الحوار المتمدن - موبايل



عجز الدولة الحديثة عند هوكنج

ابراهيم طلبه سلكها

2014 / 9 / 2
مواضيع وابحاث سياسية


عجز الدولة عند هوكنج
يستعرض هوكنج في كتابه " الحضارة العالمية القادمة " أربعة مجالات رئيسية يبين فيها عجز الدولة الحديثة وإخفاقها وهي : الجريمة والتعليم , والأسرة والاقتصاد , والاستجمام أو التسلية والقانون .
الجريمة والتعليم
إن للدولة الحق في معاقبة الفرد إذا خرج علي القوانين , وهذا الحق مؤسس علي ثلاثة أمور :
1- عقاب الجاني علي الخطأ المرتكب, فإذا لم تكن هناك هيئة إجتماعية لكان لكل واحد منا الحق في أن يعاقب بنفسه كل من اعتدى عليه . ولكن قد يجوز أن الشخص الذي لحقه الضرر يجهل المجرم أو يكون ضعيفاً بحيث لا يقوى علي معاقبته أو بالعكس قوياً وربما يسوقه الغضب عند توقيع العقوبة علي المجرم إلي تجاوز الحدود العادلة . بيد أنه في استطاعة الأفراد العقوبة جزاء الضرر الذي لحقهم من الغير .
2- إن منح الأمة حق العقوبة يرمي أيضاً إلي غاية أخرى وهي منع ارتكاب جرائم جديدة ؛ ولهذا السبب ينبغي أن تكون العقوبة حائلاً قوياً يجعل العودة إلي الإجرام أمراً صعب المنال أو مستحيلاً علي المجرم .
3- وقد يكون الغرض من العقوبة تحسين أخلاق المجرم نفسه ولذلك ينبغي متي أمكن أن تكون العقوبة ملائمة للشخص المحكوم عليه بها . بحيث ترقي أخلاقه وتقوم إعوجاجه.(1)
ولكن هل الدولة الحديثة تقوم بواجبها نحو معاقبة المجرمين وتحقيق الأمن وحماية القانون ونشر العدل بين الناس ؟.. يعلن هوكنج عن عدم رضاه عما تقوم به الدولة الحديثة في هذا الشأن , فقد تحولت هذه الدولة إلي " دولة آلية " , حيث تستخدم وسائل عديدة في معالجة الجريمة , والعنف , والانحراف, والفساد الأخلاقي . إن لديها قوانين وعقوبات شديدة, ومؤسسات محكمة : فهي تبني سجون كثيرة وكبيرة لتلبية الحاجة المتزايدة . لكن هذا لا يعد علامة جيدة علي التطور ,. فالدولة تطبق العقوبات فقط ولا تستطيع أن تعاقب .(2)
فالإنسان الخير وحده هو الذي يعاقب , فهو وحده الذي يشعر بعدالة العقاب , أما الآخرون فإن العقاب لا يغير ما بأنفسهم, ولا تستطيع الدولة فعل ذلك . فدرجة الخيرية التي يمكنها وحدها أن تعطى للعقاب أهميته وتأثيره علي المجرمين هي شيء لا تستطيع الدولة صناعته . وإصدار حكم يعاقب الإنسان الخير عند إرتكابه لمخالفة معينة يحدث أثره . ولا يصلح ذلك بالنسبة للمجرم: فلا يجب إطلاق الفاسد في المجتمع , أو سجنه مدى الحياة . فالطبيب النفسي يستطيع أن يقترح علاجاً لنوع معين من الجرائم , ويفترض بذلك قدرته علي التخلص منها , لكنه في حقيقة الأمر لا يستطيع أن يفعل هذا حتى لو سمحنا له بأن يجرب ويبتكر المسكنات .. ولا يمكن أن تنخدع الدولة بسهولة بوجهة نظره القائلة أن إبطال الجريمة هو تخلص من الجريمة ذاتها , فلقد رأى علم الإجرام أن هناك أبحاث علمية يجب القيام بها , وحالات عقلية يجب معالجتها , ولكنه مع هذا يعلن إفلاسه . فالعلم لا يستطيع تحديد مشكلة الجريمة ولا تستطيع الدولة ذاتها أن تعاقب.(3)
