الحوار المتمدن - موبايل



تونس، بلد عربي؟

محمد الحمّار

2015 / 7 / 31
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


هنالك أناس، وهم أفراد معزولون والحمد لله، متعاقدون بصفة دورية وتكاد تكون ممنهجة مع زرع الفتنة في تونس قصد التشكيك في عروبتها وعروبة شعبها. قرأت قبل أيام مقالا (باللغة الفرنسية- طبعا) بعنوان ”تونس، بلد عربي؟” كتبه الحبيب الصياح. يتضمن المقال نفس الأسطوانة المشروخة التي توحي بأنّ على التونسيين أن يتثبتوا أمرهم وكأنه يتوجب عليهم أن يخضعوا لفحصٍ بالأشعة أو بالرنين المغناطيسي حتى يتأكدوا هل هم عرب أم ليسوا عربا. أما الحجة التي أتى بها كاتب المقال فهي نفسها التي يستدل بها سائر الصيادين في الماء العكر، ألا وهي أنّ تونس كانت أمازيغية وقرطاجنية ورومانية وبيزنطية وما إلى ذلك، قبل أن يفتحها العرب ويفرضوا عليها دينهم و لغتهم. ولا يقف الكاتب عند هذا الحد في معرضِ بحثه عن مبرراتٍ لسحب الصفة العربية من المجتمع التونسي فيَذكر أنّ تونس تحررت (من اللغة العربية ومن العروبة) حين انضمت إلى الامبراطورية العثمانية وتَمثل تحررها في إيوائها لإثنيات مثل الاغريق والمالطيين والإسبان والأتراك والشركس و الإيطاليين ثم في اختلاط شعبها بالمعمرين الفرنسيين. هنا أسمح لنفسي بأن أسأل عما إذا كانت هذه الحجة تخدم لفائدة من يقدمها أم ضده؟

ما من شك في أنّ هذه الحجة تفنّد نظرية الكاتب عوضا عن أن تثبّتها. فالمفهوم الذي يحمله الكاتب عن العروبة هو مفهوم منغلق و جامد و أسطوري وسحري ودوغمائي و إيديولوجي، حيث إنّ المؤلف لم يعرّف العروبة ولم يحدد علاقة اللغة العربية بسِمة العروبة. لو فعل ذلك لأمكنَه أن يميّز بين العروبة الإثنية والعروبة اللسانية/الثقافية/التاريخية وبالتالي أن يدرك أنّ التونسيين لم يدّعوا أبدا أنهم من الجنس العربي مثلما هو الشأن لدى عرب الجزيرة العربية، ولأمكنَه أن يدرك أنّ الخليط الذي يمثله التونسيون متجانس بشكل لا يتناقض مع حتمية أن يكونوا عربا باللسان وبالثقافة وبالتاريخ. اللهم إلا إذا كانت نظرية الكاتب ترمي إلى تشرذم التونسيين على غرار تعدد الإثنيات التي تتشكل منها شخصيتهم فتكون لهم ”لغات أمّ” يضاهي عددها عدد تلك الإثنيات، مما سيكون أمرا مستحيلا ولا يستقيم مع مبادئ الهوية الثقافية للمجتمع، مهما كان المجتمع.

إنّ تشكل هوية ثقافية للمجتمع الواحد المتماسك لغويا وثقافيا وتاريخيا مثل المجتمع التونسي لا تتطلب إعادة النظر في أساسات هذه الهوية عبر تفكيك الوحدة اللسانية مثلا، مثلما يرغب فيه بعض التونسيين على غرار كاتب المقال المذكور ممن يسمون بالمتفرنسين أو الفرنكوفونيين، وإنما يتطلب تدعيم هذه الوحدة وذلك بأن يتم توسيع اللسان العربي (بصفته هو الموحِّد) حتى يكون قادرا على استيعاب كافة الميزات الثقافية التي تسِمُ مختلف الإثنيات التي انفتح عليها التونسيون عبر الأزمنة.

إذن لو كان دعاة التشكيك في عروبة تونس يتمتعون بحد أدنى من النية الطيبة المدعومة بحد أدنى من المعرفة العلمية، لشمّروا على سواعدهم وعملوا على الإسهام في تطوير مفهوم العروبة وذلك باتجاه توسيعه، لا أن يشككوا في هوية شعبٍ بحسب صورة جامدة للعروبة وللعربية فيحاولوا دحض المكونين الاثنين واستبدال العدم مكانهما. اللهم إلا إذا كانت لديهم نية مبيتة لاستبدال لسانٍ بعينه (الفرنسية نموذجا) وثقافة معينة مكانهما، وعندئذ لم تعد المسألة تتعلق بالحث على الانفتاح على الإثنيات التي عرفتها تونس وإنما بالتحريض على الاستلاب للغةٍ ولهويةٍ أجنبيتين. لو كانوا من ذوي النوايا الحسنة لأسهموا في تطوير اللسان العربي بالتوازي مع توسيع مفهوم العروبة حتى يصبح هذا اللسان متضمنا لدلالات تحملها لغات تلكم الإثنيات التي تتلاءم مع الشخصية التونسية ولَأخرجوا العروبة والعربية من الجمود الحالي الذي هما فيه، ولَما كانوا أوّل من وقع في الكمين الذي نصبه لهم هذا الجمود. فمن باب سخرية الأقدار أنهم وقعوا في الكمين قبل غيرهم ممّن يزعمون أنهم واقعون فيه.

