الحوار المتمدن - موبايل



نظرية الفعل عند حنه ارندت

ابراهيم طلبه سلكها

2014 / 8 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


نظرية الفعل
نظرية الفعل Theory of action عند أرندت وإحياؤها لفكرة "الممارسة" القديمة تمثل أحد الإسهامات الرئيسية للفكر السياسى فى القرن العشرين . وبتمييز الفعل ( الممارسة ) من الابتكار أو الصنع ( الإنشاء ) وبربطه بالحرية والتعدد ، وبتوضيح ارتباطه بالتحدث والتذكر ، استطاعت أرندت أن توضح مفهوم السياسة الذى أمكن فيه تناول المسائل المتعلقة بالمعنى والهوية بطريقة حديثة متطورة . علاوة على ذلك ، فإنه بالنظر إلى الفعل على أنه شكل للتجمع البشرى ، أصبحت أرندت قادرة على تطوير مفهوم الديمقراطية الاشتراكية والتى تتناقض تماماً مع الأشكال السياسية البيروقراطية المميزة للحقبة الحديثة ( 1) .
فالفعل هو أساس نظرية أرندت السياسية ، وقد درسته فى إطار فهمها للحرية ، والمشاركة والحوار والخطاب . " فحيثما يكون الكلام ملائماً ، فإن الأمور تصبح سياسية فى شكلها ، فالكلام هو ما يجعل الإنسان كائناً سياسياً " . وقد اهتمت أرندت بشكل كبير بدراسة صور الفعل المختلفة وأعلنت عن عدم رضاها عن معظم التفسيرات التى قدمت لها . " إن عدم قدرة الفرد على تجميع أصول حياته فى كلمات حيث يعبر عن ماهيته من خلال الفعل والكلام تعتمد على مجال الشئون البشرية ، فنحن نتواجد ككائنات تعمل وتتحدث .. " ( 2) .
وعليه ، فإن المكونات الرئيسية لنظرية الفعل عند أرندت هى : الحرية والتعدد والإعلان أو الافشاء . وتتعلق تلك المكونات بالروابط بين الفعل والشكل الأدبى وأهمية التذكر أو ما تسميه أرندت " مجتمعات الذاكرة " . وكذلك العلاقة بين الفعل والسلطة وساحة العرض أو فضاء الظهور ؛ وركزت أرندت على "سلطة الوعد" و " سلطة الصفح " ( 3) . وهذا ما سوف نوضحه على النحو التالى:
1- العمل والحرفة والفعل :
تميز أرندت بين العمل والحرفة والفعل حيث تقول : " إننى اقترح مصطلح " الحياة العملية " لكى أشير إلى ثلاثة أنشطة بشرية جوهرية هى : العمل والحرفة ، والفعل . إنها جوهرية لأن كل واحد منها يتطابق مع الأوضاع الرئيسية التى تعطى الحياة للإنسان على الأرض " ( 4) .
العمل هو النشاط الذى يتطابق مع العملية البيولوجية للجسم البشرى ، الذى نموه الذاتى ، عملية الأيض ، وتحلله الأخير مرتبطان بالضرورات الحيوية الناتجة والمدخلة فى عملية الحياة بواسطة العمل . إن الوضع البشرى للعمل هو الحياة فى حد ذاتها . أما الحرفة فهى النشاط الذى يتطابق مع اصطناع الوجود البشرى ، والتى هى غير منزلة فى الفضاء حيث لا يعوض العود الأبدى الدورى للنوع فنائه . تقدم الحرفة عالم " مصطنع " من الأشياء المختلفة بشكل تام عن كل وسط طبيعى . حيث تقطن داخل حدوده حياة كل فرد ، فى حين أن هذا العالم فى حد ذاته يعنى الاستمرار أو التجاوز على الكل . إن الوضع البشرى للحرفة هو الانتماء إلى العالم (5 ) .
وأما الفعل ، النشاط الشائع بين الناس من دون توسط الأشياء ولا المادة ، يطابق الوضع البشرى للتعدد ..وهذا التعدد هو تحديداً الشرط – الذى لاغنى عنه- لكل حياة سياسية ؛ وهى تقول فى هذا الصدد : " إن السياسة تقوم على واقعة التعدد البشرى " . وإذا كانت كل جوانب الوضع البشرى مرتبطة بشكل ما بالسياسة، فإن هذا التعدد بالخصوص هو شرط كل حياة سياسية . وإن المعيار الرئيسى للفعل هو التجلى الواضح للفاعل فى الكلام والممارسة . فالفعل مرتبط بالكلام ويكشف عن الإنسان وكأنه يحاول ويضرب فى الأرض وينقح فى الأفق من أجل أن يبدأ شيئاً جديداً فى العالم (6 ) .
وهذه الأنشطة الرئيسية الثلاثة الخاصة بوجودنا فى العالم : العمل والحرفة والفعل مستقلة عن بعضها البعض حيث إن لكل منها مبادئه ومنطلقاته المميزة ويحكم عليه بمعايير مختلفة . العمل يحكم عليه بواسطة قدرته على تحسين الحياة البشرية ، تقديم احتياجاتنا البيولوجية المتعلقة بالاستهلاك والانتاج ، والحرفة يحكم عليها بقدرتها على تكوين عالم ملائم للاستخدام البشرى والحفاظ عليه ، والفعل يحكم عليه بقدرته على الافصاح عن هوية العامل ، وإثبات حقيقة العالم ، وتحقيق آهليتنا للحرية ( 7) .
وعلى الرغم من أن أرندت تعتبر الأنشطة الثلاثة ( العمل ، والحرفة والفعل) ضرورية على حد السواء لإكمال الحياة البشرية ، حيث إن كلاً منها يسهم بطريقته المميزة فى تحقيق كفاءاتنا البشرية ، فإنها تركز على الفعل المميز للبشر عن حياة الحيوانات ( التى هى مماثلة لنا من حيث احتياجها للعمل للحفاظ على حياتها ) وحياة الآلهة ( التى نشاركها نشاط التأمل ) . ومن هذه الناحية فإنه يجب اعتبار مقولتى العمل والحرفة مختلفتين عن مقولة الفعل ، وإن كانتا تلعبان دوراً مهماً فى إلقاء الضوء على فضاء الفعل خلال نظام النشاط البشرى( 8) .
ولذلك ترى أرندت أن الأنشطة الثلاثة جميعها ، والأوضاع المتطابقة معها مرتبطة بشكل وثيق بأكثر الأوضاع شيوعاً للوجود البشرى : الميلاد والموت ، الأبدية والخلود ، البداية والفناء . العمل لا يؤكد الخلود البشرى فقط ، ولكن أيضاً حياة الكائنات . فالعمل ومنتجاته ، الصناعة البشرية ، يمنحان مقياساً للبقاء والاستمرارية بناء على عبث الحياة وخاصية الزوال المميزة للذهن البشرى . وحيث إن الفعل يتدخل فى إيجاد الكائنات البشرية والحفاظ عليها ، فإنه يخلق وضع التذكر ، وهو المتعلق بالتاريخ . العمل والحرفة ، وكذلك الفعل متأصلان أيضاً فى الميلاد ، حيث إن لهم مهمة تقديم العالم والحفاظ عليه من أجل التدفق المستمر للقادمين الجدد المولودين فى العالم كغرباء . ومع ذلك ، فمن بين الثلاثة ، فإن الفعل ذو علاقة أوثق بالوضع البشرى الخاص بالميلاد ، ويمكن للبداية الجديدة المتأصلة فى الميلاد أن تبرز نفسها فى العالم وذلك فقط لأن القادم الجديد يمتلك القدرة على بدء شئ ما من جديد ، وهو الفعل . وبهذه الطريقة البديهية ، فإن أحد عناصر الفعل ، وبالتالى الميلاد ، يعد متأصلاً فى جميع الأنشطة البشرية( 9) .
