الحوار المتمدن - موبايل



روسيا والغرب والحرب على الغاز

سامي عبدالقادر ريكاني

2015 / 10 / 10
السياسة والعلاقات الدولية


قد تفاجا الكثيرون من التدخل الروسي في سوريا مع كونها مسالة طبيعية فسوريا الدولة العربية الوحيدة التي بقيت موقفها منذ تولي حافظ الأسد الحكم فيها والى الان ثابتة في تحالفها مع الاتحاد السوفيتي السابق ووريثتها روسيا اليوم وقاعدة طرطوس العسكرية الباقية للروس على الساحل السوري منذ الحرب الباردة والتي تعتبر اكبر معلم من معالم هذا التحالف المصيري والذي يبدد كل العجب ، ومن جهة أخرى فالذي سيبطل سحر هذا الترابط الرومانسي القاتل لكل من يريد ابعاد سوريا وطغمتها الحاكمة من الكرملين هي معرفة ما الذي في سوريا حتى يهيم بها الحكومات الروسية المتعاقبة وتصر على فناء الشعب السوري مقابل الابقاء على العائلة الحاكمة ؟, وللاطلاع على هذا السر الذي لطالما حاولت الجهات الإعلامية تجاهلها ولطالما ذكرتها واشرت الى أهميتها في كتاباتي ومقابلاتي التلفزيونية عند حديثنا عن الصراعات الدائرة على المنطقة ، وخاصة بعد احداث الربيع العربي حيث وصل الصراع الى اوجه بين المعسكرين الغربي بقيادة أمريكا والروسي وحلفائهم في الآونة الأخيرة ، فمنذ بوش الاب والإدارة الامريكية دأبت للسيطرة على مصادر النفط واولت أهمية قصوى الى مصادر الغاز في كل من اسيا الوسطى والشرق الأوسط وذلك لإخراجها من سيطرة أي حكومة تعقب الاتحاد السوفيتي وتبقيها محتكرة في ايديها , ولكن لم تستطع أمريكا من تحقيق ذلك بالطرق السياسية وبعد احداث 11 سبتمبر حاولت أمريكا عبر رئيسها بوش الابن السيطرة على تلك المناطق بالقوة وبحجة محاربة الإرهاب فانطلق في استراتيجيته العسكرية الدخول الى اسيا الوسطى عبر حرب الأفغان للاقتراب من دول حوض بحر القزوين الذي يضم اكبر مخزون للغاز العالمي فيها , وحاول من خلال الحرب على العراق السيطرة على النصف الاخر من مصادر المخزون الغازي في الشرق الأوسط ولإرضاخ ايران وسوريا اكبر منطقتين لم تكن ترضخ بعد للسيطرة الامريكية في الشرق الاوسط، فايران لكونها مصدرا كبيرا للغاز إضافة الى النفط ومع دورها ومكانتها الجيواقتصادية والجيواستراتيجية في المعادلة الإقليمية , وسوريا تعتبر مكانتها الاستراتيجية المطلة على البحر المتوسط واعتبار أراضيها معبرا لاهم خط لنقل الغاز في المنطقة الى تركيا لتعبر عبر خط ناباكو الى أوروبا إضافة الى وجود اكبر قاعدة روسية فيها واكتشاف الغاز في ساحلها أخيرا كل هذا زاد من مكانة الدولتين في الصراع الدائر على المنطقة وخاصة بعد الإصرار الأمريكي في السيطرة على منابع الغاز والنفط فيها، وبعد فشل سياساتها التي أدت الى صعود نجم روسيا مرة أخرى ومعها الصين وكانت نتيجتها التحرك لصد الاطماع والمخاوف من النيات الامريكية ومحاولاتها ابعاد الدول الأخرى من المشاركة في تقسيم المصالح والادوار وقيادة المجتمع الدولي , فتحرك بوتين منذ توليه الحكم لمواجهة المخططات الامريكية