الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الشاعر الإنكليزي العراقي الأصل سيغفريد ساسون

حسين كركوش

2015 / 11 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


مرت في هذا العام (شهر أيلول) 129 سنة على ولادة الشاعر الانكليزي العراقي الأصل ، سيغفريد لورين ساسون Siegfried Loraine Sassoon (1886-1967)، أحد أشهر شعراء الحرب العالمية الأولى في انكلترا.
ينحدر سيغفريد ساسون من أسرة ساسون العراقية اليهودية ، وهي من العائلات البغدادية الثرية العريقة في القرن الثامن عشر ، وكان أفرادها بمثابة (أمناء صندوق) لدى الولاة العثمانيين في العراق. ومن أبنائها حسقيل ساسون ( 1860-1932) الذي أصبح في عام 1921 أول وزير للمالية في العراق الحديث.
عميد الأسرة والجد الأكبر للشاعر سيغفريد، هو ساسون بن صالح (1750-1830). أحد أبنائه هو داوود ساسون الذي ولد في بغداد سنة 1792. وعندما كبر داوود و اشتغل في ميدان التجارة فأنه ذهب للبصرة ليستقر فيها ويواصل نشاطه التجاري. لكنه غادر البصرة إلى إيران ومن ثم إلى مدينة بومباي في الهند ، الواقعة آنذاك تحت السيطرة البريطانية. وفعل ذلك بسبب مضايقات من بعض الولاة العثمانيين ، كما يقول بعض كتاب السيرة الذاتية لحفيده الشاعر سيغفريد ، أو طلبا للاستقرار ولمواصلة عمله التجاري ، كما يرى بعضهم الآخر. وهناك في الهند استطاع داوود أن يكون امبراطورية تجارية توسعت وامتدت خارج الهند.
ابنه ساسون داوود ساسون، أي جد الشاعر سيغفريد كان يقيم في شنغهاي ، حيث كان يدير شؤون العائلة التجارية هناك. و قبل ست سنوات من وفاة أبيه ، أي في عام 1858 ترك شنغهاي و سافر إلى انكلترا و أستقر في لندن ليواصل العمل التجاري. وهناك تزوج من (فرحة روبين) وهي ابنة تاجر يهودي عراقي. وقد رزق منها ذرية بينهم (الفريد عزرا) الذي ولد سنة 1861 وهو أب الشاعر سيغفريد ، و الذي تزوج لاحقا امرأة إنكليزية مسيحية تنتمي لعائلة ارستقراطية تهوى وتمارس فن النحت.
ومن هذه الزيجة اليهودية المسيحية ذات الجذور العراقية الانكليزية ولد عام 1886 الشاعر سيغفريد لورين ساسون في منطقة (كنت) البريطانية. وأمه هي التي اختارت له الأسم الأول الذي استلهمته من أحدى شخصيات أوبرا فاغنر التي كانت تعشق سماعها. وعندما أصبح سيغفريد في الرابعة انفصل والداه ، لكن الأب ظل يزور العائلة مرة في الأسبوع حتى بعد وقوع الطلاق.
ورغم أن سيغفريد ولد وكبر في إنكلترا ، ورغم أنه من عائلة يهودية بالغة الثراء (كان أفراد عائلة ساسون تُطلق عليهم في بريطانيا تسمية آل روتشيلد الشرق) ، وتربى لاحقا تربية إنكليزية خالصة في كنف أمه القريبة في موقعها الاجتماعي من الطبقة الارستقراطية الإنكليزية ، ألا أنه ظل بعيدا عن التعصب مهما كان نوعه ، ويزدري التفاخر والفخفخة الاستعراضية ومبتعدا عن أجواء التجارة و الثروة والشهرة. ولم تفارق مخيلته الأجواء الشرقية العربية ، حتى أن مدينة بغداد يرد أسمها في قصيدته (الآباء The Fathers) ، كما يتحدث عن أجداده الشرقيين وعن (السلطان Sultan) في قصيدته ( أسلاف Ancestors).

وقد تسنى له لاحقا ، عندما أُرسل مع وحدته العسكرية إلى فلسطين عن طريق مصر ، خلال مشاركته في الحرب العالمية الأولى ، أن يشاهد الشرق ويتنفس أجوائه عن قرب. و سجل سيغفريد انطباعاته تلك في قصيدة قصيرة عنوانها (في فلسطين In Palestine ).

درس سيغفريد في كامبريدج لكنه لم يكمل دراسته ولم يحصل على شهادة جامعية منها ، لكنه أظهر اهتماما بقراءة الشعر ، وكتابته لاحقا ، حيث صدرت له عام 1913 مجموعة شعرية بدأ كتابة قصائدها منذ 1905 ، عنوانها (قاتل النرجس The Daffodil Murder) لكنها لم تحصل على ثناء نقدي.

وكما ظهر لاحقا فأن تجاهل النقاد لشعره المبكر لم يثبط عزيمته في مواصلة مسيرته الإبداعية. وكانت الحرب العالمية الأولى هي الدافع التراجيدي وراء كتابته لقصائد بوأته أن يصبح واحدا من كبار شعراء الحرب العالمية الأولى في انكلترا.

فبعد عام على اندلاع الحرب العالمية الأولى تطوع سيغفريد في القوات المسلحة ، مدفوعا بمشاعره الوطنية الجياشة ، وتم إرساله إلى فرنسا حيث خطوط الجبهة الأمامية. و خلال تواجده في ساحات القتال العسكرية عُرف سيغفريد بشجاعته التي كانت تصل حد التهور حتى أسماه زملائه ( جاك المجنون). وكان قد أُصيب بجروح مرتين خلال تواجده على جبهات القتال. وتم تكريمه بنوط شجاعة.