2- الحرية والتعدد
والخاصيتان الرئيسيتان للفعل هما " الحرية " و " التعدد " .. أما الحرية عند أرندت فترتبط بالحياة اليومية وبالمجال السياسى العمومى ذلك أن اعتبار الحرية حقاً يشترك فيه جميع الناس ، يفترض توفر نظام سياسى وقوانين ينظمان هذه الحرية ، ويحددان مجال تعايش الحريات . أما الحديث عن حرية داخلية "ذاتية" ، فهو حديث ملتبس وغير واضح . إن الحرية ، وفقاً لأرندت ، مجالها الحقيقى والوحيد هو المجال السياسى ، لما يوفره من إمكانات الفعل والكلام ، والحرية بطبعها لا تمارس بشكل فعلى وملموس إلا عندما يحتك الفرد بالآخرين ، إن على مستوى التنقل أو التعبير أو غيرها (10 ) .
فالنظر إلى مفهوم الحرية على أنها مشكلة نظرية وقضية فلسفية ميتافيزيقية مثل قضية الوجود والعدم والخلود والزمان .. الخ هو أمر خاطئ .. ولذلك ترفض أرندت ربط الحرية بالمجال الداخلى للفرد وتقول : " إن الحقل الذى عرفت فيه الحرية ، ليس باعتبارها مشكلة ، بل باعتبارها جزءاً من الحياة اليومية، هو حقل السياسة " أى مجال الفعل الإنسانى العام وليس مجال الفكر : "لأن الفعل والسياسة يعتبران من بين القدرات والامكانات المتعلقة بالحياة الإنسانية، والتى لا يمكن التفكير فيها بمعزل عن وجود الحرية " . فالمجال الفعلى للحرية هو مجال السياسة باعتباره مجال الشأن العام والذى يهم الجميع . كما أنه خارج الحياة العامة يصعب إن لم نقل يستحيل قياس مدى حضور أو غياب الحرية باعتماد مؤشرات من قبيل الحق فى التعبير عن الرأى العام واحترام الرأى الآخر وضمان حقوق الإنسان والتداول السلمى للسلطة .. وغيرها من مظاهر الديمقراطية ودولة الحق والقانون والحريات العامة . " فالحرية ليست خاصية مميزة لأى شكل من أشكال العلاقات الإنسانية ، ولا لأى نوع من أنواع الجماعات البشرية . فحيثما يعيش الناس فى مجموعة لا تشكل هيئة سياسية – مثل ما هو حاصل فى التجمعات القبلية أو الأسرية – فإن ما ينظم أفعالهم وتصرفاتهم ليس هو الحرية، بل هو ضرورات الحياة والحرص على البقاء " ( 12) .
وهكذا ، " فإن الحرية هى مغزى العمل السياسى " (11 ) . وهى لا تعنى ، عند أرندت ، القدرة على الاختيار من بين البدائل المتاحة ( حرية الخيار مهمة للغاية بالنسبة للإتجاه الليبرالى ) أو قدرة طبيعية داخلية منحها الله للبشر . إنها تعنى " القدرة على بدء شئ جديد ، لفعل ما هو غير متوقع ، ممنوح لكل البشر بمجرد ولادتهم . فالفعل بكونه تحقيقاً للحرية متأصلاً فى الميلاد ، فى الحقيقة القائلة بأن كل ميلاد يمثل بداية جديدة وظهور لشئ جديد فى العالم ، فالولادة هى بلوغ عالم دائم بدل الانخراط فى تكرار للطبيعة ، والوفاة هى الانسحاب من عالم دائم والذهاب إلى عالم الاستهلاك والاغتراب والضياع(13) .
ولقد أدركت أرندت أن كل الأنشطة مرتبطة بشكل ما بظاهرة الميلاد ، فكل من العمل والحرفة ضرورىٌ لابتكار عالم يولد فيه بشر جدد بشكل مستمر . ومع ذلك ، فإنه من بين الأنشطة الثلاثة ، يعد الفعل أكثرها ارتباطاً بالميلاد ، لأنه بواسطة الفعل يعيد الأفراد معجزة البدء الكامنة فى ميلادهم . فبالنسبة لأرندت، فإن البداية التى يمثلها كل منا بولادته تتحقق كل مرة نعمل فيها ، وهى كل مرة نبدأ فيها شئ ما جديد . وكما أوضحت : " يمكن للبداية الجديدة الكامنة فى الميلاد أن تبرز نفسها فى العالم فقط لأن القادم الجديد يمتلك القدرة على بدء شئ جديد وهو الفعل " ( 14) .
وأرندت تفهم الفعل على أنه القدرة البشرية على بدء مجموعة جديدة من الأحداث .. والفعل نتيجة طبيعية " للميلاد " : فنحن ولدنا كأفراد من كائنات تقوم ببدايات غير متوقعة ( 15) . وحيث إن الفعل كبداية كامن فى الميلاد ، وحيث إنه تحقيق للحرية ، فهو ، وفقاً لأرندت ، يحمل معه القدرة على عمل المعجزات . "ففى طبيعة البداية يتم بدء شئ جديد لا يمكن توقعه أيا كان ما حدث سابقاً . وإن تلك الخاصية المتعلقة بعدم التوقع المرعب كامنة فى كل البدايات .. والحقيقة أن الإنسان قادر على فعل ما لا يمكن توقعه . فكل إنسان متفرد ، ومع كل ميلاد يأتى شئ جديد فى العالم " ( 16) .
وهكذا فإن ميلاد كل فرد هو وعد ببداية جديدة : فالفعل يعنى القدرة على الافصاح عن النفس وانجاز ما هو غير متوقع ؛ وهو ما يتفق تماماً مع هذا التصور القائل بأن معظم الأمثلة الملموسة للفعل فى العصر الحديث والتى ناقشتها أرندت هى حالات الثورات والانتفاضات الشعبية . فادعاؤها بأن " الثورات هى الأحداث السياسية الوحيدة التى تواجهنا بشكل مباشر وهى حتماً لها مشكلة فى البداية " يعد محاولة لإيجاد مساحة سياسية جديدة ، مساحة يمكن أن تظهر فيها الحرية كحقيقة مرتبطة بالانتماء .. إلى - العالم . والمثال المفضل لأرندت هو الثورة الأمريكية لأن فعل التأسيس فيها أخذ شكل تأسيس للحرية . ومن أمثلتها الأخرى نوادى الثورة الفرنسية ، مؤتمر باريس لعام 1871 ، تأسيس السوفيت خلال الثورة الروسية ، المقاومة الفرنسية لهتلر فى الحرب العالمية الثانية ، والثورة المجرية عام 1956 . ففى كل تلك الحالات كان لدى الرجال والنساء الشجاعة لقطع أنشطتهم الروتينية ، للتقدم عبر حياتهم الخاصة من أجل خلق فضاء عام يمكن أن تظهر فيه الحرية ، والعمل بطريقة تجعل من ذكرى أعمالهم مصدراً للإلهام فى المستقبل . وتبعاً لأرندت ، فإنهم للقيام بذلك قد أعادوا اكتشاف الحقيقة المعروفة لليونانيين والتى تقول بأن الفعل هو أسمى نعمة للحياة البشرية ، وهو ما يعطى لحياة الأفراد قيمة ( 17) .
