الحوار المتمدن - موبايل



لن ينشد العرب العزّة ..ولو هلكت كلّ غزّة

محمّد نجيب قاسمي

2014 / 7 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


لن ينشد العرب العزّة ..ولو هلكت كلّ غزّة

1- منذ أمد بعيد دخل العرب المسلمون في أتون صراعات لا تنتهي حتى لا يكاد المرء يتخيلنا دون فتن وحروب ومهالك وأحقاد وضغائن تنشأ الواحدة من رحم الأخرى .ولقد وجد الآخرون - وهم كثر – في هذه الأمة مرتعا خصيبا لاستغلالنا واحتلالنا والعبث بنا يمنة ويسرة .كما جرّبوا فينا كل أنواع الهزائم والأسلحة .وتوصّلوا أخيرا إلى أنه يكفيهم أن يغذّوا صراعاتنا الطائفية والمذهبية والدينية والقبلية والحزبية والحدودية وغيرها ليربحوا معاركهم معنا دون جهد كبير أو تدبير محكم .
كانت البداية الأولى في فترة ما قبل الإسلام المسماة بالجاهلية حين كان العرب قبائل تتناحر من أجل مواقع السّحاب والكلإ و أحيانا بسبب سباق فرسين أو أي سبب تافه آخر... وكان يومها الفرس يبسطون سيطرتهم على العرب المناذرة في الحيرة وهي العراق اليوم .أما الروم فكانت يدهم على الغساسنة في بلاد الشام ..
وبعد فترة وجيزة من الاتحاد النادر بين العرب في التاريخ زمن صدر الإسلام الأول كانت الفتنة على أشدها منذ ما يعرف ب"الفتنة الكبرى" إلى اليوم .فقد نشأت المذاهب والأحزاب والفرق والملل والنحل والعصبيات وتكاثرت حتى لا تكاد تحصى .ولم يتجاوز العرب المسلمون إلى اليوم خلافا بين علي بن أبي - كرم الله وجهه - وبنيه ومعاوية بن أبي سفيان وأتباعه رغم مرور ما يقارب الألف وأربع مائة سنة ..
وغرق أسلافنا في متاهة من الاقتتال والاختلاف فتفرّقوا أيادي سبإ وكثرت إماراتهم ودويلاتهم إلى درجة أن تشكلت في كل ناحية ومدينة إمارة .ولم يسلم من ذلك شرقنا ولا غربنا. ويكفي أن نشير هنا إلى دويلات ملوك الطوائف في الأندلس وإمارات الشرق التي حملت أسماء لا تحصى . ولا يغرنّك في هذا ما تعرفه عن الخلافة العباسية المترامية الأطراف التي خاطب صاحبها هارون الرشيد ذات يوم السّحاب قائلا قولته الشهيرة التي نذكرها بكل عزّة وشموخ " أمطري حيث شئت فخراجك لي " فقد انحصرت تلك الخلافة العضود بعد ذلك في مجرد سلطة اسمية تكتفي بالدعاء لها في خُطَب الجُمَع و لا سلطان لصاحبها سوى على جواري البلاط وخدمه وحشمه .
وعاش العرب بسبب ذلك تحت ذلّ سلطان البويهيين والسلاجقة والتتار والمغول والمماليك والعثمانيين وتحت سطوة الاحتلال في العصر الحديث وهيمنة الصهيونية والامبريالية إلى حد هذه الساعة.