بداها بالحرب على الغاز من الداخل بتصفية القيادات الموالية للغرب وتوجهاتهم واسس شركة غاز بروم العملاقة ومن ثم تحرك خارجا على الجمهوريات المطلة على بحر القزوين وعلى الدول التي من المحتمل ان تتعامل مع أمريكا وخاصة التي من الممكن اتخاذ أراضيها من قبل أمريكا لنقل الغاز الى أوروبا وهذه الدول هي تركمانستان وأذربيجان وجورجيا كازاغستان وأرمينيا المطلة على بحر قزوين وبعدها تحرك نحو ايران وسوريا لعقد تحالفات جديدة لإفشال خطط أمريكا في سعيها لإيجاد خط بديل في الشرق الأوسط لتعويض الغاز الذي فقدها في اسيا الوسطى, وبعد بناء شركة غاز بروم الروسية التي أصبحت اكبر شركة محتكرة للغاز العالمي ،حركت السياسات الروسية لتوسيع امبراطورية هذه الشركة فمكنتها من الحصول على العقود الطويلة الأمد للغاز مع الدول المطلة على بحر القزوين وسارعت سواء بالتهديد او تقسيم بعض الدول التي رات انها تحاول التعاون مع أمريكا في سياساتها الاقتصادية والتي أدت الى تقسيم واستقطاع أراضي استراتيجية من بعض تلك الدول كجورجيا وأذربيجان وأوكرانيا وبدات بمد خطوط اختبوطية لنقل الغاز من تلك المناطق الى أوروبا الشرقية والغربية والصين ومن اكبر تلك الخطوط السيل الجنوبي والشمالي واصبح اكثر من 65بالمئة من واردات أوروبا من الغاز هي من روسيا وشركتها غاز بروم واستطاعت روسيا من الخروج من ازمتها الاقتصادية وبدات بالصناعة الحربية والغت اتفاقياتها لحضر الأسلحة او بيع التكنلوجية المتطورة الى بعض الدول كايران وسباق التسلح التي وقعتها مع أمريكا عقب سقوط الاتحاد السوفيتي في التسعينيات من القرن الماضي,بل ساعدت ايران للتطوير في برامجها النووي , وبالمقابل انشات تكتلات اقتصادية مع دول تعتبر مناهضة للوجود الأمريكي وادخلت دول أخرى حليفة في تلك التكتلات وهي تكتل شنغهاي وبريكس الاقتصاديتين وتعمل الان لانشاء قوة عسكرية مشابهة ومنافسة للناتو للدفاع عن مصالح هذه التكتلات ,والتي تعتبر باعتقادي التدخل الروسي الان في سوريا هي في حقيقتها تغطية لاخفاء القوة المشتركة لتلك التكتلات خلف قيادة روسية فهناك تكهنات استخباراتية تؤكد بان حلفاء روسيا كالصين وكوريا وغيرها ،بصورة مباشرة اوغير مباشرة مشتركون في هذه الحملة ، وجاءة هذه التطورات عندما حاولت أمريكا وأوروبا بعد فشلها في اسيا الوسطى للتحرك في الشرق الأوسط وإيجاد البديل لغاز اسيا الوسطى المحتكر من قبل روسيا والتي تستعملها للضغط على أوروبا واستغلال حاجتها لهذا الغاز , والتي كانت امريكا قد أعلنت سابقا عن اتفاقية لتاسيس خط ناباكو المنافس للسيل الجنوبي والشمالي الروسيين والتي فشلت مرتين وتصر الان مع الاتحاد الاوروبي بانشائها باي طريقة كانت والتي تعترضها كم هائل من المشاكل المتنوعة .