الحوار المتمدن - موبايل



مفهوم الحضارة

ابراهيم طلبه سلكها

2015 / 6 / 18
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


مفهوم الحضارة

حظيت " الحضارة " باهتمام العديد من المفكرين سواء كانوا علماءاجتماع أو علماء نفس أو علماء أنثروبولوجيا ، أو علماء لغة أوعلماء دين ، أو فلاسفة .. ألخ . كما نجد عند ابن خلدون فى " مقدمته" ، والأديب الانجليزي ماثيو ارنولد في كتابه "الحضارة والفوضى" والكاتب الأمريكي دبروكس آدموز فى كتابه "الحضارة والاضمحلال" ، و بوركهارت فى كتابه " تأملات فى التاريخ" والمفكر االألماني ماكس نوردو فى كتابه "الانحلال" و الفيلسوف الألمانى شبنجلرفى كتابه "انحلال الغرب" و فرويد فى كتابه "عصر الحضارة" ، و كارل كروس فى كتابه "الأيام الأخيرة للنوع البشري" و جرانت فى كتابه "زوال الجنس العظيم" 1916م والفيلسوف وعالم النفس كولن ولسون فى كتابه "سقوط الحضارة" و الفيلسوف الألماني البرت اشيفتسر فى كتابه "فلسفة الحضارة" وفيلسوف التاريخ والحضارة ارنولد تويني فى كتبه : "الحضارة في الميزان " و "الحضارة على المحك" ، و" دراسة فى التاريخ" و هنتجتون فى كتابه "صدام لحضارات" و روجيه جارودى فى كتابه "حوار الحضارات" و فوكوياما فى كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" و اولفين توفلر فى كتابه "حضارة الموجة الثالثة" و توماس سي ـ باترسون فى كتابه " الحضارة الغربية .. الفكرة والتاريخ" و ارتثر هيرمان فى كتابه "فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي" و ريمون آرون فى كتابه "فلسفة التاريخ النقدية " ، و رولان بريتون فى كتابه "جغرافيا الحضارات".
يعتبر مفهوم الحضارة من أكثر المفاهيم صعوبة في التحديد، وذلك بفعل التطور الدلالي الذي حظي به عبر تاريخ الحضارة نفسها، ولعل من أهم أسباب الاختلاف في تعريفها أيضًا ما يرجع إلى الخلفية الفكرية لصاحب كل تعريف، والمنظور الذي يقدم من خلاله تعريفه، وكذلك تكوينه العلمي وزاده المعرفي؛ فالمؤرخ، والأنثربولوجي، وعالم الاجتماع، واللغوي، وعالم النفس، كلٌّ يعرفها انطلاقًا من أرضيته الفلسفية ومنظوره المعرفي الذي ينظم أفكاره. ونتيجة لحيوية التنقيب والبحث في حقل الدراسات الحضارية، ظهرت تعريفات متعددة ومتنوعة لظاهرة الحضارة. كما أن هناك تعريفات ولدت ضمن إطار الوعي العقدي الغربي وأخرى صيغت استجابة للوعي العقدي التوحيدي.(1)

فلقد رأى البعض أن العرف جرى على اعتبار أن لفظي "المدنية والحضارة" مترادفين عربيين لمفهوم كلمة Civilization، ولكن العلوم الإنسانية الحديثة تقصر مصطلح المدنية على المستوى الراقي من حياة المجتمع المادية التي تتمثل في العمران وتخطيط المدن وتنظيمها وتوافر مرافقها، والتنوع والتفنن في مطالب الحياة الضرورية والكمالية، من مأكل ومشرب، وملبس، ومسكن وترويح للنفس. أما الحضارة: فمصطلح يطلق على النواحي الفكرية والخُلقية والاجتماعية من حياة المجتمع، التي تتمثل في العلوم والآداب والفنون ونظم الحكم ودساتير السلوك والآداب والتقاليد والأخلاق العامة والعقيدة الدينية. ولقد رأى البعض أن معنى الحضارة يشمل نتاج العقل والفكر ممثلاً في الكتب والصور والعقائد والمعارف والنظم الاجتماعية والسياسة والمعاني الضخمة الجميلة والسلوك الحميد ووسائل النقل والسفر..إلخ. ومعنى هذا أنها تشمل الدين واللغة والأخلاق والعلوم والفنون والصناعات والعادات، فهي إذن ثقافة أو طابع يتسم به جماعة كبيرة من الناس فترة من الزمان. وعلى ذكر الثقافة، فإن معظم الباحثين اليوم يتفقون على أن كلمة ثقافة عندنا ـ في اللغة العربية ـ تقابل ما يسميه الغربيون Culture فبين اللفظين شبه في أصل المعنى، وكلتاهما تعني التهذيب والتربية والتنمية، ومن هنا أصبح المدلول العام لكل من هاتين الكلمتين العربية والإفرنجية الجانب الروحي المعنوي من حياة الفرد والجماعة( .(2)

أولا- تعريف الحضارة لغة :
الحضارة بكسر الحاء وفتحها – تعني الإقامةفي الحضر وإن مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتاعي في الحضر .. جاء في القاموس المحيط: "أن معناها من حضر وهو ضد غاب والحاضرة والحضارة خلاف البادية ".(3) وجاء في لسان العرب المعاني التالية: الحضور نقيض المغيب والغيبة، والحضر خلاف البدو، والحضارة الإقامة في الحضر الحاضرة الحي العظيم..(4)

والحضر خلاف البدو، والحاضر خلاف البادي، وفي الحديث: "لا يبيع حاضر لبادٍ". ولما سئل عبد اللّه‏ بن عباس عن ذلك قال: "لا يكون الحاضر سمساراً له"، وهذا منهي عنه لما فيه ضرر المشتركين، فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة الناس إليه، والقادم لا يعرف السعر ضرّ ذلك المشتري فقال عليه السلام: "دعوا الناس يرزق اللّه‏ بعضهم من بعض" وهذه إشارة إلى ما بين البداوة والحضر من اختلاف. و"حضر"الغائب حضوراً : قدم ، ويقال حضر فلان – حضارة أقام في الحضر. و"حاضر"القوم أي جالسهم وحادثهم بما يحضره . ومنه فلان حَسَنُ المحاضرة. و"الحاضرة" خلاف البادية ، وهي المدن والقرى والريف . والعاصمة وحاضرة الشيء : القريبة منه ، وفي القرآن الكريم -;-واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر -;-(الأعراف/ آية 136).

