الحوار المتمدن - موبايل



التغير اللغوى وتطور المجتمع

ابراهيم طلبه سلكها

2015 / 9 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


التغير اللغوى وتطور المجتمع
بداية ، نؤكد أن اللغة أساس مهم للحياة الاجتماعية ، أو ضرورة من أهم ضروراتها ؛ لأنها أساس لوجود التواصل فى هذه الحياة ، وأساس لتوطيد سبيل التعايش فيها ، فهى سبيل الإنسان للتعبير عن حاجاته ورغباته وأحاسيسه ومواقفه ، وطريقه إلى تصريف شئون عيشه وإرضاء غريزة الاجتماع لديه . فمهما بلغ " ما يحصله الإنسان من مظاهر حضارية من علوم ، ومعارف ، وطرق ، ووسائل مادية ، فإنه يشعر فى قرارة نفسه بأنه يعتمد اعتمادا كليا على ما لديه من قدرة لغوية لتحقيق مآربه " . واللغة كذلك أداة هذا الإنسان للتخاطب مع الآخرين والتفاهم وتبادل الأفكار والآراء والمشاعر معهم ، وطريقة إلى فهمهم وتحسس أذواقهم ، وسبيله إلى معرفة مذاهبهم ، ووسائل التأثير فيهم ، وإيجاد العلاقات ، وبناء الروابط ، وتحقيق سبيل التعاون ، والتكافل معهم ، ومن ثمَّ توفير كل ما يساعده على العيش بينهم فى يسر وطمأنينة وسلام . وبالتالى فاللغة تصبح أساساً لتوفير الحماية والرعاية للإنسان بين أفراد مجموعته ، وعاملا مهما تحقق به منافعه ورغباته وتسهل سبل تنشئته وتتيسر أمور عيشه فى إطار هذه المجموعة ( ).
وربما كان هذا ما قصده هيدجر من قوله : " إن اللغة هى بيت الوجود ، وفى بيتها يقيم الإنسان . وهؤلاء الذين يفكرون بالكلمات ويخلقون بها هم حراس ذلك البيت وحراستهم تحقق الكشف عن الوجود " ( ).
ولذلك تؤدى اللغة وظائف عديدة للمجتمع ، كما أن تغير اللغة يرتبط بتطور المجتمع الذى يتكلمها . ويظهر هذا واضحا فى كتابات كثير من المفكرين والفلاسفة ، نذكر منهم ابن جنى الذى عرف اللغة بأنها " أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم " ( ) . وجون لوك الذى وصف الكلمات باعتبارها " القاسم المشترك للتجارة والتواصل " .( ) وفيبر الذى سلم بأن اللغة تسهل التفاهم المتبادل ، ومن ثم تسهل كل أنماط العلاقات الاجتماعية فى أعلى درجاتها . ولذلك فاللغة عظيمة الأهمية بالنسبة للمجتمع ما دام فهم سلوك الآخرين هو أكثر الشروط أهمية فى تشكيل الجماعات . واللغة - إضافة إلى هذا – هى " الحامل للموروث الثقافى الخاص للجماهير،وهى التى تجعل التفاهم المتبادل ممكناً واكثر سهولة"( ). وقد رأى سابير أن " اللغة وسيلة إنسانية خالصة وغير غريزية إطلاقا ، لتوصل الأفكار والرغبات والانفعالات عن طريق نظام من الرموز التى تصدرها أعضاء النطق عند الإنسان باندفاع الهواء من الداخل إلى الخارج" ( ). ورأى أولمان أن اللغة " نظام من رموز صوتية مخزونة فى أذهان أفراد الجماعة اللغوية " ( ). ورأى سيمون بوتر Simon Potter أن اللغة " نظام من الرموز الصوتية تتخذه مجموعة من البشر وسيلة للتواصل والتعبير عن رغباتهم وأفكارهم ( ).
وقد أكد بلومفيلد هذه الجوانب الاجتماعية للغة فقال" إن اللغة هى قمة العلميات البيو اجتماعية ، بل هى المسئولة عن تنظيم المجتمع الإنسانى " ( ). فالأشخاص فى الجماعة اللغوية Speech Community ينسقون أفعالهم بواسطة اللغة . واللغة هى الجسور التى تعبر الفجوة بين الأنظمة العصبية للفرد : المثير الذى يؤثر على أى شخص يمكن أن يكون فى حاجة للقيام باستجابة بواسطة شخص آخر فى المجتمع. فاللغة توحد الأفراد فى نظام اجتماعى ، وبهذه الطريقة ، فاللغة تعتبر بالنسبة للنظام الاجتماعى مثل النظام العصبى للفرد . فإذا كان المثير الذى يؤثر على أى جزء من أجزاء الحيوان يمكن أن يسبب بقوة الحركة فى أى جزء آخر ، بحيث إن النظام العصبى يساعد كرابط ففى النظام الاجتماعى ، المثير الذى يؤثر على شخص يمكن أن ينتج استجابة: والرابط يتحقق عن طريق اللغة ( ).
