولادتهم ويضعونهم تحت أرقام. وربما خلطت الممرضة رقم طفلتها برقم طفلة أخرى. وليس جابور ابنها ، فهو يتيم ضحية قصة أخرى تدين النظام. ومن خلال تسلسل الأحداث نتعرف على كل تفاصيل حياتها فنعجب لهول ماقاست على أيدي الشيوعيين ونعجب من قدرتها على تحمل كل ذلك ، فهي تقص علينا القصة تلو الأخرى ، وبتتابع ملح وهي قصص لا نشك أن فيها من المبالغة والاختلاق الكثير. وهنا نرى أن الكاتب يفتعل الأحداث والمناسبات ليتم له عمله السياسي الدعائي. ولم تكن البطلة الوحيدة التي لاقت الأهوال والمصائب ، بل كل من تعرفت عليهم. وتروي لنا قصصاً عن بعض هؤلاء. ولعل اغربها واعجبها قصة العجوز ((اللطيفة الوديعة)) فاندراشكوفا ، المتدينة التي لاتجد سوى الصلاة ملاذا مما صادفته عائلتها الفلاحية من النظام الجديد. والتي تذبح يوما أطفالها الثلاثة لأنها تخشى أن يصبحوا ((زنادقة مارقين)) وعندما تنتهي من ذبحهم تركع لتصلي ، ثم تقطع شريانا في ذراعها لتموت معهم ولكن زوجها يعود ((صدفة وفي غير موعده)) ونلاحظ هنا كثرة المصادفات التي لا تتوانى عن تقديم أية خدمة للكاتب ليؤدي غرضه. وتنقذ الأم من الموت ، ولكنها تندب سوء حظها في النجاة ، ويحكم عليها بالإعدام أولا ثم يخفف الى السجن مدى الحياة. وتدخل السجن وتكون مثالا في الهدوء والطاعة – ولاندري كيف استطاعت أن تحتفظ بهدوئها وكأنها لم تفعل شيئا – وعندما يصدر عفو عنها بسب تقارير رؤساء السجن عنها ترفض أن تخرج لأنها لاتريد العيش وسط الزنادقة الكفار. وتتتابع القصص بتتابع الفصول ، وهي لا تقل غرابة عن هذه. ونمل ونضجر لأننا لانصدق. ويخرج الكاتب ما بجعبته مرة واحدة ، وبإلحاح يذكرنا بهجومه على (الدكتور ابراهيم) ، وكيف استقرأ جميع مواطن الانتهازية ليكلفه بها ، وكيف اختلق وتكلف ، وكلما قدم لنا قصة جديدة عن انتهازيته ، ابتعدنا عن تصديقه ، لأنه يبعد الشخصية عن نموذجها البشري ويقربها من الافكار المجردة. وهكذا هو دائما يبالغ ، ويوغل في ذلك حتى يوقع القارئ في الظنون. ولايلبث أن يوقع هذه الشخصية في تناقض في الموقف ، كأنما عرض من خلالها لتناقضه هو – وإن كان الاتجاه معاكسا – فبعد كل ما قدمت عن حقيقة الواقع ، بما نلمس معه تحاملها وكراهيتها الشديدة للشيوعيين ، نراها تقف الى جانب هؤلاء بعد أن تتقدم لخدمة اللجنة التي يشكلونها والتي اتخذت من دار صاحبها مقرا لها .. وعندما يكاشفها هذا ضاحكا بأنها في خدمة الشيوعيين ، تجيب معتزة ((ولماذا لا ؟ وما العيب في الشيوعية؟))