إن المجتمع السياسي يساعد دائماً في التكوين النفسي لمواطنيه من خلال قوانينه ودساتيره . والدولة الحديثة , تتضمن دائماً درجة ما من المشاركة الشعبية , وتؤمن بدور التعليم ,و ترى أن التعليم من إحدى وظائفها الرئيسية , ومن إحدى إنجازاتها التي تفتخر بها .. ومن ثم توجه عنايتها الى التعليم بمراحله المختلفة , وبناء المدارس وتجهيزها , وتتكفل بالمدرسين , وتدريبهم ومراقبة العملية التعليمية والإشراف عليها . لكن مع هذا , فالدولة لا تعلم , وذلك لأن التعليم يعتمد أساساً علي الصفات الشخصية للمدرسين , ومن حيث ان تهذيب الإرادة والسلوك يقع علي عاتق المدرس, فهل تستطيع الدولة أن تقوم بتدريب المدرسين ؟ هل يمكن أن تفحص مؤهلاتهم ؟ إن هذا أشبه بالتساؤل عما إذا كان في إمكان الدولة أن تقر بأن المدرسين يمتلكون روحاً ! إن الدولة لا تستطيع أن تقوم بهذا , ومن ثم فإنها لا تستطيع أن تعلم ".(4)
الأسرة والاقتصاد :
الدولة لها تأثير كبير ومباشر علي تغيير المناخ العام للحياة , ذلك التغيير الذي تصاحبه روح الحرية الشخصية , والاستمتاع الطبيعي المشروع بها , والتحرر من تسلط الأفكار المحرمة علي العقل . إن هذه المسائل تخص الدولة بشكل كبير ولكن لا تدعي أنها تطلع الأسرة علي معايير الحياة الخاصة بمؤسساتها هي ,إنها ليست مسئولة بصورة مباشرة عن وجود علامات للانحلال . فإذا كانت هناك نسبة مئوية مرتفعة للطلاق , وإذا كانت هناك صور عديدة من زنا المحارم والجنسية المثلية وإطلاق العنان للشهوات . وإذا فشل الوالدان في إقناع الجيل الصاعد بحقيقة المبادئ التي يصونوهم بها , فإن هذه الظواهر لا تستطيع الدولة أن تصل إلي أسبابها .(5)
إن الدولة لا تستطيع أن تؤسس صور مشروعة لحياة الأسرة , تستطيع أن تحمي خصوصياتها , تستطيع أن تسهل ما تحصل عليه من إمتيازات فعلية من طريق القانون , لكنها تعرف أن الحياة المنزلية هي المولد الأخلاقي لكل نشاط إجتماعي , بما في ذلك نشاط الدولة نفسه , وتعرف أنه لا يستطيع أي سلطة أن نصلح ما يترتب علي إنعدام روح الحب الخلاق داخل المنزل بواسطة القانون . وقد تستخدم الدولة العلاقات الأسرية من أجل تحقيق غاياتهم , ومنها السيطرة علي الأسرة نفسها , وقد تعمل علي إثارة مناخ الأسرة بتركيزها علي الأحاديث الإذاعية حولها .. وعامة فإن الأسرة هي أساس الدولة , فحينما لا يكون هناك أسرة لا يكون هناك دولة .(6)
تستطيع الدولة أن تنظم النشاط الاقتصادي , وتتولى السلطات الاقتصادية المتجددة بشكل مستمر , وتستطيع الدولة أن تشكل وتستميل النزعات الوطنية لكنها لا تستطيع أن تقدمها إذا كانت غائبة . إنها تستطيع أن توجد مجتمعاً كادحاً من جسد إنساني متراخ . وليس هناك فصول أكثر مرارة (قسوة) في تاريخ وحشية الإنسان تجاه الإنسان أكثر من هؤلاء المثقلين بإجبار الإنسان المعتدل مع التحول إلي إنسان وحشي .(7)