إن اللغة تمكن الفرد من إشباع حاجاته والتعبير عن رغباته وما يريد الحصول عليه من البيئة المحيطة .. لكن كيف يحدث ذلك فى المجتمعات غير المتحدثة أو غير الناطقة ؟ . إن اللغة فى هذه المجتمعات قد تحقق صوراً دقيقة من الاتحاد ، اللغة بأشكالها غير اللفظية . فمجتمعات الحيوانات غير الناطقة أو التى لا تستخدم الكلام تتواصل فى أشكال مختلفة التعقيد ، كما بين أعضاء عالم النمل ، وعالم النحل ، فهم يستخدمون أنظمة التواصل ، ويتم ذلك بالاكتساب عبر التفاعل . فالطفل يتعلم الاستجابة ( رد الفعل) للمواقف ( المثيرات) سواء كانت حركات جسمانية غير لغوية ، أو أصوات كلامية عرفية يسمعها من أشخاص آخرين . فالأفعال الكلامية من قبل الآخر تعمل كمثيرات للأنا ( ).
إن كل المجموعات اللغوية من أصحاب المهن المختلفة ( المزارعين- الموظفين -المقاولين -المهندسين- البنائين … الخ ) يؤدون أعمالهم من خلال اللغة. فالتعاون الدقيق فى الأنشطة الصغيرة جدا ، كما فى عملية الصيد ، صيد الأسماك ، أو صيد الحيوانات المفترسة يقوم على اللغة. وفى المجتمعات الكبرى التى نعيش فيها اليوم يزداد دور اللغة فتستخدم فى تقسيم العمل وأداء Performance الناس لأفعالهم بقوة وكفاءة . فاللغة أداة من أهم الأدوات التى نستعملها فى حياتنا ، فنحن نستخدمها كما نستخدم النار ، ووسائل المواصلات ، وأدوات المعرفة ، وآليات الفهم .. الخ. والنظر إلى اللغة كأداة لا يقلل أبدا من وظائفها .
وحينما نقول : إن " الجماعة اللغوية " نظام اجتماعى فيجب أن نحدد سلوك الفرد وعملياته الفسيولوجية والبيولوجية عبر مكانته فى مجتمعه ( ) ؛ ولذلك يعرف بلومفيلد " الجماعة اللغوية " بأنها " مجموعة من الناس تتفاعل عن طريق الكلام " ( ). وأشكال الكلام هى التى تحدد طبيعة الوحدة الاجتماعية .
ويرى بلومفيلد أن المجتمعات تتكون بواسطة الفعاليات اللغوية ، فالمنطوقات الكلامية تعطينا رؤية مباشرة لطبيعتها ، وتؤدى دورا أكبر فى نشأتها وكل ما ينجزه الإنسان . فلكى نكتشف " جماعة بشرية معينة ، أو ندرسها دراسة دقيقة يجب أن نفهم كلامها. وإذا أردنا أن نتعمق بشكل أكبر فى أساليب المجتمع وأصله التاريخى ، فإننا يجب أن نبدأ من لغته والوقوف على الشكل النظامى لها. فعلينا أن لا نقع فريسة للمعتقدات الخرافية ، أو أن نكون عبيدا للتسويفات العقلانية ، وأن نركز على دور اللغة حتى نرى الإنسانية رؤية صحيحة . فوجود الفرد منوط باشتراكه فى " الجماعة اللغوية " وكل مراحله السلوكية يمكن تحديدها عبر اللغة، ذلك أن معرفة الأنا والأنت والجيد والسيء ، والحسن والقبح ، والأمر والنهى تعتمد على فهمنا للغة وتكتشف من خلال منطوق الكلام ( ).
ولذلك فقد تطورت اللغة فى تبادل الرسائل ، وكل فرد يتعلم استعمال اللغة عبر ذلك التبادل . فلغة الفرد ، وفقا لذلك ، ليست من إبداعه ولكنها تتشكل من عادات استخدام اللغة ، وطريقة التواصل مع الآخرين فى المجتمع ( ).