2- وفي أيامنا الصعبة هذه ، تبذل كل أمم الدنيا مجهودات جبّارة في البناء والتشييد وتكسب جولات كبيرة في التنمية والرخاء .ويعيش شباب معظم دول العالم الفرحة وينعم بالسعادة لما يجده من فرص العمل والترفيه والمنافسة .أما نحن فنبذل كل طاقتنا في الحروب الأهلية ونكسب ضد بعضنا البعض جولات قاسية في الخراب والتّخريب. ويعيش شبابنا قسوة البطالة وقهر الخصاصة. وبينما ينعم نظيره في بلدان كثيرة أخرى بحلاوة المنافسة الرياضية في الألعاب الأولمبية الشتوية في "سوتشي" على ضفاف البحر الأسود بروسيا وفي مباريات كأس العالم لكرة القدم بالبرازيل ، يغرق هو في غبار الفتن والحروب والتفجير والتفخيخ والحرق والذبح في الجبال والكهوف و في الأودية والصحاري وبين الأنقاض في الشوارع الحزينة الكئيبة المليئة جثثا ومياه راكدة وقنابل لم تنفجر لأنها من صفقات الأسلحة الفاسدة .وحبذا لو كانت كل صفقات أسلحتنا فاسدة ما دامت توجّه إلى صدورنا لا إلى صدور أعدائنا الحقيقيين .
وتتكرّر مرة أخرى فينا حكايات "أيّام العرب في الجاهلية " و قصص ملوك الطوائف في الأندلس وإمارات الشرق الكثيرة .ويجد مرة أخرى أحفاد الفرس والرّوم ضالّتهم بيننا فتتكاثر دويلاتنا واماراتنا ومشيخاتنا . وكما ساد الحكم الفردي المتمثل في الخلافة أيام الدولة العباسية وفي بلاد الأندلس وعصر العثمانيين الأتراك ها هي الخلافة تبعث مجددا و تجد لها صدى بيننا بين مرحّب مُبايِعٍ على المَنْشَطِ والمَكْرَهِ وبين ساخر متأفّف وبين فاتح فاه لا يفقه شيئا ممّا يحصل.
في ظلّ هذه الظروف المعقّدة التي لا يلوح فيها غير بؤسنا واضحا جليّا تتعرّض مرة أخرى قطعة من فلسطين السّليبة إلى عدوان بغيض مدمّر يحصد أرواح الأطفال ويحوّل أجسادهم الطّاهرة إلى كتل لحم مشوي ومفتّت ولا ذنب لهم سوى أنهم من أمّة فاجرة ، أمّة تعشق النكسة والهزيمة وتشرب نخب اندحارها وخذلانها بين الأمم . أيّ بشر نحن ؟ ننحني أمام الجميع ونتخاذل أمام الجميع ونصافح الجميع بل نتآمر على بعضنا البعض مع عدوّنا ونمدّه بأموالنا ونفطنا وكل شيء في أيدينا .بل بلغ الأمر ببعضنا أن يمدّ يده ليتناول وجبة الإفطار في شهر رمضان مع من يقدّم للكيان الصهيوني المال والسلاح والدعم والتأييد ويطلق يده تقتيلا وتشريدا في فلذات أكبادنا بغزّة ،هكذا دون استحياء ولا وخز ضمير...
نتابع أخبار غزة فلسطين فتكتم أنفاسنا صُور مرعبة للدّمار والقتل ولا عزاء لنا سوى في مقاومة صلبة ذات مجهود ضئيل .وفي المقابل نتابع غزوات العرب المسلمين ضدّ بعضهم البعض في ليبيا وسوريا والعراق ومصر واليمن فنشاهد راياتِ نَصْرٍ تُرْفَع وعتادا حربيا وفيرا وقتلى الإخوة الأعداء بالعشرات والمئات والآلاف بل بمئات الآلاف. فهل سلاحنا لا يطُلق سوى صوب صدورنا ؟ وهل شجاعتنا لا تنشأ سوى في فتننا ؟ وهل رايات نصرنا لا ترفع سوى في معاركنا الخاسرة؟
يقول المثل في تونس " السّردوك ما ينقب كان عين خوه" ومفاده أن الديك لا يفقأ سوى عين أخيه.فنحن حقّا قومُ دِيَكَةٍ لا سلطة لها سوى على الدّجاج ولا سطوة لنا إلاّ في إيذاء بعضنا البعض .
