الحوار المتمدن - موبايل



العراق من التقسيم ؛ إلى تقسيم التقسيم

ممدوح مكرم

2014 / 6 / 23
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


بداية ً اعتذر عن التأخير فى انجاز هذه المقالة ؛ وفى حقيقة الأمر هو تأخير و تلكؤ مقصود ؛ حتى تكتمل الصورة ، و يتوافر حد معقول من العلم بمجريات الوضع شديد التعقيد هناك ، أشكر للزملاء و الأصدقاء الأعزاء إلحاحاهم علىّ لإنجاز ما وعدت به .
القت الأزمة العراقية بظلالها خلال الأسبوع المنقضى ، واحتلت الأنباء الأولى فى التغطيات الإخبارية ، و التقارير ، و المتابعات ؛ بل لا نبالغ إذا قلنا أنها غطت على أحداث لا تقل أهمية ( الأزمة السورية ، الأوكرانية ، الممارسات القمعية الصهيونية فى الأراضى المحتلة ) و من ثمّ أصبحت الأزمة العراقية حديث القاصى و الدانى ، ومحط الأنظار .
ملاحظات عامة
1- لا يمكن فهم الأزمة العراقية بمعزل عما يحدث فى منطقة الشرق الأوسط ، و ما يُعرف بالربيع العربى ! أى سياق ما يعرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير ؛ الذى أعلنت عنه كوندليزا رايس بعد احتلال العراق .
2- لا يمكن فهم الأزمة العراقية بمعزل عن سياق أزمة النظام الرأسمالى العالمى فى المراكز ، و تصدير تلك الأزمة للأطراف .
3- لا يمكن فهم الأزمة العراقية ، بدون السياق الجيوبولتيكى( كرافد للجغرافيا السياسية ) فى العلاقة بوضعية روسيا الاتحادية و الصين ؛ المتاخمين جغرافيا لإقليم الشرق الأوسط بالمفهوم الواسع ؛ حيث امتداته إلى آسيا الوسطى السوفيتية سابقا ( على أبواب الصين ) و القوقاز ( على أبواب روسيا ) وذلك مربوطا بالطبع بلعنتى النفط و الغاز اللاذين جعلا المنطقة على مرمى دائم لمدافع الإمبريالية ، و غرس الكيان الصهيونى فيها لتأدية دور وظيفى لكبح و لجم أى تطور يمكن أن ينقل المنطقة نقلة نوعية ، فتتهدد المصالح الكبرى للإمبريالية .
4- أخيرا والمهم فى هذا السياق العلاقة بين ما يحدث فى العراق و ما يحدث فى سوريا .
هذه كانت ملاحظات سريعة ؛ تُؤخذ فى الحسبان عند التعاطى مع الموضوع ، كانت الصدمة ؛ أو ادعاء الصدمة عندما تحدثت الأنباء عن دخول ( تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق و الشام ) المعروف و المشهور إعلاميا " بداعش " – اختصار من الأحرف الأولى لإسم التنظيم – إلى الموصل و السيطرة عليها ، و الإستيلاء على النقود من البنوك ( ما يقارب 2 مليار دولار وفق التقارير) و الحقيقة أن داعش العراق ، أو بتعبير دقيق ؛ داعش العراق و سوريا ، لم يكونا وليدا الصدفة ، أو حدثٍ عابر ، فداعش كرافد من ضمن روافد القاعدة ، التى ظهرت فى العراق بعد الاحتلال الأمريكى ( بعد مجيئ الأردنى المقتول : أبو مصعب الزرقاوى ) و هى صناعة وهابية لآل سعود ، و بماركة أمريكية ، هى ركيزة كما اليمين الدينى فى عمومه ؛فى إغراق هذه المجتمعات فى التخلف ، و شغلها فى آتون حروب و صراعات طائفية و مذهبية و عرقية لا نهاية لها ، و تحويل دول المنطقة لمجموعة كانتونات متصارعة متقاتلة متضعضعة القوة ؛ حتى يبقى التفوق المطلق للعدو الصهيونى ، و تخضع المنطقة لمزيد من النهب الإمبريالى ، و تكون مستباحة بشكل كامل للعدوان الإمبريالى الكولنيالى لضمان تدفق النفط ، و ضمان أمن العدو الصهيونى المغتصب لأرض فلسطين .. ومن هنا تتشّعب أطراف الأزمة
أطراف الأزمة
• الأطراف المحلية
تتعقد المسائل بالداخل العراقى و تتشابك ، فالعراق حضاريا : يحمل إرثا ثقافيا و حضاريا متنوعاً ، و حضاراته القديمة من اقدم الحضارات فى العالم ، و كان العراق فى العصور الوسطى مؤئلا للعلماء و المثقفين و الفقهاء ، مما أنبت بيئة خصبة للجدل وظهور المذاهب و الفرق المختلفة كلامية ً كانت أو فقهية ، ومن هنا وُجدت التركيبة الحالية فى البنية الديموغرافية للعراق ( الشيعة ، السنة = على المستوى المذهبى ) ؛ العرب و الأكراد و التركمان= على المستوى الإثينى / العرقى ، وعلى المستوى الدينى ( مسلمون ، مسحيون ، أقليات من اليهود و الأيزيديين ، الصابئة المندائيون ) و هناك بقايا آشورية و كلدانية قديمة .
