الحوار المتمدن - موبايل



د. نصر حامد أبو زيد و تاريخانية النص ( جدل النص و الواقع )

ممدوح مكرم

2014 / 7 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


" القرآن نص لغوى يمكن أن نصفه بأنه يمثل فى تاريخ الثقافة العربية نصا محوريا؛ و ليس من قبيل التبسيط أن نصف الحضارة العربية الإسلامية بأنها ( حضارة النص)"
هكذا بدأ المفكر الراحل الدكتور نصر حامد أبو زيد تمهيده لكتاب " مفهوم النص دراسة فى علوم القرآن".. و كان ذلك بدايةعلاقتى بالدكتور نصر حامد أبو زيد، عندما عثرت على هذا الكتاب بالمصادفة بين أرفف مكتبة بيت ثقافة أبنوب، و للمناسبة كان هذا الكتاب نشرته هيئة الكتاب ، سلسلة دراسات أدبية ، عام 1990 م .
كان الكتاب مفاجأة من العيار الثقيل، و كنت خارجا لتوى من أسر توجهى الإسلامى المنغلق؛ آوخر تسعنيات القرن الماضى، و أنا مشحون ضد هذا الرجل عندما كّفر و زوجته فى العام 1995،بفعل الزيف الذى غلف خطابنا الدينى الذى يرشح بالتعالى و الإنتهازية، دون أن يقدم حلولا معقولة وواقعية لمشاكل مزمنة و متراكمة عصفت بهذا الوطن، جعلته فى مصاف التأخر و الضعف و الهوان و الخروج من حلبة التاريخ بعد حرب التحريك التشرينية( أكتوبر 1973 ).
تكمن مفاجأة الكتاب ، و بالتالى كاتبه- رحل عنا فى يوليو2010م- فى منهجه الذى أستطاع من خلاله سبر أعماق النص المقدس/ القرآن ، ليقدم روءية ليست تقليدية كما فى كتابات الوعاظ و العلماء، و حتى المفكرين الموسمين بالإسلاميين، و المنهج لدى مفكرنا مركب من مستويات عدة،لفهم النص القرآنى كظاهرة ثقافية ، إنبثقت موضوعيا بفعل عوامل عديدة( مستويات المنهج) إجتماعية و إقتصادية و ثقافية و سياسية، و هى روءية مركبة وحدت فى جدلية واحدة بين المادى و الروحى، اللاهوتى و الناسوتى، انعكست و تجسدت فى صراع المذاهب ، و العقل و النقل ، و طبعت حياتنا الفكرية بثنائيات التقدم و التأخر ، التحديث و التقليد، الغرب و الشرق ، الإسلام و أروبا؛ أو الأنا و الآخر.
لا يمكن فهم بنية منهج الدكتور نصر بدون العودة إلى كل منتجه الفكرى و البحثى؛ الذى بدأه مبكرا بإطروحته للماجستير فى قسم اللغة العربية – آداب القاهرة بعنوان: " قضية المجاز فى القرآن عند المعتزلة" وهم رواد النظر العقلى فى الإسلام ، و لا مندوحة من القول بأنهم جعلوا العقل قبل النقل ، و تعاملوا مع النص المقدس بوصفه مجازيا ، خاضة فيما يخص المتشابه من الآيات، ثم أكمل بحثه فى أطروحة الدكتوراه" تفسير القرآن عند محيى الدين بن عربى" من متصوفة القرنين السادس و السابع الهجريين، فأكتمل هنا التعامل مع النص عقلا ، و عرفانا/ فيضا صوفيا ، غلف النص بالطلاسم و الرموز مما يتطلب سلوك درب التصوف و التدرج فى المقامات ، فتنزاح المسافة بين المطلق و النسبى ، بين الآلهى و الإنسانى، بين السماء و الأرض، لكن ذلك فيما بعد أيقن النص( حوله إلى أيقونة) ، فمهد الطريق للرجعية الدينية ممثلة فى ثلة فقهاء السلطة، الذين تنزلوا من خيط الغزالى؛ الذى أمات علوم الدنيا و أحيا علوم الدين ، لتكون أيديولجية تبرر الرجعية السياسية ممثلة فى الأولجاركيات( الأقليات) العسكرية من سلاجقة و أيوبيين و مماليك و عثمانيين، سيطروا على العالم الإسلامى فى ظروف التمزق و الفوضى، و الغزو الخارجى( المغول من الشرق، و الفرنجة- الصليبيون – من الغرب)، وراح العالم الإسلامى فى سباته شديد العمق حتى الحملة الفرنسية آواخر القرن الثامن عشر الميلادى.