فالحضارة في عرف اللغة كما رأينا ترتبط بالحضر، والعمران، أي أن المصطلح من ناحية اللغة العربية ذاتها يحمل المعنى الاجتماعي، وذلك عند اعتبار الحضارة علامة على الحضور والإقامة والاستقرار، وهذه كلها تحمل معاني اجتماعية، فإذا سكن الناس واستقروا نشأت بينهم صلات اجتماعية أكثر، وارتبطت مصالحهم، ونشأت بينهم سبل التعاون، واتجهوا إلى بناء المدن والإبداع والانتظام والتنظيم. فالحضارة في جذرها اللغوي تعنىَ وتُركز على الجانب الاجتماعي، وكأن اللغة تشير إلى أن الحضارة مفهوم اجتماعي منذ نشأته، كما أنها لا تكون إلا حيث توجد علاقات اجتماعية متبادلة بين الناس تظهر فيها معاني التعاون والتنظيم والانتظام في إطار مكاني محدد هو المدينة، ولعل هذا فيه إشارة لاهتمام النبي -صلى الله عليه وسلم- بتسمية (يثرب) باسم (المدينة)، بما يتضمنه لفظ المدينة من قيم اجتماعية وحضارية بعيدة الأثر في النفس الإنسانية. (5)

وقد اختلف كثير من المفكرين حول الكلمتين الدالتين على معنى "الحضارة"،ولم يتفق علماء الغرب على اعتبار كلمة Culture وحدها مرادفة للحضارة . فهناك كلمة اخرى هى Civilization المأخوذة من أصل مختلف لأنها تركز على الدماثة والخصال الاجتماعية المستحبة التى ظهرت بظهور الدين . واتباعا لهذا الرأى لاتصلح كلمة "حضارة" التى تنسب الى حياة المدن أو الحضر للتعبير عن خصائص مانسميه بالحضارات البدائية.

و يوجد فى هذه المشكلة ثلاثة آراء :

الرأى الانجليزى وينسب كلمة Civilization الى الحضارات العليا وحدها. أما الحضارات البدائية فقد ترك لها كلمة Culture .وأحيانا تطلق كلمة Culture على الحضارات فى كل مستوياتها وأنواعها. وتطلق كلمة Civilization على الحضارات العليا من قبيل المتخصصين.

أما الألمان فانهم يستعملون كلمة Kultur الألمانية للدلالة على تنمية الحياة الداخلية والطاقات العقلية و الروحية .ويستعملون كلمة Civilization للدلالة على الجوانب المادية أو التكنولوجية فى الحضارة. وغالبا مايستعمل الألمان كلمة Civilization من قبيل الانتقاص أو الدلالة على أن الحضارة فى طريقها الى الاحتضار أو الافلاس.

وأخيرا نجد الرأى الفرنسى الذى يستعمل كلمة Civilization للدلالة على الحضارة فى كل مستوياتها ، ويستخدم كلمة Culture للدلالة على الجانب الثقافى وحده.(6) "ظهرت كلمة "Civilization" بالفرنسيّة سنة 1734، وأصلها واضح : فهي تنحدر مباشرة من صفةCivilisé (متحضِّر) في القرن السابع عشر"(7).

وبوجه عام فان لفظ Civilization فى اللغات الأوربية ، واللغة الإنجليزية بخاصة فمشتق منCivilis في اللاتينية بمعنى المدينة ، أو من Civis بمعني ساكن المدينة ، أو من Civilis بمعنى مدني ، أو ما يتعلق بساكن المدينة ، حيث تقوم الحياة المتحضرة عادة في المدن وبين الحضر ،أي سكان المدن ، وذلك لما يتوفر في المدن من ثروات وخبرات في التجارة والصناعة ، فضلا عن الإنجازات البشرية من اختراعات وابتكارات وإنتاج فكري ، بينما لا تسمح حياة البدو والفلاحين بقيام علاقات متشابكة أو أنماط من الحياة متنوعة تتيح قيام تحضر أو مدنية ، حتى وإن ظهرت بعض مظاهر الحضارة في القرى فإنها لا تزدهر إلا في المدن. كما أنها تقرن أحيانا بمصطلح "Culture" التي في معناها اللاتيني تفيد الإنماء والحرث، واستمر مفهومها في حراثة الأرض وتنميتها، إلى نهاية القرن الثامن عشر، حيث - كما يذكر معجم أكسفورد - أنها اكتسبت معنى يشير إلى المكاسب العقلية والأدبية والذوقية، وتقابل في العربية مصطلح ثقافة .

فالمصطلح نفسه لم يأخذ معناه المعروف لدينا اليوم عن الحضارة في اللغات الأوربية، إلا مع القرن الثامن عشر ، باعتبار ما اقترن به من مصطلحات دلالية أخرى، وأقرب المعاني اللغوية المستعملة اليوم أن الحضارة: "مرحلة متقدمة من النمو الفكري والثقافي والمادي في المجتمع الإنساني" ، أو هي: "مرحلة متقدمة من التقدم الاجتماعي الإنساني، أو هي ثقافة وطريقة حياة شعب أو أمة أو فترة من مراحل التطور في مجتمع منظم" .