هذه التشكيلة الفيفسائية و هذا التنوع ؛ هو عامل قوة و ضغف فى ذات الوقت ، و لكن فى مجتمع كالعراق و عموم المنطقة هى عامل ضعف أكثر ، فمع ضغط الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية ؛ يتحول الصراع الاجتماعى و الطبقى ، إلى صراع ذو صبغة طائفية و عرقية و مذهبية و دينية ، متعالقاً ذلك مع الأزمة الاقتصادية فى المراكز الراسمالية ، التى تضغط بها على الأطراف ( العراق ضمن الأطراف ) بمعنى أن هذه المراكز الإمبريالية ( لو شئنا الدقة الإمبريالية الجماعية – بتعبير المناضل و المفكر المصرى عيداروس القصير – أو إمبريالية العولمة ) من خلال المزيد من حلب أبقارها الحلوب – أى الأطراف – فالأطراف هى مصدر المواد الخام ، و تدفق النفط ، و العمالة الرخيصة ، و للشرق الأوسط وضعية خاصة فى الاستراتجية الدولية للإمبريالية لما فيه من احتياطى النفط ، و ووجود العدو الصهيونى ، ومرور طرق التجارة و تصدير النفط و الغاز عبر مضايقه و بوغازاته ( هرمز ، باب المندب ، قناة السويس ، البسفور و الدرندنيل ، واقصى الغرب= جبل طارق ) .، ومن خلال السيطرة عليه يتم الضغط على القوتين الصاعدتين (روسيا و الصين ) لأنه جيوبولتيكيا الشرق الأوسط امتداد للأمن القومى للقوتين بسبب المتاخمة الجغرافية من ناحية ، واعتبارات أخرى لمكان للحديث عنها هنا .
من هنا وضُع الشرق الأوسط تحت فوهات مدافع و دبابات الإمبريالية، و كان للعراق النصيب الأكبر ، خاصة بعد توريط النظام السابق ( صدام حسين ) فى حرب الثمانية أعوام مع الجارة للدود – إيران الخمينية – ثم غزو إقطاعية الكويت فى الخليج، و ما نجم عنها من الحصار الطويل الذى أزهق أرواح الملايين من العراقيين جلهم من الأطفال ، كانت أحداث 11 أيلول 2001 م هى الحجة الواهية – بالطبع – لتطبيق أقصى توحش للعولمة الإمبريالية النهّابة شديدة الشره للقتل و التدمير و السحق بأحط و أخس الأساليب السياسية و العسكرية على السواء ـ بدا ذلك فى أفغناستان أولا ثم ثنّى بالعراق ( آذار 2003 ) ..و أعلنت كوندى فى العام التالى تصورها عن مشروع الشرق الأوسط الكبير و الموسع ؛ هو فى الحقيقة ubdate لسايكس بيكو ..ولكن بما يتفق مع الإمبريالية فى مرحلة العولمة ، وليست التى تحدث عنها لينين فى كراسه المشهور ( الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية ).