(25) وهكذا تنسى كل مالاقته على أيدي هؤلاء فلا تكاد تتذكر عيباً واحدا من جملة العيوب التي لاتحصى والتي ذكرتها سابقا. بل أصبحت تحب هؤلاء : ((وشرعت تسألني عن الاشترااكية والشيوعية ، فشرحت لها النظريات بشكل مبسط يلائم عقليتها ، وعجبت حين اعترفت بعد ذلك بأن وجود أصحاب الملايين الى جانب المعدمين أمر غير طبيعي ، وأن النظام الشيوعي خير من النظام الرأسمالي))(26) ولانجد لهذا التناقض تفسيرا. وإذا قلنا ان الكاتب لم يكن – من خلال البطلة – ينتقد الأفكار ، إنما تطبيقها على أيدي النظام القائم ورجاله ، مما دعاها الى كرههم ، ومما يستوجب استمرار هذا الكره ، لكن هذا الكره انقلب الى محبة ، والكاتب أو البطل عاجز عن معرفة سر ذلك : ((ولاأدري أين اختفى كرهها للنظام القائم ورجاله))(27). واستمر الكاتب يوقع نفسه وشخصياته في التناقض دون أن يراجع نفسه. ويتنبه الى أن أقواله يدفع بعضها بعضا ، ففي قصة من قصص الكوجكا تروي لنا كيف تنتهك حقوق العمال في دولة العمال ، وكيف ترهق عاملة في إحدى المستشفيات بالعمل ، في حين أن القوانين الصارمة لا تبيح لها حق الاعتراض : ((وعندما رجعت الى بيتها منهوكة القوى ، أرادت أن تنيم طفلها الذي كان يشاكس ويرفض النوم ، فضربته حتى تعب من الضرب والبكاء ، فنام ونامت هي كالميتة من أثر التعب ، ويظهر ان الطفل استيقظ بعد ذلك ونهض متشبثا بحواجز مهده ، وأراد أن يلعب فركب الحاجز وسقط على أم رأسه فدقت عنقه))(28) وعندما تستيقظ الأم تسارع به الى المستشفى ولكنه يموت ويرى الدكتور ذلك من أثر السقطة ولكن الشبهات حامت حول الأم عندما يشاهد أثر الضرب في جسده ، ويحكم عليها بعشر سنين. فالعامل متعب يضج بالشكوى ، فلا يسمع ، ثم يذهب وغيره ضحية هذا التعب والانهاك .. ولكنه يقدم لنا حكاية أخرى تصور العامل بأنه لايعرف كيف يقضي وقته ، وأنه يتمتع بالاجازات الطويلة التي لايستحقها عندما يطلب البطل من إدارة المنازل أن تقوم بإصلاح عطب في الحمام ، ويأتي لهذه المهمة عاملان ((بقيا طيلة اسبوع كامل يقضيان النصف الأول من النهار يقلعان أو يكسران مربعا من ذلك القيشاني الجميل ، ويقضيان بقية المدة في الدردشة وشرب البيرة .. وبعد أن تخرب نصف الحمام ظهر العطب.. ولكن ذلك الحمام الجميل بقي مخربا مدة شهر آخر ، فقد استحق العاملان إجازة ، وكأن ذلك العمل قد هد قواهما ، وبعد عودتهما قضيا اسبوعين في إصلاح الحمام بنفس الطريقة))(29). ويروي حادثة أخرى مثلها ، ويرى أن ((العمال هم الذين سيخربون هذا النظام الذي أقيم للدفاع عن مصالحهم))(30). وتناقض آخر يوقع الكاتب نفسه فيه فيما يتصل بالمعلومات التي يوردها : البطلة تقول إنها قضت في السجن سنتين ، فعندما يمران هي وصاحبها بالسجن تشير قائلة : ((تلك داري سكنتها سنتين))(31) وهو يسألها : ((أعجب كيف استطعت الصبر طيلة مدة سنتين))(32) .. ولكنها فيما بعد(33) تذكر أن العقوبة عليها خففت ، فأعفيت من نصف سنة ، فتكون