وأما التعددية فهى الخاصية الرئيسية الأخرى للفعل . فكل فعل هو مبادرة، ولا يمكن القيام به بمعزل عن الآخرين ، وبعيداً عن تعددية المؤديين الذين يحكمون على الأداء. فالفعل يحتاج إلى التعدد بنفس قدر احتياج المؤديين للجماهير، بدون وجود الآخرين وتقديرهم ، وسيتوقف الفعل عن أن يكون نشاطاً ذا قيمة . ويمكن للفعل أن يوجد فقط فى سياق يحدده التعدد ، بقدر احتياجه للظهور بشكل عام ، مبرزاً نفسه من خلال الكلمات والأعمال ، وحائزاً على قبول الآخرين ( 18) .
لقد أقامت أرندت العلاقة بين الفعل والتعدد بواسطة موقف أنثروبولوجى . فهى ترى أن " الحياة " هى الوضع الذى يطابق نشاط العمل ، و " الانتماء - إلى – العالم " هو الوضع الذى يطابق نشاط الحرفة ، وهكذا فإن " التعدد " هو الوضع الذى يطابق الفعل . وهى تعرف " التعدد " فى ضوء الحقيقة القائلة : " بأن "الناس" وليس " الإنسان " هم الذين يعيشون على الأرض ويسكنون العالم " . وتقول إنه وضع الفعل البشرى " لأننا جميعاً متماثلون وإن كان لكل منا حياته ووجهة نظره عن العالم " . وبفضل التعدد يصبح كل فرد قادراً على العمل والتعامل مع الآخرين بطرق مميزة ، وهذا هو ما يسهم فى صياغة شبكة الأفعال والعلاقات المختلفة والتى قد يصعب التنبؤ بها . وهذه الشبكة من الأفعال تشكل مجال الأعمال البشرية، تلك المساحة التى يرتبط فيها الأفراد مباشرة – ومن دون وساطة الأشياء – من خلال " اللغة " . فالعلاقة واضحة بين الفعل واللغة (19 ) .
ولهذا تقول أرندت : " .. سيكون الفعل زيادة غير ضرورية ، تدخل نزوى (متقلب) فى القوانين العامة للسلوك ، إذا كان الناس عبارة عن استنتساخات مستمرة ومتكررة من نفس النموذج ، والذى يعد بطبيعته وأصله مثلاً للكل ويمكن التنبؤ به مثل طبيعة أو أصل أى شئ آخر . فالتعدد هو وضع الفعل البشرى لأننا جميعاً متماثلون (20 ) .
كما تؤكد أرندت مراراً فى كتابها " الوضع البشرى " أن الفعل مبدئياً ، ذو خاصية رمزية ، وأن شبكة العلاقات البشرية يدعمها التفاعل التواصلى . ويمكننا التعبير عن ذلك على النحو التالى : " الفعل يستلزم وجود كلام : فعن طريق اللغة نستطيع التعبير عن معنى أفعالنا وتنسيق أفعال تعددية العوامل . وعلى العكس ، فإن الكلام يستلزم حدوث فعل ، ليس بطريقة أن الكلام نفسه يعد شكلاً من الفعل، أو أن معظم الأفعال تؤدى فى شكل كلام ، ولكن بطريقة أن الفعل غالباً ما يكون هو طريقة التحقق من صدق المتكلم . وهكذا فحيث إن الفعل بدون كلام يقود إلى خطورة كونه بلا بمعنى وسيكون من المستحيل التنسيق مع أفعال الآخرين ، لذا فإن الكلام بدون فعل سيفتقد وجود إحدى الوسائل التى يمكننا أن نؤكد بها صدق المتكلم . كما أن هذا الرابط بين الفعل والكلام يلعب دوراً رئيسياً فى تصوير أرندت للسلطة ، وهى تلك السلطة التى تظهر بين الناس عندما يعملون " بشكل متناسق " ويتحقق فقط حيثما لا يكون الكلام والفعل متشاركين مع بعضهما ، حيثما لا تكون الكلمات خاوية ولا تكون الأفعال حادة ، حيثما لا تستخدم الكلمات لحجب النوايا ولكن لإعلان الحقائق ، ولا تستخدم الأفعال من أجل الانتهاك (المخالفة) والتدمير ولكن لتكوين علاقات وحقائق جديدة " ( 21) .
3- الإعلان أو الإظهار
إهتمت أرندت بدراسة القوة الإعلانية للفعل والكلام ؛ فقد ناقشت فى القسم الأول من فصل " عن الفعل " فى كتابها " الوضع البشرى " موضوع الإعلان عن هوية العامل . وقد ذكرت أن الأفراد يعلنون من خلال الفعل والكلام عن أنفسهم وتميزهم عن غيرهم ، يعلنون للعالم عن شخصياتهم المتميزة . وبطريقة أرندت فى التمييز ، فإنهم يوضحون أسباب تميزهم وفى أى شئ يتميزون – وهذا الأمر يتعلق بقدرات الأفراد ومواهبهم ، وكذلك عيوبهم ونقائصهم ، وجميعها خصائص يتقاسمها كل البشر . وليس العمل أو الحرفة هو ما يمكن الأفراد من الإعلان عن هويتهم ، الإعلان عن ما يتميزون فيه عن غيرهم . ففى العمل تحجب فردية كل شخص من خلال ارتباطه بسلسلة من الضروريات الطبيعية ، وفقاً للقيود المفروضة بواسطة العوامل البيولوجية . نحن عندما نشارك فى العمل فإننا نستطيع فقط أن نوضح مدى تماثلنا ، حيث إن الحقيقة هى أننا جميعاً ننتمى للأنواع البشرية ويجب أن نهتم باحتياجات أجسامنا . وفى هذا السياق فإننا فى الحقيقة " نتصرف "، "نؤدى أدواراً " و " ننجز وظائف " ، حيث إننا جميعنا لدينا نفس الالتزامات . وفى العمل يوجد مجال أكبر للفردية ، فكل عمل أو منتج يحمل علامة لصانعه ... وهكذا ، فى الكلام والفعل فقط ، فى التفاعل مع الآخرين من خلال الكلمات والأفعال ، يعلن الأفراد عن شخصياتهم (22 ) .