كان الهاجس المسيطر على مفكرنا هو كيف يتم مواجهة المد الرجعى الدينى؛ الذى تواكب مع هزيمة حزيران/ يونيو 1967م، و الدخول فى إقتصاد السوق منذ سبعنيات القرن الماضى، و نهاية مشروع التحرر الوطنى، و السير فى ركاب الولايات المتحدة ، و المصالحة مع العدو الصهيونى ، فكان السادات و من بعده مبارك فى حاجة إلى الجماعات الدينية وكذلك الأمريكان و الصهاينة، لسرقة الأوطان و نهبها و تفتيتها، و جعلها ضعيفة هشة غارقة فى الفساد و الإستبداد و الفقر و الجهل و التخلف، كانت هذه الجماعات بخطابها الوعظى الأخلاقى الإنتهازى ، تبرر حالة السقوط- من أعمالكم سلط عليكم- و أنه لا مناص من طاعة أولى الأمر و المصالحة مع العدو، و كنز الأموال و تقسيم المجتمع إلى أغنياء و فقراء و هو قدر آلهى محتوم؛ فما كان من مفكرنا إلا التصدى لكل تلك الأقاويل ، من خلال إعادة قراءة النص المقدس بمنهج مغاير ، التحليل الإجتماعى التاريخى، و ربط النص بالواقع فى تطوره من خلال علاقة جدلية مركبة، تبدت فى النص ذاته، بوصفه ليس معطى لاهوتى متعال فقط مفارق لواقعه و ثقافته ، بل بإعتباره جاء للإنسان بلغته؛ و وثقافته ليس بلغة مفارقة( أنسنة النص) ، و هو ثابت فى منطوقه متغير فى مفهومه، هكذا تحدى أبوزيد – بسمته الورع و بلحيته الخفيفة- تابو ه الدين و مشايخه الذين هم بمثابة قراصنةنصبوا نفسهم لسرقة وعى الناس باسم الله و هو من أفعالهم برئ.
نجد صدى ذلك فى آلية الناسخ و المنسوخ، التى أعتبرها أبو زيد مرتكزا مهما فى فهم بنية القرآن و علاقاته مع الواقع الموضوعى المتغير، بفعل إنعتاق المجتمع المكى من نمط إنتاجه المشاعى أو شبه المشاعى ، إلى التجارة البعيدة و ما تركت فيه من آثار زلزلت بنيانه الإجتماعى و الثقافى و السياسى و الإقتصادى، كمقدمات طبيعية لظهور النبى محمد فى القرن السابع، و النبوة ظاهرة ثقافية عصرئذ ارتبطت بالكهان و هواتف الجآن ، و ما يمليه الجن لشعرائهم من قصائد، فجاءت النبوة كتعبير طبيعى لثقافة هذا المجتمع الرعوى/ التجارى، وتجلت جمالية المقارنة لدى أبو زيد بين سورتى الجن و الناس فى تطور حركة النص مع الواقع ( مفهوم النص دراسة فى علوم القرآن).
وهنا يطل علينا مصطلح تاريخانية النص وهو لا يعجب الإسلاميين و لا من سار على دربهم ، لأنه بإعتقادهم يبعد النص عن مصدره الإلهى، و يحوله إلى نسبية لا يصلح لكل زمان و مكان، و هذا غير دقيق لأن تاريخانية النص هى التى تحافظ على رونقه و إكتشاف ألغازه و فك طلاسمه، جعله حقا لا باطلا لا متناهيا فى فهمه و قد عبر الإمام على بن أبى طالب- عليه السلام- عن ذلك بقولته المشهورة" النص حمال أوجه" أما القول بأن النص قال كل شيئ و أتى بكل شيئ هو ما أحال النص إلى مجرد أيقونة للزينة نضعها على تبلوه سياراتنا أو على مكاتبنا دون أن نفكر أو نتفكر حتى فى إستماعنا إلى نطقه عبر زحمة إذاعات القرآن و فضائيات القرآن و مواقع القرآن الألكترونية، فتوقفت حركة التاريخ فقط عند لحظة الوحى الأول دون أن نفارق هذه النقطة، و هذا بالضبط ما تريده عصابات الإسلام السياسى و من ورائها رجعية الخليج ، و دعم أمريكا و مباركة العدو الصهيونى.