ويتحدث بلومفيلد عن الوظيفة التاريخية للغة ، فيشير إلى دور لغة التسجيل والكتابة فى هذا الإطار. فلقد ازدادت الوسائل الحديثة الخاصة بتسجيل المنطوقات الكلامية وما نقدمه من إنجازات قيمة . فلدينا بشكل واضح أجهزة متطورة للكتابة والطباعة. ونستطيع اليوم أن نملأ المكتبات بأفضل الاستجابات أو الأعمال التى تم القيام بها والتى تهم العالم وذلك بتدوينها وتسجيلها؛ ومن ثم فهناك أهمية عامة للأفعال اللغوية فى المجتمعات. فلدينا اليوم ، ومن خلال تاريخنا وتقدم حضارتنا تراكم ضخم من الخبرات ، وإننا نقترب من الحد الذى فيه كل شيء فى العالم المشاهد أصبح مصحوبا باستجابة بشرية مسجلة فى صورة منطوق كلامى ، وفيه كل التسجيلات متاحة لأى شخص عند حاجته إليها ، وللحد الذى يجب فيه استبعاد اللامعقولية والخرافة ، وللحد الذى يشجع فيه النظام الاجتماعى القدرة على التغيير ، والبحث عن الأفضل ، وضم أشخاصاً ذوى تدريب أكثر تخصصا ، ولهم استجابات سريعة ملائمة لكل موقف ( ).
ومع ذلك ، فإن تطور العالم الآن لا يتواصل بثبات ، فالأنشطة اللامعقولية والتدمير الذاتى غالباً ما يتم حفظها كذلك عن طريق اللغة . وإن الخطأ المتكرر للمجتمعات هو القيام باستجابات غير ملائمة للمواقف الاجتماعية ويتعلق بطبيعة ما يسمى بالتفكير القبلى Apriori Reasoning واستخدام الخرافة وصور الفلسفة الوهمية أو أشباه التفلسف Pseudo-Philosophizing - ولكننا نستطيع من خلال الأفعال اللغوية ومعرفة الملاحظات الملائمة للمواقف أن نتخلص من الأنماط غير العقلانية للسلوك. وبالاستخدام الحر للغة وتطوير النظام الاجتماعى يمكن التخلص من أفعال التدمير الذاتى وجعل السيطرة لهؤلاء الذين يمثلون استجابة ناجحة. وتعتمد هذه العملية بشكل كبير على الكلام ، النقاش ، الحوار ، الجدل ، الشرح ، التفسير ، وتبادل الرسائل العلمية ، والتطبيق العام للفيزياء والهندسة والطب ، والحفاظ على الصحة العامة ( ).
كما يؤكد بلومفيلد على أهمية اللغة فى التدريب واكتساب الخبرات والحفاظ على التقدم ، وتأمين عمل الأفراد المتخصصين من مهندسين وفيزيائيين ، وكيميائيين وكل من يعمل من أجل البشرية فى المواقف الصعبة . والنظام الاجتماعى ، وهو النمط الأعلى من التنظيم فى كوننا ، وسوف يكتب له الخلود طالما يكون للأفراد فيه قدرة على التعامل مع المواقف المختلفة وتقديم استجابات ناجحة ( ).
وأهتم بلومفيلد بدور اللغة فى حياة الإنسان منذ مرحلة الطفولة فى كتابه " مقدمة لدراسة اللغة " ؛ حيث أعاد استخراج خطة فندت عن " الحركات الارتدادية " وتصنيف الإيماءات ، ولخص وصف فندت لتطور الكلام عند الطفل ، فلقد أعلن فندت أنه اعتمد فى آرائه على ملاحظته لاثنين من أطفاله ، وخلص أن مراحل تطور اللغة لدى الطفل تبدأ بالصريخ عند الولادة ، ثم الحركات الصوتية المعتدلة " المعبرة عن " المشاعر والأحاسيس المبهجة ، وهى حركات مكتسبة من أشكال قديمة من الحديث " ، ثم فترة من المحاكاة عديمة المعنى للكلام عند الراشدين ، ثم بداية " فهم" الكلمات ، وتمت الإشارة إلى أن الطفل يتجه بنظره إلى اسم الشيء أو الشخص ، وأخيرا فإنه يتعلم النطق الصحيح للكلام عندما يكون هناك رابط بين الكلمات التى ينطقها الطفل والأصوات المهمة التى يفهمها عندما ينطقها الآخرين ، وتصبح حيوية بشكل يكفى لتمكين الطفل من تكرار اللكمات مع الوعى بمعناها ( ) .