بذلك قضت مدة سنة ونصف لا سنتين. ولعل القارئ انتبه فيما مر ، عند حديث البطل عنها ، الى غفلة الكاتب وتناقضه ، فالبطل يذكر أنه يشرح لها النظريات الشيوعية والاشتراكية بشكل مبسط يلائم عقلها ، وهي تحمل الدكتوراه. وتناقض غيره يؤكد عيبا فنيا ، فالكاتب نوّه في ((البداية)) بنوع العلاقة التي تربطه بصاحب المذكرات وأنها قديمة تمتد الى أيام الطفولة ، والى زمن وجودهما في براغ حيث لايفترقان حتى الثورة الثالثة ، ونوّه صاحب المذكرات هو أيضا بعلاقته بالكاتب وأنه صديقه الوحيد الذي يطمئن اليه ، فيقول له في ختام مذكراته ((ولست أجد بين معارفي وأصدقائي من اعتمد عليه سواك))(34) ومع هذا لانجد للكاتب أثرا في هذه المذكرات .. فلا يظهر من خلال الأحداث ولو عرضا. وكان ذلك ممكنا لو لم يلتقيه في براغ فلا يفارقه حتى الثورة الثالثة. وهو يؤرخ لهذه المرحلة ، ومنذ مجيئه الى براغ بعد الثورة الأولى. ويذكر الكاتب أنه سمع أن صاحبه قد ((أصيب بأمراض خطيرة من جملتها أمراض القلب))(35) ومع هذالا يكلف نفسه عناء السؤال عن صاحبه الحميم. وهناك مايشير الى أنه التقى البطلة (الكوجكا) أيضا، وتعرف عليها وكانت تطلق عليه ((يوهانس)) ترجمة لـ (ذو النون) ولكنه ليس هنالك مايشير الى هذه المعرفة من خلال المذكرات .. وهكذا يختفي الكاتب تماماً في هذه المذكرات شخصية من شخصيات الرواية ، ولايظهر الا اسما في نهاية المذكرات. وسبب ذلك واضح فكما لا يصير الواحد اثنين ، لايمكن كذلك أن يوجد (ذو النون أيوب) وصاحب المذكرات لأنهما شخص واحد. وهكذا يقع في تناقضات كثيرة وعيوب فنية عديدة ، ربما لم يبلغها في أعماله السابقة كما حدث في هذه الرواية. فهو يسخر كل شخصيات الرواية لما يريد حتى تصبح هذه أدوات يتلاعب بها ، يزج بها في الأحداث وينطقها بما يريد لتؤدي عنه أفكاره. فهي شخصيات مقحمة ، يفاجئنا بها دون تمهيد وفي اللحظة المناسبة إذ تعن له فجأة فكرة يريد أن يقولها فيأتي بشخصية آنية لتعرب عن فكرته الآنية ولذلك نجد هذه الشخصيات تختفي بالسرعة نفسها التي ظهرت بها فينتهي دورها بانتهاء المهمة التي أدتها. وتتعدد الشخصيات بتعدد جوانب الفكرة .. بتعدد مواطن الانتقاد ، وكلها أدوات محركة ، أدوات إدانة ... ولا نستثني من ذلك بطلة الرواية ، فهي أداة إدانة ، عن طريقها استقرأ مواطن الانتقاد. فشخصياته تمثل أفكاره وهو يتوزع بين كل شخصيات الرواية وهذه كلها تمثله. وكان يلبس أفكاره أشخاصا ينتمون للنظام الذي انتقده لكي يدينه من خلال هؤلاء الذين ينتمون اليه وكأنه أراد بهذا ان يدفع عن نفسه أنه يعرض أفكاره وأن أبطاله يمثلون هذه الأفكار ، وهو يصرح أنه يعرض الأمور دون أن يقول هو كلمة الحكم ، إنما يترك ذلك للقارئ(36).
