الحوار المتمدن - موبايل



من ذكريات 8شباط الأسود - جارتنا أم عباس -

بتول قاسم ناصر

2014 / 2 / 8
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية


من ذكريات 8شباط الأسود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- جارتنا أم عباس -

عندما تمتد بنا الذاكرة الى ما يتصل بفواجع حاضرنا الراهن والى البدايات التي أرهصت بمأساتنا الوطنية وحالة العنف والإرهاب الذي يضرب البلاد وأهلها في كل ساعة فإننا نرجع ذلك الى انقلاب 8شباط الأسود وما حدث بعده.
كان الناس مفجوعين بزعيمهم عبد الكريم قاسم وبثورتهم وانجازات هذه الثورة التي حققت أحلام الشعب وأسعدت الفقراء وغرست في نفوسهم الأمل والطموح والتطلع الى المستقبل . وكانوا مفجوعين بأنفسهم وعوائلهم وأقربائهم وجيرانهم فلم تسلم عائلة من أذى رجال الانقلاب وإن سلمت لم يسلم لهم جار أو قريب أو عزبز . ولكن الفاجعة الكبيرة كانت فاجعتهم بالزعيم وبالثورة فأحسوا أنهم يودعون أحلامهم وسعادتهم وعيشهم السعيد ويودعون القيم والخير والنموذج الفذ للبطل الذي حقق لهم أحلامهم ورغباتهم على مستوى الرغبات المعيشية وعلى مستوى تحقيق النموذج البطولي الذي كانوا يرسمونه لمن يأتي يخلصهم من معاناتهم الدائمة . وربما كانت شخصية الزعيم أكبر حتى من صورة البطل النموذج التي اختزنوها في أذهانهم وارتبطت بها تطلعاتهم ومن هنا كانت الفاجعة به ضربة على أم رأس الشعب قضت على من لم يقض عليه الانقلابيون، فتجدهم حيثما تلقاهم جسدا خاويا يفترسه الذهول والإعياء والحزن والعذاب المقيم . كنت ترى الناس شاحبين عيونهم متورمة من البكاء وكأن قدر العراقيين وفي أصل خلقتهم أن يتطلعوا الى النموذج البطل وأن ينشدوا اليه ويسعوا اليه فإذا ما استطاعوا إنجازه وتحقيقه فقدوه وإذا افتقدوه في الواقع خلقوه في أذهانهم وصاغوا صفاته ورسموا تفاصيل شخصيته ، وربما لهذا أعد الشعب العراقي ليستقبل المنتظر العظيم الذي يعيش معهم حالة روحية وذهنية حتى يعيشوامعه واقعا . إن الشعب العراقي شعب البطولة ولذلك تقرأ أن الأنبياء والعظماء ينطلقون من أرضه ويقصدونها ليموتوا أو ليقتلوا في أرضه فتبقى جيناتهم تنبت من أرضه الأنبياء والعظماء والأبطال حتى آخر بطل يطلع على العالم يحقق انتصار كل من مات دون تحقيق الغايات التي سيحققها .
واحدة من هذا الشعب كانت جارتنا أم عباس ..متعلقة بزعيمها ، وكان الزعيم يملأ عليها حياتها ، تستمع اليه وتحفظ كلامه وتتابع أخباره وتنقلاته . كانت مزهوة به تعشق بطولته ونزاهته وصدقه ووطنيته وتفخر بانجازاته وأعماله. وعندما قتلوه قتلوا حلمها وحياتها فتجدها مذهولة فارقتها ابتسامتها يخنق الهلع أنفاسها ويعتصر الوجع قلبها وتخيم الفجيعة على نفسها . لم تصدق أن الزعيم قتل ، ومن يستطيع قتله. . وهي تنظر إليه بأنه ظاهرة إلهية أو معجزة أو بطل قاهر. . من يجرؤ ؟..