لكن سيغفريد تيقن ، بعد أن طالت الحرب و خبر أهوالها المرعبة ، أنه إنسان مخدوع ومغفل ومجرد رقم من ملايين من الأرقام الذين يقاتلون دون أن يعرفوا لماذا ، وأن المشاعر الوطنية الحماسية البريئة ، شيء ، واستغلال هذه المشاعر وتوظيفها بطريقة خبيثة من قبل الساسة لأهداف عدوانية ، شيء آخر. وقد تحدث عن ذلك في قصائده ، ولاحقا في سيرته الذاتية من ثلاثة أجزاء.


ولم يحتفظ سيغفريد بقناعاته لنفسه ولم يكتف بالثرثرة عنها في مجالسه الخاصة ، إنما عبر عنها بشجاعة استثنائية ، في رسالة مفتوحة أرسلها إلى آمر وحدته العسكرية ، وكاد أن يخسر حياته بسببها ، قال فيها:

" لقد أصبحت أومن أن هذه الحرب ، التي تطوعت فيها كحرب دفاعية وتحريرية ، تحولت الآن إلى حرب عدوانية وغزو. لقد شاهدت وتحملت معاناة المشاركين في هذه الحرب ، ولم يعد بوسعي بعد الآن أن أكون مساهما في تطويل هذه المعاناة التي يعيشها المقاتلون ، من أجل تحقيق غايات شريرة وظالمة. إنني لا أحتج هنا ضد كيفية إدارة الحرب ولكني أحتج ضد الأخطاء السياسية والأهداف العبثية التي يضحي الجنود بأرواحهم لتحقيقها.
إني أكتب رسالة الاحتجاج هذه بأسم هولاء الجنود المخدوعين الذين ما يزالون يعانون في الحرب ويضحون بأرواحهم. أنا أكتب هذه الرسالة ، أيضا ، ضد قساوة القلب عند أكثرية المدنيين البعيدين عن نار الجبهات في بلادنا الذين لا يعبأون قيد أنملة للمعاناة الرهيبة لأولاءك المقاتلين الذي يخوضون الحرب على الجبهات. "

أحدثت رسالته ، التي نشرتها وقتذاك صحيفة (التايمز) ، هزة عنيفة داخل المجتمع البريطاني ، وخلقت ردود أفعال غاضبة ضدها من قبل السلطات الحكومية والكثير من الفئات الاجتماعية ، أيضا، خصوصا وأن المشاعر القومية كانت وقتذاك في أوج تصاعدها ، والأصوات المطالبة بوقف الحرب تكاد أن تكون غائبة ، والتضييق الحكومي ضد مناهضي الحرب (PACIFISTS ) على أشده. إذ كانت السلطات البريطانية قد حظرت ، تقريبا ، أي نشاط لدعاة مناهضة العنف حتى كان من الصعوبة أن يجدوا قاعة يعقدون فيها اجتماعاتهم.

و بتدخل و بإلحاح من صديقه برتراند رسل ( 1872-1970) تمت قراءة رسالة سيغفريد في مجلس العموم. وكان سيغفريد يتوقع أن يُقدم لمحكمة عسكرية و يُحكم بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى بسبب رسالته الاحتجاجية. لكن صديقه الشاعر روبرت غريفس ، وكان مثله جنديا يشارك في الحرب ، أنقذه عندما تدخل لصالحه وأوضح للسلطات المسؤولة أن سيغفريد كتب رسالته تحت تأثير ضغط نفسي شديد بسبب أصابته بشظية ، و هو يحتاج لعلاج ، مما دفع السلطات إلى إدخاله المستشفى للعلاج.


وهناك توطدت صداقته مع الشاعر الشهير الفريد أوين الذي كان يرقد في نفس المستشفى. وبعد انتهاء فترة العلاج عاد الاثنان لخطوط الجبهة ، إذ قتل أوين عام 1918 قبل أشهر من انتهاء الحرب وهو في مقتبل العمر ، وأرسل سيغفريد إلى فلسطين ثم أُعيد للجبهة في فرنسا حيث أُصيب ثانية في المعركة.


وضد تلك الحرب/ المحرقة ولفضحها خصص سيغفريد ساسون الكثير من نتاجه الإبداعي.

قصائد سيغفريد رصد واقعي ويومي لمعاناة بسطاء الجنود المنحدرين في غالبيتهم من عائلات فقيرة ، وتعاطف عميق مع أمهاتهم الثكالى اللواتي لا حول لهن ولا قوة. أما كبار الجنرالات في المؤسسة العسكرية فلم يجدوا في قصائده سوى الاحتقار لهم والسخرية منهم والشتائم والإدانة.

ما كان سيغفريد ساسون يكتب قصائده بحروف ولا بحبر. قصائده مكتوبة بأشلاء زملاءه الجنود وهو يشاهدها تتبعثر أمامه. كان يكتب قصائده بدم رفاقه من صغار الجنود وهو يراه يُسفح أمام ناظريه بغزارة.

يتبع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وسام قطب بيعمل مقلب في مهاوش ????


.. مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأمريكية: رئيس مجلس ا




.. مكافحة الملاريا: أمل جديد مع اللقاح • فرانس 24 / FRANCE 24


.. رحلة -من العمر- على متن قطار الشرق السريع في تركيا




.. إسرائيل تستعد لشن عمليتها العسكرية في رفح.. وضع إنساني كارثي