ولأن مهمة الرواية أن تقرر هذه الافكار ، ولأنها يسيطر عليها ما يسيطر على المقالة السياسية وهو هدف الدعاية لهذه الأفكار ، نجد ما يختاره من أحداث يتفق مع ما يريد أن يوضحه ، لذا جاءت الأحداث مفتعلة متكلفة ، وبدا بعضها محشورا مما يمكن الاستغناء عنه ، فلا ضرورة فنية تدعو اليه ، كحكاية الكوجكا الغريبة عن القس ، فهو يفتعل لها الحادث افتعالا ... فبينما البطل أرق في إحدى الليالي ، إذ تختلج الكوجكا وتنتفض في نومها وتستيقظ وتهدأ لتقص عليه قصة جديدة تقتل بها أرقه ، مفتعلة كسابقتها. ولكن إذا كانت تلك لغاية أراد ، فما نؤاخذه عليه أن هذه تخلو من ذلك. وتقطع عليه القصة في تلك الليلة لتتمها عليه في اليوم التالي. وربما اندمج الكاتب في هذا الدور وهو يقص علينا القصة تلو الأخرى ، وهكذا بعد ان نفد كل مالديه وبعد أن أحس أنه وفى ، عاد يضرب دون هدى وها هو يفتعل الحادثة ليأتي بقصة تخلو من كل غاية ، لا الغاية الفكرية فقط بل الفنية أيضا. فهي لاتقدم حدثا يسهم في تنامي احداث القصة وتطورها ، بل يعرقل هذه الأحداث ، ويقطع عليها تسلسلها .. وتأتي النهاية اكثر تكلفا فلأنه شعر أن مهمة البطل قد انتهت ، أراد أن ينفض يديه منه ، فتخلص منه بتلك النهاية. فكان مجرد أداة كغيره من شخصيات الرواية. أما الحوار فهو غاية في السذاجة ، وهو غالبا بينه وبين الكوجكا وفي تقديري أنه أدخل الحوار كثيرا في الرواية لينأى بها عن كونها بحثا موضوعيا بحتا. وما وفق في هذا ، فليست لديه القدرة على إدارة الحوار القصصي لأنه ليست لديه القدرة على كتابة القصة التي تستجمع عناصر الفن القصصي ، وتثبت له هذه القدرة في كونه باحثا ناقدا في السياسة والاجتماع .
لغة الشخصيات واحدة وكلامهم واحد لأن الافكار واحدة وهم جميعا يؤمنون بها. أما هو فنراه يمثل دور المدافع عن النظام أمام الكوجكا ، لكي يدفع عن نفسه أنه يدافع عن أفكاره . لكن هذا يفضح بأن جعل حجته في دفاعه ضعيفة ، وما يكاد يلقي بها حتى تدحض فلا يملك الا أن يسكت ليترك لغيره أن يقيم عليه حجته الدامغة. فالحوار مسخر لخدمة هدفه في شرح ما يريد شرحه وتوضيحه..
ولأن الرواية عمل دعائي لأفكار الكاتب السياسية نراها تغص بالمعلومات التي تتدافع على الكاتب فيسجلها بتتابعها ويبلغ به الأمر أن ينسى أنه يكتب قصة وأن عليه أن يراعي ما يقتضيه الفن القصصي. وهكذا قد يأتي فصل كامل وهو معلومات محشورة متلاحقة ، كما هو عليه الفصل الثالث عشر(37) وهو لذلك يجور على مقومات الرواية الفنية ، فتتصف رواياته هذه بذات الخصائص التي جعلت من أغلب قصصه مقالات سياسية اجتماعية أو بحوثا موضوعية اتخذت الشكل القصصي إطارا لها فكانت ((مقاصات)) كما