أصرت على عدم التصديق ، كانت تأتي إلى والدتي كلما تمكن منها هاجس أو رأي وكلما سمعت إشاعة حول مقتله . ولم تكن وحدها تعارض التصديق ، فالناس كلهم لجأوا الى ذلك لأن التصديق يعني عذابا لايتحملونه وفقدا لا يقبلون به . كلما سمعت خبرا جديدا يطمئن مخاوفها تهرع الى والدتي تقلبه معها على أوجهه المختلفة وتحاول بكل حماسة تأكيد صحته . سمعت أن الزعيم اتجه بسيارة عسكرية إلى جهة مجهولة وقيل إنه اتجه الى الحدود لاجئا إلى إحدى الدول وإن هناك تكتما على الأمر وإن الزعيم ينتظر الفرصة لكي يعلن ذلك الى الشعب. . من تكون تلك الدولة ؟ فالدول المجاورة كانت مشاركة في التآمر على الزعيم وكان على خلاف معها ...كانت تسأل والدتي وتنتظر بلهفة الإجابة وتحاول أن تطرد من رأسها أن الدول المجاورة لا تؤوي الزعيم ولا تسمح له بالمرور عبرها ، فلا بد أن تكون بعض هذه الدول قد غيرت حساباتها وتعاملت مع الأمر من منطلق احترام إرادة الشعب .
مرة جاءت مسرعة تسال أمي مستبشرة : ألم تري كيف أعمتنا المصيبة عن أن ندقق في الفلم الذي أظهره الانقلابيون عن مقتل الزعيم فلم ننتبه الى تفصيلات تفضح من صنع هذا الفلم الكاذب ؟ ألم تلاحظي أن حذاء الزعيم لم يكن حذاءه العسكري ..ألم تلاحظي الجزء الذي ظهر من ساق الزعيم فوق جواربه إنه يبدو كساق لدمية ..وتستمر في الشرح والتفصيل متعجبة كيف أن المصيبة أذهلتها عن أن تلاحظ هذه التفصيلات لكي تكشف كذب هؤلاء القتلة المتآمرين الذين ظنوا أنهم يستطيعون خداع الشعب بقتل الزعيم ..كان حال أم عباس كحال من فقد شيئا كبيرا أفقده صوابه ، وأسهل شيء عليها أن تغادر بيتها وتأتي الى بيتنا لتتداول مع أمي في كل ما دار في خاطرها عن مصير الزعيم . كانت تفضل أمي ...صحيح أن جيراننا في الشارع الذي نسكن فيه كلهم يشتركون معنا في الموقف لا بل المدينة كلها والعراق كله أو في الأقل أغلبه ، فالانقلابيون (حفنة) من العملاء كما عبرنا عنهم بحق ولم تكن للشعب في عمومه بهم علاقة .. كانت أم عباس تفضلنا لأننا نشبهها بحالة الهوس بالزعيم ، ثم ان لعائلتنا نوع صلة به ، فلقد استدعى الزعيم والدي مرة اليه ، ومرات أخرى غير ذلك . كان الزعيم قد أشرف بنفسه على علاج أخي الصغير عندما قصر بعض الأطباء في إحدى المستشفيات بذلك لأسباب سياسية فكتب أبي في إحدى الجرائد يفضح التقصير فما كان من الزعيم الا أن يوعز بعلاجه في مستشفى الرشيد العسكري . كانت أمي تعيد قص هذه الحوادث على أم عباس لاسيما حادثة اعتراضها لسيارة الزعيم وكيف أنها أوقفت سيارته عندما كان خارجا من أحد المؤتمرات وقد ألقى خطابا مطولا مما أطال مدة انتظارنا في الشارع الذي كنا نتوقع أن تمر سيارته فيه وحدث ماتوقعناه .. كنت وقتها صغيرة لا أعرف الدنيا الا من خلال إدراك الأطفال الا أنني أذكر تلك الحادثة جيدا عندما ترويها أمي وكأني بوعي