الحوار المتمدن - موبايل



في قضية -مثليي-الرباط، الدولة تشجع على التطرف..

نبيل بكاني

2015 / 6 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


قام شابان، وُصفا بأنهما مثليين، يوم الأربعاء الفارط، بتبادل القبل على مشارف مئذنة حسان الأثرية، وقد كانا بمعية مواطنة اسبانية، حسب بلاغ وزارة الداخلية، ليتم توقيفهما. وكانت السلطات قد قامت بترحيل ناشطتان فرنسيتان من حركة "فيمن" يوما قبل ذلك، بعد كشف صدريهما بنفس الفضاء، احتجاجا على "انتهاك" حقوق المثليين في المغرب.

وفي الوقت الذي اكتفت السلطات بترحيل الناشطتين الى بلديهما الأصلي مع اصدار قرار منع دخولهما التراب الوطني مجددا، فانها بالمقابل قامت بايداع الشابين اللذان لا يحملان جوازات سفر أجنبية، السجن. هذه الخطوة وان بدت مثيرة للتساؤل حول هذا التعامل التمييزي بين المواطن المغربي والآخر الأجنبي من طرف السلطات المغربية، الا أن الأمر يظل شبه عادي في بلد لم تنضج الديموقراطية داخل مؤسساته بعد. لكن الأمر الخطير والذي لا يجب أن يمر دون حساب، هو ما تلى حالة الضبط والاعتقال، حيث عمدت وزارة الداخلية في بيانها الى ذكر الشابين المعتقلين بالاسم والعنوان ثم توزيع صورهما على الصحف والمواقع، في ضرب صارخ للقانون الذي من المفترض فيه حماية الأفراد مهما كانت التهم الموجهة اليهم.

وفي رد على ما اعتبر اخلالا بالحياء العام، قام مجموعة من الشباب بتنظيم مسيرة تنديدية بالواقعة. صدقا، لا أدري ان كانت هذه المسيرة عفوية؛ شباب محب لوطنه وقيمه ودينه؛ أم أن للسطات يد فيها، رغبة في بعث اشارة الى السلطات الاسبانية، التي توجه لها الحكومة المغربية اتهاما ضمنيا بالضلوع في الواقعة.

بغض النظر، ان كنا متفقين مع ما قام به الشابان أم لا، كما أنه من حق الشباب الغاضب مما أقدم عليه الشابان "المثليان" التعبير بأي شكل احتجاجي مناسب، شريطة الالتزام بمبدأ السلمية. لكن المثير في القضية، أن السلطات وأجهزة وزارة الداخلية، التي عودتنا كلما تعلق الأمر بوقفة احتجاجية، كيفما كان نوعها، وسواء كانت مطالبة بخدمات اجتماعية بسيطة أو فك عزلة اجتماعية عن حي ما أو بلدة نائية، أو كانت وقفة حقوقية تنظمها احدى الجمعيات الحقوقية تنديدا بالأوضاع الحقوقية، الا ووجدت العشرات، ان لم نقل المئات من عناصر الشرطة من مختلف التلوينات، مدججين بمختلف وسائل الردع، ولن نبالغ اذا قلنا، أن عدد عناصر الأمن في كثير من الأحيان يكون أكثر من المظاهرة، اضافة الى عشرات المذرعات والعربات الخاصة بالتدخل السريع والتي تكون منتشرة في محيط التظاهرة.

ولكن ما رأيناه من خلال فيديوهات المسيرة الشبابية التي قيل، حسب مواقع الكترونية، أن المشاركين فيها شباب من الحي الذي يسكنه أحد المثليين المذكورين، فقد كانت خالية من أي تأمين لعناصر الشرطة، على الرغم من اختراق المسيرة لأزقة ضيقة بأحد الأحياء الأكثر شعبية بالعاصمة الرباط، والخطير في الأمر أن منظمي الوقفة تعمدوا الوقوف أمام مسكن أحد الشابين "المثليين"، وترديد عبارات ذات حمولة قوية ولا تخلوا من اشارات قد تخلف تداعيات قد تكون غير محتملة العواقب، من قبيل"الاسلام في خطر".. كما تم رفع صور الشابين في خرق فاضح وسافر للحماية المعنوية والجسدية التي من المفروض أن القانون ومؤسسات الدولة تحميها.

كانت الدولة غائبة تماما، منذ انطلاق المسيرة حتى نقطة نهايتها، فعلى الرغم، مما قد يترتب من انفلات أمني، ومن تعريض للشاب المعني لخطر جسدي قد يمس حياته، هذا اذا افترضنا وجوده ساعتها بالبيت، علما أنه موقوف احتياطيا، فضلا عن الخطر المحتمل الذي قد تتعرض له عائلته وأهله، بغض النظر، حول ما ان كانوا مع، أو رافضين لمثلية ابنهم أو لسلوكه في فضاء حسان.

