الحوار المتمدن - موبايل



رحلة شيقة إلى بلاد نفزاوة الساحرة ..بلاد المرازيق الأشاوس

محمّد نجيب قاسمي

2014 / 12 / 27
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


رحلة شيقة إلى بلاد نفزاوة الساحرة ..بلاد المرازيق الأشاوس
في خضم أحداث سياسية متقلبة ووسط صخب أمواج عاتية من النعرات الجهوية الكريهة التي استهدفت توادد أهل تونس ولحمتهم الوثيقة كان قرارنا الحاسم بتنظيم رحلة إلى مدينة دوز بمناسبة عرسها السنوي المتجدد " مهرجان الصحراء الدولي" ليقف شبابنا ، شباب المكناسي، من طلبة وتلاميذ وحتى أطفال على الحقيقة الساطعة التي عرفناها على الدوام من خلال علاقاتنا المتنوعة بأهلنا في بلاد نفزاوة ، بلاد المرازيق الأشاو س الذين يعرفهم القاصي والداني بالطيبة والهدوء وحسن الضيافة وبالأصالة والتجذر في هويتنا العربية الاسلامية وانفتاحهم على العالم ولعل أبسط مثال على ذلك تقاطر الوفود السياحية على ربوعهم من الداخل والخارج .
كانت الرحلة بتنظيم من " الجمعية التونسية لمقاومة الهدر المدرسي ودعم التعلمات" التي يرأسها الصديق المتفقد البيداغوجي بالمدارس الاعدادية والمعاهد الثانوية بدر الدين القمودي.
انطلقت الحافلة فجر يوم الخميس25 ديسمبر2014 على الساعة الخامسة والنصف صباحا بجمع يعدّ 45 فردا من شباب المكناسي منهم الطالب بمؤسسات جامعية بالعاصمة ومنهم التلميذ بمعهدي المكناسي وابن رشد وبالمدرسة الاعدادية ابن خلدون وبالمدرسة الابتدائية شارع الحبيب بورقيبة المكناسي .
ومنذ البداية وحتى لحظات العودة لم تنقطع حناجر الشباب المتقد حيوية وبهجة عن الأهازيج الشبابية والأغاني الطربية ولوحات من الصخب المرح والدعابة اللطيفة والضحكات العفوية البريئة دون خروج عن مقتضيات الأدب والاحترام .
كانت المحطة الأولى مدينة قفصة التي وصلناها قبل مطلع الشمس وكان الطقس شتويا باردا لم نتغلب عليه سوى بتناول وجبة الفطور وشرب قهوة ساخنة وملاحظة الشباب وجود حركة كثيفة في شوارع المدينة التي استيقظت بحيوية ونشاط كبيرين لم يعهدهما شبابنا في مدينتنا الوديعة الهادئة التي لا تعرف النهوض باكرا سوى في بعض عملتها القليلين وخاصة في كبار السن والنسوة المتجهين لجني الزيتون ..
ثم سلكنا طريقنا إلى مدينة قبلي وعبرنا مدينة " القطار" التي تقع في أقصى غرب سلسلة جبال عرباط وبعض القرى الصغيرة...كانت الطريق مهيئة بصورة جيدة وتشق فيافي واسعة على مدى البصر بعضها مليء بشجيرات " الحماضة" المالحة وشجيرات شوكية مختلفة وعبرنا سلسلة جبلية قديمة ذات قمم محدبة وخالية من أي نبات ..وبين الفجاج استوقفتنا دورية أمنية حيتنا بأحسن تحية ثم دعتنا إلى مواصلة السير دون أي تعطيل ..وكم أكبرنا فيهم روح التضحية لديهم في ذلك البرد القارس وسط الهضاب والأودية وسفوح الجبال ..
ولعل ما انبهر له الجميع أكثر هو قطع الجزء الشمالي الشرقي لشط الجريد ..فالطريق اسفلتي أسود يمتد في خط مستقيم عبر مكان شاسع كأنه بحر انحسرت عنه المياه...
