الحوار المتمدن - موبايل



أكذوبة الصحافة الموضوعية

مهدي سعد

2014 / 7 / 20
الصحافة والاعلام


يأخذ عليَّ البعض أنني لم أكن موضوعيًا أثناء تغطيتي الصحفية لمجريات المعركة الانتخابية الأخيرة في مدينة شفاعمرو، ويدَّعي هؤلاء بأنني كنت متحيزًا لطرف ضد آخر ولم أكن على مسافة واحدة من جميع الأطراف. ولا شك أن أصحاب هذا الادّعاء ينطلقون من فرضية تشدد على أن الصحافة يجب أن تكون موضوعية وغير منحازة لفئة معينة.

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الادّعاء قريب إلى الصواب نظرًا لأننا تعودنا سماع هذه المعزوفة في كل مناسبة يتم التطرق فيها إلى موضوع الصحافة ودورها في المجتمع، إذ كثيرًا ما يتردد إلى مسامعنا بأن على الصحفي أن يتحلى بأكبر قدر من الموضوعية وعدم الانحياز خلال تغطيته للأحداث ومجريات الأمور.

سأحاول من خلال هذه المقالة نسف هذا الادّعاء وإثبات أنه لا يوجد في الحقيقة شيء اسمه "صحافة موضوعية"، وسأنطلق في تحليلي لهذه المسألة من فرضية تؤكد على أن هذا المصطلح لا يتعدى كونه خرافة خيالية لا تمت بصلة للواقع الصحافي والإعلامي الذي نحيا في ظلاله.

لا يختلف عاقلان على أن الصحفي هو قبل كل شيء إنسان لديه مشاعر وأحاسيس ويمتلك آراء ومواقف حيال ما يدور حوله في الحيز العام الذي يعيش في كنفه، وعليه فالصحفي لا يستطيع أن يفصل بين تصوراته السياسية والاجتماعية وبين عمله الصحفي الميداني، ولا بد لهذه التصورات أن تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على تغطيته الصحفية.

سأطرح مثالا يثبت صحة أقوالي، لنفترض بأن خمسة صحفيين يعملون لدى وسائل إعلام مختلفة حضروا لتغطية حدث معين في ذات الزمان والمكان، هل سيقوم الصحفيون الخمسة بإعداد تقارير مطابقة لتقارير زملائهم ؟!، الجواب بالطبع لا لأن كل صحفي سيعّد تقريرًا يعكس زاوية رؤيته للأمور التي تختلف من إنسان لآخر.

أضف إلى ذلك أنه من خلال استهلاكي لوسائل الإعلام المختلفة لم أعثر على وسيلة إعلامية واحدة تتوفر فيها المواصفات المتخيَّلة للصحافة الموضوعية، وهذا لا يعتبر أمرًا مفاجئًا لأن كل وسيلة إعلام تكون تابعة لجهة معينة، سياسية أو تجارية، تفرض عليها عرض مضامين تتلاءم مع رؤيتها وتصوراتها.

سأنتقل الآن إلى معالجة هذه المسألة من وجهة نظري الخاصة، حيث أعتقد بأن الصحافة قبل كل شيء هي رسالة إنسانية سامية ينبغي على المشتغل بها أن يتمتع بالقيم الأخلاقية النبيلة، مما يفرض على الصحفي الحقيقي أن يكون منحازًا في كل الأحوال إلى العدل ضد الظلم وإلى المساواة ضد التمييز وإلى الانفتاح ضد التعصب، ومن غير المعقول أن يساوي الصحفي بين الظالم والمظلوم والقامع والمقموع.

بناءً على ذلك لا بد للصحفي أن يقف إلى جانب المواطن البسيط المغلوب على أمره، ويُفترض به أن يتصدى بكل شراسة لمن يمس بحقوقه وينتهك كرامته، وهو مطالب بالوقوف في صف المستضعفين الذين لا يجدون سند لهم، ويجب عليه أن يتحلى بالجرأة والشجاعة في مواجهة أصحاب السلطة والنفوذ.

الصحافة الحقيقية في نظري هي لسان حال المواطنين العاديين الذين يجدون فيها منبرًا لنقل معاناتهم وطرح مشاكلهم بغية إيجاد حلول لها في الدوائر الرسمية، وينبغي أن تشكل أداة فاعلة لتقويم الاعوجاج وإصلاح الأعطاب المنتشرة في أروقة المؤسسات التي توفر الخدمات للمواطنين.

أخلص إلى الاستنتاج بأن مقولة "الصحافة الموضوعية" ما هي إلا أكذوبة كبيرة لا تنطلي على إنسان يتعامل مع الأمور بعقلانية ويدرك ما يدور حوله، لذلك أدعو كافة مناصري "الصحافة الموضوعية" أن يكفوا عن ترديد شعاراتهم الجوفاء التي لا يوجد لها أساس من الصحة.













اخر الافلام

.. الأزمة مع قطر.. وتقويض مساعي الوساطة


.. داعش والحشد الشعبي وتحركات مريبة في محافظة كركوك


.. واشنطن والإرهاب.. عين على القاعدة وأخرى على حزب الله




.. تظاهرات مناهضة ومؤيدة للإسلام ببريطانيا


.. السيسي يصادق على نقل تبعية تيران وصنافير للسعودية