في ضوء ما سبق، من هو التونسي؟ إنّ التونسي إنسان عربي بمفعول نطقه باللغة العربية وبمفعول الثقافة العربية الإسلامية وبمفعول شخصيته التي تطغى عليها السِّمة العربية والتي هي نتاج حتّمه التطوّر التاريخي للمجتمع التونسي، سواء أحببنا ذلك أم كرهناه، عِلمًا وأن اللهجة الأمازيغية (مثل اللهجات العامية المحلية) جزء من اللسان العربي وبالتالي فهي جزء من الحل لا جزءا من المشكلة. ولئن هو ناطق أيضا بالفرنسية تحديدا وبلغات أجنبية أخرى فذلك لا يعني أنّ عليه أن يختار بين العربية وهذه اللغة/اللغات كلسان وطني وإنما عليه أن يرضى بالأمر المقضي ويكون إيجابيا بأن ينكبّ على إقحام الدلالات المعرفية - العلمية والأدبية والفنية والتواصلية- التي تتضمنها تلك اللغات في صلب لغته العربية بما يسمح له به كدحُه نحو اكتمال هويةٍ ثقافية تمهّد له الطريق لاقتحام الكونية.

بالمحصلة، لم يكن الأمر متعلقا أبدا بسحب صفة العروبة من تونس والتونسيين أو بسحبها عليهم (فالبلد عربي وسكانه عرب بطبيعة الحال). تلك لعمري مشكلة مفتعلة. وافتعالها لا يقتصر على المجتمع التونسي فقط بل هو وارد في كامل منطقة المغرب العربي وفي بعض بلدان الشرق الأوسط والشام والعراق. أما المشكلة الحقيقية فأرجو أن تكون قد تبينت لنا من خلال ما سبق، ألا وهي كيف يتم تطوير اللسان العربي حتى يكون جامعا لكافة المكونات المنصهرة ضمن النسيج الثقافي لمجتمعاتنا العربية وحتى لا تتكرر الدعاوات إلى التشرذم والتفرقة.

أعتقد أنّ هذه المشكلة جوهرية وبالتالي فهي تتطلب حلا جذريا ألا وهو تثوير المنظومة اللغوية كاملة في كل مجتمع عربي، لكن لكلّ حسب خصوصياته الذاتية. وفي ما يلي تصوّر إجمالي لما يمكن أن يُنجز في مجال التغيير الثقافي و التواصلي والتربوي:

في بادئ الأمر لا بد من التشديد على أنّ وضعيتنا اللغوية (في تونس وفي البلدان العربية التي تتوفر فيها ظروف مشابهة) إنما هي وضعية استثنائية بالمقارنة مع الوضعيات التي تعرفها غالبية المجتمعات في العالم، لذا لابد من سنّ استراتيجيَا، تكون استثنائية هي الأخرى، لإصلاح هذا الوضعية. في هذا السياق، و انطلاقا من المبدأ الذي شرحته آنفا والذي مفاده، بكلام مختلف، أنّ اللغة العربية ينبغي أن تذهب هي إلى اللغات الأخرى وأيضا إلى المعارف العلمية والأدبية والفنية والتواصلية، ينبغي إضافة هدف استثنائي لعملية تعليم اللغات الأجنبية. ما هو هذا الهدف؟ سألخصه ف ما يلي:

كل أخصائي في اللغات يعلم أنّه لا يكفي أن يفضي تعلم اللغة الأجنبية فقط إلى اكتساب "الكفاءة" اللغوية” وإنما أيضا إلى تنمية "الأداء اللغوي”. وحين نعلم أنّ هذا الهدف ليس محققا في تونس، وذلك بخصوص كل اللغات بما فيها اللسان العربي الأمّ، نتوقف لمعرفة أهم سببٍ أدى إلى هذا الفشل.

حسب معاينتي ومتابعتي لهذا الأمر فإنّ السبب الذي أسفر عن عدم قدرة التونسي على المزاوجة التقنية والأداتية والإجرائية بين ”الكفاءة” و“الأداء” (وذلك أيًّا كان اللسان، عربيا أم أجنبيا) هو نفسه الذي يحرمه من توسيع الثقافة العربية ولغتها. ويتمثل السبب المشترك في أنّ شيئا مُهمّا للغاية يعوز التونسي (وأمثاله من العرب). يعوزه التأكيد على أنه عربي الهوية وأن عروبته لا بدّ أن تكون هي نفسها مُلهمة له لكي يتعلم كل اللغات التي يتسنى له أن يتعلمها أو يرغب في تعلمها أو يتوجب عليه تعلمها. والتأكيد لا يتم عبر الخطاب السياسي أو الدعوة الإيديولوجية. بل إنّ التأكيد ضرورة علمية، وبالتالي فإنّ الأسلوب العلمي هو السبيل الكفيل بتجسيده في الواقع.