..كان الوصول إلى مدينة قبلي حوالي التاسعة صباحا ...ولعل أفضل تحية واجهتنا بها هو ما عليه الشوارع والساحات من نظافة لم نعهدها في نظيراتها ببقية مدن تونس وقراها خلال السنوات الماضية وحتى التي قبلها ..انتشر الشباب فتيانا وصبايا ،زرافات ووحدانا في المدينة ..وكانت كلمة السر التي أشرنا بها عليهم : " أهل المدينة طيبون وهم جميعا أهل لكم ..فتعاملوا معهم بكل أريحية ولا تخشوا شيئا " .
تجولوا حيث أرادوا ..التقطوا الصور التذكارية ...دخلوا واحة النخيل ..شاهدوا جني التمور وتلقوا بعض الهدايا ...تناولوا وجبة الغداء ..سحروا بالمكان ولاسيما بدماثة أخلاق الناس كبارا وصغارا ، ذكورا وإناثا ..واستمتعوا بعذوبة اللهجة الجنوبية ..
ثم كان الانطلاق عند الساعة الواحدة ظهرا نحو مدينة دوز ...ومررنا بقرية وادعة هادئة تدعى " جمنة " فتذكرت صديقي العزيز جلال عبد القادر ابن تلك الربوع والمقيم بالعاصمة فهاتفته بمناسبة مروري بمسقط رأسه.. وكم كان سروره بذلك عظيما وعبّر عن رغبته في أن يكون معنا ودعانا إلى أن نعيد الاتصال به عند الضرورة .
كان في استقبالنا بمدخل مدينة دوز شاعرها الكبير وشاعر تونس والوطن العربي الشهير جمال الصليعي ...تربطني به شخصيا علاقة صداقة قديمة وتربطه أكثر بالمكناسي وعدد كبير من أبنائها علاقات وطيدة ..فهو من الشعراء الذين أثثوا على مدى سنوات طويلة الأمسيات الشعرية الشيقة التي كانت تنظمها "جمعية الملتقيات العلمية والفكرية بالمكناسي" التي ساهمت مساهمة فعالة في دفع الحركة الثقافية بالجهة وساهمت بالتعريف بها لدى الكثير من الشعراء والأدباء والأساتذة الجامعيين من مختلف الاختصاصات .
كم كان سرور الرجل بنا عظيما ... فقد أبدى حفاوة كبيرة واستعدادا لا نظير له لأن يخدمنا بما نرغب وتيسير لنا كل الظروف ...تلك هي أخلاق الشعراء الكبار ، تلك هي أخلاق المرازيق الأحرار ، تلك هي طبيعة أهلنا في الجنوب ..
جمال الصليعي شاعر فحل ، صاحب كلمة جزلة قوية وذو معاني عميقة وله القاء جهوري ساحر ممتع ..ملأ ساحات الشعر كلها في تونس وخارجها وشغل جمهورا واسعا من محبي الشعر والطلبة والنقابيين وغيرهم وما يزال ..وآخر ما كُتب عنه دراسة علمية نقدية للأستاذ محمد الجوا وجمع بينه وبين الشاعر الكبير محمود درويش وكان لي شرف اهدائه المجلة التي حوت ذلك المقال واشتريتها صبيحة ذلك اليوم من أحد أكشاك مدينة قفصة و لكني نسيت اسم المجلة وعنوان المقال ..
في دوز كانت وجهتنا الأساسية ساحة المهرجان فعبرنا المدينة التي ازدانت بالأعلام ولافتات الترحاب والزوار وسط زحمة سير خانقة ولكن هادئة فلا تسمع صياحا ولا منبهات السيارات ولا احتجاجات المتوقفين بسبب الاكتظاظ .وكم كان المشهد بديعا في الطريق الضيق الذي يشق واحة النخيل الباسق.
كان الحشد عظيما خارج ميدان العرض وداخله ...مهرجان على هامش مهرجان ...في الداخل مدارج عظيمة تكتظ بآلاف المشاهدين وكراسي حسنة الاستطفاف لمثلهم ..عروض متنوعة ولوحات شيقة لسباق المهاري و " زاوية دوز البيضاء" والعرس التقليدي وصيد السلوقي و "المداوري " ...خيول وإبل و أزياء صحراوية بألوان زاهية وأهازيج عذبة ...لم أواكب شخصيا كل ما جرى من عروض لرغبتي الشديدة في مواكبة العروض العفوية التي نظمت على هامش المهرجان في الخارج..