ما علاقة ذلك إذن بالعراق ؟؟
كانت الإدارة الجمهورية المتطرفة حينئذٍ ، تحاول تحقيق اليوتوبيا النيو-ليبرالية ( طبعة أكثر توحشا من طبعات الإمبريالية ) بقيادة الإبن بوش و فريق إدراته ، تعمل- أى الإدارة الأمريكية – على استغلال حدث أيلول بأقصى قدر ممكن ، و تنفيذ المشروع الامبراطورى الأمريكى عبر العسكرة و الهيمنة المباشرة خاصة على المناطق الحيوية فى العالم ، ومنها منطقتنا المنكوبة ؛ فهى بتعبير المفكر القدير –سمير أمين – تمثل الجانب الرخو فى المنظومة الرأسمالية الدولية ، و عليه بدأت الإدارة الأمريكية فى تطبيق السناريوهات التى صممتها جماعات ضغط و مراكز أبحاث على صلة وثيقة بالصهيوينة و الكيان الصهيونى ( تعرف هذه المراكز بالإنجليزية thank tanks ) المفردة الثانية tanks بالأصل تعنى دبابة ( لاحظ العلاقة بنشر الفكر الرأسمالى الأمريكى و الدبابات ) و من هنا لم نستغرب أن تبنى الديمقراطية و يروج لحقوق الإنسان عبر الدبابات و التدخل فى شئون الدول ، كما حدث فى أفغناستان و العراق ، و كان المشهد مفتوحا ً للتدخل فى إيران و سوريا و حتى مصر ، لكن دائما هناك عراقيل كانت تحول دون إتمام ذلك ، و بالمناسبة هذا كان ضمن محتوى مشروع الشرق الأوسط الكبير الذى اشرنا إليه آنفا قبل بضعة أسطر أو يزيد .
نعود للعراق .. كان العراق بسبب وضعيته فى المنطقة ، و سوء قيادته السياسية ، أكثر دولة فى المنطقة مهيئة لتطبيق الديمقراطية ( ديمقراطية الدبابات الأمريكية ) و أسباب أخرى لانريد أن نسهب فيها ، فكان الغزو الأمريكى فى ربيع 2003 م و سقطت بغداد ، و حل الجيش العراقى ، ووضع بريمر الدستور الذى أخضع كامل العراق لمحاصصة طائفية و عرقية ، و تطبيق اللامركزية ـ لإضعاف السلطة المركزية فى بغداد ، وذلك ما أطلق المارد الطائفى من مخبئه ، الذى سجنه فيه البعث شبه العلمانى ، و القمع و التعذيب و القتل الذى طال الشيعة ( إعدام الصدران = محمد صادق الصدر ، و محمد باقر الصدر ، وغيرهم ) و قمع الأكراد ، و قطاع من السنة المعارضين للبعث ، و المذابح التى ارتكبت بحق الشيوعيين منذ تولى صدام السلطة !!
مع ضغط الأزمة الاقتصادية بعد الاحتلال ( معدلات البطالة العالية ، ازدياد نسب الفقر فى المدن و الآرياف ، مع وجود المحتل ) كل ذلك أسس لتطاحن لم ينته ..خاصة مع انقلاب الموازين ، الأكراد أصبحوا شبه دولة فى كوردستان ( دولة مسعود بارزانى = الحزب الديمقراطى الكوردستانى ) الذى يعوم على بحر من النفط ، وهو ذراع العدو الصهيونى فى المنطقة ( بإنتظار اعتراف دولى ليتحول إلى دولة ) أما الشيعة أصبحوا فى السلطة ، فالدستور أسسس لدولة برلمانية ( رئيس الوزراء و الحكومة = السلطة التنفيذية الفعلية ؛ و منصب الرئيس شرفى ) وكانت من نصيب الشيعة وتحديدا حزب الدعوة ؛ أحد أكبر الأحزاب الشيعية ، و إن كان ذلك ليس بشكل خالص ، هناك مناوئون من التيار الذى أسسه مقتدى الصدر ( التيار الصدرى = كتائب المهدى – مليشيات مسلحة كانت تقاوم الاحتلال و سلطة بريمر ) و مجموعة الثورة الإسلامية التى يقودها عمار الحكيم ، ومجموعات أخرى بعضها مرتبط بالحوزة – حوزة النجف الأشرف- و البعض خارج الحوزة ( كإياد علاوى و أحمد الجلبى ) ..و من الجدير ملاحظته أن هؤلاء جاءوا يمتطون الدبابات الأمريكية ؛ ومعهم الحزب الاسلامى ( سنة ) بقيادة محسن عبد الحميد – فرع الإخوان المسلمين فى العراق – و جناج من الشيوعيين – مجموعة حميد مجيد – وهذا تأكيدا يدعو لرثاء حال الحزب الشيوعى العراقى أكبر الأحزاب الشيوعية فى المنطقة ، و أكثرها تأثيرا ، الحزب الذى خرّج زعماء و مناضلين و مفكرين!!