و مصطلح الحضارة في اللاتينية واللغات الأوربية أيضا يتضمن معنى المدينة، والاستقرار، والتنظيم الذي تقتضيه حياة المدينة، وكأن هناك تشابهًا في المعنيين اللغويين في كل من العربية واللاتينية، باعتبار أن الإنسان اجتماعي بطبعه حسب التعبير الخلدوني ، أي أن النـزوع إلى التجمع والتنظيم والانتظام فطرة إنسانية تحكم السلوك الإنساني في إطاره الجماعي، وأن التحضر مطلب إنساني متصل بالسعي الإنساني في مختلف العصور.

ثانيا- تعريف الحضارة اصطلاحا :
للحضارة اصطلاحا تعاريف مختلفة منها:

ابن خلدون :

في الاصطلاح الخلدوني: "الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير.. فلتعلم أن الحضارة في العمران أيضًا كذلك لأنه غاية لا مزيد وراءها، وأن الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة والتخلق بفوائدها.(8).
فقد رأى عبد الرحمن بن خلدون"(ت 808 هـ)، أنّ الناس حين تخطَّوا في كسبهم للمعاش ما هو ضروري «وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه، دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنُّق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضُّر. ثمّ تزيد حالة الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنّق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك ومعالاة البيوت والصروح وإحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوّة إلى الفعل إلى غايتها فيتّخذون القصور والمنازل ويُجرون فيها المياه ويعالون في صرحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون من استجادة ما يتّخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون. وهؤلاء هم الحضر، ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان".(9)
وابن خلدون هنا يشير إلى المرحلة الأخيرة التي تمر بها الدولة أو المجتمع عندما تتفكك العصبية وتضمحل قوة الرابطة التي تجمع الناس على بناء المجتمع، فيصير المجتمع في حالة الترف التي أشار إليها ابن خلدون في مقدمته، وتقل أخلاق البناء، وتظهر أخلاق الفتور، فالحضارة بهذا التعبير الخلدوني درجة من التقدم تبلغها المجتمعات. (10)
ويزيد ابن خلدون تعريفاً آخر للحضارة يسميها "سر الله في ظهور العلم والصنائع" وذلك في الفصل الذي يفسر فيه لماذا أن "حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم" مما يجعل من العلم والصناعة منتوجات حضارية كما أن الحضارة تصطبغ بذلك الطابع الاجتماعي العمراني، وهو ما سنجده مع مالك بن نبي لاحقًا، يقول ابن خلدون: "إن الصنائع من منتحل الحَضَرِ وإن العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية.. والحضَرُ لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف" .

ويعلل ابن خلدون ذلك برسوخ الحضارة في العجم، ويعني أساسًا (الفرس) الذين تحولوا إلى الإسلام، فيقول: "لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس.. وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرئاسة في الدولة وحاميتها وأولي سياستها" .(11)

فالعرب - حسب ابن خلدون - كانوا في بدايات اتصالهم بهذه المنجزات الحضارية من علوم وصنائع غير أنهم شغلوا عنها بمهمات بناء الدولة الجديدة، والتي كانت إحدى مراحل بناء الحضارة التي ابتدأها النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة بل من غار حراء عندما اتصلت الأرض بالسماء عن طريق الوحي، لكن ابن خلدون لا يقف عند هذه المرحلة من تطور الحضارة، بل يرصد حركتها، حيث يجعل استمرار العلوم والصنائع والتطور العمراني نتيجة لاستمرار عمل قانون الحضارة في تلك الأمصار وليس سببًا في استمرارها، حيث يقول: "فلم يزل ذلك في الأمصار ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء النهر، فلما خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع ذهب العلم من العجم" .(12)

فالحضارة سر الله في وجود العمران والعلم، وإذا فقدت شروطها فإنها تنتقل إلى مكان آخر تتوفر فيه شروطها الموضوعية، ولعل تعبير ابن خلدون عن الحضارة بالسر، نستشف منه معنى القانون الذي يتحكم في انتقالها.

ول ديورانت :

ديورانت يعرفها بأنها: "نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإن الحضارة تتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق" ، أو هى " نظام اجتماعي يعين الانسان على زيادة انتاجه الثقافي ، وترتبط الاخيرة (الثقافة) من حيث اللفظ بالزراعة ،كما ترتبط المدنية بالمدينة ، إذ يعمل الاختراع وتعمل الصناعة من اجل مضاعفة الاشياء المحسوسة وزيادة وسائل الراحة والترف وكذلك يستغني عن فئة من الناس فلا يطلب منهم صناعة الاشياء المادية، اذا يعملون على انتاج العلم والفلسفة و الادب والفن .(13)

فرانز بواس :
Franz Boas يرى أن " .. الحضارة هي الكم المتكامل للأفعال والنشاطات العقلية والطبيعية التي تميز السلوك الجماعي والفردي للأفراد الذين يكونون مجموعة اجتماعية، بالارتباط ببيئتهم الطبيعية.. وهي تحتوي أيضا على منتجات هذه النشاطات ودورها في حياة المجموعة.." (14)

تايلور :

ويعرفها الانثربولوجي تايلور بانها ( الكل المركب الذي يحتوي على المعرفة والمعتقد والفن والأخلاقيات والقانون والعادة وكل القدرات والاعتبارات الاخرى يكتسبها الانسان كعضو في المجتمع) أو هى "درجة من التقدم الثقافي، تكون فيها الفنون والعلوم والحياة السياسية في درجة متقدمة" .(15)

والملاحظ على تعريف كل من ديورانت وتايلور أن الأول ينظر إلى الحضارة من جهتين؛ أنها نظام اجتماعي يقدم للإنسان القدرة على تحقيق إنجازات ثقافية، ومن جهة أخرى أنها مرحلة من مراحل التقدم البشري تكون فيها الحياة الإنسانية تتجه نحو التنظيم لما تتوفر لها مجموعة من العناصر، أما الثاني فإنه يعرف الحضارة على اعتبار أنها درجة من التقدم الثقافي لها نتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو في تعريفه هذا يتجه إلى تعريف الحضارة بالنظر إلى غايتها التي تحققها في المجتمع.(16)

رالف لنتون :

وفي الاتجاه نفسه يصفها (رالف لنتون) ضمن ابسط مفردة على انها (النمط المميز للحياة التي تعيشها الجماعة)،ويميزها عن الثقافة بكون الاخيرة مصطلحا ملائماً لتعيين المجموعة المنظمة من العادات والافكار والمواقف التي ليشترك فيها اعضاء المجتمع.