ويؤكد فندت الخاصية الاجتماعية للغة ، فرفض فكرة أن الأطفال " يخترعون " كلمات بشكل تلقائى معطين معنى للصوت الناتج" . ورأى أن اللغة تؤدى دورا مهما فى حياة الناس ، فهى تسمح بتعميق دقيق أكثر فى حالات أصل المجتمع وسيطرة تامة شديدة على هذه الحالات بشكل أكبر فى معظم العمليات الأخرى الخاصة بالتطور المادى . وحيث إن اللغة منذ بدايتها تتطور من خلال تفاعلها مع البيئة فإن تطورها يعد أكثر إمكانية للقيام بملاحظة موضوعية مفيدة عن الوظائف المادية أو النفسية الأخرى؛ وحيث إن هذا التفاعل هو عملية خارجية لا يمثل أى شيء ، فإن هذا المشروع يتطلب ملاحظة يومية أو حتى كل ساعة للطفل ، وحينما يكون ذلك ممكناً فإنه يتم الجمع بذكاء لكل الأشخاص الذين يتعاونون مع الطفل ، وبذلك فإن كل حدث جديد يمكن تسجيله فى نفس لحظة حدوثه ويمكن معرفة ظروفه ( ) .
إن تأكيد كل من فندت و بلومفيلد على اصل الكلام عند الفرد فى التفاعل الاجتماعى يذكرنا بالأطروحة الرئيسية لمارتى Marty حيث يتم فيها تطبيق التأكيد أيضا على اصل اللغة Origin of Language : " لقد تطورت اللغة فى تبادل الرسائل، وكل فرد تعلم استعمال اللغة تعلمها من خلال ذلك التبادل ؛ ونتيجة لذلك ، فإن لغة الفرد ليست من إبداعه، لكنها تتكون من العادات المستخدمة فى تعامله ، أو طريقته التعبيرية مع الأفراد الآخرين فى المجتمع " ( ) .
ومن خلال المناقشة الموجزة لأصل اللغة ، فإن بلومفيلد أعطى ترجمة مختصرة أساسا لآراء فندت حول هذا الموضوع :- " لم تكن الأصوات نفسها هامة بشكل مباشر للتجربة ، ولا يستطيع الأفراد بأى طريقة محتملة لهم أن يكونوا مقلدين لمعظم التجارب . إن الحركات فقط التى تنتج الأصوات تكون متطابقة فى التعبير ، ومن ثم في إشاراتها إلى التجارب .. وهكذا فالرابط بين الصوت والمعنى الذى لا يمكن أن يكون مباشراً حتى ولو فى شكله الأصلى، قد أفسدته حرية التحويل ، نتيجة للافتقار إلى أى رابط مباشر محسوس بين التجربة والمنطوق … لذلك فإنه من الواضح ، أنه حتى لو أن المرء استطاع بحث التطور الكلى لإنتاج الصوت والحركات التعبيرية من البكاء أو الألم فقط ، المقصور على بعض الحيوانات ، وحتى لو ارتبط الأمر بكلام الإنسان ، فهنا نجد نقطة مهمة يجب الوقوف عندها وهى : هنا تبدأ اللغة . فالحركات التعبيرية تعتبر المرحلة المادية للعمليات الذهنية : ومهما كانت العمليات العقلية ، فإن الحركات التعبيرية تتوافق معها . فعقل الإنسان ونشاطه التعبيرى قد تطور فى شكل رابط متماسك .. وبالفعل ، فإن هذا هو سبب استحالة وضع تعريف منطقى للغة مضاد للحركة التعبيرية على وجه العموم . فاللغة هى صورة الحركة التعبيرية الملائمة لفكر الإنسان " ( ).
وهنا بلومفيلد قد اتبع بوشر Bucher وفندت أكثر من ياسبرسن jespersen فهو يقول : " لقد كان من المعتقد أن الكلام غير المتناغم ينشأ من عادة الغناء الأولى فى التعبير . لكن البحث الواسع قد أوضح أن هذا ليس السبب ، حيث إن غناء الإنسان يؤدى إلى عمل ترتيلة ذات إيقاع معين " . وفى الفصل الخاص بـ ( الأساس العقلى للغة ) قدم بلومفيلد ملخصا لمذهب فندت عن " التجارب الإجمالية "،" العناصر السائدة "،" التعميمات المترابطة " .. الخ . ولقد رأى أنه للقيام بأفعال سوية والتفكير فى أسبابها وآثارها ، أو فى أى شئ ليس له علاقة مادية مباشرة بها فإننا يجب أن نتجه إلى اللغة ، معبرين عن أفكارنا فى شكل كلمات وجمل .. وللسيطرة بشكل مفصل على دور اللغة فى عملياتنا العقلية فإنه يجب تنظيم حقائق علم النفس " . لقد تعاملنا تجريبيا مع العالم الخارجى ليس كخليط عشوائى للأحاسيس لكن كنظام من الوحدات المتكررة المعقدة فى عالم الأشياء 0 وان رد فعلنا للتجارب غير المحدودة عن إحدى أنواع المنطوقات أو عن منطوق