3 – ليس ما أعبّر عنه من باب التشاؤم رغم انعدام أي نور في آخر النفق. ولكنه من باب جلد الذات .وكم نحن في حاجة اليوم إلى مثل هذا الأمر لأننا بلغنا درجة من العتوّ والتكبّر على بعضنا البعض لا نستحقها .فكل واحد بيننا يرى أنه يملك اليقين والحقيقة المطلقة ولا أحد سواه يستحق الحياة .وكلٌّ يتظاهر بحقوق الآخرين ويبيّت لهم في نفسه الشرّ ..كلنا شموليون دغمائيون استبداديون .نستبد على أنفسنا فنُكرهها على أشياء كثيرة بغيضة ونستبدّ على كل من نراه أضعف منّا . معظمنا يميل إلى الدّعة والرّاحة ويكره العمل والانضباط . نحبّ الخلاف ولا نقبل بالاختلاف . نبرع في السجال ولا نرغب في الحوار .نترك ميادين النصر الحقيقية ونهرع إلى ميادين النصر الوهمية ،في الفراش وفي لعب الورق ،وفي القمار وفي غير ذلك ..
ودون إطالة في هذه الحصّة المازوشية التي نتلذّذ فيها بتعذيب النفس أتساءل هل بهذه الأمة العاطفية الانقسامية الارتسامية الانطباعية الكارتونية الهوائية الذرائعية نستطيع رد العدوان على غزة ذات المليون ونصف ساكن وعشرات الكيلومترات المربعة من اليابسة؟
من قبلُ فشلنا في فلسطين ونسيها الكثيرون منّا وأُنْسِيَتْها طائفة أخرى وتناساها آخرون وانحسر ذرف دموعنا على غزة بقصد مدروس من أصحاب أمرنا ولو بقي الأمر على هذه الحال لن ينشد العرب العزة ولو هلكت كلّ غزة .ولا أرجو أن يقول آخرون من بعدنا يوما ما " لن ينشد العرب العزّة ولو لم تبق لهم عنزة ".
كان بعضنا يردّد في الثمانينات أن قطار الموت قادم إلينا إذا لم نغيّر ما بأنفسنا وكان آخرون يستهزئون وينتشون بنجاحات صغيرة محلية زائفة .واليوم نلحظ بأم العين أن ذلك القطار اللعين توقف في محطات كثيرة عندنا ونشر الموت حيث أراد ورغم ذلك نغمض أعيننا عن الحقيقة ونزيفها في وضح النهار . فهل ما نحن فيه أمر محتوم ؟
كلاّ ..فالحتمية تتنافى مع البشر .ذلك أن الإنسان بحكم تركيبته الفريدة بين الكائنات إذ هو وحدة نوعية من الذكاء والمادة قادر على أن يفلت من عقال قوانين الحتمية ويقود تطوره بنفسه فيغير من واقعه باستمرار ويطوره إلى الأفضل لو توفرت العزيمة الصادقة ولو نشط الجدل الاجتماعي بين الناس على الوجه الصحيح ..
علينا أن نسلم أولا بضرورة تحديد منطلقاتنا فنشخّص واقعنا ونضع الأصابع على مواطن الدّاء فينا وهي كثيرة ولا تأخذنا العزة بالإثم فنغرق في كيل الاتهامات وردّها وفي استعراض البطولات ونفيها .ثم علينا أن نحدّد غاياتنا وهي بسيطة فلا أقل من حرية تطلق الأيادي والألسنة والعقول ولا أكثر من تنمية عادلة تضمن الكرامة للجميع ...وللحديث توابع فقد أضاء الصبحُ الكونَ وهزمنا النّعاس...
المكناسي فجر الأحد 13 جويلية 2014







اخر الافلام

.. عاصفة الحزم أفشلت المشروع الإيراني باليمن


.. سباق الأخبار- أرديرن شخصية الأسبوع وردود فعل المجزرة حدثه ال


.. ازالة الإشارة من الفيس بوك .. قناة أبو رعود العراقي




.. ما هي الرسالة من -كفوا الأيادي عن بيعة البغدادي-؟


.. سوريا الديمقراطية تحذر من الخلايا النائمة لداعش