الحوار المتمدن - موبايل



مخاض الأحزاب السياسية قبل الانتخابات : من صعوبات الحمل إلى آلام الوضع (مقال في قسمين)

محمّد نجيب قاسمي

2014 / 8 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


مخاض الأحزاب السياسية قبل الانتخابات : من صعوبات الحمل إلى آلام الوضع (مقال في قسمين)
القسم الأول ّ: مقدّمات ضروريّة

1- لا شك أن الأحزاب والجبهات السياسية في تونس منشغلة هذه الأيام بالتباحث في أمر قوائمها الانتخابية .ولا شك كذلك أنها تعرف في معظمها الكثير من الصراعات والتهديد بالانشقاقات والتلويح بالقوائم المستقلة وغير ذلك كثير.
وبما أنّ الكثيرين لا دراية لهم بخفايا الأمور وخباياها مما يجعلهم يتسرّعون في أحكامهم على مثل هذه الظواهر وكيفية التعامل معها فقد انتشر شعور عام بالنفور من الأحزاب والحزبية غذّى ما هو سائد أصلا بسبب خيبات أحزابنا المختلفة سواء كانت في السلطة أو المعارضة في الخروج بالبلاد من مأزقها الاقتصادي والتنموي أساسا وفي صراعاتها الكثيرة اللامتناهية بسبب ودون سبب ولأمور تافهة معظم الأحيان وخاصة في ما تابعناه من جلسات المجلس التأسيسي وخطابات نوّابه ونائباته داخله وخارجه .
بيد أن هذا كله لا يجب أن يحجب عنا حقيقة ضرورة المواصلة الآن في هذا المسار الذي انتهينا إليه بصعوبة والقطع نهائيا مع كل دعوة لرفضه أو مقاطعته أو القفز عليه ..فقد أصبحت خريطة الطريق واضحة ومحددة رغم كلفتها العالية جدا على كل المستويات .
كما أنه لا خيار أمامنا اليوم سوى أسلوب الحكم الديمقراطي ومن أدواته: الحزبية والانتخابات مهما كان الاعتراض عليها كلها سواء ممن يرفضها أصلا أو ممن يحترز على بعض جوانبها .
ذلك أن الديمقراطية تتيح على الأقل حكم المؤسسات والمجموعات القوية أحزابا كانت أو ائتلافات أو جبهات ذات انتشار شعبي واسع مهما كان التحفظ على أسرار تلك القوة وأسبابها وعلى ذلك الانتشار وكيفية بلوغه وظروفه.أما الحكم الديكتاتوري فقد كان دائما وما يزال وسيكون حكما فرديا محكوما بأهواء صاحبه وبمزاجه و بتبدل ارتباطاته الشخصية سواء كان هذا الحكم نشأ من سطوة القوة المادية الغاشمة أو من الهالة الدينية التقديسية التي ترى الحاكم اختيارا من الذات الإلاهية لا مردّ له ..
ولعلّ أفضل ما في الديمقراطية ، حسب ما أراه وحسب ما نحتاجه نحن في البلدان العربية الإسلامية التي خضعنا فيها لحكام كثيرين قديما وحاضرا ، هو التداول على السلطة . ولو نظرنا في تاريخ الديمقراطية وواقعها في البلدان المتقدمة لرأينا أن أفضل ما فيها، إضافة إلى علوية القانون ، تداول الأحزاب والرؤِساء على السلطة بصفة دورية ولفترات معروفة ومحددة وبالتالي خضوع الحاكم دائما إلى محاسبة الناخب له وبروز وجوه جديدة باستمرار تقطع مع النمطية والتكلس وتضخيم صورة الفرد مما يجعل الأحزاب دائما تقدّم وجوها جديدة فتنتفي الزعامات الدائمة على الدول والأحزاب التي صارت محلاّ للتّندّر .حيث حدّد البعض " أمل الحياة عند الولادة" عند العرب برئيسين أو ثلاثة على أقصى تقدير .ولا عبرة في هذا برؤساء "الربيع العربي " الذين لا حول لهم ولا قوّة.
2 -وبهذا فطريق الديمقراطية خيار لا بد من ترسيخه وإنجاحه .وأول ما يعترضنا في هذا الطريق الأحزاب والانتخابات أساسا.
ولما كانت الأحزاب تنظيمات سياسية تؤطر الناس في مجموعات ذات انسجام فكري وحركي وتضع برامج وتصورات في مختلف مناحي الحياة وتسعى إلى تنفيذ رؤاها ومشروعها المجتمعي فإنها تسعى بالضرورة إلى بلوغ الحكم عبر صناديق الاقتراع وأصوات الناخبين المقتنعين ببرامجها . وهي في هذا تشترك جميعا ولا نقيصة أو عيب في ذلك . وكل من ادّعى أو يدّعي عدم رغبته في الحكم فهو مشعوذ لا تصدقوه ولا معنى لإدعائه.
فمن حق الأحزاب إذن بل من واجبها أن تنشد السلطة وتسعى إليها ومن البديهي أن تعرف صعوبات الوصول إلى ذلك الحكم فهو كفترة الحمل عند الأنثى إنسانا كانت أو حيوانا ، قد يختلف زمنيا من نوع إلى آخر وقد يقطعه الإجهاض وقد يبلغ نهايته بالوضع الطبيعي أو القيصري وقد لا يقع أبدا بسبب العقم .وما أكثر الأحزاب العقيمة التي لم تصل يوما إلى السلطة ولن تصلها مستقبلا..
كما أنه من المنتظر أن تشهد الأحزاب مخاضا عسيرا في إعداد قوائمها واختيار مرشحيها وضبط قوائمها .فالمقاييس متداخلة وعسيرة و منها الذاتي و الموضوعي ومنها ما يخضع لاعتبارات حزبية واعتبارات جهوية ومحلية والأمر في هذا شديد التعقيد .ولا شك أني بهذا أسعى إلى تخفيف الضغط على الأحزاب والجبهات جميعها حتى يدرك المتابع من بعيد صعوبة المهمة وعدم الغرابة في ما يصل إليه من دخان بعض الحرائق الصغيرة هنا وهناك.
وللحديث بقية
المكناسي / تونس 18 أوت أغسطس 2014