معين ،بينما فى الحقيقة لم يكن هناك تجربتين 0 إن التجارب عموما تحتوى على بعض العناصر السائدة ، هذا فضلا عن أن ارتباط كل التجارب مع طرق النطق الثابتة والمميزة .. وهذا هو التفكير العام. إن الجملة ذات رد الفعل الصوتى الثابت ، التى تمكننا من القيام بتجربة بشكل فعال لجذب انتباهنا تتيح أيضاً تحليل التجارب .. وإن كل تجربة مكونة من عدد من العناصر الفردية التى حدثت فى ظروف أخرى فى الخبرات القديمة . إن تحليل التجربة إلى عناصر " يحدث فى كل اللغات المعروفة وبمرور الوقت، يكتمل بواسطة عملية دائمة مستمرة ولكن غير متوقعة من التطور التى يجب أن نوضح أصلها . إن هذه العملية هى ربط علاقات التعبير بعلاقات التجربة " . ( )
ولما كانت اللغة والمجتمع فى تغير دائم، فإن أى تغير لغوى يفترض تفاعل القوى اللغوية الكلية والقوى الاجتماعية والثقافية الخاصة ، رغم أنه قد يكون هناك تغير اجتماعى مستقل عن التغير اللغوى . والتغير اللغوى يعتبر استجابة لجوانب كثيرة من السلوك الإنسانى. وقد ينتج عن الاتصال الثقافى والتمدن والتصنيع .. الخ . وقد يرتبط جزئيا بمتغيرات اجتماعية معينة ، ذلك أن اللغة مرتبطة بالمجتمع ، وهى مرآة ينعكس عليها ما عليه المجتمع من تحضر وتقدم . فكل تطور يحدث يتردد صداه فى أداة التعبير ، وكلما تقدمت الحياة فإن اللغة يجب أن تتحرك لتستوعب كل مظاهر الحياة الجديدة ، ويكون أمامها حينئذ سبيلان ، إما المحافظة على الألفاظ الموروثة مع إكسابها دلالة جديدة ، وإما أن تستعير ألفاظ اللغات الأجنبية التى تطلق على المبتكرات الجديدة ( ).
وآراء بلومفيلد حول " التغير اللغوى" Linguistic Change قد تطورت عبر مؤلفاته . ففى كتابه " مدخل إلى دراسة اللغة " قد اتبع فندت أكثر من اتباعه باول Paul ودلبروك Delbruck فى نسب التغيرات اللغوية إلى الأصول العامة أكثر من الفردية " وهكذا فإن التغير الذى يحدث فى اللغة ليس تعديلا واعيا بواسطة الأفراد ، بل هو تغير تدريجى غير واعٍ فى عادات كل مجتمع ؛ حيث يتلقى المتحدث الفرد عاداته من المجتمع ، ودوافعه لا تأتى من النهوض بالعمل ، إنما تتأثر سببيا فقط بالمجتمع ككل " ( ).
كذلك نجد بلومفيلد يتبع فندت فى وصف التغيرات الصوتية Sound- Changes على أنها نتاج للتحولات التدريجية والتطورية فى مجال قدرات الحركات الخاصة بالنطق . ولقد تم تطبيق نفس هذه المبادئ أيضا على " تضمين الخبرات الجديدة تحت كلمات جديدة ،وحدوث القليل من المماثلات المورفولوجية Morphologic Assimilations غير المتوقعة بين كثير من تلك الوحدات المألوفة". حتى الموضة و " محاكاة البرستيج " تتطلب من أجل انتشارها " قابلية أو تهيئة فيزيقية" . " إن العادات المعبرة عن المجتمع ككل يمكن ابتكارها ، أو هى ابتكار من الناحية الفيزيقية ، وبدون أى تغير على الإطلاق من الناحية النفسية" ( ).
ولم يقبل بلومفيلد تفسير فندت للتغير الصوتى على أنه يحتاج إلى الكلام السريع : " لم يثبت أبدا أن التغيرات التى نعرفها ترجع إلى الزيادة فى سرعة النطق " . بينما التغيرات الصوتية دائما ما يكون لها تأثير فى تبسيط الحركات الكلامية والكلمات المختصرة ،وهذه التأثيرات لا يمكن تحديدها بشكل مباشر كأسباب؛ وحيث إن هذا سيؤدى لظهور سؤال غير واضح ، وهو لماذا تحدث التغيرات فى مكان وزمان محددين ؟ " وتحت مجموعة فقط من الظروف فإن تغيرات الصوت يمكن تفسيرها". وتلك هى الظروف الخاصة باللهجة المحلية أو الخليط اللغوى الذى أكد عليه دلبروك. بطريقة أخرى ، " فإن السبب من المحتمل أن يكون فى كل حالة من التغيرات فى العادات الكلامية ككل ، التى ترجع بدورها للتغير فى الظروف المهمة فى الحياة ". ولقد وصف فندت " قوى الطبيعة، العرق ، والخليط اللغوى " على أنها فروض نظرية تماما ( ).