ويقول "رالف لنتون":«من الأمور ذات الدلالة الخاصّة أنَّ اصطلاحَي حضارة ومجتمع يُستعملان كمترادفين في غالب الأحيان... فالمجتمع عبارة عن مجموعة منظّمة من الأفراد، والحضارة مجموعة منظّمة من الاستجابات الّتي تعلّمها الأفراد وأصبحت من مميِّزات مجتمع معيّن" (17) وهكذا يربط ولتون بين الحضارة والمجتمع فالحضارة والمجتمع على حدّ تعبير "رالف لنتون" «يتّصلان ببعضهما عن طريق الأفراد الّذين يكوِّنون المجتمع ويفصح سلوكهم عن نوع حضارتهم ".(18)

رالف لنتون" يفرّق بين عناصر الحضارة وبين الجهاز التقني الّذي يملكه المجتمع، ويرى أنّ الحضارات الّتي تتشابه جدّاً في تكنولوجيّتها قد تختلف اختلافاً تامّاً في تكوينها الاجتماعيّ وفي ديانتها وفي فنّها .. ويقول أنّ "علماء الدراسات الأنتروبولوجيّة يميلون الآن إلى إخراج تلك الأشياء نفسها من مفهوم الحضارة "(19)

ألفريد فيبر:

يرى أن الحضارة Civilization " هى نموِّ فروع المعرفة وتقدُّم سبل السيطرة على القوى الطبيعيّة، ذلك التقدُّم المتماسك الّذي له نظام منتظم ينتقل من شعب إلى آخر" .(20)

شبنجلر :

حقق شبنجلر ( 1880- 1936 ) شُهرة كبيرة وطاغية في النصف الأول من القرن العشرين , وذلك بعد تأليفه لكتابه العمدة " انحلال الغرب The decline of the west " وهو من أهم الكتب الفكرية في العصر الحديث لما حظي به هذا الكتاب من انتشار وشهرة بين القراء على مختلف مستوياتهم . بسَطَ شبنجلر في هذا الكتاب فلسفته الحضارية التي تُدعى بالدوائر المُقفلة للحضارات Closed cycles of civilizations .

وشبنجلر يميز بين مفهوم المدنية و مفهوم الحضارة كما يلى:

- مفهوم المدنية: المدنية هي المصير المحتوم للحضارة، تبلغها بضرورة باطنية و قوة داخلية لا تستطيع أن تقف في و وجهها إرادة أو عقل. فالمدنية كما تصورها شبنجلر هي بداية النهاية للحضارة، ثم يقطع هذه المدنية مجموعة من القبائل الرحالة غير المتمدنة و بذلك تكون نهاية المدنية. فماذا يعني ذلك ؟ انه يعني أن المدنية هي الواقعية بدلاً من احترام التقاليد، هي الدين العلمي لا دين القلب، و يترتب على ذلك أن المثل الأعلى للحياة يصبح متجسداً في القضايا المادية، و هنا ينشأ التعارض بين هذه المدنية و جميع التقاليد الممثلة للحضارة ((الكنيسة – الفن – العائلات)) لأنها تمثل خاتمة الحضارة و بداية مرحلة جديدة من مراحل الوجود البشري غير محددة المعالم، و لكنها حتمية لا يمكن تجنبه إذاً شبنجلر اعتبر المدنية هي المصير المحتوم للحضارة، أي المدنية هي نهاية الحضارة ورأى أن الحضارة الغربية قد و صلت إلى مرحلة المدنية، و يلزم على ذلك أن المدنية الغربية صائرة إلى زوال و بشكل حتمي. (21) هذا هو مفهوم شبنجلر للمدنية فما هو إذاً مفهوم الحضارة ؟

- مفهوم الحضارة: يرى شبنجلر أن التاريخ مكون من كائنات حية عضوية هي الحضارات، إذ تشبه كل حضارة الكائن العضوي تمام التشابه، فميلاد الحضارات و نموها و ازدهارها ثم أفولها ما هي إلا عملية بيولوجية تشبه ما يحدث للكائنات الحية، فتاريخ كل حضارة كتاريخ الإنسان سواء بسواء، و بذلك يكون التاريخ العام بمثابة الترجمة لحياة هذه الحضارات التي تعتبر تراكيب عضوية. و لما كانت المراحل التي تمر بها أي حضارة (مولد ونمو و ازدهار و انحلال ) هي نفسها التي تمر بها كل الحضارات، فانه بالا مكان التنبؤ بمستقبل أي حضارة، و بناء على ذلك تنبأ شبنجلر بزوال الحضارة الغربية، حتى أنه حدد عمرها من ( 900 م- 2400 م ).(22)

ويرى شبنجلر أن الحضارة عبارة عن روح زاخرة بالإمكانيات، تأتي إلى في بيئة خارجية، بها الكثير من القوى في حالة فوضى، فتشرع في التأكيد على صورتها ضد هذا الخليط، ثم تفرض صورتها عليه، وهنا يصبح تاريخ حياة هذه النضال بينها وبين تلك القوى، وفي أثناء ذلك النضال يتحقق العديد من الأوضاع وحين تصبح هذه الروح غير قادرة على الاستمرار في بسط سطوتها على الواقع بسبب الضعف الذي يدب فيها تحت تأثير أحد عاملين: إما بتأثير روح أخرى جديدة أو عندما تستنفذ الروح كل طاقاتها بعد أن تكون قد حققت جميع إمكاناتها الباطنية على صورة ( لغات و مذاهب دينية و فنون و علوم و تشريعات سياسية.. ) و بلغت ذروة قوتها و أقصى إمكاناتها، عندئذ تنحسر قوتها، و تنتقل من كونها حضارة إلى حالة أخرى هي المدنية، فتدخل في مرحلة الانحلال والفناء، ومع ذلك قد تستمر بالبقاء لفترة من الزمن قد تطول أو تقصر و لكن الفناء الحتمي مصيرها.