ولا يتوقف الأمر عن حد الإعلان عن الذات فقط ، بل إن الإنسان بفضل هذا الإعلان يدرك أنه :
أولاً : لا يوجد إلا بقدر ما يعمل : لأن الفعل وحده هو الذى يجعله يوجد (بمعنى الكلمة ) وأنه :
ثانياً : يفرض بعمله ضرباً من التغيير أو التبديل على العالم المادى ، لأن الفعل الذى يقوم به لابد من أن يحدث آثاره فى العالم الخارجى وأنه :
ثالثاً : يخلق عن طريق فعله نوعاً من الاتصال بينه وبين الآخرين ، لأنه يخلق بالتزامه أمام نفسه وأمام الآخرين " عالماً روحياً " يقوم على التأثير والتأثر وأنه :
رابعاً : يعمل على تدعيم عالم القيم البشرية : لأنه يحرر الذوات الأخرى ويوقظها من سباتها حين يجسم مثله العليا فى الوسط الاجتماعى فيعمل على تقريب شقة الخلاف بين الواقع والمثل الأعلى ( 23) .
ولذلك فإن الفعل الذى يقوم به الفرد ليس مجرد " عمل خاص " يهم صاحبه وحده دون سواه بل هو " عمل اجتماعى " يتسم بطابع كلى عام : لأنه يخرج إلى الوسط الجمعى الذى يتحقق فيه فيحدث تأثيره فى عقول الآخرين وأفئدتهم وشتى جوانب حياتهم . ولو أننا ضربنا صفحاً عن تلك الأعمال التى يقوم بها البشر بحكم الغريزة أو العادة أو " الروتين " لكان فى وسعنا أن نقول إن معظم الأفعال الإنسانية هى بمثابة نيات متحققة وقيم أخلاقية متجسدة ومثل عليا متجسمة: فهى ظواهر اجتماعية مهمة لها دلالتها الخاصة فى صميم الوسط الخارجى الذى يتحقق فيه . وإذن فإن العمل الذى يؤديه الفرد – وإن بدا له أحياناً عملاً فردياً يعنيه هو وحده – عمل اجتماعى يقوم بدور المحرك الفعال أو المؤثر القوى فى وسط خارجى يضم أفراداً آخرين هم على استعداد لتفهم دلالة ذلك العمل إن لم نقل بأنهم قد يقعون تحت تأثيره ويعملون – بدورهم – مترسمين خطاه ( 24) .
4- القصة ومصير البشرية
لقد أدركنا كيف يكون الأفراد قادرين ، من خلال الفعل والكلام ، على الإعلان عن هويتهم ، عن تميزهم الخاص – عن أنفسهم – على أنهم مميزون فى قدراتهم ومواهبهم الشخصية – عن كينونتهم . ومع ذلك ، فبينما يشارك الأفراد فى الكلام والفعل فإنهم لا يمكنهم أن يتأكدوا أبداً من الشخصية التى سيعلنون عنها . وهذا يحدث فقط بطريقة سرد الأحداث ، أى أنه فقط من خلال القصص الناتجة من أعمالهم وسلوكهم ستبدو هويتهم واضحة تماماً . ولذلك فإن وظيفة راوى القصة مهمة للغاية ليس فقط من أجل حفظ أعمال المؤديين وأقوالهم ، ولكن من أجل الإعلان الكامل عن هوية المؤدى . تقول أرندت : " إن قصص الراوى تخبرنا عن أشخاص " كل القصة ، البطل " فى مركز كل قصة ، أكثر مما يمكن لأى منتج بشرى أن يخبرنا عن الصانع الذى أنتجه " . فمن دون أفلاطون الذى أخبرنا عن شخصية سقراط وطبيعة مواقفه من الأثينيين ، ومن دون ثيوكيديديس الذى اختتم الخطبة الجنائزية لـ " بيركليس " وأعاد صياغتها بطريقته القوية المؤثرة ، لما عرفنا الأسباب التى جعلت سقراط وبيركليس من الشخصيات البارزة ، ولما بدا سبب تميزهم واضحاً لنا . والحقيقة فإنه من التصريحات شديدة الأهمية لأرندت قولها : " إن معنى الفعل نفسه يعتمد على طريقة سرد الأحداث التى يقوم بها المؤرخون والرواه لوصفه " (25 ) .
ولذلك كانت أرندت تفضل رواية القصة على التفكير الفلسفى مؤكدة أن الرواية تهتم بالطبيعة الفردية للتجربة البشرية . ودائماً ما كانت تعارض فى أعمالها الأفكار الاستبدادية والمطلقة الخاصة " بالحقيقة " باقتراح طريقة جديدة لفهم العلاقة بين الذات البشرية الخاصة ، المجتمع الذى توجد به الذات والعالم الأكبر ، ولقد قدم الأدب لأرندت مصدراً مهماً للقيام بهذا التخلى عن التراث الفلسفى . فقد قالت فى هذا الصدد : " ليس هناك فلسفة يمكن مقارنتها فى كثافتها وثراء معانيها مع قصة تروى بشكل ملائم " ( ) .
بل إن الفلسفة السياسية عند أرندت " أصبحت طريقة للرواية " لاستنباط العظة والعبرة من الماضى فى قلب الحاضر" (26 ) . فالفعل يكتشف بشكل أفضل ويعبر عن الكينونة من خلال الأسلوب الروائى . فمن خلال رواية القصص حول الأفعال التى يشارك فيها الأشخاص يمكن لتلك الأفعال أن تساهم فى كشف حقيقتهم. وقد قال بول ريكور : " إن المشروع السياسى لأرندت هو أكبر محاولة لتخليدنا " فمعنى الفعل يتحدد فقط عندما ينتهى الفعل نفسه ويصبح قصة يمكن روايتها .. إن الفعل لا يوجد فقط لحظة الأداء ، بل يوجد بشكل أكبر فى رواية الحدث ( 27) .
اعتقدت أرندت أن القصص يمكنها أن تقدم اهتماماً ومعالجة خاصة للأحداث أكبر من الأنساق الفلسفية نفسها .. فالرواية تفتح إمكانية التفسيرات المختلفة " بناءاً على الرؤى العالمية المختلفة لهؤلاء الذين يستمعون للقصة ، وأيضاً إمكانية النهاية المفتوحة ، وقد تتضمن جدالاً ونقاشاً حول معنى الأحداث . وكما تقول أرندت : " إن رواية القصة تكشف عن معنى الأحداث بأفضل الطرق وأبسطها " ؛ وخاصة فى حالة الأحداث المروعة التى يصعب فهمها أو تخيلها ، ولاسيما عند هؤلاء الذين يعاصرونها . فالرواية هى أداة مفيدة لفهم أحداث التاريخ المأسوية . وهنا تستشهد أرندت بقول إسحاق دنيسان : " يمكن تحمل كل الأحزان إذا وضعناها فى قصة أو روينا قصة عنها " ، بمعنى آخر " كل الأحزان يمكن تحملها لو حكيناها " ؛ فالحكاية تعد أداة مهمة لمقاومة شرور العالم ( 28) .