ولقد تم تعريف " التغير القياسى Analogic Change على أنه تغير فى صورة الكلمات التى يحدد معناها بأى طريقة " .. فالتشابه الصورى الجزئى بين الكلمات ، حينما يعبر عن تشابه دلالى متوافق ، يرجع العامل النفسى للماثلة ( لعلاقات التعبير مع علاقات التجربة) .. إن كل ذلك التوافق بين المعنى والصورة يبقى بواسطة العمليات المتكررة للماثلة فى ذهن كل متحدث ، ولكن الظروف التى يحدث تحتها تلك المماثلات متغيرة بشكل مستمر ، فهناك تغيرات فى التنظيم العقلى ، فى تكرار الاستخدام الحالى للصور المختلفة ، فى الثقافة وما يحيط بها ، فى صياغة الكلمة ( الناتج من التغيرات الصوتية) وفى أجيال من المتحدثين ( ) .
وهذه العملية تسمى التغير القياسى . فيجب علينا التحدث عن الابتكار نتيجة للتأثير المتماثل للنطق بواسطة كلمات متماثلة دلاليا ، وهذا هو " المماثلة الصوتية الترابطية " . إن مصطلح " التغير القياسى " أو " القياس " قد تم الاحتفاظ به فى الواقع لأنه مختصر بشكل مقنع . وإن تعديل " القياس الزائف " يعتبر أفضل ، لأنه يصل على الأقل لفكرة الابتكار ، كمضاد للعمليات المتماثلة المنتظمة التى يتكون بها كل الكلام ( ).
وبالطبع ، فإن تعبير " القياس الزائف " نجده فى الاتجاه النحوى الجديد ، برغم أن " الفساد " قد أصبح " ابتكاراً " . فقد ميز بلومفيلد ثلاثة أنماط من التغير القياسى: التلوث Contamination، التكيف أو التطويع Adaptation ، و" القياس النسبى " . والنمطين الأخرين هما الأكثر تعددا وتميزا ؛ حيث إنهما يوجدان نتيجة للتأثيرات المتماثلة ، وليس للكلمة المفردة ، لكن لسلسلة كاملة من الكلمات .
وبالطبع ، فإن بلومفيلد كان يستعمل " المماثلة " بشكل مختلف عن فندت ، وبالمعنى الذى قدمه دلبروك والخاص بتطويع أصناف الصورة . لقد أشار إلى " القياس النسبى " على أنه التعبير بطريقة واقعية لدراسة الوقائع اللغوية كما لو كانت تنتج من تصرف فردى متقن ، بينما هى فى الحقيقة تعد نتاجاً لعدد من القوى النفسية المعقدة والمتدرجة فى كل واحد من الأفراد الذين يشكلون المجتمع . إن التغير القياسى للعناصر النحوية للكلمات "هو واحد من القوى الرئيسية فى اللغة " … ومع الوضع فى الاعتبار أصناف الكلمات فإن بلومفيلد يقول : " إن التحليل الجزئى( بواسطة العناصر الترابطية) يرجع لاقتران أو تداعى الخبرات Association of Experiences المتشابهة ، ومن الطبيعى ، أننا لا نستطيع توقع العادات المقترنة للمجتمعات الكلامية ، التى تبرز هذه التصنيفات الموروفولوجية ، للتوافق مع نتائج الدراسة العلمية الواعية للكون ( ) .
ولقد اهتم بلومفيلد بمشكلة مهمة جذبت انتباه العديد من علماء النفس ولا تزال تمثل موضوعا لكثير من التأمل فى قوله : " إننا لا نحتاج للإضافة ، حيث إن الصور القديمة متماثلة وأن الصور الجديدة قد نتجت بواسطة العملية القياسية . إن المماثلات المعتادة لكل الكلام ليست مختلفة عن إبداع صور جديدة قياسية ، وهذه العملية بدورها ليست مختلفة عن تلك التى يمكن بواسطتها أن تظهر صورة أو كلمة جديدة تماما . وباختصار فإن نطق صورة قياسية جديدة لا يختلف فى هذه العملية عن الصورة القديمة ( ).