سموها ، وكانت هذه القصة التي نتحدث عنها ((مقاصة أخرى))... ولأنه لايهمه الفن القصصي بقدر ماتهمه الأفكار لذلك نجده لا يدفع عن أدبه هذه التسمية ، فعندما يقولون عنه أنه يكتب مقالات بشكل قصصي ، يقول : إنهم يمتدحونني(38) لأنه لايريد غير ذلك. وهو يقرر أن غايته من الكتابة هي الاحتجاج على الأوضاع السيئة وانتقادها. وأنه وجد نفسه كاتبا فجاة بعد ما اصطدم بالأوضاع العملية وأراد الاحتجاج عليها. لكن طريقة الكتابة جاءت بشكل قصصي لأنه من المولعين بالقصة غاية الولع(39). فالشكل القصصي إنما هو وسيلة أو طريقة في إخراج افكاره ، أما أن يكون غاية أو فنا له أصوله وقواعده فهذا مما لايراعيه. ولهذا نجد قصصه ببساطتها البالغة فلا يهتم كما اهتم كتاب آخرون عاصرهم بالتماس طرقا في التناول الفني جعلت أدبهم (أدبا ممتازا) كما يعترف هو. لكنه لم يتأثر بهم ولم يسع سعيهم لأنه أراد من أدبه الفكرة فقط . وهو يخطئ الذين يبعدون الأدب عن الأفكار ويجعلون همهم منه غاياته الفنية وأساليبه الحديثة المتطورة ، فيرتفعون عن المشاكل اليومية ويتسامون عليها لكي يقال عنهم إنهم أدباء يكتبون على طراز خاص أو طريقة سامية ، حتى أن بعضهم يكتب أشياء لا تفهم في الاطلاق كما يقول(40).
ومن مظاهر عدم اهتمامه بالفن القصصي في روايته هذه أننا نجده لايهتم بتصوير المكان ، وإيراد بعض التفاصيل الضرورية التي تنير أبعاد الحدث. ومن مظاهر عدم اهتمامه بتطوير كتابته في القصة ، أن كتاباته يطبعها أسلوب واحد ، وطريقة واحدة في العرض فما نلاحظه على بعضها نستطيع تطبيقه على الآخر ، ومن هنا نأخذ على روايته هذه ما أخذه الدكتور عبد الإله أحمد على روايته (اليد والأرض والماء) :
1. ((إن الرواية تخلو من الحادثة الغرامية بالمعنى المعروف للحادثة شأن أغلب الروايات التعليمية ، وإن بدا أن فيها شيئا يتصل بهذه الحادثة))(41) وهو يستغل الحادثة الغرامية ليعرض لنا آراءه ، حتى لانكاد نحس شيئا من العلاقة العاطفية ، لأن هذه كانت مجرد وسيلة لإمرار آرائه.
2. إنه قسم الرواية على أقسام كثيرة لاتتجاوز صفحات القسم الواحد في الأكثر ثلاث صفحات في حين كان عدد صفحات الرواية مائة وخمسا وسبعين صفحة. وكان أحسن لو دمج اكثر من قسم في قسم واحد ، إذ فصل من الأقسام ما لا يصح فصله لأنه يقطع الحوار ليتمه في فصل آخر ، كل ذلك لأنه شاء أن لا يتجاوز الفصل الواحد الصفحات الثلاث ، وهذا غير صحيح فنهاية الفصل (18) حوار أكمله في الفصل (19) والفصل (20) امتداد لحوار جرى في الفصل (19). وتستمر هذه الفصول الى الفصل (23) وكلها يوحدها أنها تدور عن حوادث تقع في السجن وكان يمكنه أن يوحدها في فصل واحد ولكنه لم يفعل.