الكبار . كانت التفاصيل تمر في ذهني .. أذكر كيف أن سيارة الزعيم وقفت في الشارع الذي كان خاليا الا من سيارته وسيارة أخرى تتقدمه لمرافقيه . وعندما وقفت السيارة تركت أمي مكانها في وسط الشارع وكانت تمسك يدي بيد وبيدها الأخرى تمسك أخي الذي أشرف الزعيم على علاجه . وتقدمت الى سيارته والى جنب نافذة السيارة حيث كان يجلس في الخلف وعندها تحرك من مجلسه باتجاهها وأشار اليها أن تتحدث مع المرافقين . أذكر أنني رأيت إنسانا ما كان أجمل منه ولا أبهى ، لم يكن التلفزيون يظهره على حقيقته ، كان مشرقا جميلا أبيض البشرة أشقر الشعر عيونه صفراء ، أذكر أن شمسا أطلت علينا من النافذة حين أشار لأمي بأدب ومحبة أن تتحدث مع المرافقين . كانت أم عباس تحب سماع هذه الحادثة كثيرا من أمي وتغبطها عليها وتدمع عيناها عندما تذكر أمي أن الزعيم استجاب للطلب خلال ساعات ، فبعد ساعات قليلة من وصولنا الى البيت أفرج عن أبي .. كان أبي يساريا وكانت قوى الردة والانقلاب قد استقوى عودها قبل أن تطيح بالزعيم والثورة ، فهي قادرة على أن تزج بالوطنيين في السجون وقد أرجعت أبي مرة أخرى الى السجن ، وعند انقلاب ( 8شباط) وجد الانقلابيون صيدا سهلا ممن كان في السجن من الأحرار . كانت أمي تلوم الزعيم لأنه لم يحصن الثورة من أعدائها ولم يستجب لمطالبة الشعب له بتسليحهم وهم يرون مؤامرات الأعداء ويعلمون بما كان يصلهم من السلاح . وكان المتآمرون يحيطون به حتى في أقرب المناصب اليه وأحدهم هو الذي زج بأبي في السجن واتضح فيما بعد أنه أحد رجال الانقلاب . كانت لأم عباس وجهة نظر أخرى تدافع عن الزعيم فثقته العالية بنفسه وبشعبه كانت تهون الأعداء أمام عينيه حتى أنه لم يكن يأبه لما كان يصله من أخبار تحركات المتآمرين ، ثم انه لم يكن يفرق بين أبناء الشعب فلا يضع قيدا طائفيا أو حزبيا أو أي قيد آخر أمام العراقيين فكلهم أبناؤه وكلهم إخوانه والمجال مفسوح أمام الجميع . وتضيف أم عباس بحدة : ولكن أكاذيب الأعداء تصف الزعيم بأنه دكتاتوري متفرد بالسلطة ولم يكن حكمه شعبيا ولو كان دكتاتوريا أو فئويا لكان أعطى السلاح الى أبناء الثورة المخلصين ولما آل الأمر الى هذه المأساة الكبيرة فالذين هبوا يدافعون عن الثورة لم يجدوا سلاحا يستخدمونه بوجه عدو عملت قوى الاستعمار ودول الجوار على تسريب السلاح اليه . كان الزعيم يخشى من استعمال السلاح ليتقاتل به أبناء الشعب ، كان رحيما بالناس ولم يكن حريصا على ملكه .. وتعترض عليها والدتي بأن هذا التعامل مع الأمور لم يكن كله صائبا.. إنه تعامل أخلاقي مثالي صحيح بقدر ما يتصل بشخص الإنسان ولكن بما أنه قائد وحاكم ومسؤول عن شعب فكان من المطلوب أن يضع هذا المصير الذي آل اليه الناس أمامه ويعمل على تحصينهم ضد الأعداء .. ولكن- تجيب أم عباس- ألم تسمعي أن الزعيم كان يلوح لمن هب لنصرته من أبناء شعبه بأنهم سيقضون على الإنقلاب في ظرف ساعتين ولكن لا أحد يدري ما كان يجري ، أعتقد أن المؤامرة أعدت لها كل الدول المجاورة مع الدول الاستعمارية فهي أكبر من كل توقعاته ...