إن مناقشة بلومفيلد للتغير الدلالىSemantic Change تتبع بشكل دقيق فندت ، من خلال " تحليل تجربة كلية " و" عناصر سائدة " و" عادات التداعى " Association ؛ لهذا يقول بلومفيلد: " إن معظم التغيرات الدلالية تعتبر تحويلات غير واعية للمعنى الناتج مباشرة عن الاستعمالات الأولية للكلمة والعناصر السائدة التى تستدعيها ، والتى تتم بشكل منفصل وفى نفس الوقت بواسطة العديد من المتحدثين ". وهو لا يبدو قد تأثر بمبدأ دلبروك الخاص بأن التغير الدلالى يحدث بشكل منفصل ويكون من نصيب الأصوات ، وقد أعطى أمثلة لذلك من تغيرات صوتية سابقة تؤدى " للازدواجية " ، والتى أصبحت مختلفة دلاليا . وفى الحقيقة ، فإنه لم يذكر دلبروك ولا بول فى مناقشته للتغير الدلالى . ( )
وفى حديثة عن " الظروف المطلقة للتغير فى اللغة " عبر بلومفيلد عن أطروحتين رئيسيتين لفندت : أمَّا الأطروحة الأولى فهى أن كل من التغيرات الدلالية والتغيرات الصوتية قد تم تحديدها بشكل قانونى ، بينما الطبيعة الاجتماعية والتقليدية للغة لها تأثير عرفى قوى ، وحدوث " تغيرات ارتدائية " ، فإن هناك حركة تطويرية فى اللغة . وبالنسبة للأطروحة الثانية يقول بلومفيلد : " ليس هناك شك فى أن التغيرات فى اللغة ليست خليطا عشوائيا ، أو حالة متفق عليها ، بل هى عمليات من التطور . بالضبط ، مثلما أنه لا يوجد شخص يتوقف حتى يوم وفاته عن تعلم الكلام ، وبذلك فإن أفراد الجنس البشرى يغيرون و يبدلون كلامهم فى صور أكثر ملائمة . لقد رأينا أن التغير الصوتى يحمل مظهر التطويع وإعادة التطويع الثابتين .. فالتغير الدلالى يؤدى مباشرة إلى التعبير عمَّا يعتبر فى أى وقت محتوى للتفكير .. ومع مطابقة صورة جديدة من الكلام من العادات الكلامية الباقية ، ومع علاقات الخبرة فإنه يجب إيجاد القبول للصورة الجديدة و استبعاد أى صورة قديمة أقل ملائمة ، وسيظل التغير دائما كخطوة متقدمة . وتبعا لذلك ، فإننا يمكن أن نتوقع حدوث تطور بطيء فى كل لغة ؛ لكنه مع ذلك يكون حتمياً ( ) .
وقدم بلومفيلد فى كتابه " اللغة " رؤية متطورة عن وجهة نظر النحويين الجدد حول التغير الصوتى . لقد قال عن هذا الموضوع ما يمكن أن يقال عن المشاكل العديدة الأخرى فى علم النفس وعلم اللغة ؛ فلقد كان التعارض والخلاف بينهما يرجع بشكل كبير إلى " المصطلحات السيئة " . " فالقوانين " الصوتية ليست قوانين لكن عبارات عن أحداث تاريخية مستدل عليها من التطابقات الصوتية بين الفونيمات فى المراحل المختلفة للغة . فالعبارة التى تقول " إن القوانين الصوتية ليس لها استثناءات " هى طريقة غير مؤكدة ، لقول إن العوامل غير الصوتية ، مثل تكرار ، أو معنى الصور اللغوية غير مشتركة مع تغير الفونيمات . والاستثناءات الواضحة يمكن شرحها إما بواسطة دراسة تأكيديه بشكل أكثر للسياقات الصوتية ( التغيرات الشرطية ) ، أو من خلال الأحداث اللاحقة مثل الاستعارة أو الاقتراض Borrowing ، أو التغير القياسى ، فليس هناك " تغيرات متفرقة ". وهكذا فإنه ليس هناك أى أثر لتأكيد فندت للتفاعل بين الصوت والتغير الدلالى .
إن أوصاف بلومفيلد للأنواع المختلفة من التغيرات التاريخية تعتبر بالفعل مقترحة ، لعالم النفس ، للدراسات التجريبية، ولكن بلومفيلد يشير باختصار لهذه الدراسات فقط ولم يسع لربط الظواهر اللغوية بأى مبادئ نفسية منطقية. وهكذا ، نجد تضمينات سببية فى عباراته الخاصة " بنماذج" التغيرات القياسية " والعادات العامة للمجتمع" و" الصور غير التقليدية من الابتكارات المتكررة بشكل كبير" .. فاللغة ليست نظام بيولوجى فى حد ذاته لكنها منتج للوجود البشرى والاكتساب أو الإعادة بواسطة التضمن وقيم المبادئ النفسيه ( ).