فخط ناباكو هو خط نقل الغاز من مصدرين الأول غاز بحر القزوين عبر تركمانستان أذربيجان وجورجيا , والثاني من الشرق الأوسط من العراق وايران والقطر ومصر وإسرائيل وجمع هذين المصدرين في تركيا لتنقل عبر أنبوب يمر عبر أراضيها لايصالها الى أوروبا والعالم وبدون ان يمر بالاراضي الروسية ، ولكن بعد فقد مصادر تمويل ذلك الخط من الغاز من المصدر الأول بضغوطات روسية واحتوائها لتلك الدول كما ذكرنا ، لم يبقى لهم سوى الشرق الأوسط وغازها للحصول على الكمية المطلوبة للمرور بذلك الانبوب المسمى ناباكو ، ولكن وقوف ايران مع الجبهة الروسية حرم الانبوب من اكبر مصدر غاز لها وكذلك الغاء سوريا للمشاركة في تأسيس هذا الانبوب ومنع مرورها عبر أراضيها الذي كان قد وافق عليها في 2002 , و2009 الى انها في 2010 تراجع عنها انزالا لرغبة روسيا الحليف القديم واثمر هذا التحالف عند الانتفاضة السورية بالدفاع المستميت لروسيا عن بشار ونظامه ضد المحاولات الغربية الامريكية للتخلص منه، وتاتي أهمية سوريا أولا لان الغاز المزمع جمعها من المنطقة الشرق أوسطية من قطر كاكبر مصدر للغاز في الشرق الأوسط والذي يراد نقلها الى تركيا ليعبر عبر ناباكو الى أوروبا ولاتستطيع أوروبا الاستفادة منها لعدم وجود معبر بري لنقلها الى تركيا سوى معبر واحد والذي ينقل من قطر عبر السعودية والأردن ومرورا بالأراضي السورية والتي فيها تتفرع منها خط ليصب على البحر المتوسط من الساحل السوري والأخر ينقل عبر الحدود ليصل الى تركيا وعبر ناباكو ينقل الى أوروبا وعدم قبول سوريا وايران بالمشاركة او بالقبول بامداد هذا الخط عبر الأراضي السورية ومن المناطق الكوردية( هذا السر أيضا يكشف الإصرار التركي على محاربة الكورد في سوريا )ومعنى هذا أيضا بانه لاجدوى من هذا الخط والتسليم بالسيطرة الروسية وحلفائها على الغاز العالمي واحتكارها في كلا المنطقتين , وبالمقابل يعني حرمان تركيا مما كانت ستجني من فوائد عبور هذا الخط الذي سينقذها من حاجتها الى الغاز الذي 30-40 بالمئة تاتي من روسيا والجزء الاخر من ايران وبقية الدول العربية ، كذلك يعني حرمانها من المكانة التي كانت لتحصل عليها عند الاتحاد الأوروبي وامريكا واسترجاع مكانتها العثمانية في الخريطة الشرق الأوسطية والتي حاولت أوروبا وامريكا بالتخطيط مع قطر وتركيا والاسلام الوسطي عبر الربيع العربي للسيطرة على كل مصادر الغاز والنفط في المنطقة ومناطق عبورها البرية والبحرية ابتداء بالدول الساحلية من تونس وليبيا واليمن ومصر واخرها كانت سوريا وبعدها ايران والذي كان معظمها لتمر من الأراضي التركية الى العالم الغربي إضافة الى المعابر المائية في المنطقة ، ولكن مخاوف روسيا وبعدها دول الخليج التي خافت على مكانتها الاقتصادية والسياسية وايران على مستقبلها افشلت هذا المخطط وابقت على بشار الأسد كعقدة كأداء لكل من تركيا وأوروبا وامريكا وقطر وحلمهم بخط (الناباكوي ) المنقذ, وبالمقابل بعد الانسحاب الأمريكي من العراق ارمى المالكي نفسه في الحضن الإيراني الروسي ومقابل الدفاع عنه واعفاءه من تصرفاته التي كانت تغيظ الإيرانيين عندما كان يحتمي بالرعاية الامريكية وضع المالكي العراق ارضا وشعبا وسياسة تحت رحمة