والرواية لا تقدم مقياساً لصدق أفعال البشر وتحديد أهميتها فقط ، بل تحتفظ أيضاً بذاكرة للأعمال على مر الزمان ، وبهذا فإنها تجعل من تلك الأعمال مصدراً للإلهام فى المستقبل ، حيث تشكل نماذج يمكن تقليدها والسير على هداها.. فالأعمال والكلمات لا تخلد السلوك إلا مع عملية التذكر . فالتذكر وحده ، إعادة رواية الأعمال فى شكل قصص ، يمكن أن ينقذ حياة المؤديين وأعمالهم من النسيان وبالتالى الحفاظ على جدواها . ولهذا السبب قدر اليونانيون الشعر والتاريخ بشكل كبير لأنهما يحفظان أعمال الماضى المجيدة ( وكذلك الأقل مجداً ) لصالح أجيال المستقبل . لقد كانت الوظيفة السياسية للشاعر والمؤرخ هى الاحتفاظ بذاكرة للأفعال القديمة وجعلها مصدراً لتوجيه المستقبل . لقد كان هوميروس معروفاً بأنه معلم هيلاس ، فقد احتفظ لكل من أتوا بعده بأحداث حرب طروادة ، وقد روى ثيوكيديديس فى كتابه " تاريخ حرب البيلوبونيز " قصة عن الطموح والحماقة البشريين ، عن الشجاعة والجشع غير المحدود ، للصراع الدامى والهزيمة المحتومة . لقد أصبح الماضى فى عملهم كمخزن للتعليم ، للأعمال لمناقشتها ، وكذلك لتجنب بعضها . وتم تجاوز ضعف الفعل البشرى وإمكانية موته وجعله تخليداً لحياة فاعليه (29 ) . ولذلك قال هوبز : " إن الرواية نفسها تهذب القارئ على نحو خفى ، وبصورة أكثر فاعلية مما تستطيع أن تفعله المواعظ " ( 30) .
وقد كان من المهام الرئيسية " لدولة المدينة " تأسيس مجتمع يحفظ كلمات مواطنيها وأفعالهم من النسيان والتلاشى ، وبهذا تترك ميثاقها للأجيال القادمة . كما كانت " دولة المدينة " الأغريقية تسعى إلى علاج ضعف الأحوال البشرية ، بعيداً عن إتاحة المشاركة فى الكلمات والأفعال وزيادة المناسبات لنيل شهرة أبدية . وقد تحققت هذه الأهداف بواسطة إنشاء إطار عملى يساعد على تسجيل الفعل والكلام وتحويلهما إلى روايات ، مما يمكن كل مواطن من أن يكون شاهداً ، ومن ثم يصبح روائياً . وهكذا ، فإن ما قدمته " دولة المدينة " هو فضاء يجد فيه الأفراد مكاناً "للتذكر المنظم " ، وأدى ذلك إلى إمكانية تجاوز فناء المؤديين وضعف الأعمال البشرية جزئياً ( 31) . ويعبر فضاء Agora عن هذا الموقف ، فقد شكل "ساحة للحوار " بين مواطنى أثينا .
5- السلطة وفضاء الظهور
لتوضيح ارتباط كل من الفعل والسلطة بفضاء الظهور عند أرندت نتساءل: ما هو دور الأداء المسرحى فى النظرية السياسية لأرندت ؟ لماذا تشير دائماً للفضاء العام على أنه نوع من " خشبة المسرح " يعلن عليها المؤدون السياسيون عن أنفسهم بالكلام والفعل ؟ لماذا تعتمد بشكل كبير على استعارات مثل " الأداء " و " البراعة الفنية " فى التعبير عن مفاهيم الفعل السياسى والحرية لديها ؟ وبالنسبة لتلك النقطة : هل لجوء أرندت إلى الاستعارات المسرحية يفيد طبيعة الفضاء العام ومشكلاته فى العصر الحديث ، أو هل يساعد فقط على إضفاء ذلك بواسطة جعل " دولة المدينة " اليونانية نموذجاً معيارياً لكل مجال عام فعال ؟ (32 ) .
لقد تكررت الاستعارة " دولة المدينة " كثيراً فى كتابات أرندت ، ونقول استعارة لأنها عندما استخدمت هذا " المصطلح " فإنها ، ببساطة ، لم تشر فقط إلى المؤسسات السياسية فى " دولة المدينة " اليونانية ، المرتبطة بعصورها وظروفها، ولكنها تشر أيضاً إلى ارتباطها بكل تلك الحالات التى ظهرت فى التاريخ وأقيم فيها مجال عام للفعل والكلام عبر مجتمع من المواطنين الأحرار والمتساويين " ، وبالأحرى فإن " دولة المدينة " اليونانية لم تكن " دولة المدينة " فى صورتها المادية ؛ بل هى مجموعة من الناس يعملون ويتحدثون معاً بشكل منظم ، ومكانها الفعلى هو الذى يجمع بين الناس الذين يعيشون معاً من أجل هذا الغرض ، بغض النظر عن موقع هذا المكان . وهكذا ، فإن الشعار الشهير " أينما تذهب ، ستكون داخل دولة المدينة " قد عبر عن الاعتقاد بين المستعمرين اليونانيين بأن نوع العلاقة السياسية المتكونة طبيعياً يمكن تكرارها فى مستعمراتهم الجديدة ، حيث يمكن للمساحة الناتجة بواسطة "مشاركة الكلمات والأعمال" أن تجد موقعها الملائم فى أى مكان تقريباً ( 33) .
ولهذا تؤكد أرندت أن السياسية من شأن شعب هو اليونان ، إنها صناعة يونانية مخصوصة .. " فدولة المدينة " تعبر عن " فضاء الظهور" ، والفضاء "هو المكان الذى أظهر فيه للآخرين كما يظهر الآخرون لى ، حيث يوجد الناس ليس فقط مثل الأشياء الأخرى الحية وغير الحية ، ولكن لكى يظهروا بوضوح " . ويمكن خلق هذا الفضاء العام من جديد دائماً حيثما يجتمع الأفراد سياسياً معاً أو "حيثما يكون الأشخاص مجتمعين معاً فى ضوء أحاديثهم وأعمالهم " . وهكذا ، فلما كان ذلك هو ابتكار لفعل ، فإن ذلك الفضاء يبدو شديد الضعف ويتواجد فقط عندما يتحقق عبر أداء الأعمال أو نطق الكلمات . وكما تقول أرندت فإن ذلك " بعكس الفضاءات التى نصنعها بأنفسنا ، لا تبقى على واقعية الحركة التى أوجدتها ، ولكنها لا تختفى فقط بتفرق الناس – كما فى حالة المصائب الكبرى عندما يحطم الهيكل السياسى للناس – ولكن باختفاء الأنشطة نفسها أو توقفها ( 34) .
فالمجال العام عند أرندت هو الفضاء الذى يعبر فيه الأفراد عن أنفسهم ، "المضمار الذى يجب على كل فرد أن يبرز نفسه فيه باستمرار ، أن يعلن عن نفسه من خلال أعماله وانجازاته المميزة له عن غيره " . ولما كان الفعل السياسى هو عرض عام للذات ، فلابد أن يكون هناك مجتمع ليعرض ذلك عليه . لقد لاحظت أرندت أن هذا الفعل يحدث من خلال " شبكة العلاقات البشرية " ، فضاء يضم عدد من الأشخاص الآخرين يعملون ويتحدثون ومن " عالم مشترك " يحيط به ويشكل التفاعل البشرى . " معظم الكلمات والأفعال هى بخصوص الواقع الفعلى فضلاً عن كونها إعلاناً عن الذات الفاعلة والمتحدثة " . لهذا ، فإن السياسة تتطلب مجالاً عاماً ، فهى تنشأ حين ينشأ المجال المشترك بين البشر(35 ) .