لا يستطيع علم الاقتصاد حل مشكلاته بدون الرجوع إلي علم النفس والأخلاق والميافيزيقا ؛ ولا يستطيع فن الاقتصاد أن يتقدم وفقاً للقاعدة الخالصة التي تقول : " إن العمل هو دعامة الاقتصاد " . وقد تعجز الدولة في تحقيق العدالة في مجال توزيع الثروة , أو تحقيق الرفاهية لمواطنيها علي مستوى المعيشة , ولا تستطيع أن تفي بوعودها في هذا المجال حتى يتحقق الرضا لدى المواطنين . ولما كان الدافع للرفاهية المادية قد يزداد بدون حد , فإنه قد لا يشبع مطلقاً ويشكل خطراً علي الحياة الاجتماعية ؛ إن الرغبة العارمة في تحقيق رفاهية اقتصادية قد تؤدي إلي زيادة حالة الاستياء . لا تستطيع الدولة علاج كثير من الدوافع الفاسدة في المجتمع , لا تستطيع أن تؤكد أن العمل مصدر الاشياع , ولا تستطيع أن تتحكم في الاقتصاد بنجاح , وذلك لأن الطاقات الاقتصادية لما معاييرها ,ولها أعمالها الصحيحة والخاطئة , وقد تكون هذه المعايير والأخطاء ملازمة لها , وقد تكون من ناحية أخرى مستمدة من الأخلاق العامة , أو من نظرة الإنسان إلي عالمه وإلي معني عمله كله , ولا تستطيع الدولة أن تقدم هذا المعني أن تبعده . كما تواجه الدولة صعوبة في الحفاظ علي الروح المعنوية للاقتصاديين وقدراتهم الانتاجية .(8)
الاستجمام :
الدولة لها تأثير كبير علي عملية الاستجمام , أو التسلية والترويج عن النفس داخل المجتمع , وفي هذا المجال يظهر عجز الدولة عن التحكم في مصادرها الأخلاقية , وهذا المجال يظهر عجز الدول عن التحكم في مصادرها الأخلاقية , وهذا يتعلق بمواجهة العمل , وشغل ساعات الفراغ , والفعالية في العمل والبعد عن الكسل و وفنون اللعب هو عالم الحرية , ولهذا السبب يجب معرفة كيفية ممارسة الإنسان الحر لحريته , فلأي غرض تمارس الحرية إن لم تكن من اجل وقت جيد؟ (9)
إن وظيفة هذه الحرية هي الاستجمام , والاسترخاء , وتجديد النشاط وإشعال الطاقة , ولكن لما كان الاستغلال السيء للحرية قد يتجه بدلا من ذلك نحو الإسراف , وضياع الوقت والجهد , وعدم شحن الطاقة , ولما كانت الحرية هي أصل السعادة , يجب علي الدولة أن تحمي حرية الفرد , وتحافظ علي مواطنيها المقدسة , وتعلمهم كيفية الاستخدام الأمثل لها , فالدولة هي المنوط بها توجيه الناس للحصول علي المتعة من دون إسراف أو تهور , وإرشادهم لأوقاتهم السعيدة , والحفاظ علي حرية الاعتقاد , والنشر والكلمة مع الرقابة المستنيرة ؛ فيجب أن تواجه المسرح السيئ بتشجيع المسرح الجاد , والمحافظة علي وسائل الترف والمتعة التي ترفع الذوق العام لدي المواطن , وأن تحمي الشباب من مالتع الضارة .. ولا يجب قتل المفسدين بل عزلهم خارج الدولة والسعي نحو النبالة والحفاظ علي الكرامة والشرف في ضوء قواعد الالتزام , ولطالما ظلت الكرامة بلا قوة تحميها , سوف تظل الدولة بلا حضارة .(10)
القانون :
