الحوار المتمدن - موبايل



شهداء حافلة الجنوب المغربي.. أطفال لا حكومة لهم

نبيل بكاني

2015 / 4 / 18
حقوق الانسان


قبل عام، استأجر رئيس الوزراء المغربي، عبد الاله بن كيران، طائرة جهوية لنقل فريقه الوزاري من الرباط نحو مطار "الراشدية" بالجنوب، لحضور جنازة الطالب المنتمي لحركة التجديد الطلابي، المعروفة كذرع طلابي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، والذي ينتمي اليه رئيس الحكومة، اثر مقتل الطالب في أحداث جامعة فاس. الجميع والى اليوم يتذكر كيف خلف الحدثين تنديدات واسعة في صفوف المواطنين، سواء الحدث المتعلق بمقتل الطالب في ظرف شهد تشنجا بين الفصائل الطلابية داخل الجامعة، أو الحدث المتعلق باستئجار رئيس الحكومة الطائرة، لغرض تميزه العلاقة الحزبية.

اليوم، وبعد كل هذه الأشهر التي مرت على الواقعة، تعود بنا الذاكرة مرغمين، لاحياء صفحات من مذكرات الحكومة الاسلامية التي أكدت بما لا يدع مجالا للشك، على عدم قناعتها بمبدأ المواطنة الذي يتحتم توفره كاطار ظامن للمساواة بين المواطنين داخل الوطن في ظل الدولة المدنية التي كانت الشعار الأيقونة في تظاهرات 2011 الاجتماعية.

قبل أيام، وعلى وقع المأساة التي راح ضحيتها، حرقا، 33 شخصا، من بينهم 21 طفلا كانوا في رحلة رياضية، بضواحي مدينة طانطان الجنوبية، بعدما صدمت حافلتهم شاحنة لنقل البنزين؛ اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي تنديدا بالأسباب التي كانت وراء الحادث؛ موجهة اتهامات لاذعة للحكومة، خاصة وأن نائبة بالبرلمان المغربي عن المعارضة نبهت في وقت سابق، وزير النقل والتجهيز الى الحالة المتدهورة للطريق التي وقعت بها الحادثة، كما خلفت الواقعة غضبا وحزنا كبيرين في نفوس المغاربة.

البعض أرجأ الحادثة الى أسباب بنيوية تتعلق باهتراء البنية الطرقية، والبعض الآخر نسبها الى الفاعل البشري، وفيما اتهم آخرون عصابات تهريب البنزين عبر الحدود الجزائرية/ المغربية، والتي عادت تتم باستعمال عربات مهترئة ولا يلتزم سائقوها بقانون المرور، عزى آخرون الفاجعة الى الأقدار السماوية.

لن نعيد فتح نقاش تقني في هذه المقالة حول الأسباب والمسببات، خاصة وأن التحقيق مازال مجمدا في غياب تواصل اعلامي بين مسؤولي وزارة الداخلية والمواطنين. ولكن هنا، سنحاول بقراءة ذات بعد انساني ملامسة الموضوع، وفق منطق المواطنة والحقوق الانسانية، التي يتوجب أن تسود العلاقة بين القيادة والشعب. ذكرنا أنه قبل مايزيد عن السنة استأجر رئيس الحكومة طائرة نقل صغيرة رغبة في مواساة وتقديم العزاء المعنوي لأهل القتيل الجامعي، وحينها درف وزير التعليم العالي، حسن الداودي، دموع الحرقة والحزن. وفي هذه السنة، وعلى اثر موت وزير الدولة، عبد الله باها، في حادث دهس قطار، كتب وزير الاتصال، مصطفى الخلفي المتحدث باسم الحكومة، على فيسبوك هذه الجملة " بعين دامعة وبقلب حزين تلقينا نبأ وفاة الأستاذ عبد الله بها، وزير الدولة، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مساء اليوم الأحد ببوزنيقة، جراء تعرضه لحادث دهس من قبل قطار أثناء معاينته مكان وفاة الأستاذ أحمد الزايدي رحمه الله". وأيضا قبل حوالي السنة وقعت حادثة مرورية لحافلة كانت تقل مسافرين في منطقة "تيشكا" المهمشة جنوب مدينة مراكش السياحية، راح ضحيتها 42 شخصا، حينها لم تكلف الحكومة نفسها عناء تقديم التعازي لذوي القتلى، ولم تفكر في اعلان حالة الحداد العام حزنا على الضحايا. وما يتذكره الجميع، أن رئيس الوزراء، صرح معقبا على الموضوع، بأنه قد فكر في تقديم استقالته كرد فعل مسؤول ورسمي على الوضع الخطير الذي يعرفه المغرب في مجال حوادث السير، أو ما يصطلح عليه وطنيا ب "حرب الطرق".