3. إنه ربما عكس شيئا من مرارة تجربته الشخصية على موقفه من النظام الاشتراكي. فكان سبب هذا موقفه الذي يختلف عما نعرفه عنه ، فشن عليه حملاته نفسها التي كان يشنها على الأفراد والأوضاع التي كان يصطدم بفسادها ، فلا ينتهي حتى يعري كل جوانب الفساد ، وحتى يرضي نفسه المستثارة فالكاتب ((تبرز لديه في معارك الصراع نزعات ذاتية خاصة كانت محركة أبدا لعواطفه ومحددة لمواقفه من الفئات المختلفة حتى تجاه هذه الفئات من الفلاحين التي وقف الى جانبها في أدبه مدافعا ، نراه يناصبها العداء ، لأنه نال منها أذى وخسارة مالية كبيرة))(42) فهو يصدر عن تجربته الخاصة وعن نزعته الذاتية. ولهذا نراه يقف موقفه المعادي من النظام الذي طالما دافع عنه وتحمس له ولقي في سبيل ايمانه به كل أذى – كما يذكر- وموقفه هذا لم يأت مغايرا لموقف له قديم ... ففي (اليد والأرض والماء) ينال من الفلاحين لأنه لقي منهم أذى ، في الوقت الذي كان داعية متحمساً للأفكار التي تناصر الفلاحين. ولعله يكرر موقفه القديم هذا في هذه الرواية .. فنراه ينتقد النظام الاشتراكي ، لأنه لقي في بعض بلدانه أذى شخصيا قد يكون محركه في حملته هذه ....

الهوامش
1. ينظر : ذو النون أيوب : يصر على الاستمرار بالتأليف والترجمة حتى يموت/ لقاء أجراه جليل حيدر/مجلة ألف باء العدد 488 ص 46 السنة العاشرة/25 كانون الثاني 1978.
2. ينظر : ( أنا كاتب محتج.. وحين لاأجد ماأحتج عليه لا اكتب) حديث مع (مجلة آفاق جامعية) العدد الثالث/ص55/ السنة الأولى ، 1977.
3. أستطيع أن أقول إنه تأثر بقصة تورجينيف ((بطل من هذا الزمان)) التي تعتمد هذا الأسلوب في كتابة روايته ((الرسائل المنسية)) وتأثر بموضوعها أيضا. وتأثره بالأدب الروسي واضح وهو يؤكده ، وكان قد طبق هذا الأسلوب في رواية ((الدكتور ابراهيم)).
4. ينظر (أنا كاتب محتج) ، ص55.
5. الرواية في العراق/يوسف عز الدين /ص292.
6 ، 7 ، 8) أبو هريرة وكوجكا (المخطوطة) ص4.
9. ينظر : (أنا كاتب محتج) ص52 -55.
10، 11) الرواية ص1.
12 ، 13، 14، 15) الرواية ص 2 ، ويلاحظ أن ما وصف به البطل ينطبق عليه في حياته وكتابته.
16 ، 17) الرواية ص 4.
18. الفصل السادس من الرواية ، ص 26.
19. تعني بالجيكية : القطة.
20. ينظر : (أنا كاتب محتج ..)/ص54.
21. الرواية ص16.
22. الرواية ص21.
23. الرواية ص23
24. الرواية ص
25 . الرواية ص85.
26 ، 27) الرواية ص86
28. الرواية ص78
29. الرواية ص89-90
30. الرواية ص91
31 ، 32) الرواية ص2.
33. الرواية ص79.
34. الرواية ص173-174.
35. الرواية ص4.
36. ينظر (أنا كاتب محتج)/ص54.
37. الرواية ص51.
38. ينظر (ذو النون أيوب يصر على الاستمرار بالتأليف والترجمة ..) مجلة ألف باء/ص46-47.
39. ينظر (أنا كاتب محتج) ص53-54.
40. المصدر السابق /ص55.
41. الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية ، ج1 ص226.
42. المصدر السابق ص226- 227.







اخر الافلام

.. حاتم العراقي اغنية خبروني عنه شلونه .. قناة ابــو رعــود ا


.. الفنانة سميرة عبد العزيز تكرم الناجية من حادث الدرب الأحمر


.. تفاعلكم | جدل حول النشيد الوطني العراقي وكاظم الساهر




.. رئيس حزب المؤتمر: الاتحاد الليبرالي يهدف لنشر الثقافة الوطني


.. ماذا قال وزير الثقافة السعودي للعربية عن مشروعات الرياض العم