الحوار المتمدن - موبايل



الْحُبُّ زَمَنَ العَوْلَمَةِ

محمّد نجيب قاسمي

2014 / 2 / 14
العولمة وتطورات العالم المعاصر


الْحُبُّ زَمَنَ العَوْلَمَةِ
الحبُّ من العواطف الإنسانية السّامية التي تخترق المكان فلا تعترف بالحدود والّتي تتدفّق في انسياب جارف متحدّية كلّ القيود ...الحبّ شعور نبيل يعبّر عن كينونة الإنسان الأصيلة ويسعى إلى طرد الكراهيّة والبغض والحقد والخديعة والمكر .إنّه مَلِكُ وجدان الإنسان وعالمه الدّاخلي ومَلاكه ..وهو بذلك لا يحتاج إلى تقنين ولا تَقْعِيدٍ ولا " دَسْتَرَةٍ ".فلم نر أحدًا يتظاهر مطالبا بالتّنصيص عليه في أحدث دساتير العالم ، دستور تونس الجديد، رغم أنّ مسائل أخرى كثيرة وجدت من يدافع عنها .
ولعلّ من الأعاجيب أنّنا نعلن الحبّ على كثيرين لا حدّ لهم بدءًا من حبّ الخالق إلى حبّ المخلوقات من رسل وأمهات وآباء وأبناء وإخوة ومعشوقين وأوطان وأديان وطوائف وألعاب ومُدن ولغات وحيوانات وإلى ما لا نهاية..ثمّ إنّنا نستطيع تجديد حبّنا مرّات كثيرة فقلوب بعضنا كبيرة تتّسع لمحبوبين كُثْر على خلاف آخرين لا يتحمّلون سوى حبّ واحد يتيم يتعلّقون به ويهيمون من أجله ويضيعون بَعْده إلى حدّ الجنون .
والعجيب أكثر أنّ هذه العاطفة أصلها فرديّ ذاتيّ من أعماق الإنسان لا سلطان عليها لغير صاحبها إن لم يكن هو كذلك فاقدٌ للسّيطرة عليها .ولكنّها في الآن ذاته تندفع من الأنا لتفيض على الآخر .فشرطها التّوافق مع ذات أخرى مُغايرة ليحصل الانسجام ويكون تمامُ الحبّ وذروتُه وكماله و جماله.ولا عزاء لمن لم يجد صدى لحبّه عند الآخر فمصيره الانتشاء بألم العذاب .
ثمّ تكون بعد ذلك النّشوة العارمة والمتعة الكاملة والسعادة الأبديّة ويكون الهجر والصدّ والتّمنّع والفراق والشّكوى وقائمة طويلة من العذابات التي لا يقوى عليها سوى الكبار أمّا الصغار فيقعون فريسة للهزال والشّحوب والذّبول .ولا مفرّ للجميع من "ذُلّ العشق" الذي يعتري كلّ بشر سَوِيٍّ وغير سويّ..
ومنذ وجد الإنسان على وجه الأرض وهو يعيش الحبّ ويتنفّسه ويستمتع به ويكتوي بناره ويواصل به وجوده في الكون .وكم من حروب اندلعت ودماء سالت وأرواح أزهقت باسم الحبّ وبسببه وكم من أفراح أقيمت وعقود أبرمت ومصالح أنجزت بسبب الحبّ وباسمه .
وتعاقبت العصور وتتالت الحضارات وتجاورت وتصادمت وتسالمت وبقي الحبّ المشترك الصّامت بينها جميعا بملامحه وأسبابه وانعكاساته وقصصه رغم بعض الاختلافات الجزئية في التّعبير عنه ثقافيّا .ولعلّ أبرز المشترك في الحبّ بين كل ّ الشعوب منذ الأزمنة الغابرة وحتّى سنوات قليلة خلت هو حرارة العاطفة وتوهّجها وتدفّق المشاعر والأشواق .فمذاق الحبّ وطعمه كمذاق الغلال والفواكه والأطعمة والانتصارات والهزائم له رونق خاصّ واستساغة لم نعد نحسّها اليوم.كان المحبّ ينتظر ويتشوّق ويصبر ويتعذّب ويكتب ويهذي .وكانت لحظات انغماسه في الحبّ بالذكرى واستعادة الماضي والسياحة في المستقبل وفي الخيال أجمل من لحظات اللقاء نفسه...باختصار كان هناك حبّ ...
واليوم ، ربّما صارت الأجساد أجمل ، والعقول أكمل، والوسائل أفخم ، والإمكانيات أضخم والسّبل أيسر وأزيلت كلّ الحدود والعراقيل فهل أصبح الحبّ أجمل وأبهى؟
نحن في زمن العولمة ، نحبّ بالجوّال وبالانترنات وبالفضائيات.فهل بقي مجال لحبّ الحمقى والمغفّلين الّذين كانوا يشقون بعذابات الحبّ بل حتّى بالبحث عمّن يعلنون عليه الحبّ فلا يجدون؟
لقد أصبح للحبّ عيده السّنوي .فهل يعني هذا أنّنا قتلناه كما قتلنا كلّ شيء جعلنا له عيدا ويوما ولجنة ؟ أين انتصاراتنا واستقلالاتنا وثوراتنا التي جعلنا لها أعيادا ؟ يكاد لا يبقى منها شيء..
لقد عاد الآخر إلى تراثه وماضيه فاستخرج منه حكاية القدّيس" فالنتين "في العهد الرّوماني الغابروبعث فيها الحياة وجعل شجاعة الكاهن أمام السلطان الجائر في التّصميم على إبرام عقود زواج المحبّين ذكرى عالميّة يحتفل بها الكبار والصّغار ويحتفل بها أحفاد الرومان وأحفاد أعداء الرومان وحلفائهم ومن لا يسمع بهم أصلا. فهل تعوزنا نحن قصص الغرام والعشق الحلال وحتّى العشق الحرام في قصّة" أساف ونائلة " لنحتفل بقصص الآخرين؟
ألم ندرك بعد أنّ العولمة مفيدة ومباركة وضروريّة ولكن لا طعم لها إن لم نكن نحن من بُناتها والمساهمين فيها ؟
لا يمكننا أن نعيش العولمة بكلّ حلوها ومرّها ما لم نكن نعمل بالقول التّالي : " فكّر كونيّا ، وانشط محليّا، وكن مرتبطا في الشبكة العنكبوتيّة « think global --;--act local and be connected
وكلّ عام وأنتم الحبّ..... وكلّ عام وحبّكم أكبر.......







اخر الافلام

.. يوروماكس - الحياة والمجتمع في أوروبا


.. -كيف تروج لمجزرة؟-.. تحقيق يكشف أساليب -لوبي- السلاح بأميركا


.. تعرف على منقذ 7 من عبارة دجلة المنكوبة




.. شيء عن: تعرف على روبرت مولر؟؟؟


.. شيء عن :هل تعرف أكراد سوريا؟؟؟