والفضاء المشترك يتكون بواسطة نظرية سياسية ترى الأفراد فى ضوء ما تعتبره أرندت على أنه أعظم رؤيتين لأرسطو– الإنسان بطبيعته حيوان سياسى، أو كائن يعيش فى دولة المدينة ؛ والإنسان حيوان ناطق (متحدث) .. فهو ذلك الذى يشترك فى الفعل السياسى من خلال ميكانيكية الكلام . فالاجتماع معاً للتحدث- للحوار والمناقشة – مع مواطنين معروفين للفرد ومميزين فى المجتمع يكون حيث توجد سياسة وحيث يكون الناس أحراراً . وهذا هو الفضاء المشترك – اللحظة القصيرة للحوار بين الأشخاص المتحدثين الذين يعبرون عن أنفسهم بأدوارهم النشطة العامة وبالمشاركة مع غيرهم من المواطنين . تؤكد أرندت كيف أن السياسة من هذا النوع غير مقيدة بقيود مؤسسية ، وبدلاً من ذلك ، فإن قيودها تنتج من الحوار بين الأشخاص المتساويين فى هذا النوع من المواقف ، إنها قيود الوعد والتسامح ( 36) .
وفى ضوء ما سبق يتضح أن الفلسفة السياسية عند أرندت متأصلة فى الفهم الظاهرى ( الفينومينولوجى) لأهمية الظهور ، والذى لا يحمل فقط دلالة سياسية ولكن أيضاً دلالة وجودية . ووجودياً ، فإن الظهور يعنى أن كل الأشياء ، سواء كانت طبيعية أو صناعية ، حية أو ميتة ، تشترك فى أنها تظهر ويمكن رؤيتها ، سماعها ، تذوقها ، لمسها من قبل مخلوقات تمتلك أدوات الحس المؤهلة لذلك . والحقيقة أن أرندت تؤيد القول بأن " الوجود والظهور يتزامنان فى العالم ". وسياسياً فإن الظهور مكون رئيسى من مكونات نظرية أرندت ، فلجعل شئ عام ، فإنه يجب أن " يظهر " بمعنى أن يراه كل شخص ويسمعه . وبمتابعة مواقفها الفينومينولوجية نجد أن العام يمثل عندها فرصة الإعلان ، عكس الخاص الذى يقوم على الإخفاء . فالسياسة عندها تحدد بالظواهر ، أو بالإعلان الذاتى فى فضاء الظهور ، فالأمور السياسية – حسب أرندت – تكون واضحة ظاهرياً (37 ) .
ويجب إعادة فضاء الظهور دائماً بواسطة الفعل ؛ إن وجوده مرهون باجتماع المؤدين معاً للمناقشة والحوار حول الأمور العامة كما أنه يختفى فى لحظة توقف هذه الأنشطة . إنه دائماً ما يكون محتملاً يتحقق فى أفعال وأحاديث الأفراد الذين يجتمعون معاً لأداء مشروع ما إنه يظهر فجأة ، كما فى حالة الثورات ، أو يمكن أن ينتج ببطء من خلال الجمهور لتغيير جزء معين من القانون أو السياسة . ولقد خلق هذا الفضاء قديماً عندما خلقت فضاءات عامة من الفعل والحوار ، من اجتماعات فى ساحة المدينة إلى مجالس الأعمال ، من مظاهرات واعتصامات إلى صراعات من أجل العدالة والحقوق المتساوية ( 38) .
وإن هذه القدرة على العمل بشكل منظم من أجل غرض سياسى – عام هو ما تسميه أرندت " السلطة " . ويجب تمييز كلمة " السلطة " عن كلمات " القدرة " و"القوة" و"العنف" . فالسلطة ، على عكس القدرة ، ليست خاصة فردية ، ولكن للعديد من المؤدين المجتمعين معاً من أجل غرض سياسى مشترك . وعلى عكس القوة ، فإنها ليست ظاهرة طبيعية ولكنها ابتكار بشرى ، فهى نتيجة للمشاركة الجماعية . وعكس العنف ، فإنها ليست مبنية على الإجبار ولكن على الرضا والاقناع العقلى ( 39) .
فالسلطة ترتكز دائماً على العدد ، أما العنف يدبر أمره مستغنياً عن العدد لأنه يستند إلى الأدوات (أدوات القمع) .. والشكل الأكثر تطرفاً للعنف يقوم على شعار " الواحد ضد الجميع " . وهذا ما توضحه أرندت فى كتابها " عن العنف " على النحو التالى :
1- السلطة : هى قدرة الإنسان ليس فقط على الفعل ، بل على الفعل المتناسق. السلطة ليست خاصة فردية ، بل هى تعود إلى مجموعة ، وتظل موجودة طالما ظلت المجموعة بعضها مع البعض . وعندما نقول عن شخص ما أنه " فى السلطة" فإننا بذلك نشير إلى أنه قد سلط من قبل عدد من الناس لكى يفعل باسمهم . وفى لحظة اختفاء الجماعة التى انطلقت السلطة عنها ، ستختفى سلطة المتسلط . " فمن دون شعب أو جماعة لا تكون سلطة " .
2- القدرة : ترتبط بكينونة الفرد ، هى الخاصية المرتبطة بشئ أو شخص ؛ وإن قدرة الفرد قد تنهزم أمام الكثرة .. فمن طبيعة الجماعة وسلطتها أن تقف ضد الاستقلال ، الذى هو خاصية القدرة الفردية .
3- القوة : هذه الكلمة هى التى تستخدم فى الاستعمال اليومى بمعنى العنف ، خاصة إذا استخدم العنف كوسيلة للأكراه ؛ ويتعين ربط هذه الكلمة فى اللغة الاصطلاحية بـ " قوى الطبيعة " أو " قوى الظروف " ، أى بتعريف الطاقة الناتجة من الحركات الطبيعية أو الاجتماعية .
4- التسلط: قد تستخدم هذه الكلمة فى الحديث عن الأشخاص (تسلط الشخص) أو المؤسسات (تسلط الهيئات أو المجالس) . ويتميز التسلط بقبول المتسلط عليهم له من دون شروط أو أى إكراه أو إقناع . فالابقاء على حالة التسلط يتطلب احتراماً معيناً للشخص أو المؤسسة المعنيين . والعدو الأكبر للتسلط هو الاحتقار ، والخطر الأكبر هو الضحك والسخرية .
5- العنف : يشبه القدرة من حيث أدواته التى تستخدم أساساً بهدف مضاعفة القدرة ( 40) .
إن السلطة تكمن حقاً فى كل حكومة ، لكن العنف لا يكمن فى الحكومة . العنف ، بطبيعته ، أدواتى ، وهو ككل وسيلة يظل دائماً فى حاجة إلى توجيه وتبرير يأتيانه من طرف آخر .. السلطة لا تحتاج إلى تبرير لأنها لا تنفصل أساساً عن وجود الجماعات السياسية . ما تحتاج إليه السلطة إنما هو المشروعية .. إن السلطة والعنف يتعارضان : فعندما يسود أحدهما يغيب الآخر . ويظهر العنف عندما تهدد السلطة ..وكل انحطاط يصيب السلطة إنما هو دعوة مفتوحة للعنف( 41).