المخططات الإيرانية الروسية ، وكان اول عمل قام بها هو القبول بالتوقيع على امداد خط غاز من ايران عبر العراق الى سوريا وصولا الى البحر المتوسط لنقلها الى اوربا وبذلك يكون قد اطلق المالكي رصاصة الرحمة على ناباكو وعلى الغاز القطري وتحالفها مع الاتراك ،لان هذا الخط سياخذ من اكبر حقل غازي في العالم المسمى بحقل بارس الموجود في بحر الخليج وهو مشترك بين قطر وايران وان ايران تحاول بكل الإمكانات العمل في هذا الحقل والذي سيكون على حساب قطر لان قطر ليس لها سوى النقل البحري لهذا الغاز المسال والذي يعيق زيادتها لصادراتها منها لصعوبة النقل وناباكو هو الخلاص الوحيد لها لذلك نستطيع ان نتفهم التعاون التركي القطري واصرارهما لتغير النظام في سوريا ، وبالمقابل نتفهم الإصرار الإيراني والروسي للتمسك ببشار وسوريا فهي عقدة ناباكو بين الشرق والغرب فسقوط بشار يعني نجاح ناباكو ومؤسسيها وإخراج روسيا من الشرق الاوسط وكسر احتكارها للغاز العالمي عصب الاقتصاد الروسي وسر نهوضها المبكر، وكذلك تحجيم دور ايران وتطويقها عربيا وتركيا , وابقاء بشار يعني إبقاء الاحتكار الروسي للغاز العالمي وتحجيم دور تركيا واهميتها بالنسبة لاوروبا وامريكا والمنطقة العربية ، والمستفيد من الازمة بكلا الطريقين عدى قطر هي الدول الخليجية حيث استطاعت عبر حليفها الأمريكي حماية نفسها من روسيا وايران واستطاعت بالمقابل بالاعتماد على روسيا من افشال المخطط الأوروبي التركي القطري الاخواني من انتزاع المكانة المرموقة لها لدى الغرب وتحالفاتها الاقتصادية والعسكرية معهم وذلك عبر إفشال الربيع العربي وخلاصة القول أمريكا وأوروبا تريد السيطرة على الغاز مصادرها وطرق نقلها وتغير أنظمتها المناهضة اذا ابت , وذلك بفتح القواعد العسكرية في أراضيها او قربها لحماية العملية والسيطرة وذلك في كل من اسيا الوسطى والشرق الأوسط، وروسيا عبر حلفائها استطاعت من افشال او تحجيم هذه السيطرة عبر انتهاج نفس السياسات الامريكية الأوروبية ، والنتيجة سيطرة روسيا على غاز اسيا الوسطى وأصبحت اكبر مصدر للغاز العالمي ممازاد من مكانتها الاقتصادية والعسكرية، وبالمقابل تحاول منع أي سيطرة أوروبية أمريكية على مصادر الغاز في الشرق الأوسط ، وذلك بعد محاولة الأخير انشاء خط بديل (ناباكو) لمنافسة وكسر احتكار روسيا للغاز العالمي والمستفيد الأكبر من هذا الخط بعد أوروبا هي تركيا وقطر وإسرائيل ومصر ، والخاسر الأكبر هي روسيا وايران , ونظام بشار الرابح الأكبر سياسيا , وشعبه الخاسر الأكبر الذي يدفع ضريبة هذا الصراع ، وليس داعش سوى ذريعة ولعبة بها تتصارع الأطراف وعليها تتشارك المصالح.







اخر الافلام

.. كيف تختار العروس فستانها ومجوهراتها؟


.. ...جدل في مصر حول تعديل مادة دستورية لتمديد فترة الرئاسة


.. نشرة الإشارة الثانية 2017/8/22




.. فلسطينيون يخشون ترحيلهم من شرق بلدة العيساوية


.. لماذا توالت الهجمات الإرهابية على الشارع الأوروبي مؤخراً؟ بر