ولما كانت الحضارة تشابه الكائنات الحية إبان تطورها من وجهة نظر شبنجلر، فان ذلك يعني أنها تمر في مراحل عمر تشبه مراحل أعمار البشر، أي لكل حضارة طفولتها و شبابها و نضجها و شيخوختها، و يمكن القول أيضاً إن لكل حضارة دوراً كأدوار السنة ربيعها – صيفها – خريفها – شتاؤها، و مثال ذلك يمكن التحدث عن إنجازات المملكة القديمة في مصر التي بدأت بالأسرة الرابعة و التي كانت تكافح ضد الجهل و عصور الظلام ثم أخذت تنضج هذه الأعمال من خلال الوعي و تزداد صلابة، و مثلت في أيام المملكة الوسيطة وعياً كاملاً لقوة إبداعية ناضجة ( فترة الربيع) و كان الاكتمال أو النضوج في فترة (أبي الهول ) و لكن تعقب ذلك فترة التدهور الذي يتوجه الإنسان خلالها إلى ممارسة الطقوس الدينية كما حدث في زمن (ايزس ) و ذلك الشكل يعد مألوفاً في كل حضارة تعاني الاحتضار.

وهكذا فان الحضارة عند ( شبنجلر) تضم الجوانب المادية التي تمثل المدنية، في حين تشكل المعتقدات والقيم والاداب مفهوم الثقافة. وجوهر فلسفة( اشبنجلر) قائم على ما اسماه بمورفولوجية الحضارة،وهي علم حياة الحضارات وموتها ،اذ يميز بين اربعة أطوار متعاقبة من الثقافات ( طورها الابتدائي والمبكر والمتأخر والمحتضر) . اذ تسبق مولد الثقافة مرحلة يعرفها باسم( ما قبل الثقافة) وهي مدة تتوسط ثقافتين من الناحية الزمانية والمكانية وفي هذه المرحلة يعيش الناس ويعملون ،الا ان نظام المجتمع لا يأخذ شكلا منظماً، فلا ينتج أي دين او فنٍ او علم من الأهمية لنشوء الثقافة .وان مولد هذه الاخيرة يقترن بالدين او الفن او العلم ثم ما تلبث ان تنتج هذه الثقافة حضارة متقدمة مدنية). (23)

ماكيفر :
ميز ماكيفر بين الحضارة والمدنية من منطلق ارتباط المدنية بالوسائل وارتباط الحضارة بالأهداف والغايات وحدها. وقال : "عندما نتحدث عن المدنية فإننا نقصد بهذا عادة الإشارة إلى ذلك الميكانيزم الكلي وذلك التنظيم الذي ابتدعه الإنسان لتنظيم حياته . أما الحضارة فإنها تعني التعبير عن طبيعتنا في صور الفكر والحياة السائدة في حياتنا اليومية ، كالفن والأدب والدين أيضا. ومن ثم فإن الحضارة تمثل عالم القيم وأساليب الارتباطات العاطفية والمغامرات العقلية - أو بعبارة أخري إنها نقيض المدنية. وهكذا أصبحت المدنية مجرد وسيلة لهدف آخر أو غاية أخرى ، أي أنها لم تعد تمثل هدفاً في حد ذاتها فهي برجماتية في أصلها وطبيعتها ، مما يجعلها متميزة عن القيم الإنسانية العليا التي تقصد لذاتها لا لشيء آخر غيرها .(24)

ألبرت اشفيتسر :

يقول :" أن الحضارة هي: التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماهير على السواء." .. ويعلن بوضوح أن طابع الحضارة أخلاقي في أساسه...ويرى أن مستقبل الحضارة يتوقف على تغلبنا على فقدان المعنى واليأس؛ اللذين يميزان أفكار الناس ومعتقداتهم في العصر الحديث... أن هدف الحضارة يجب أن يكون: إيجاد الظروف المواتية للجميع في الحياة - قدر الإمكان - بحيث يمكن أن يتحقق كمال الأفراد روحيًّا وأخلاقيًّا؛ لأن هذا الكمال هو الغاية القصوى من الحضارة.(25)

هنتنجتون :

عرف هنتنجتون Huntington" الحضارة " وربطها بعض الشيء بالثقافة فقال"الحضارة والثقافة كلاهما يشير إلى مجمل أسلوب الحياة لدى شعب ما ، والحضارة هي الثقافة على نطاق أوسع وكلاهما يضم المعايير والقيم والمؤسسات وطرائق التفكير التي علقت عليها أجيال متعاقبة أهمية أساسية في مجتمع ما ... والحضارة إنما هي أعلى تجمع ثقافي من البشر وأعلى مستوى من الهوية الثقافية يمكن أن يميز الإنسان عن الأنواع الأخرى ، وهي تُعرف بكل من العناصر الموضوعية العامة مثل اللغة والتاريخ والدين والعادات والمؤسسات والتحقيق الذاتي للناس .(26)

ّ فالحضارة هي كيان ثقافي. فالقرى والأقاليم والمجموعات الإثنيّة والقوميّات والمجموعات الدينيّة لها جميعها ثقافات متميِّزة… وهكذا فإنَّ الحضارات هي أعلى تجمُّع ثقافيّ للناس وأوسع مستوى للهويّة الثقافيّة للشعب ولا يسبقها إلاّ ما يميِّز البشر عن الأنواع الأخرى. وهي تحدَّد في آن معاً بالعناصر الموضوعيّة المشتركة، مثل اللغة والدين والتاريخ والعادات والمؤسَّسات، وبالتحديد الذاتيِّ الّذي يقوم به الشعب نفسه" .(27)