، حتى لا ننجز مشروعنا الوطنى التحررى و نبنى دولتنا الحديثة و نقيم ديمقراطيتنا الشعبيةكى تحصل الطبقات الكادحة على حقوقها الإقتصادية و الإجتماعية، و تتحرر أراضينا المحتلة بما فيها مقدساتنا.
لم يتخل مفكرنا حتى بعد منفاه إلى هولندا عن منهجه الذى كان يطوره بشكل دائم و يعمقه فكتب " هكذا تكلم محيى الدين بن عربى" بعد أحداث 11 أيلول ، التى جاءت إنعاكسا لنظرية صدام الحضارات لصمويل هنتجتون، و أن الغرب غرب و الشرق شرق لا يلتقيان بتعبير الشاعر الإنجليزى" ورذرث" و حتى فى دراساته للترقية ك" الإمام الشافعى و تأسيس الأيدلوجية الوسطية" و باقى أعماله( نقد الخطاب الدينى، إشكاليات القراءة و ’آليات التأويل، و مقالاته فى الأهالى و مجلة اليسار و غيرهما) لم يفارقه التحليل التاريخى الإجتناعى لحظة و احدة ، و لا ننسى كتايه " التفكير فى زمن التكفير " و الذى صدر بعد محاكمته، و الذى للدهشة كيف ربط لغويا جذر كلمة " فكر" لتتحول قلبا إلى " كفر"!!
لذلك سيظل أبو زيد مفكرا و طنيا عضويا ملتزم بتعبير المفكر الإيطالى " أنطونيو جرامشى" مهموما بقضايا و طته و أمته وقضايا الكادحين وهو الذى و لد يتيما فى أسرة فقيرة ، و عمل مبكرا و حصل على دبلوم الصنايع، ثم أجتهد و تعلم فى المدارس الليلية حتى حصل على أعلى الدرجات العلمية.
نحن بحاجة إليك إلى مشروعك لإستنهاض الأمة وخاصة بعد أتى الربيع العربى!! بما لا تشتهى السفن .. ثورات أتت باليمين الدينى الذى هو أشد عدءا للتقدم و الديمقراطية و الحقوق الإقتصادية و الإجتماعية للطبقات الشعبية و لإستقلال الوطن و إعادة كرامته الجريحة.
" أليس مما له دلالته فى هذا الصدد أن تكون القدس – و بها المسجد الأقصى اولى القبلتين و ثالث الحرمين- تحت سيطرة الصهاينة ، و يبارك علماؤنا الصلح مع العدو مباركة علنية أو صامتة ؟؟ و لكن حين يتجرأ مفكر على إنكار حديث الذبابة يتصدى له كبيرهم و يقيم الدنيا و يقعدها . و حين يناجى كاتب فى بلواء المرض و محنته ربه و ينشر مناجاته تلك، تثور ثائرة الشيوخ لأن " الإنسان" تجرأ على ربه. هؤلاء العلماء الأفذاذ باركوا الصلح مع العدو باسم الإسلام و كانوا من قبل يدعوننا للجهاد و التضحية باسم الإسلام و العدو هو العدو لم يغير و لم يكف عن عدوانه على الأنفس و الأرض" ( مفهوم النص ، دراسة فى علوم القرآن ص 23 )
هكذا تكلم نصرحامد أبو زيد .. نموذج المفكر الوطنى الحر المستنير.


باحث فى العلوم السياسية











اخر الافلام

.. منفذ تفجير مانهاتن شاب من بنغلاديش بايع تنظيم -الدولة الإسلا


.. فرص نجاح قمة إسطنبول الإسلامية بشأن قرار ترمب


.. الحصاد- القدس.. اختبار القمة الإسلامية




.. هل فعلا انتهت الحرب ضد تنظيم -الدولة الإسلامية- في سوريا وال


.. العبادي يعلن تحرير العراق من قبضة تنظيم- الدولة الإسلامية-