وترى أرندت أنه قد حدث انقلاب كامل فى العلاقات القائمة بين السلطة والعنف نتيجة عدة مستجدات غير مريحة منها : 1- أن عدداً قليلاً من الأسلحة قد يدمر فى ثوان قليلة كل مصادر القوة القومية . 2- وأنه قد صنعت أسلحة بيولوجية يستطيع بها مجموعات صغيرة من الأفراد أن يقلبوا التوازن الاستراتيجى، 3- وأن التفوق التقنى قد يكون ضاراً أكثر منه نافعاً فى الصراع ضد قوات حرب العصابات ( 42) .
كما ربطت أرندت العنف بالحركات الأمبريالية ، فهى تقول : " إن غاية الامبريالية هو الاستيعاب لا الإدماج وفرض الخضوع لا تحقيق العدل " ( 43) . وهذا ما يتضح من خلال عدة خصائص وضعتها أرندت للمشروع الإمبريالى كما يلى :
1- تصدير أدوات السلطة السياسية أى مؤسسات الإكراه والاخضاع دون المؤسسات السياسية المدنية ، وهذا يعنى إعطاء الأولوية القصوى لتصدير أدوات العنف وعلى رأسها جهاز الجيش والأمن على حساب المؤسسات المدنية والقوانين المنظمة والضابطة للاجتماع السياسى . وبذلك أضحى العنف المنظم فى أجواء التوسع الامبريالى حالة راسخة فى إدارة الشأن السياسى . فهناك إذن انفصال وتباعد متزايد بين ما أسمته أرندت بالأدوات السياسية والمؤسسات السياسية ، فالأدوات السياسية التى كانت مترابطة مع المؤسسات السياسية ( مثل البرلمان مؤسسات الرقابة الدستورية القضائية المستقلة ) فى المراكز الإمبريالية انقطعت عنها لاحقاً فى مواطن التمدد الامبريالى ومن ثم أصبحت أدوات العنف طليقة اليد فى إدارة شئون المستعمرات دون أى وجه من وجوه الرقابة والضبط ( 44) .
2- تتأسس الامبريالية الألمانية على دعامتين أساسيتين :
الأولى : من طبيعة نظرية تمثلها الأيديولوجيا العنصرية التى أضفت المشروعية على سيطرة القلة الإمبريالية على الكثرة من شعوب المستعمرات .
الثانية : من طبيعة سلطوية إكراهية قوامها مثلث الجيش والشرطة ثم الجهاز البيروقراطى ؛ والبيروقراطية عند أرندت تعد واحدة من أهم أدوات إدارة لعبة التوسع الإمبريالى ، فهى سلطة تعسفية خاضعة لرهانات وتوجيه إدارى العنف الذين يتوارون خلف الجهاز البيروقراطى بإصدار المراسم والأوامر السرية بغية السيطرة على الأهالى وإخضاعهم لا تنظيم شئونهم ومعاشهم ، أى أن البيروقراطية عند أرندت سلطة تعسفية وليس مجال تجسد العقلانية مثلما ذهب إلى ذلك فيبر( 45) .
وبوجه عام ، فإن السلطة عند أرندت هى نتيجة للفعل وتعتمد تماماً على الإقناع . إنها نتيجة للفعل لأنها ناتجة من الأنشطة المنظمة للعديد من العوامل ، وهى تعتمد على الإقناع لأنها تتكون من القدرة على نيل رضا الآخرين من خلال الحوار والجدل البناء . إن القيد الوحيد لها هو وجود أشخاص آخرين ، وقد لاحظت أرندت أن ذلك القيد " ليس عرضياً ، لأن السلطة البشرية تتوافق مع حالة التعدد " . إنها تتحقق فى كل تلك الحالات التى يؤدى فيها الفعل من أجل أغراض تواصلية ( أكثر من كونها استراتيجية أو تعليمية ) وحيث يستخدم الكلام للإعلان عن نوايانا أو للتعبير عن دوافعنا للآخرين (46 ) .
فشرعية السلطة مستمدة من التجمع البشرى القائم على الاتفاق والتشاور والتحاور لتشكيل مجتمع سياسى ، وتتأكد عندما يتصرف الأفراد بنظام من خلال وسائل الحديث والاقناع .. " فالسلطة لا تحتاج لتبرير ، طالما أنها متأصلة فى وجود المجتمعات السياسية ، وإن ما تحتاجه هو الشرعية والتى لا تتأتى إلا من مبدأ يمكن الآخرين الاعتراف به ، وجوهر السلطة هو الحكم والتحكم ، ولا تدعم بوسائل اقتصادية ، بيروقراطية أو استعمارية ، ولكن بقوة المعتقدات العامة الناتجة من عملية التشاور العادل وغير المتقيد " ( 47) .
إن السلطة تكمن فى أساس كل مجتمع سياسى وهى تعبير عن الوجود بالقوة أو الإمكانية المتاحة دائماً للمؤديين . وهى مصدر شرعية المؤسسات السياسية والحكومية .. ودعم الناس هو الذى يمنح السلطة لمؤسسات الدولة ، وهذا الدعم ليس إلا مواصلة للرضا الذى أدى لظهور القوانين منذ البداية .. إن كل المؤسسات السياسية هى مظاهر للسلطة وتجسيدات لها ، إنها تتجمد وتتلاشى بمجرد أن تتوقف السلطة المعيشة للأشخاص عن تأييدها " . فشرعية المؤسسات السياسية تعتمد على السلطة ، والتى هى الرضا الفعال للأشخاص ؛ وطالما أمكن اعتبار الحكومات كمحاولات لحفظ السلطة من أجل الأجيال المستقبلية ، فإنها تحتاج لكى تكون فعالة الدعم المستمر والمشاركة الفعالة من كل المواطنين (48 ) .
ولذلك تؤكد أرندت أن كل حكومة أياً كانت طبيعتها ، ديكتاتورية ، ملكية، أوليجاركية أو ديمقراطية تعتمد فى كل الأحوال على دعم الخضوع الشعبى ومساندته لها . وكل المؤسسات السياسية ، إظهار وتجسيد للسلطة والقوة ، وكل المؤسسات تتجمد وتتآكل وتتعفن عندما تتوقف القوة الحيوية للشعب عن مساندتها ودعمها . الفرق بين السلطة (الحكم) والعنف حسب أرندت هو أن الحكم يحتاج دوماً إلى الأعداد ( من الخاضعين ) ، ولكن العنف لا يحتاج إليها لأنه يعتمد على الوسائل والأدوات المادية . السلطة تنبع من الأعداد الكبيرة ، أى من العالم ، والقوة – وهى صفة الفرد والخاص – إنما هى وظيفة شخصية ، وكاريزما نابعة من القوة المادية . والشخص الذى يتمتع بالقوة يظل كذلك بوجود الأعداد التى تسانده والذى هو فى حاجة إلى دعمها . فإذا تنكر له مساندوه وكفوا عن دعمه صار بلا سلطة وبلا قوة (49 ) .