مالك بن نبي :

مالك بن نبي- من أعلام الفكر الإسلامي العربي في القرن العشرين. ولد في مدينة قسنطينة شرق الجزائر - وهو يعرف الحضارة من عدة جوانب؛ فهو تارة يعرفها من الجانب البنيوي (مركّزًا على بنية الحضارة وعناصر تركيبها)، وتارة من الجانب الوظيفي (مركزا على وظيفة الحضارة) باعتبارها تؤدي دورًا في المجتمع، وتارة يعرفها من جانب غايتها من حيث إنها غاية الحركة الاجتماعية في التاريخ. وبعبارة أخرى فهو يعطي التعريف التحليلي للحضارة الذي يبيّن كيفية تركيب الحضارة في عناصرها الأولية، ويعطي تعريفًا للحضارة من خلال دورها (وظيفتها) في التاريخ، كما يحدد حقيقتها الرسالية.(28)

التعريف التحليلي :
مالك بن نبي يعرف الحضارة من الوجهة التحليلية (تحليل بنيتها) بالمعادلة الرياضية التالية: الحضارة= إنسان+تراب+وقت. وفي ذلك يقول ابن نبي: "حضارة = إنسان+تراب+وقت، وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إلى أن مشكلة الحضارة تنحل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، مشكلة التراب، مشكلة الوقت. فلكي نقيم بناء حضارة لا يكون ذلك بأن نكدس المنتجات وإنما بأن نحل المشكلات الثلاثة من أساسها .(29)

فابن نبي يجمل أي جهد أو منتج حضاري، في صورة هذا التفاعل الأولي بين عنصر الإنسان صاحب الجهد المنجز، وعنصر التراب بصنوفه التي هي مصدر الإنجاز المادي، وعنصر الزمن الذي هو شرط أساسي لأي عملية إنجازية يقوم بها الإنسان.

وباعتبار أن الحضارة إنجاز موجه في التاريخ؛ فإنه لا شك إنتاج لفكرة تطبع صبغتها على جهد الإنسان فتميزها في التاريخ، ولهذا فابن نبي لا يكتفي بهذه العناصر التركيبية الأولية للحضارة فقط، بل يضيف إليها الفكرة المركِّبَة؛ التي هي الفكرة الدينية (الدين)، مركِّب القيم الاجتماعية، و يقوم الدين بهذا الدور في حالته الناشئة، حالة انتشاره وحركته، عندما يعبر عن فكرة جماعية ، أي لا يكون فكرة مجردة بعيدة عن صياغة همٍّ جماعي وأداءٍ اجتماعي مشتركٍ.
هذه العناصر الثلاثة - كما يرى ابن نبي - تتفاعل فيما بينها بفعل الشرارة التي تحدثها الفكرة الدينية، وتتحقق في واقع تاريخي يقتضي وجود مجموعة من العلائق تحقق وحدة العمل التاريخي، هذه العلائق هي ما يسميه ابن نبي (شبكة العلاقات الاجتماعية. فشبكة العلاقات الاجتماعية هي العنصر التركيـبي الآخر الذي يتحقق بوجوده الجهد الإنساني في صورة إنجاز حضاري في التاريخ .

فالحضارة من هذه الوجهة التحليلية تقوم على عناصر الإنسان والتراب والزمن، في وجود شبكة من العلاقة الاجتماعية التي تشكل الميلاد الحقيقي للمجتمع في التاريخ وبداية إنجازه التاريخي على ضوء الفكرة الدينية. (30 )

و هذه العناصر (التراب والزمن والإنسان ) لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا وفق شروط أي في حالة ما إذا تم التآلف بينها ، فلا يمكن تصورها بمعزل عن بعضها البعض وعليه فإن العنصر الأول، أي الإنسان هو الفاعل الحقيقي لأي إنتاج. وهو هنا يمثل الفكرة التي كشفت عن المولد. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصور أن هذه الفكرة جاءت من الفراغ. ومن هنا فإن الشرط الثاني يبدوا ضروريا لأي عملية ميلاد. وهو هنا عامل الزمن. ولكن أيضا فإن الذي لا مراء فيه، هو أن الميلاد لهذا المنتوج هو أصلا مستمد من المادة التي بواسطتها يتم إنتاج هذا المولود. وهو هنا ما يسميه بالتراب والمقصود به ليس الإنتاج المادي، بقدر ما يرمز لأي شكل من أشكال الإنتاج. يقول بن نبي في هذا المعنى "فحينما نحلل منتجات حضارة، ولنأخذ أيا منها ولتكن هذه الورقة فإننا نجدها تتكون من عناصر ثلاثة –الإنسان –لأنه هو الذي ولدها بفكره وصنعها بيده، في بغداد في العهد العباسي، حيث اخترع الإنسان الورق.
فالعنصر الأول الإنسان، أما العنصر الثاني فهو التراب، إذ من التراب كل شيء على الأرض وفي باطنها. ومعنى التراب هنا ليس هو المعنى المتبادر إلى الذهن.فقد تعمدت ألا أستخدم كلمة مادة لأسباب، فقلت التراب. لأن التراب يتصل به الإنسان بصورتين: صورة الملكية أي من حيث تشريع الملكية وهو يتصل به بصورة أخرى من ناحية علم التراب والمعلومات التي تتصل به كالكيمياء وغيرها فالتراب نعني به هذين الجانبين جانب التشريع وجانب السيطرة الفنية، والاستخدام الفني ، فالتراب بهذا المعنى يدخل في عناصر الورقة.
وأما العنصر الثالث فهو الزمن لأنه إذا صح ما أقول فلماذا لم يخترع الفكر الإنساني الورقة قبل هذا التاريخ ؟إن الجواب على ذلك هو نقص تجاربه في هذا المضمار، في مضمار علم التراب والنبات. فالزمن قبل ذلك التاريخ لم يكف لتخمر فكرة ابتكار الورق.إذن يجب أن تتجمع عناصر ثلاثة حتى يتكون منها الورق:الإنسان التراب الوقت. وهذا التحليل يوجب علي أن أقول منتوج حضارة وهنا( ورقة ) =إنسان +تراب +وقت ".(31)