أصبح السنة الطرف الأضعف فى المعادلة عقب الاحتلال، لهذا اشتعلت المحافظات السنية مقاومة ً و صامدةً ضد الاحتلال ( الأنبار ، الفالوجة و غيرها ) فكان لابد من تكسيرها و تحطيمها ، فصنع آل سعود و بماركة أمريكية القاعدة ، و جاء الزرقاوى بحجة الجهاد ضد العدو الأمريكى .
لكن فى الحقيقة الجهاد ضد العراقيين أنفسهم عبر سلسلة من العمليات الانتحارية ، و تفخيخ السيارات ، وأخذ الموضوع بعدا طائفيا ، خاصة مع تفجير المزرات المقدسة لدى الشيعة ، مما تطلب الرد من الطرف الآخر ، فتشكلت كتائب الموت و فرق القتل ، وصارت الدماء تصل إلى الأعناق و ليس – الركب – هذا أثلج صدر المحتل بالطبع ..لكن حتى لا تنفلت الأمور ، وتهدد القاعدة الوجود المصالح الأمريكية ذاتها ، أنشأ آل سعود و بماركة أمريكية أيضا ما عرف بالصحوات لمقاومة القاعدة ،وهى تجمع من أبناء العشائر العراقية ،وقُتل الزرقاوى فى عملية للقوات الأمريكية ،وهى السلف لداعش الحالية ؛ التى رضعت من أثداء الوهابية البدوية العنف و القتل و التنكيل و تكفير الخصوم .
عندما انسحبت قوات الاحتلال الأمريكى من العراق 2011 م على إسر الهزيمة الأمريكية ، و الجائحة الاقتصادية التى ضربت الاقتصاد الأمريكى 2008 م ( لها تأثيرات عميقة على الإنفاق العسكرى ، و تكلفة شن المزيد من الحروب ) كان العراق قد تحول إلى وطن للأشباح ، أعاد الاحتلال العراق لوضعية ما قبل الدولة ؛ حيث المحاصصة الطائفية كما ذكرنا ، و التفجيرات اليومية ، مع وضع اقتصادى و أمنى مذرريين .
هذه كانت بيئة حاضنة للتململ السنى فى المحافظات التى يغلب عليها السنة ، و فى ظل ولاية المالكى الشيعى ، وهو ليس برئيا من الطائفية !! وذلك تزامن مع عواصف ما اطلق عليه الربيع العربى ( تونس ، مصر ، سوريا البحرين ، اليمن ، ليبيا )
كانت هناك احتجاجات فى المحافظات السنية ، و اعتصامات ظلت قرابة عام ..بدعم من العشائر السنية ، نتج عنها هروب نائب الرئيس العراقى إلى تركيا ( طارق الهاشمى سنى ) مما وتر العلاقة بين سلطة المالكى و الأتراك ، فوطد الأتراك علاقاتهم بأعدائهم الألداء – الأكراد – فى كوردستان برزانى ؛ بعد زيارة صاحب صفر مشاكل ( عنوان كتاب ) أحمد دواد أوغلو وزير الخارجية التركى للحاضرة الكردية آربيل !! والحقيقة لم تعد المشاكل صفرية بين تركيا و جيرانها العرب بل أصبحت تنوء بحملها الجمال !!
هذه البيئة و الأطراف المحلية هى التى مهدت مؤخرا لداعش ، و التى تحالف معها هيئة علماء المسلمين ؛ مجموعة حارث الضارى الهارب ، و بقايا البعث بقيادة عزت الدورى ، و المليشيات المسلحة للطريقة النقشبندية ( التى ينتمى إليها رئيس الوزراء التركى رجب طيب أرودغان ) .. أى أصبحت طائفية قلبا و قالبا ، سنة فى مواجهة الشيعة ، و من وراء كل طرف أطراف إقلمية و دولية كما سنرى بعد قليل.