6- مشكلة التنبؤ
للفعل عدة خصائص عند أرندت منها : قدرة الإعلان عن هوية العامل ، تمكين الحرية من الظهور ، وابتكار فضاء الظهور وإتاحة خلق السلطة . وكذلك عدم إمكانية التنبؤ أو الإدعاء ، وسلطة الوعد وسلطة التسامح . فالفعل يحدث عبر شبكة العلاقات البشرية ، من خلال سياق التعدد ، وبذلك لا يستطيع أى مؤد التحكم فى النتيجة النهائية . فكل مؤد يقوم بعمليات ويدخل فى شبكة معقدة من الأفعال والأحداث التى يساهم فيها أيضاً كل المؤدين الآخرين ، مما يؤدى إلى أنه لا يمكن التنبؤ أبداً بالنتيجة من خلال نوايا كل مؤد . إن النتيجة المفتوحة وغير المتنبأ بها للفعل هى نتيجة للحرية البشرية والتعدد . نحن نمتلك الحرية فى بدء عملياتنا بالفعل وإنجاز أعمال جديدة ، ولكن لا يوجد مؤد يمتلك القوة للتحكم فى نتائج أعماله (50 ) .
وترى أرندت أن الفلسفة الغربية قد عالجت هذه المشكلة عن طريق التوقف عن الفعل ، والانسحاب من مجال التفاعل مع الآخرين أملاً فى الحفاظ على حرية الفرد وسلامته . فلقد رفعت الأفلاطونية والرواقية والمسيحية مجال التأمل على مجال الفعل ، لأن الفرد فى مجال التأمل يتحرر من توريطات الفعل واحباطاته . وتطالب أرندت بعكس ذلك ، حيث ترى أن الفرد لا يجب أن يدير ظهره لمجال الشئون البشرية ، وأن يعتمد على خاصيتين أساسيتين للفعل هما ، ملكة السماح وملكة الوعد . فعن طريق السماح ينظر الفرد إلى الماضى إلى ما حدث ويبرئ المؤدى مما قام به بدون قصد ، بينما ينظر بالوعد إلى المستقبل حيث يسعى لبناء جانب الأمان فى مستقبل مختلف غير مؤكد ولا يمكن التنبؤ به . فالسماح يمكننا من التأقلم مع الماضى ، والوعد يتيح لنا مواجهة المستقبل ، وكما تقول أرندت : "إننا بدون تسامحنا ، متحررون من نتائج ما فعلناه ، فإن قدرتنا على العمل ستكون مقصورة على عمل واحد فقط لا يمكننا الهروب منه أبداً ، وسنظل ضحايا لنتائجه للأبد " . وعلى الجانب الآخر ، فبدون التقيد بتنفيذ وعود ، لن نستطيع أبداً الحفاظ على هويتنا ، وسيحكم علينا أن نسير بلا أمل أو توجيه فى ظلمة قلوبنا . بهذه الطريقة فإن تلك الملكتين تعتمدان على التعدد ، على وجود الآخرين ، وتعبران عن الحرية ( 51) .

الهوامش
(1) Maurizio passerin d Entreves : The political philosophy of Hannah Arendt, Routledge, London and New York, 1994 , p-9 .
(2) Anthony F. lany, Jr. John Williams : op – cit , p-4 .
(3) Maurizio passerin d Entreves : op-cit, p-9 .
(4) Hannah Arendt : The Human condition, p- 7 .
(5) Loc- cit .
(6) Ibid, p-8 .
(7) Maurizio passerin d Entreves : op- cit , p- 66 .
(8) Loc – cit .
(9) Hannah Arendt : The Human Condition , p-4 .
(10) Hannah Arendt : " What is Freedom ? " in " The portable Hannah Arendt " edited by with an Introduction by peter Baehr, penguin Books, 1000 , pp- 439-440 .
(11) Ibid, pp- 440 – 460 .
(12) Hannah Arendt : What is Freedom ? p- 445 .
(13) Maurizio passerin d Entreves : op- cit , p- 66 .
(14) Ibid, p- 67 .
(15) Peter Baehr : The portable Hannah Arendt, p- xxix .
(16) Hannah Arendt : The Human condition , pp- 177-178 .
(17) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 68 .
(18) Ibid, p- 70 .
(19) Ibid, p- 71 .
(20) Hannah Arendt : The Human condition, p- 8 .
(21) Maurizio passerin d Entreves : op- cit , p- 70 .
(22) Ibid, pp- 72-73 .
(23) د. زكريا إبراهيم : مشكلة الحياة ، مكتبة مصر ، ص ص 64 – 65 .
(24) Marice Blondel : Action , Essay on a critique of life and a science of practice , translated byoliva blanchelte, University of nator dame press, Indiana , pp- 232-236 .
(25) Hannah Arendt : The Human condition, p- 184 .
(26) Simon swift : op – cit , p- 3 .
(27) Ibid, p- 3.
(28) Anthony F. lany , Jr. John Williams : op-cit , pp-183-184 .
(29) Simon swift : op- cit , p-3 .
(30) Maurizio passerin d Entreves : op- cit , p- 75 .
(31) ليو شتراوس : تاريخ الفلسفة السياسية ، من ثيوكيديديس حتى اسبينوزا، ترجمة د. محمود سيد أحمد ، مراجعة وتقديم د/ إمام عبد الفتاح إمام ، المجلس الأعلى للثقافة ، المشروع القومى للترجمة ، 2005 ص 29 .
(32) Maurizio passerin d Entreves : op-cit, p-76 .
(33) Dana R. villa , politics , philosophy, terror, p- 128 .
(34) Maurizio passerin d Entreves : op-cit , pp- 76-77 .
(35) Hannah Arendt : The Human condition , pp- 198-199 .
(36) Anthony F. lany, Jr. John Williams : op-cit, pp- 182-183 .
(37) Ibid, pp- 204-205 .
(38) Margaret Betz Hull : op – cit , p- 60 .
(39) Maurizio passerin d Entreves : op-cit , p-77 .
(40) Ibid, p- 78 .
(41) Hannah Arendt : On Violence, pp- 44-46 .
راجع أيضاً : الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 39 – 40 .
(42) Ibid, pp- 40-42 .
(43) Ibid, pp- 2-4 .
قارن أيضاً : الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 11 – 12 .
(44) Alexis de Tecqueville : Democracy in America, London : Everyman s University press, 1994, p- 125.
راجع أيضا :د.توفيق عبدالسلام:الاستبداد الحداثى العربى،مقال نشر بمجلة المعرفة فى 3/10/2004،شبكة المعلومات الدولية(النت)
(45) Ibid, p- 126 .
(46) Margaret Canovan : The political thought of Hannah Arendt , London : Everyman s university press, p- 39 .
راجع د.محمد عبدالسلام:مرجع سابق
(47) Maurizio passerin d Entreves : op – cit , p- 78 .
(48) Hannah Arendt : Crises of The Republic, New York : Harcourt Brace Jovanovich , 1972, p- 190 .
(49) Ibid, p- 140 . .
(50) Ibid, pp- 140-155 .
راجع أيضا :عزالدين بن عثمان:علاقات السلطة فى المجتمع ومعنى السلطة والعنف،مقال نشر بجريدة "دنيا الرأى"،شبكة المعلومات الدولية(النت).
(51) Maurizio passerin d Entreves : op – cit , p- 80 .
(52) Ibid, pp- 80-83 .







اخر الافلام

.. الحصاد- قضية القدس.. في الموقف السعودي


.. الحصاد- غارات التحالف باليمن.. بنك أهداف مثير للجدل


.. أمهات مختطفين يمنيين يستنكرن قصف التحالف




.. لماذا تغير الموقف السعودي من قضية القدس؟


.. هل أفشلت الخلافات الأميركية الروسية مفاوضات جنيف8؟