مخاض الأحزاب السياسية قبل الانتخابات : من صعوبات الحمل إلى آلام الوضع ( 2)
القسم الثاني: حديث في العمق
3 – تحتاج الأحزاب السياسية والجبهات والتحالفات أثناء الإعداد لأيّ انتخابات بلديّة أو تشريعية أو رئاسية إلى عمل جبّار يُفترض أن يكون جماعيا ومُنظّما ومُحكما ومدروسا .ومن ذلك ضرورة التّوافق على البرنامج الانتخابي الملائم الذي يوازن بين طموحات الناخبين وأحلامهم والظروف الموضوعية السائدة على مختلف الميادين وما يمكن تحقيقه بيُسر وما يمكن انجازه بصعوبة وما لا يمكن تحقيقه البتّة ..فما أكثر الوعود البراّقة الخلاّبة الكاذبة التي تحولت إلى تندّر النّبيه الفطن وحتّى البسيط ضعيف الوعي السياسي.
ولا يخفى في هذا المجال أنّ الأحزاب مدعوّة للانطلاق من رُؤاها ومرجعياتها وخلفياتها التي بُنيت على أساسها و إلّا فلا معنى لبرامج انتخابية متشابهة لدى الجميع ولا فُويْرقات بينها سوى في النّكهة والطّعم التي تكون عادةً إضافات مصطنعة لا تغيّر شيئا .
كما يجب التأكيد على أنّ نفي الآخر والقدح فيه وتشويه صورته وتنفير الناس منه وتتبّع سقطاته في الحكم أو المعارضة والنّبش في تصريحات قديمة لا يُعدّ بديلا يُقدّم للنّاس ويجعلهم يختارون من يسبّ أكثر ومن ينشط في جمع ملفات غيره حقا أو باطلا ولو أنّ ذلك من التقاليد السيئة المعمول بها في النشاط الحزبي والسياسي عموما وله بعض الوجاهة في تنبيه الغافلين .ذلك أن الناخبين في الأصل ،إن لم تُزيّف إرادتهم بطرق شتّى ، يختارون صاحب المشروع المجتمعي الذي ينفعهم ، يختارون من يحذق البناء لا الهدم وخاصة اثر الثورات الكبرى التي هدّمت ما كان يتوجّب تهديمه وقدّمت نفسها وحملةَ لوائها وصُنّاعها بديلا عمّا قبلها .
ولئن كان هذا الأمر من السهل الممتنع فإن ضبط قوائم هذا الطرف أو ذاك التي سيُقدِّم فيها أشخاصا بشحمهم ولحمهم ووجوههم وسِيَرِهم وعلاقاتهم وكفاءاتهم وجهاتهم للناخبين يعدّ أمرا شديد الصّعوبة والتّعقيد.
ورغم تباين التشكيلات المتنافسة في الانتخابات في وفرة مناضليها أو في ندرتهم فهناك أطراف تزخر بمن يمكن ترشيحهم وأخرى تكاد أحيانا لا تجد المرشح الثاني في القائمة فإنّ التنافس والصراع بين أركان الجهة الواحدة يكاد يكون سمة مشتركة . وهذا أمر بديهي وضروري وهو علامة صحّة لا مرض . فقد ولّى عهد الأحزاب المركزية الشمولية التي تكون عادة طابورا خامسا للزّعيم يعيّن منها من بدا له ومن خطر على باله ومن أعجبه اسمه و حتّى غير اسمه ومن يطيعه أكثر ....
ولئن كان الأمر يسيرا نسبيا لدى الأحزاب التي تتقدّم منفردة للانتخابات فهو شديد العسر لدى الجبهات والتحالفات .