لا يجب أن أنسى أن ساحة العرض اختيرت بعناية فهي تقع على تخوم الكثبان الرملية التي تعلن عن بداية الصحراء الافريقية الكبرى ..تلك الصحراء التي تضاهي المحيط ..تفوق مساحاتها ملايين الكيلومترات المربعة..
خيام مهيأة بشكل منظم فيها تعدّ الكسرة "المطبقة" على عين المكان وتعرض على الآكلين بأسعار مناسبة وفي جلسة بدوية رائعة ..كؤوس الشاي ...لعب أطفال ...أشياء كثيرة لا أستحضرها ...دراجات رباعية الدفع " الكواد" للكراء ..خيل وإبل لمن يرغب في امتطائها ...صور تذكارية
ما شد انتبهنا انعدام ذلك الالحاح الكبير على الحرفاء في الشراء الذي نجده في الكثير من المواقع الأخرى وكذلك انعدام أي أثر للخصومات والمشادات والمشاكسات ومحاولات السرقة أو الغش أو النشل .ورغم وجود قوات الأمن بكثافة فلم نلحظ أي تدخل منها ..بل كل شيء يسير بسلاسة وهدوء وانضباط ورقي ومعاملة لطيفة .
مرح شبابنا وانشرح ..استمتع بالفرجة واللعب ...كوّن صداقات بسرعة ...كانوا آخر المغادرين ...تشبثوا بالمكان وبأهل ذلك المكان ..
دوز بلدة طيبة وأهلها كرام ..
حوالي الساعة الخامسة كانت نهاية فعاليات اليوم الافتتاحي للمهرجان .ورغم ضخامة الحشد بشرا وسيارات وحافلات وخيل وابل فسرعان ما كانت النفرة هادئة يسيرة منظمة بلا حوادث ولا أبسط المشاكل ..
وكان ذلك اعلانا عن بلوغ الرحلة مراحلها الأخيرة ..ودقت ساعة العودة ..وكانت مشاعر شبابنا تتنازعها البهجة والانتشاء وواجب الانضباط لتراتيب الرحلة القاضية بالعودة دون تأخير كبير اعتبارا لطول المسافة وظروف السائق المهنية والشخصية وانتظار العائلات ..
وعلى ذكر السائق ......بن الوردي بحرية غابري لا يفوتنا أن نوجه إليه كل التحية والتقدير فهو كغيره من سواق الحافلات بالمكناسي والذين عرفناهم خلال رحلات كثيرة الى مدن عديدة يتسم بسعة الصدر ورحابته ودماثة الأخلاق والسياقة الرصينة الهادئة ..كان لطيفا ودودا بشوشا مع الجميع و"تحمل" مثلما "تحملنا "صخب الشباب وأهازيجهم ومرحهم في جو من الاحترام والانضباط الشديدين .
وكان الوصول الى مدينة المكناسي على الساعة التاسعة والنصف ليلا ..
فشكرا لكل الشباب الذين شاركوا في الرحلة وكل الذين هفت نفوسهم للمشاركة فيها وكل التحية التقدير لمن ساهم في انجاحها ونخص بالذكر الأولياء جميعا والصديقين بدر الدين قمودي وعادل عمري مدير دار الشباب بالمكناسي والناجي غابري عن الشركة الجهوية للقوافل ..
وإلى رحلة قادمة الى مدينة أخرى من ربوع تونس الخضراء ..
وستجدون هناك مشاهد مغايرة ولكن أهالي كرام أيضا كأهل الجنوب .

المشرف على الرحلة الأستاذ محمد نجيب قاسمي







اخر الافلام

.. ما هي آمال الشباب الجزائري بعد رحيل بوتفليقة ؟


.. ما الذي كان يحصل داخل مخيم الباغوز قبل سقوط داعش؟


.. انقسامات حزب الجزائر الحاكم.. بين رفض خارطة الطريق والتمسك ب




.. بريكست.. مؤامرة وزارية تهدد تيريزا ماي


.. قمة القاهرة الثلاثية.. مكافحة الإرهاب وداعميه أعلى سلّم الأو