كانت هذه الأحاديث وهذا الحوار محور زيارات أم عباس لأمي ، وكانتا تتبادلان أخبار الناس وما كان يتردد من قصص وحكايات عن الذين عوقبوا أيما عقاب لانتمائهم الى الثورة . كانت الفاجعة تخيم على كل البيوت ، كل بيت له قصته ، فبيت (أم عواطف) وهم من طائفة الصابئة أخذ الحرس القومي ابنتهم الكبرى – إذ لم يجدوا رجلا في البيت – وتركوا أهلها يعيشون العار والفاجعة . والقابلة أم أحمد انتحرت ابنتها وزوجها لأن الحرس المنحرف اقتادوهما الى (المقر) واعتدوا على ابنتها أمام زوجها ولم يستطع كلاهما أن يتقبلا ما حدث فاتفقا على الانتحار ولم يطلعا أحد على ما اتفقا عليه وألقيا بنفسيهما في دجلة وتركا أولادهما لدى والدة الزوجة القابلة أم أحمد التي تسلحت بالصبر واتخذت من مهنتها وسيلة لإعالة أيتام ابنتها . وجارتنا الأخرى أم عدنان أخذوا قريبهم الذي جاء الى زيارتهم لأن شواربه كثيفة تشبه شوارب ستالين فلا بد من أن يكون شيوعيا . وفاضل الحلاق قصدوه الى محل الحلاقة وقتلوه أمام زبائنه وصدم الناس بمقتله وخرج أهل المدينة يشيعونه بالرغم من الخوف لأنه كان فاضلا محبوبا من الناس . كانت هناك عائلة أفرادها غريبو الأطوار يسمونهم بيت (اسماعيل التتر ) كأنهم من بقايا التتر والمغول الذين اجتاحوا العراق قديما ، وكان ابنهم الذي يشبه المغول بتقاسيم وجهه وسحنته الصفراء يرافق الحرس المنحرف في حملاتهم على البيوت فتشعر كأن المغول والتتارعادوا الى العراق وأنت تسمع صوت سنابك خيلهم تجتاح عليك المدن والطرقات والبيوت .
في تلك الأيام التي أطاحوا فيها بحكومة الشعب كان الجو باردا ، وكنا نحس أن الوقت تسمر عند الغروب وهو الوقت الذي شاهدنا فيه الفيلم الذي صوره القتلة لجثة الزعيم ورفاقه الأحرار . ما شعرنا أن الوقت غادر ذلك الغروب الكئيب والبرودة الميتة .. هل قتل الزعيم حقا ؟.. لم يرض الناس بهذه النتيجة .. كانت أم عباس تمثل هذا الرفض ، لم تتعرض عائلتها للأذى ، كان أبناؤها أصغر من أن يقعوا في متناول أيدي المنحرفين ، لم تكن ابنتها الكبرى قد انتقلت الى سن الشباب وكذلك كانت أختي الكبرى فكانت أمي وأم عباس تحمدان الله أن الحرس المنحرف لم يفكر فيهما عندما اقتحموا بيتنا وبيت أم عباس . عندما عثر التتري بسجادة أمي بعد أن عبثوا بأثاث المنزل صاح بسخرية : هل تصلون ؟ لم تجب أمي لأنها كانت تعرف مغزى السؤال . كان لدى هؤلاء الذين يبدو وكأنهم جاؤوا من أعماق التاريخ عبر الموجات البربرية حس غريزي لإشباع تعطشهم الى القتل وسفك الدماء .. منذ عهدهم بدأ عهد المقابر الجماعية ، أخذوا كل الأحرار والوطنيين من بيوتهم الى السجون وعرضوهم الى أقسى أنواع التعذيب واختفوا من هناك . كان أبي في السجن وأخي الأكبر ذهب ليقف مع الزعيم ورفاقه في وجه المتآمرين وفقدنا أخباره وعرفنا فيما بعد، بعد أن سيطر الإنقلابيون أن الحرس الفاشي ألقى عليه القبض وزجوه في معتقلاتهم .. كانت العوائل مفجوعة إما بأفرادها وإما بحلمها في الثورة وزعيمها وإما بالاثنين معا كما كانت عائلتنا .. كانت العوائل تتقاسم الهموم والفجيعة ، فلقد كانوا يأخذون الناس لمجرد الشبهة حتى لو كانت هذه الشبهة شاربا طويلا يشبه شوارب ستالين . أما الذي يجدون في بيته كتابا يخص الفكر الشيوعي أو ثورة تموز فكانت هذه تهمة ضده يستحق عليها الموت وليست شبهة . وأذكر مرة قصة روتها أم عباس لأمي عن امرأة أمية كان زوجها شيوعيا وكانوا يسكنون في حي فقير . ولقد علق زوجها صورا لماركس بلحيته الكثة على جدران بيتهم وأخبر زوجته بأن هذه الصور لأبيه لكي يدفعها الى العناية بها ويتخلص من أسئلتها عن حقيقة انتمائه فكانت تعتز بها أيما اعتزاز . وعندما ألقي القبض عليه وجاؤوا ليداهموا بيته كسروا الباب وتوجهوا يفتشون داخل المنزل والمرأة تصيح بهم أنهم لم يرتكبوا شيئا يستحقون عليه أن يتهموا. وعندما وقفوا أمام الصور صاحوا بالمرأة : من هذا إذن ؟ قالت بكل ثبات وبدون تردد : إنه جد أولادي ، وأخذت تحاول منعهم من انزالها وإلقائها على الأرض باكية مولولة لهذه الإهانة التي سيحاسبها عليها زوجها وتركوا المنزل وقد أصبح لديهم دليل إدانة واضحة وإن كانوا لايبالون بالأدلة .
كنت أصغي باهتمام الى هذه القصص وأحفظها وأشارك أمي وجارتها اهتمامهما ومحبتهما للثورة وزعيمها . كانت أم عباس تسأل أمي : ماذا تتوقعين قد أصاب عائلة الزعيم وأقربائه بيد هولاء القتلة سفاكي الدماء . ألم يقولوا أنهم مثلوا بالمهداوي ؟ فماذا صنعوا بعائلته وأبنائه وبناته وأخواته ؟ ماذا فعلوا بعوائل القادة المقربين من الزعيم ؟ ...
كانت أخبار تتردد من هنا وهناك يتناقلها الناس وأول خبر تسمعه أم عباس كانت تأتي به الى أمي لتعرف رأيها فيه. وكانت الشكوك التي أثارها الناس حول مقتل الزعيم تسكن خوفها وتعطيها بعض الأمل فهي لا تريد أن تصدق أن هذا القائد الذي ملك عليها نفسها قد قتل . كانت الشكوك أحيانا مجرد تبريرات واهية ومن نسج خيال ضعيف ولكنها تعزز هذه الشكوك بتأكيدات تفترضها من عندها لكي تستطيع أن تعيش وتتماسك ..قالت لأمي مرة : ألم تسمعي أن الناس رؤوا الزعيم في القمر ؟ ردت عليها أمي مؤكدة وأردفت مستغربة : ولكن هل كان ذلك في الحقيقة ؟ .. فأكدت لها أن هذا حصل وهو حديث الناس .. إن الله أراد أن يطمئن الناس على زعيمهم رحمة بهم فأطل بوجهه عليهم مشرقا في القمر فهدأ برحمته من روعهم ، ولكنها كانت تتأسف أنها لم تره فكانت تتوسل الى الله أن يريها إياه وإلا فإنها لا تتصور كيف ستصبر على عدم ذلك . ونذرت لله نذرا إن مكنها من ذلك أن تذبح بقرة لوجهه تعالى وتوزعها على الناس . وسألته أن تكون هذه الرؤية دليلا على كونه ما زال حيا وأنه ينتظر الفرصة للانقضاض على قتلة الشعب وجلاديه . وأخذت أم عباس تجلس في عتبة دارها منذ نذرت هذا النذر تتطلع الى وجوه المارة في الطريق عسى أن يرسل الله لها الزعيم فتراه وتتيقن أنه ما زال حيا. وكنا كلما خرجنا من الدار نجدها تتفرس في وجوه المارة وقلت زيارتها الى بيتنا فلقد أقسمت على نفسها أن لا تترك الجلوس عند باب الدار حتى ترى الزعيم . كانت تنهي عملها في دارها وما أن تنتهي تجلس في عتبة الدار ولا تمل من ذلك ، ونلقي عليها التحية وتبعث بالتحية الى أمي من خلالنا . وعندما يحل الغروب تتطلع الى القمر عسى أن يطلع عليها الزعيم من القمر فتحظى برؤيته كما حظي الناس . كنا ننقل تحياتها الى أمي فتقول إنها لا بد من أن تيأس يوما كما يئسنا وتعود الى داخل بيتها وتقفل عليها الباب . وكدنا ننسى أنها تجلس في عتبة الدار تراقب المنتظر بكل يقين . وفي يوم من الأيام طرق بابنا ابنها الصغير وهو يحمل صحنا فيه حصة من اللحم فاستغربنا ونحن نتذكر نذرها ..هتفت أمي : ماذا هل رأت الزعيم ..هل تحقق حلمها ؟..قال نعم لقد رأته فوفت بنذرها . ارتدت أمي عباءتها على عجل وهرعت أنا معها الى بيت أم عباس فوجدتها تكاد تطير من الفرح : لقد رأيته ، بادرت مخاطبة أمي ..ألم أقل لكم إنه موجود . فسألت أمي بتشوق ولهفة : ولكن أين وكيف ؟ قالت : وأنا أتفرس في وجوه المارة رأيت عن بعد رجلا يرتدي لباس الأعراب وتبدو عليه الهيبة وشدتني ملامحه ومظهره عن بعد . وأخذ يقترب وكأنه يبحث عني وما أن أصبح أمامي سلم علي وإذا به الزعيم ، كان متخفيا ، إنه هو بعينه كما كنا نشاهده في التلفزيون مشرقا مبتسما ، سأل عن أحوالي فعقدت الدهشة لساني ثم تمالكت نفسي واستدرت الى ما وراء الباب لكي أنادي على من في الدار ليأتوا ويشاهدوه معي ولكني ما إن التفت اليه لم أجد أحدا ، لقد غاب في لحظة ، وهنا اطلقت الهلاهل وانطلقت الى الدار أبشر زوجي وأولادي وأقص عليهم ما رأيت وطلبت منهم أن يسرعوا في إيفاء نذري وفي الحال انطلقوا الى السوق واشتروا النذر وأدوا لي ما طلبت ..ألم أقل لك إنه ما زال حيا ..إنه سيعود ..إنه قريب منا وما زال يسأل عنا ويعرف ما نريد ، وهو يخرج متخفيا بين آونة وأخرى ليبلغ شعبه أنه لم يقتل لكي يبقوا على أهبة الاستعداد ..إنه سيعود وينقذ العراق ويحررنا من جديد...







اخر الافلام

.. الحراك الشعبي في الجزائر: احتجاج على عزل قاض رفض تنفيذ -تعلي


.. كريم طابو: هناك محاولات لاختراق الحراك الشعبي في الجزائر


.. سيناريوهات- بعد مجزرة نيوزيلندا.. إلى أين يتجه اليمين المتطر




.. فيصل مطاوي: الحراك الشعبي الجزائري حرك الأمواج الصامتة داخل


.. فلسفة العلامة بين ابن عربي وجارلس بيرس - د. أمين عودة