فالحزب مطالب بتخيُّر مرشّحيه وفق مقاييس عديدة تكاد تكون متشابهة لدى الجميع ومنها الولاء للحزب والنضالية داخله والإشعاع في محيطه والكفاءة وما له من "كاريزما" تجعله مقبولا شكلا لدى الناس وغير ذلك ممّا هو مصرّح به إضافة إلى ضرورة التّنبه لمرشحي بقية الأطراف .فمن يتمّ اختيارهم كمرشحين سيتنافسون مع غيرهم ولا بدّ من تكافؤٍ وتقاربٍ بين أوزان " المتناطحين "
أما في التجمّعات الانتخابية كالتحالفات والجبهات فتلك الشروط لازمة ولكن لا بدّ من مراعاة تشريك كل المنضوين وفق أوزانهم الانتخابية لا الدعائية والزّعامتيّة . فعديدون هم كثيرو الصراخ ولا ينفعون في جذب الأصوات وكثيرة هي الأحزاب ذات الزعيم الكبير بلا قاعدة شعبية وبعض الأحزاب ذات تاريخ عريق ولكنها إمّا عقيمة أو تكاد تكون . ثم إنّ بعض الوجوه لا تصلح للسلطة والحكم لطول ما عُرف عنها من معارضة ورفض دائمين .وهي تصلح للزعامة الحزبية التاريخية فقط ويُحبّذ أن يقتصر دورها على التوفيق والتوجيه وحلّ الخلافات الداخلية ومقارعة زعماء الأحزاب الأخرى الذين اختاروا بفطنة نادرة الزعامة الحزبية على الهرولة وراء السلطة وبريقها الخادع الزائل .
ولا بدّ كذلك من نظرة بانورامية شاملة لكل الدوائر الانتخابية .فمن له الوزن المنتظر أكثر في هذه الدائرة هو الذي يقدّم أوّلا مبدئيا . و على بعض الفصائل أحيانا أن ترضى بالمقعد والمقعدين أفضل من لاشيء وإن تبيّن أنها لا تستحق شيئا فيمكن مجازاتها بأمر آخر بعد ذلك .فالمعروف أنّ للمناصب ريعها في الخطط والوظائف السامية والسفارات والقنصليات والوزارات وغير ذلك كثير ..
و لا عبرة في هذا بما نسمعه من انسحابات واستقالات وتجميدات و " خرجات " وانفعالات فتلك تدل على أنّ أصحابها بارعون في المعارك الجانبية الصغيرة وهم طلاّب مناصب ومكاسب لا متقدّمون طواعية لخدمة الشأن العام تضحيةً منهم كما يقولون بأوقاتهم وأُسَرهم وصحتهم وأموالهم ..فلم تعد تنطلي مثل هذه الحيل والبكائيات على أحد ومن اختار العمل الحزبي فعليه بالانضباط لقرارات المؤسسات الحزبية وإن كنّا من المتحرّرين من الانخراط بالأحزاب رغم قناعتها بجدواها.
ونودّ في الختام أن تجري الانتخابات بكل هدوء و نزاهة في مختلف مراحلها وأن يَرْشَح عنها من يفوز بثقة أغلبية الناخبين وله البديل الواضح والملائم لحكم النّاس على وجه يخرج البلاد ممّا هي فيه من أزمات كثيرة ..
المكناسي/ تونس20 أوت / أغسطس 2014







اخر الافلام

.. إعصار إداي يسبب كارثة كبرى في زيمبابوي وموزمبيق


.. خامنئي وروحاني يعترفان بأزمات إقتصادية في إيران


.. ترامب يؤكد بأن سقوط داعش أصبح وشيكاً




.. نيوزيلندا تقرر حظر حيازة البنادق الهجومية


.. الحكومة اليمنية تقدم إحتجاجاً ضد تجاوز المبعوث الدولي لمهامه