• الأطراف الاقليمية و الدولية للأزمة
الجمهورية الاسلامية الإيرانية ، و آل سعود ، و مشيخة قطر ، و تركيا ، وفى الخلفية الكيان الصهيونى ؛ هى الأطراف الاقليمية للأزمة ، و الولايات المتحدة ومعها حلفائها الغربيين ، أطراف دولية ، و الروس كذلك ؛ هذا التعقيد و التداخل الاقليمى و الدولى ، يتماهى مع سياسة المحاور فى المنطقة ، و التى تحّلقت حول الأزمة السورية ، إن صمود سوريا وعدم قدرة الإمبريالية الأمريكية ، و اقطاعيات النفط الرجعية ، لم تستطع حسم وقلب الأوضاع فى سوريا لصالحها بتمكين عملائها من اسقاط النظام هناك ؛ رغم السخاء فى الإمداد بالسلاح و الأموال . من هنا جاء تفجير الأوضاع فى العراق عبر داعش ، مستغلة الأوضاع و الحاضنة التى أحاطت بها كما أسلفنا فى المحافظات السنية ، وهذا لتحقيق عدة أهداف :-
1- التغطية على الهزيمة أمام بشار الأسد و حلفائه ( حزب الله ، إيران ، ورسيا بوتين ، و الصين بدرجة ، وباقى دول البيركس )
2- دعم داعش العراق لداعش سوريا عبر المنطقة الحدودية المحصورة بين العراق و سوريا ، لتسهيل الإتصال و التواصل و الإمداد اللوجستى( غرب العراق مع شرق سوريا ) نواة دولة الخلافة الإسلامية الداعشية؛ كبديل لمشروع الإخوان الذى اسقطه المصريون فى إنتفاضاتهم التى دعمتها المؤسسة العسكرية ( حزيران ، 30 ) من العام المنصرم (2013 م) عام نكبة مشروع الاسلام السياسى ؛ إن جاز التعبير ، و الذى صعد بسرعة الضوء مع عواصف الربيع العربى المُخلّق فى مشروع الشرق الأوسط الكبير و الموسع ؛ فإنتفاضة مصر مع تدخل حزب الله لإنقاذ حليفه الاستراتيجى فى سوريا ، أعطى للنظام السورى القوة و الدفع أكثر فحقق انتصارات ميدانية ، مع انكشاف عورة المعارضة السورية العميلة و حلفائها ، و القتل و الذبح المتبادل ، و اتباع سياسة الأرض المحروقة مع الأهالى ، و الموقف الروسى و الصينى ؛ كل ذلك قلب موازين القوة لصالح النظام ، فالنتيجة المنطقية تفجير العراق الجار المتاخم لسوريا ، و المهيأ لحروب طائفية ضروس تأكل الأخصر و اليابس ، ما فشل فى سوريا ، ينجح فى العراق ، و تظل المنطقة فى المرواحة ، و فرصة ذهبية للعدو الصهيونى لفرض سياسة الأمر الواقع فى فلسطين المحتلة ؛ ينطبق المثل العربى – مصائب قوم عند قوم فوائد –
3- وجود هذه التيارات التكفيرية يلبخ المنطقة و يجعلها عرضة للتدخلات الخارجية ، و من ثم سهولة تفتيتها و تركيعها و ادمجاها أكثر فى العولمة الرأسمالية ؛ فلا مناص من التحالف و التنسيق بين البرجوزايات الكمبرادورية و اليمين الدينى و النيو- ليبرالى، بما يتماشى مع آليات و اساليب الهيمنة و السيطرة الجديدتين ؛ المتزامنتين مع الأزمة الاقتصادية العالمية ، و تصاعد النفوذ و الدور الروسى و الصبنى ، الذى علا صوته فى الأزمة السورية ، و ازاداد شراسة فى الأزمة الأوكرانية ؛ التى فُتحت كجبهة جديدة لتركيع روسيا ( ليس مجالا للحديث ) لكن يرتبط بما نحن بصدده .
عندما دشنت كوندى مشروع الشرق الأوسط الكبير ، انقسمت المنطقة بين معسكرين :-
- معسكر الاعتدال و فيه آل سعود و مصر مبارك و باقى دول الخليج ، و هذا المعسكر هو المرتبط بنيويا بالأمريكان و الناتو .