ولقد ركز بلومفيلد فى حديثه عن " التغير الدلالى" على دراسة مادة علم اللغة التاريخيى Historical linguistics ، وهذا هو سبب سعيه للحصول على تفسيرات من خلال المصطلحات " اللغوية الخالصة " ؛ ولذلك نجده يقول : " إن الخطأ المنهجى الذى أعاق هذه المرحلة من عملنا هو عاداتنا فى وضع السؤال بمصطلحات غير لغوية من خلال المعنى وليس من خلال الصورة " ؛ حيث إن التغيرات فى السؤال هى تغيرات فى المعنى وهذا قول يبدو غامضا . لكن بالنسبة لعلم اللغة التاريخى ، فإن المادة تكون موجودة فقط فى الوثائق ومن خلال ذلك فإن اللغوى يجب أن يسعى " للسياق الذى يظهر فيه المعنى الجديد لأول مرة ". وفضلا عن ذلك ، " فإن التغير الدلالى يشمل المزايا والعيوب أو المفضلات والمستبعدات … وإن تسجيلاتنا تعطينا جزءا متناهيا فى الصغر لما تم التحدث به وهذا الجزء يتكون تقريبا من الكلام المطور الذى يتجنب العبارات الجديدة " ( ).
ويقول بلومفيلد فى نهاية الفصل الذى كتبه عن " التغير الدلالى" : " يمكننا أن نفهم بشكل أفضل التغيرات فى الحالات الحديثة ؛ حيث إن القيم الضمنية والخلفية العلمية تكون معروفة ". وأعطى القليل من الأمثلة عن تلك الحالات. ففى علم اللغة التاريخى، المنهج التقليدى للاشتقاق قد ظهر كما لو كانت الصورة الكلامية هى موضوع دائم تقريبا فى ارتباطها بالمعنى". فلقد رغب الدارسين السابقين بدراستهم للمعانى المتكررة لصورة مفردة ، إيجاد هذا التغير. وقد جعلهم ذلك يصنفون التغيرات الدلالية طبقا للعلاقات المنطقية التى تربط المعانى المتتالية. ووضعوا هذه الأصناف ( بالمعنى الضيق والمعنى الواسع) .. ورتبوا مجموعات من الأمثلة فى أصناف التغيرات قابلة الحدوث .. فالتغير فى المعنى يمكن أن يضع ارتباطاً بين الأشياء العملية ، وبهذا يلقى الضوء على حياة الأزمنة القديمة .
وبهذه الطريقة فإن الاشتقاق الدلالى والمجالات الثقافية يمكن أن يثبت بعضها البعض " حيث إن الخصائص الصورية يمكن أن تنشأ من عوامل محددة ومتغيرة بشكل كبير ، وبذلك فإن معنى الصورة يمكن أن ينتج من المواقف التى نستطيع إعادة تكوينها ، ونستطيع أن نعلم فقط إذا كان التقليد التاريخى معروفاً لنا .. إن كل ذلك وبعيدا عن الاهتمام اللغوى الزائد يعطينا مقياساً ما للاهتمام للاحتمال الذى نستطيع عن طريقه الحكم على المقارنات الاشتقاقية، لكنه لا يخبرنا كيف أن معنى الصورة اللغوية يمكن أن يتغير بمرور الزمن ؟ لهذا فإنه فى الحالة العادية يجب علينا التعامل مع اختلافات التكرار ، فالاختلافات تؤدى إلى استبدالات معجمية بدلا من النحوية ( ).
ويؤكد بلومفيلد أن التغير لا يعتمد فى الأغلب على الخصائص الصورية ، لكن على المعنى ، ويهرب تبعا لذلك من الدراسة اللغوية الخالصة . والتغيرات التى تكون دائما مستمرة فى الحياة العملية للمجتمع تكون مترابطة بشكل يؤثر على التكرارات النسبية للصور الكلامية .. والموقف العملى يكون لصالح الكلمات التى تتطلب استجابة جيدة .. والفعاليات العامة تعد من العوامل القوية فى الاختلاف ، والتى لسوء الحظ بعيدة لحد ما عن سيطرة اللغوى .. فالقوة الشديدة لكل الأعمال المختلفة بعيدة عن منال اللغوى : المتحدث يفضل الصور التى سمعها من متحدثين آخرين ، هؤلاء الذين يؤثرون على طريقته فى الكلام بشكل ما .. يمكننا أن نفترض أن العديد من خصائص المعجم والنحو ، وبعض خصائص علم الصوتيات ذات علاقة اجتماعية مختلفة بالنسبة للمجموعات المختلفة وحتى للمتحدثين ( ).







اخر الافلام

.. شباب توك 2017: أكثر الحلقات جدلا من الاستوديو


.. موعدنا | الصداقة الحقيقية أهم  من الحب وتدوم لفترة أطول.. له


.. هل طويت صفحة بنكيران بعد انتخاب العثماني خلفا له؟




.. تقارب روسي تركي حول الملف السوري


.. مقتل خبراء صواريخ لميليشيات الحوثي بغارات للتحالف العربي