قبل أزيد من ثلاث سنوات، خرج المئات من المواطنين، في قرطاج منددين بعرض قناة نسمة لمشاهد من فيلم ايراني/ فرنسي بعنوان "بيرسيبوليس"، لاحتوائها على تجسيد للذات الالهية، وكنا حينها نتابع في التلفزيون كيف كادت الأوضاع تخرج عن السيطرة، حين حج هؤلاء المحتجون الى محيط منزل نبيل قروي، مالك قناة نسمة، رافعين شعارات دينية قوية، لتزداد عنفية المشهد، حين عمد بعض المتظاهرين الى رشق المنزل بالحجارة، وترويع ساكنيه، بمختلف أعمارهم، كان يجري ذلك تحت أنظار السلطة الحاكمة، وفي غياب تام للدولة، ممثلة في مؤسساتها الأمنية. فبدل ان تتوجه المسيرة نحو مقر القناة للتعبير عن رفض فئات من المجتمع التونسي، في اطار سلمي، وهذا حق لهم بلا جدال، وبغض النظر حول ما اذا اتفقنا معهم او اختلفنا، فقد اختارت، أو على الأرجح سُيرت المسيرة نحو مسكن خاص يضم في دواخله مواطنين، أطفال ونساء وربما أيضا عجزة. كانت تلك الواقعة بداية منعطف جديد، سيقود البلاد نحو المجهول (لولا الألطاف الربانية).

بعدها، خرجت أصوات تنبه الى الخطر الغير محسوس، والذي يترصد البلاد والمجتمع، لكن السلطة الحاكمة فضلت صد أذانها، وبدل أخذ الموضوع بجدية اختارت التهوين من الواقعة.

و أمام عدم الاكتراث واللامبالاة، وجدت بعض الأصوات الفرصة سانحة، لنشر أفكار التطرف والكراهية. مازلنا نتذكر ذلك الخطيب في مدينة جرجيس، سنة 2012، الذي ظهر في فيديو وهو يحرض ضد نجيب الشابي وشكري بالعيد، مطالبا برأسه. الجميع يتذكر نتيجة استهتار الأجهزة الأمنية التي لا يمكن لها أن تتوانى أمام أوضاع بهذه الخطورة اذا لم تكن هناك تعليمات من الوزارة الوصية (الداخلية)، تدعوها للتراخي، كانت النتيجة التي يعلمها الجميع اغتيال بلعيد ثم محمد البراهمي، الشيء الذي قاد الوضع السياسي في البلاد الى منحى آخر كانت نهايته تنازل النهضة عن السلطة، دون أن يتم اقصاءها من المشاركة السياسية، في واحدة من أهم لحظات الوعي التونسي.

ان المفترض في الدولة، بمختلف أجهزتها، أن توفر الحماية للمواطن، حتى ولو كان متهما بجريمة، ومهما كان نوعها أو حجمها. فدور المؤسسة الأمنية هو تنفيذ القانون والحرص على تطبيقه واحترامه من طرف المجتمع وحماية الفرد، وليس من حق السلطات الأمنية محاسبة أي شخص كيفما كان الوضع، أو تحت أي طائلة، أو معاملته انطلاقا من صفته أو جنسه أو عرقه... لأن القضاء وحده، المخول له محاسبة الأفراد وفق ما يقره القانون ضمن محاكمة تكون مستقلة عن تدخل، أي سلطة، سياسية كانت أو ادارية أو مالية أو طائفية...

لطالما خرج مسيروا الشأن الوطني، في ردودهم على العنف الذي تواجه به الوقفات التي تنظم أمام البرلمان مبررين عنف قوات الأمن، بكون تلك المظاهرات غير مرخصة، وأن تفريقها يحتمه مبدأ الحفاظ على الأمن العام. ونحن نتكلم هنا عن مسيرة، وليس وقفة تابثة، اخترقت زقاقات ضيقة في حي شعبي، وأي مضطلع بقانون الحريات العامة، سيجزم بأن المسيرة قد انطلقت من دون ترخيص، فكيف لسطة عمومية أن تتحمل مسؤولية ترخيص لمسيرة داخل حي شعبي مكتض وفي مسارات ضيقة تغيب فيها أبسط شروط الأمن، بل مع تغييب الحضور الأمني وهو ما يضع وزارة الداخلية المغربية في موضع الاتهام، واذا افترضنا وجود ترخيص، فكيف اذن يتم الترخيص لمسيرة بكل ما يحمله الموضوع من شحن "عاطفي"، في حي شعبي وعلى مقربة من مسكن خاص.