خلال الأسبوع الفارط، وبعد الفاجعة التي راح ضحيتها الأطفال الصغار في طريقهم لحضور تظاهرة رياضية، توارت الحكومة الى الخلف صامتة صمت القبور، وغرس وزير النقل السيد عزيز رباح رأسه في التراب صائما عن الكلام الى أن تمر العاصفة. كان من المأمول أن تبادر الحكومة الى اعلان الحداد العام، وتنكيس الأعلام الوطنية في المؤسسات العمومية والمصالح الديبلوماسية الخارجية، حزنا وتضامنا مع الأهالي في المصاب الوطني الجلل الذي اهتزت له نفوس المغاربة. كان من المنتظرأيضا، أن توفد الحكومة ممثليها الوزاريين الى عين المكان، أولا لضمان الاسعافات الضرورية لغير القتلى ولتأمين سير مناسب لنقل الجثث، وكذا للاعراب عن التضامن الرسمي مع الأهالي، واثبات مبدأ الدولة الوطنية، المتضامنة مع مواطنيها بعيدا عن أي روابط اثنية أو حزبية أو عرقية... وهو على الأقل، كما يفهم من ديباجة الدستور، التي تقول بأن الدولة ملزمة بمواصلة ارساء دعائم مجتمع متضامن.

وهكذا اذن، فقد أكدت الحكومة بصفتها التنفيدية داخل الدولة، غياب مبدأ التضامن والتآزر الذي يظل أساس الحكم الرشيد في تدبيرها لشأن عام، وضعف قدرتها على تعزيز مفهوم الديموقراطية داخل الدولة وبين مكونات المجتمع. بل ان انعدام ثقافة الانسانية هو ما ميز التعامل الحكومي مع الفاجعة، والتي حل عوضها النفاق والرياء وازدراء الذات البشرية والانسانية. فالأطفال الذين ماتوا، يمثلون الوطن بانسانيته، بوطنيته، بتضامنه، في شموليته وفي كل تجلياته. هؤلاء الشهداء الصغار بأعمارهم، الكبار بانسانيتهم، هم أوسع من أن يُصنفوا ضمن حيز سياسي ضيق، أو يُخندقوا في ركن ايديولوجي أو قطبي معين. هؤلاء الأطفال هم ضمير هذا الوطن، هم حاضره ومستقبله، وهم يقضة مشاعره. وبغياب القيادة عن اللحظة التي هزت مشاعر الملايين، ورفضها اعلان تضامنها الرسمي أو فرض حالة الحداد وتوشيح مؤسسات الدولة بالسواد، وفي مقدمتها قنوات الاعلام الرسمي، واقامة صلاة الغائب في مساجد المملكة خاصة وأن الفاجعة حدثث في صباح يوم الجمعة، أثبتت قيادة الدولة أن سياستها بعيدة كل البعد عن كل شعارات المواطنة والعدالة الاجتماعية بل هي في منئى حتى عن الحس الانساني والقيمي الذي هو الرأسمال الحقيقي للوطن، وهو الرأسمال الذي لن يستطيع بن كيران اقتراضه من صندوق النقد الدولي أو من باقي المؤسسات المانحة، أو يستطيع استخلاصه بواسطة سياسة الرفع من الأسعار وخفض الدعم الحكومي على المنتجات الأساسية التي تنهجها حكومته، ومنها الزيادة في أسعار المحروقات والتي فتحت بابا آخر لتهريب هذه المادة الحيوية من طرف عصابات التهريب عبر الحدود الشرقية.

نبيل بكاني
صحفي مستقل
Bakani1@hotmail.fr








اخر الافلام

.. مفوضية اللاجئين في لبنان: 88% من اللاجئين السوريين في لبنان


.. هيومن راتس تتهم حماس والسلطة باعتقال المعارضين والتنكيل بهم


.. الحلقة الرابعة👑--;-- المعرفيون بمواجهة الخوف في كورد




.. تقرير جديد يتهم حركة حماس باعتقال بعض الناشطين والصحفيين في


.. الأمم المتحدة تعتبر قرار فرنسا منع ارتداء النقاب انتهاكا لحق