- معسكر الممانعة و ضم إيران وسوريا و حزب الله ومنظمات المقاومة فى فلسطين ( قبل خروج حماس من هذا المعسكر ) .. هذا المعسكر أفسد و عرقل الخطط الصهيو- أمريكية فى حرب تموز 2006 م ، و غزة 2008 م ، مع الأخذ فى الحسبان أن بعضا من المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكى كانت تحصل على دعم من هذا المعسكر بدرجة أ بأخرى .
ظل الصراع بين المعسكرين كامنا أحيانا ، و ظاهرا أحيانا أخرى بحسب إيقاع الأحداث و متطلبات لحظات التحول فى التكتيك ؛ حتى حدوث ما يعرف – بالربيع العربى -فانقلبت الموازين و الحسابات ، و بالتالى أصبح للقطريين وضعية ذات أهمية فى المنطقة عبر فضائية الجزيرة ، و ما لعبته من تحريض فى الإنتفاضات العربية حقيقة كانت أو مفتعلة !!وضح ذلك جليا فى سوريا ، و ظهر صراع محاور معقد بين قطر و آل سعود وتركيا من ناحية ، و إيران و سوريا و المقاومة من ناحية أخرى ، و للتعمية و التغطية كانت الجزيرة و حلفائها تلعب على الوتر الطائفى ، و نعت الصراع بأنه صراع سنى شيعى ، وهو لخلخلة المخيال العربى الذى يتصور الصراع فى المنطقة بأنه صراع عربى صهيونى ، صراع بين قوى الهيمنة الإمبريالية و قوى التحرر الوطنى و الاجتماعى ( وهو المسكوت عنه) فى ربيعنا العربى إن كان ربيعا !!
ولا مناص من شيطنة إيران ( بإعتبارها قلعة الرافضة ) ومعها حزب الله، و يصبح لبنان حقل تجارب لكل هذه الصراعات عبر ( 14 آذار المرتبطون بالسعودية ، ومعبرون عن السنة= تيار المستقبل ) و 8 آذار المدعمون من سوريا- إيران ( بهتاتناُ يلصقونهم بالتشيع بسبب حزب الله) بالرغم من وجود العماد عون ( التيار الوطنى الحر ) و قطاع عريض من القوى الشيوعية و التقدمية فى 8 آذار .. لكن هدف ذلك التغطية و التعمية على صراع بين إرادات حرة تكافح و تناضل ضد الهيمنة ، و إرادات عميلة تعمق الهيمنة و التبعية و تجذرها .
ومن هنا تحددت الخنادق ؛ إما ممانعة ، و إما موالاة .
فى هذه المعممعة لابد من أخذ العراق فى الحسبان ، نورى المالكى الشيعى ، القريب من إيران ؛ أو ذراع إيران ، لا بد من قطع هذه الذراع لفرملة النفوذ الإيرانى المتزايد ، و النجاحات التى حققتها الاستراتجية الإيرانية فى المنطقة عبر أوراقها العديدة ( ظاهرة و خفية ) وهذا كان مدعاة للغضب السعودى من الأم الأمركية الروءم بسبب عدم ضرب و اسقاط الأسد ، و الدخول فى مفاوضات شرسة مع الخصم الإيرانى حول البرنامج النووى ، فتم التوجه لسعودة العراق عبر داعش لإسقاط المالكى ؛ مدعية الدفاع عن حقوق السنة المهضومة ضد الشيعة الرافضة !!
ودخل الأتراك على الخط ، و ظهرت سوءة أرودغان و أوغلو فى سوريا ، و من ثم فى العراق عبر مد أيادى الحب للأكراد أعدى أعداء تركيا ، عبر بارزانى ( اصبح المالكى غير مرغوب فيه تركيا ) خاصة بعد التلاسن عندما هرب الهاشمى إلى تركيا ، و لتركيا فى العراق ورقة مهمة هى الأقلية التركمانية المرتبطون عرقيا و مذهبيا بتركيا الطورانية ذات الوجه الإسلامى الأرودغانى النقشبندى ، ومابين تركمان العراق و أكراده ما صنع الحداد فى مدن النفط الشمالية خاصة كركوك و آربيل و السليمانية ؛ فضلا عن طموح الأكراد لقيام دولة كردية ( العراق ـ إيران ، تركيا ، سوريا ) وهو ما يقض مضجاجع الأتراك ، لكن أسقاط المالكى أولوية حاليا ، و يبقى موضوع الكرد و التركمان مؤجلا إلى حين .