التعريف الوظيفي :

ابن نبي يقول بشأنه: "إن الحضارة يجب أن تحدد من وجهة نظر وظيفية، فهي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين، أن يقدم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور، أو ذاك من أطوار نموه ، فالمدرسة والمعمل والمستشفى ونظام شبكة المواصلات والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر واحترام شخصية الفرد تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه " .(32)
فمن وجهة الوظيفة التي تؤديها الحضارة فإن ابن نبي ينظر إلى الحضارة بمقدار ما تقدمه من الضمانات للفرد، تلك الضمانات التي يقدمها المجتمع لأي فرد من أفراده في مرحلة تاريخية معينة من مولده إلى مماته. أي إلى أن ينقضي وجوده الاجتماعي. هذه الضمانات هي بمثابة شروط ذات وجهتين مادية ومعنوية. وبعبارة أخرى: إنها في الواقع جملة العوامل المعنويّة والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره. فالفرد يحقق ذاته بفضل قدرة وإرادة تنبعان من المجتمع الذي هو جزء فيه ، فالحضارة أداء اجتماعي لمجتمع ما في التاريخ. (33)

فإذا كان مجتمع معين يستطيع في مرحلة تاريخية معينة تقديم وتوفير مثل هذه الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح للفرد أن يمارس دوره الطبيعي في المجتمع؛ فإن المجتمع يعيش حالة حضارة. وكأن ابن نبي من هذه الزاوية يركز على الحقيقة الموضوعية التي تلتمس الحضارة في أثرها في الواقع، وتهتم بالمنظور الاجتماعي (السوسيولوجي) للظاهرة الحضارية.

ومن هذه الجهة (الوظيفية) ؛ فإن الحضارة هي:

أولاً: شروط أخلاقية ومادية وهذا يجعل الحضارة خاضعة للتوازن الذي يحفظها من الانحراف، فإذا اختل جانب انحرفت الحضارة من هذا الجانب المختل، والحضارة.
ثانياً: عمل اجتماعي، وهذا يشير إلى أهمية المجتمع وأسبقيته في عملية الإنجاز الحضاري، وذلك من خلال تركيز ابن نبي على أهمية وجود عالم شبكة العلاقات الاجتماعية باعتبار أن الحضارة إنجاز يقوم به المجتمع بمجموع أفراده، ويتم في إطاره وبإرادته وإمكانه، حتى إنه يمكن القول: إن الحضارة هي عمل شبكة العلاقات الاجتماعية ذاتها.

ثالثاً: أن الإنسان (الفرد) يأخذ أهمية خاصة من خلال اعتبار الحضارة من الوجهة الوظيفية عملية تقديم للضمانات لهذا الفرد حتى يتمكن من ممارسة دوره المنوط به اجتماعيًّا.

رابعاً: أن الحضارة عبارة عن ضمانات إذا نظرنا إليها من هذه الوجهة، وهي ضمانات تتيح للطاقات الفردية والاجتماعية أن تنطلق وتمكن الفرد من التطور ماديًّا ومعنويًّا.

خامساً: كما أن الحضارة عبارة عن أطوار اجتماعية يمر بها المجتمع، وفي هذا إشارة إلى الظاهرة الدورية التي تمر بها الحضارة. (34 )

يقسم مالك بن نبي الحضارة إلى ثلاثة مراحل هي:
مرحلة الروح :
هي تمثيلا أولياً " لإشعاع الفكرة الدينية تلك التي تتمكن من النفوس فتبنيها بناء " مرصوصا" .(35)

وهى تلك الفترة التاريخية من الحضارة الإسلامية التي بدأت مع نزول أول آية من القرآن الكريم. واستمرت حتى معركة " صفين " 37 هـ .(36)
مرحلة العقــل:
وهذه المرحلة لا تمثل في رأي مالك بن نبي سوى تنازلا " لعالم الروح " إلى " عالم العقل " وهي التي أتت بعد مرحلة الروح، حيث " قوة الإيمان " هي التي تُمكِّن العقل من الفهم. وهي لا تُمكِّنه من ذلك وحسب بل تحفزه على الأخذ بالعلم ..

مرحلة الغريزة:
في هذه المرحلة تبدأ في الظهور بعض السيمات التي تطبع المجتمع، حيث ينحلل المجتمع من علاقاته الاجتماعية.. يقول مالك بن نبي في هذا المعنى: " تختان الحضارة إذا ما فارق دعاتها سبيلهم الذي يسلكونه من أجل نشاطهم المشترك، واتخذوا سبلا وطرائق متخالفة، تجعل النشاط مستحيلا. فسبل تنسل إلى حضيرة التصوف، وأخرى تنحدر إلى عالم العجائب الذي هبت منه روح ألف ليلة وليلة، وثالثة تدعي الرقص والغناء، بدعوى أنها تحضرت".(37)

ومما سبق يمكننا أن نعرف " الحضارة " بأنها هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته سواء أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصوداً أم غير مقصود وسواء أكانت الثمرة مادية أم معنوية .(38)