إنّ هذه الحاجة تتطلب إرساء هدف تكميلي فضلا عن هدف مزاوجة الكفاءة مع الأداء. و تكون من ميزات الهدف التكميلي حثُّ المتعلم التونسي على إجادة اللغة، أيًّا كانت هذه اللغة، لكي يشعر أنّه كإنسانٍ عربي حريصٍ على الاضطلاع بعروبته مُطالبٌ بالسعى إلى تعلم اللغات الأجنبية، لا بمصادرتها بدعوى أنها مُفسدة للهوية وما إلى ذلك من الترهات المتداولة. وهذا الهدف ينبغي أن يتحقق بلا تغرّب واستلاب وتبعية للأجنبي، لذا فإنّ شرط بلوغه يمرّ بترسيخ عقيدة مفادها أنّ المسألة اللغوية ذات معادلتين اثنتين، لا معادلة وحيدة، وهما كالآتي:

أ. دعم الثنائي "كفاءة/أداء" من العربية إلى العربية ومن الفرنسية إلى الفرنسية ومن الانقليزية إلى الانقليزية إلى غير ذلك من اللغات التي تتضمنها مقررات المدرسة والجامعة، وذلك شفويا وكتابيا. وهو النمط المتداول حسب المبدأ العام والمعروف، ولكنه مع هذا بات ناقصا في المدرسة التونسية نظرا للوضع اللغوي الاستثنائي في بلدنا، كما قدمنا.

ب. إقحام الهدف الرامي إلى دعم الثنائي "كفاءة/أداء" من الفرنسية(في مستوى البث) إلى العربية (في مستوى التلقي) ثم إلى العربية من جديد (لكن في مستوى البث هذه المرة)، وهكذا دواليك: انقليزية/عربية/عربية ؛ ألمانية/عربية/عربية؛ ومن كل لسان أجنبي آخر بصدد التعلم مدرسيا وجامعيا نحو العربية ثم انطلاقا من العربية. هذا هو النمط التكميلي الذي بدونه لا يستقيم، في رأيي، لا تعلمُ العربية ولا تعلمُ اللغات الأجنبية.

بحديث مختلف، فليكن الاعتزاز بالعربية وبالعروبة مبدءا راسخا (بصفة ضمنية لا بصفة علنية قد تفقد المبدأ روحه وفعاليته)في مناهج التعليم وفي أجهزة الإعلام والتواصل وبالخصوص في مجالات الإنتاج الرمزي، الأدبي والفني، في تونس وفي غير تونس من بلاد العرب. والغرض من هذا التمشي تكوين جيلٍ مطلعٍ على المعارف والعلوم والآداب بلغاتها الأصلية وفي ذات الحين واضعٍ نُصب أعينه مهمة التفكير بواسطة اللسان العربي ومن ثَمّ إنتاج المعارف المتنوعة بواسطة هذا اللسان. فلننظر إلى الوضع الراهن: لا يُكتب لأمة ”اقرأ” ما يُقرأ، وبالتالي فالقراء الاعتباريون أمام خيارين اثنين أفضلهما مرٌّ؛ إما مطالعة أدبياتٍ مكتوبة بالعربية جُلها لا يرتقي إلى مستوى العصر فيقعون في تكرير الرتابة والجمود، وإما مطالعة أدبياتٍ مكتوبة بلغات المجتمعات المتقدمة تتضمن مستوى عالٍ من المواكبة لشؤون العصر فيقعون في الاغتراب والتبعية للأمم الراقية لا سيما أنهم يفتقرون لمثل المبدأ والهدف التكميلي الذي شرحنا مبرراتهما أعلاه. وفي كلتا الحالتين يكون المجتمع هو الخاسر على كافة الأصعدة والمستويات.

بالنهاية، ودون خَوض في جزئياتٍ بيداغوجية ومنهجية، أعتقد أنّ الوقت قد حان لتغيير النظرة إلى وظيفة اللغة الآن وهنا، وذلك حسبما تفرضه المستجدات في المجال اللساني والفلسفي اللغوي. بهذا المعنى، بعد أن كانت اللغة الأجنبية تُتَعلم - بنيويا- كغاية بحد ذاتها ثم صارت تُدرِس كوسيلة للتواصل ثم كأداة للتفكير، لا أرى بدّا من أن تُدرس اليوم في المجتمعات العربية بوصفها تطعيما للّسان -العربي- بل وللثقافة العربية حتى يقتحم هاذان العاملان الاثنان الكونيةَ بما يتطلبه هذا الاقتحام من تثبيت للهوية -بمفعول توسيعها- ومن إحرازٍ مستدام على استحقاقاتٍ معرفية وعلمية وتواصلية متسقة مع التثبيت والتوسّع.







اخر الافلام

.. ترامب والقضاء.. المعركة تتجدد


.. الأمين العام للمجلس الأعلى الإيراني: طهران لن تسمح بتجاهل مص


.. -رحلة حنظلة- تعكس واقع القمع




.. محاربة الإرهاب.. أنياب واشنطن ومخالب أوروبا


.. تعز.. افتتاح مركز جراحة العظام بمستشفى الثورة