لا شك أن الدولة تشرع قوانين الهدف منها حماية " حقوق الإنسان" لكن هوكنج يري أن الدولة لا تستطيع تقديم قانون للحقوق , فكل الحقوق المشروعة – علي حد تعبيره – يجب أن تفترض إرادة خيرة, فوجود هذه الإرادة الخيرة هو الشرط الأساسي لكل حق , فلا وجود لحق الملكية وحق الحرية وحق الحياة ذاتها مالم توجد خيرة , ولا تستطيع الدولة أن تقدم هذا الشرط . (11)
وإذا كانت نظرية " الحقوق" هي الأساس في سن القوانين, فإن الدولة الحديثة , شرقية وغربية , ديكتاتورية وليبرالية , غير قادرة علي التعبير عن حقوق الإنسان الطبيعية .(12)
وهذا ما أكده اشفيتسر , حيث أرجع البؤس المخيم علي الأحوال السياسية والاجتماعية إلي هذه الحقيقة , وهي أنه لا المشرعون ولا عامة الناس عندهم فكرة حية مباشرة عن القانون .. وفقد دخلنا عصر أصبح فيه الشعور بالقانون مفقود القوة عديم الروح خالياً من الإحساس بالالتزام الخلقي. إنه عصر يسود فيه انعدام القانون. فالمجالس النيابية تنتج لوائح تناقض فكرة القانون , تنتجها بسهولة وعدم اكتراث . والدول تعامل دعاياها دون رعاية لصيانة أي شعور بالقانون . الذين يقعون تحت وطأة قوة دولة اجنبية يعاملون معاملة الخارجين عن القانون: فلا احترام لحقهم الطبيعي في الوطن وفي الحرية أو المنزل أو الملكية أو الصناعة أو الغذاء أو أي شيء آخر.. لقد أصبح الإيمان بالقانون اليوم أثراً بعد عين. (13)
ونظراً لكل تلك الصور من عجز الدولة الحديثة , أصبح ينظر إليها علي أنها تمثل خطراً كبيراً علي الفرد .. فلقد ضاع في ظلها علي نحو ليس له نظير في التاريخ فالدولة هي صاحبة اليد العليا في عصرنا , وقد بدأنا المجتمع يعيش لها , وهذا ما نلاحظه بوضوح في الحركات الفاشية للجماهير التي تتخذ لنفسها شعار : " إن كل شيء للدولة , ولا يوجد شيء خارج الدولة , ولا يوجد شيء ضد الدولة ".(14)
الهوامش
1- رينية ورمسي : أصول الفلسفتين العلمية والأخلاقية , ترجمة : حافظ صدقي , مطبعة أبي الهول , القاهرة 1924 ،ص ص 89-90
2- W.E Hocking: The coming world civilization harper and brothers publisher, new york, 1997,p-7
3-Ibid,pp-7-8
4- Ibid,pp-8-9
قاررن د.محمود سيد أحمد : مرجع سابق ،ص ص 21-22
5-Ibid,p-10 6-Ibid,pp-10-11 7- - Loc – Cit
97 -Ibid,pp-12-13
98-Ibid,p-13
10- Ibid,pp-13-14
11- د.محمود سيد أحمد : مرجع سابق، ص ص 32-33
12- W.E Hocking: The coming world civilization,p-54
13- ألبرت أشفيتر : فلسفة الحضارة , ترجمة : د. عبد الرحمن بدوي , مراجعة : د. ذكي نجيب محمود , المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر،ص ص 201-202
14- ortega y gasset, jose: the revolt of the masses from lation from the spanish by mildred adams, Norton and company, new york, 1960,p-122







اخر الافلام

.. الشرعية اليمنية.. تقدم على الساحل الغربي


.. الحوثي والخميني.. وجها العملة الواحدة


.. الغرب وإيران .. المعايير المزدوجة




.. ملف القدس.. وزيارة مايك بنس المرتقبة


.. العراق.. من هزيمة داعش إلى نقمة البيشمركة