لو طرحنا سؤالا: ماذا لو لم تكن هذه المسيرة التي انتهت بوقفة تنديدية، أمام مسكن الشاب، وكانت أمام منزل رئيس الحكومة، مثلا، أو أي مسؤول آخر، أو في محيط منشأة حكومية؟ هل كان سيتم تركها دون انزال لقوات الأمن وتأمين ومرافقة أمنية؟ الجواب طبعا معروف، علما أن في المغرب قانون واحد، وليس اثنين، ونظريا القانون يحمي الجميع، مؤسسات وأفراد وجماعات، بغض النظر عن طبيعتهم.

أخذ السلوك الذي قامت به ناشطتا"فيمن" بباحة حسان، بعدا سياسيا، بعد أن رأت الجهات الحكومية في ذلك محاولة للتأثير على اتفاقية التعاون القضائي التي ترفضها أكثر من جهة حقوقية داخل فرنسا.

استغلال القضية سياسيا واقحام أجهزة الدولة دون احترام لحقوق المواطن وأمنه الجسدي هو مس بدولة القانون والمؤسسات، أو الدولة المدنية المواطنة، التي يحاسب فيها الفرد أمام القضاء النزيه، ويتمتع فيها الانسان بكامل ظروف الحماية و الأمن حتى في أقصى الأحوال، مع ضمان تام للحريات ومنها حرية التعبير وفق القانون، فالاحتجاج هو حق انساني مشروع، قبل أن يصير من الحقوق الدستورية أو القانونية للفرد، ولا يقبل عاقل طبعا، أن ينادَى بمنع أشخاص من تنظيم شكلهم الاحتجاجي، لكن من واجب الدولة، حسب ما ينص عليه دستورها وقوانينها والتزاماتها الكونية، أن تضمن للفرد أو الهيأة أو المؤسسة التي يُحتج ضدها أو بالقرب منها، سواء كان مواطنا أو مقيما، أو كانت هذه الهيأة حكومية أو قطاعا خاصا أو منشأة حزبية أو نقابية أو غيرها، أن تضمن أمنها المعنوي والمادي، وأن لا تشارك الدولة، سواء بشكل مباشر أو عن طريق التغاضي والتساهل في تطبيق النصوص القانونية، في فعل قد يشكل خطرا على الآخرين، والمثال هنا صارخ، حيث الوقفة تمت مباشرة أمام مسكن أسرة الشاب والتي ليس لها أي دخل بما حدث أو بمثلية ابنها، اذا افترضنا أنه حقا مثلي الجنس.

ان حماية الأقليات هو من واجبات الدولة، التي يفترض أن تحول دون انتهاك لحقوقها (الأقليات) من طرف مواطنين آخرين، وأن القانون يطبقه من يملكون صلاحية تنفيده، ولا يُقبل أن تُتخذ الأعراف مكان القانون، أو أن يمنح الفرد، نفسه حق تطبيق القانون أو تطبيق "قانونه" الخاص، على الآخرين، كما يتوجب على الدولة أن تحول دون افساح المجال لأي انتهاك للحياة الخاصة للأفراض في حالة اتهام أو توقيف، خاصة وأن القضاء لم يقل كلمته في حقهم، ولم يحسم في موضوع مثليتهما، وهو الاتهام الذي وجهته وزارة الداخلية لهما متجاوزة سلطة القضاء، كما أن المنسوب اليهما، لا يصل درجة جرائم كبرى في حق أشخاص متضررين فعليا وبشكل مباشر، حتى تمنح "الداخلية" نفسها حق نشر صورهما وتوزيعها على المواقع الالكترونية.

ان سلوكيات مثل هذه وتوظيف هذا الخطاب الذي لا يخلو من كراهية واستعمال للدين، والتحدث باسم الاسلام سيؤدي بلا شك اذا ما فتحت له الأبواب الى حوادث وخيمة، ولنا كما ذكرنا سابقا، ماحدث في تونس في وقت سابق. ان الدولة وسلطتها التنفيذية (الحكومة) وبكل أجهزتها تعتبر شريكة في التشجيع على الكراهية والخطاب المتطرف، الذي يستهدف الأفراد الذاتيين ويشير لهم بالأسامي والصور ويخترق محيطهم السكني، وهو مثال بشع للواقع الحقيقي، للدولة التي تتغنى بحقوق الانسان وبالمواطنة. وجب اذا محاسبة الأجهزة المتدخلة، لأننا جميعا، نريدها وبكل بساطة دولة مدنية.

bakani1@hotmail.fr







اخر الافلام

.. قمة رئاسية لبحث سبل مكافحة بوكو حرام


.. أقباط مصر يناشدون السيسي لحل مشكلاتهم


.. وزير الآثار ينفي شائعة ترميم المعبد اليهودى بـ -مليار ونصف ج




.. حوار الساعة | باسل قس نصر الله - مستشار مفتي الجمهورية ...


.. عاصمة القرار - الحرية الدينية في الشرق الأوسط