مجمل القول آل سعود و الأتراك و القطريين يلعبون بالورقة السنية عبر داعش و العشائر و النقشبندية و بقابا البعث ، لقطع الذراع الإيرانية ، و التغطية على سوريا ، حتى تسنح فرصة أخرى لإسقاطها ، طبعا بإخراج أمريكى و تصور صهيونى .
وهى محاولة لتوجيه لطمة للروس تعويضا عن لكمات الروس للأمريكان المتتالية فى حلبة سوريا و أوكرانيا ، و بذور الإتحاد الأوراسى ( اتساع مساحة التمرد على نظام القطبية الأحادية منذ سقوط الاتحاد السوفييتى مطلع تسعينات القرن الماضى )
نخلص من كل ما سبق إلى :-
1- اليمين الدينى هو المرتكز الرئيس لمشاريع الهيمنة و السيطرة الإمبريالية عبر آليات و أساليب متعددة .
2- أن هذا اليمين هو الأكثر قدرة على التفتيت بسبب منطلقاته الطائفية و المذهبية ، ورصيد العنف و القتل المستمد من خطابه وروءيته القرو-وسطية
3- التعمية عن الصراع الأساسى فى المنطقة وهو صراع بين التحرر الوطنى و الاجتماعى ، و بين الهيمنىة و الرجعية و التخلف , و بالتالى يصبح الصراع بين السنة و الشيعة ، و ليس بين ( مجاميع السنة و الشيعة و كل شعوب المنطقة وطوائفها و مذاهبها و معتقداتها .. عبر طبقاتها الكادحة ) مع العدو الصهيونى و الإمبريالية الأمريكية ..و مرتكزها ( الرأسماليات التابعة )
4- ما يحدث حاليا فى العراق ..هو امتداد لتقسيمه عبر الدستور الطائفى ، ليصبح تقسيم التقسيم عبر آلية الطائفية التى تجيدها الجماعات التكفيرية الوهابية .. من خلال السعودة و الدعوشة و القوعدة .
5- ما يحدث ليس ببعيد عن العدو الصهيونى ؛ حيث ذراعه فى كوردستان عبر بارزانى .. و أذرع الموساد ترتع فى العراق منذ الاحتلال الأمريكى ( معلومة عامة يعرفها الكثيرون )
6- هناك صراع محاور بالمنطقة ينعكس على الصراع داخل دولها بما فيها العراق ، و المحاور الاقليمة مرتبطة بصراع محاور دولية تتولد و تتخلق على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية، والطاقة فى الخلفية من هذه الصراعات .
فى النهاية لن يتجاوز العراق أزمته ، و كذلك المنطقة إلا بخطاب علمانى عابر لكل التخلف القرو-وسطوى ، و مرتبط بمشروع تحرر وطنى مقاوم ، بأفق اشتراكى ، و مبنى على آلية الحرب الشعبية طويلة الأمد لهزيمة الصهيونية و الإمبريالية ، و هذا ما يستدعى استنهاض القوى الماركسية و العروبية لتحمل راية الكفاح لتكون طليعة الكادحين ، و تتطيح بالكمبرادور التابع و الطائفى ، و محملة بالحريات و قيم الدول الحديثة .
وهذا سيتطلب بعض الوقت يطول أو يقصر .. لكن لنحاول .. و ليكن مشروع الوحدة فى مواجهة مشروع التفتيت .
عموما هى محاولة لفهم ما يحدث فى العراق الحبيب ، بها جوانب قصور، اتمنى أن تكون مفيدة ، و أن يبنى عليها روءية أكثر عمقا و أكثر شمولا .







اخر الافلام

.. مدّ وجزر.. بين بغداد وأربيل


.. إيران.. الاستراتيجية الأميركية والحسابات الروسية


.. قوات سوريا الديموقراطية.. مكاسب وتداعيات




.. تركيا.. حملة على خصوم أردوغان


.. سقوط داعش.. وملاذات مسلحيه