فالحضارة نسق متكامل لا انفصام فيه بين الجانب المادى الذى يتمثل فى العلم والتكنولوجيا ، والجانب الروحى الذى يشمل الدين والفن والفلسفة والأسطورة واللغة ..ألخ. ولابد من تحقيق التوازن بين الجانبين حتى لاتكون الحضارة عرضة للأنهيار والدمار. ولهذا كان من نتيجة سيطرة الجانب المادى فى عصرنا أن تدهورت المعتقدات الدينية والأخلاقية وأصبحت الحضارة المعاصرة فى طريقها الى الانهيار والتلاشى.(39)
فالقوة المادية تكون سبب البطش والطغيان إذا لم تكن منضبطة بقيم دينية صحيحة. قال تعالى : "أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون" [سورة الشعراء، الآية:128 إلى131(.
فقد بدا للعديد من المفكرين والفلاسفة أن الحضارة الغربية رغم أنها أزهلت العالم بالتفوق العلمى والتكنولوجى ، ورغم أنها حققت كل مايمكن أن تحلم به أى حضارة أخرى ،فانها لم تعد تحقق للأنسان كل آماله وسعادته. فمثلا يرى شبنجلر أنها تدخل الأن مرحلة التداعى ، وأنها قد حكم عليها بالموت والدمار ، ويرى شفيتسر أنها تعيش الأن مرحلة انهيار كامل ،ويرى نيتشه أنها تسير الى الهاوية ، ويرى أريك فروم أن الانسان فى ظل حضارته الراهنة أصبح يشعر بالعجز وعبثية وجوده ، ويرى أورتيجا أن عصرنا أصبح يفتقر الى المثل العليا ، وانتشرت فيه البربرية وسادت جوانب حياتنا ..ألخ.(40)


الهوامش
1- د. بدران بن الحسن: فى مفهوم الحضارة ، مجلة نوافذ : اتجاهات فكرية ، الخميس ، ذوالقعدة 1424الموافق 25 ديسمبر 2003
2- زكريا هاشم زكريا: فضل الحضارة الإسلامية والعربية على العالم، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، الفجالة ـ القاهرة، ص52-55
3- الفيروزآبادي : القاموس المحيط، (بيروت: دار الفكر،1412هـ ، 1983م) ، ج2، ص16
4- ابن منظور: لسان العرب، 1414هـ، ج4، ص196
5- د. بدران بن الحسن : مرجع سابق
6- د.ابراهيم طلبه سلكها : الجوانية عند عثمان أمين ، أصولها وخصائصها
7- رولان بريتون : جغرافيا الحضارات ، ترجمة خليل أحمد خليل ، منشورات عويدات،بيروت باريس – الطبعة الأولى 1993 -ص19
8- عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون : المقدمّة ، دار الجيل،بيروت ، دون تاريخ ، ص475
9- المرجع نفسه ، ص 132
10- د. بدران بن الحسن : مرجع سابق
11- المرجع نفسه
12- المرجع نفسه
13- ول ديورانت : قصة الحضارة ، ترجمة زكي نجيب محمود،لجنة التأليف والترجمة والنشر ،القاهرة ، ج1،1949
14- د,محمد رياض: الإنسان: دراسة في النوع والحضارة، بيروت، 1974، ص184-185

15- E.B.Taylor, Dictionary of Anthropology, Special Indian Edition,
16- د. بدران بن الحسن : مرجع سابق
17- رالف لنتون : شجرة الحضارة ، ترجمة أحمد فخري ، مكتبة الإنجلومصريّة – دون تاريخ ، ج1، ص65
18- المرجع نفسه ، ص 71
19- المرجع نفسه ، ص ص 75 – 78
20- دينكن متشل : معجم علم الاجتماع ، ترجمة ومراجعة : إحسان محمّد الحسن ، دار الطليعة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1980 ، مادّة Civilization

21- أوزالد شبنجلر ، تدهور الحضارة الغربية، الجزء الأول ، ترجمة أحمد الشيباني، دار مكتبة الحياة، لبنان، ص ص87 - 95
22- الموضع نفسه
23- الموضع نفسه
24- د. بدران بن الحسن : مرجع سابق
25- د.أحمد محمود صبحى : فى فلسفة الحضارة ، الأسكندرية ، مؤسسة الثقافة الجامعية
26- صمويل هنتنجتون : صدام الحضارات "إعادة صنع النظام العالمي"، ترجمة طلعت الشايب ، تقديم د. صلاح قنصوه ،1998
27- د. بدران بن الحسن : مرجع سابق
28- المرجع نفسه
29- المرجع نفسه
30- مالك بن نبي : حديث في البناء الجديد، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، بدون تاريخ، ص ص 100-101

31- مالك بن نبي، آفاق جزائرية، ترجمة " الطيب الشريف ، مكتبة النهضة الجزائرية ، ط 4 ، ص ص46-47
32- د. بدران بن الحسن : مرجع سابق
33- المرجع السابق
34- مالك بن نبي: شروط النهضة ، ترجمة: عبد الصبور شاهين،(دمشق: دار الفكر،1996)
35- مالك بن نبي : وجهة العالم الإسلامي ترجمة عبد الصبور شاهين دار الفكر دمشق 1981 ، ط 4

36 - مالك بن نبي : ميلاد مجتمع ،ترجمة عبد الصبور شاهين ، دار الفكر ،دمشق، ط2، 1974 ص104
37- المرجع نفسه

38- د. على مؤنس : الحضارة ، دراسة فى أصول وعوامل قيامها وتطورها، عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت،جمادى الأول 1419 ه – سبتمير 1998 م

39- د.ابراهيم طلبه سلكها : الجوانية عند عثمان أمين ، أصولها وخصائصها

40- المرجع السابق







اخر الافلام

.. الحصاد- الحرب في اليمن.. اتصالات أميركية


.. سيناريوهات- خيارات فلسطين والعرب لإحباط قرار ترمب


.. تجديد حبس الزميل محمود حسين للمرة العاشرة




.. الحصاد- محمود حسين.. سنة من الانتهاكات


.. مرآة الصحافة الأولى 2017/12/15