الحوار المتمدن - موبايل



عن الشعر ومهام الشاعر

فواز قادري

2015 / 11 / 21
الادب والفن


في زمن الجريمة الفلكيّة التي يرتكبها العالم بحق السوريين، في زمن هذا الأخطبوط البحري الذي لا يكفّ عن التهام لحم الأطفال المتبّل بملوحة البحر وحليب الأمهات، أخطبوب بملايين الأذرع وملاين الحراب، يأخذ كل يوم حفنة تلو الحفنة من البشر ولا يشبع، ويترك البلاد بلا ظلال أرواحهم وبلا أثر خطواتهم وبلا حتى نشيج. أخطبوط أرضي بجنود كالهياكل مطعونين بصدفة ولاداتهم في محرقة الدكتاتور ومنذورين لجحيمه في هذا العصف: جنود قوارض، جنود حثالات، جنود عناكب، جنود خارجون من مغاور التاريخ الأسود، كاريكاتير لدكتاتور خيال مآتة، دكتاتور لاعق، دكتاتور أجير، دكتاتور بصواريخ وطائرات وبراميل ديناميت تفتّت قلوب وأجساد الناس والحجر، وأيضاً، يلتهم العشرات والمئات وبالمحصلة، مئات الألوف من البشر يصيرون هباء، بلا مقابر وبلا ملامح متعارف عليها للموتى العاديين الذي شبعوا من الحياة، في زمن هذا النزوح المهول، زمن هذه الجريمة العلنيّة والتي تتمرأى فيها كل يوم، قوانين هذا العالم البزاقي، هذا العالم المائع الهلامي المشارك بالقتل والمتباكي كتمساح غبيّ، يحاول مسح آثار بصماته عن روح الضحيّة التي لم تكف عن ترديد كلمة اللعنة عليه وعلى الجزار، قبل أن تلفظ أنفاسها، يمسح أثر بصماته عن أدوات الجريمة، دولاً كانت، أم عصابات، أو قتلة عابرو قارات، يمسحها ببعض المساحيق التي تزيده بشاعة وتشير إليه حتى يفطن إلى ذلك، من لم يفطن من قبل!
في هذا الزمن ما مهمّة الشعر والشاعر؟ سؤال ينفي كل ما توصّل إليه علم الجمال وتطوّر مفهوم الشعر، والانتقال الذي تمّ، من القول، إلى الإيحاء والإشارة، من اليقينيّات إلى الومض والبرق الخاطف الذي يضيء ما ليس مضاء بعد، في النفس البشرية والطبيعة وجغرافية الجزء الذابل أو الزاهي من هذا الكوكب الذي يزدحم كل يوم بالجديد، في هذا الزمن الموصوف بكل ما هو شائن، ماذا سيكتب الشاعر؟ وكيف سيكون جديراً أو نبيّاً لهذا العصر الذي لم يعد ينتظر الأنبياء ولا الآلهة؟ وروحاً لهذا الكوكب المهدد بالانزلاق إلى الحضيض، من الحضيض إلى الحضيض لعدة عقود قادمة، قبل أن يأخذ ضربة موجعة أخرى على رأسه، ضربة أوجع من كل ما سبق هذه المرّة، وقد يستفيق أو لا يستفيق منها، ومن هذا الغبش الاستعلائي وغير المسؤول الذي يتم فيه ترسيخ تقاسم العالم بين الدول المفترسة والتي لا تسمح لغيرها بالافتراس، ولكنها تترك فضلات ما تفترسه لحكام يسجدون لمشيئتها شاكرين، وشرط أن تكون مصالح هذه الدول مضمونة ومكفولة ولا يقاربها الحاكم الذي يفترس شعبه بالسرّ أو العلن فلا فرق بالمحصّلة، وحالة الثورة السوريّة وحجم وطبيعة الجرائم العلنية غير المسبوقة، شاهد يفقأ الأعين!

إجابة بسيطة، كافية باعتقادي، لوضع ملامح نهائية لوظائف الشعر: لا مهام ولا وظائف للشعر، الشعر وظيفته الوحيدة أن يكون شعراً، الوظائف يعني أن نذهب إلى المعنى بشكل مقصود وواع، يعني أن ندخل بكامل عتادنا الفكري إلى رحاب القصيدة، وهذا من مهام الفكر والمنطق فقط، وحين يحاول الشعر أن يأخذ شيئاً من هذه المهام، يكفّ أن يكون شعراً! فالشعر ليس أجيراً عند أحد، لا فكر، لا قضيّة، ولا كوارث إنسانية، لا الحرب ولا الحب ولا حتى الثورة تنجيه من الإسفاف والخطل حين يكون في هذا الموقع!

وكون الإنسان بطبيعته لا يستطيع أن يعيش منفصلاً عن بيئته ومحيطه، ومنفصلاً عن حياة شعبه ومعاناته، هذا بالنسبة إلى الإنسان العادي، فكيف بالشاعر الإنسان، الشاعر الذات الكونية التي لا تستطيع أن تكون بعيدة وغير مؤثّرة ومتأثرة بحال الكوكب، أولاً، وبناسه وبلاده ثانياً، وفي بعض الأحوال، ولأنه لا يتعامل مع شعره وظيفيّاً، ولا يقتنع بصيغة: “يجب أن تكتب” لا يستطيع أن يكتب في الحدث وعن الحدث، لأنه يجب أن يكتب، ولكنه ينتظر تدفّقه الطبيعي، تدفّق غيمة روحه المشبعة ببرق وبمطر اللحظة والحالة، دون تأثير أيّ شيء خارجيّ واع يضغط عليه، وإحساسه الحقيقي والصادق بما يدور وحجم علاقته به، ولكنه في المقابل، هو يحتوي على كل هذه الأشياء، كونه روح الإنسانية التي لا ترى الذي على السطح فقط، بل ترى في العمق أيضاً، وكونه روح الحياة وقوس قزح مطرها، وحتى قوس قزح جفافها المبشّر بمواسم خير قادمة، وجرسها المنذر في بعض الأحيان.







اخر الافلام

.. وسط حضور زخم افتتاح معرض «ا?بداعات» للفن التشكيلي 0


.. طلاب إعلام سوريون في الأردن يعرضون أفلام تخرجهم من الكلية ال


.. فيلم توضيحي حول اعمال مركز علاج الادمان.




.. لأول مرة.. شاهد مقتنيات أميرة السينما المصرية مديحة كامل


.. هيئة البحرين للثقافة والآثار تكرّم خالد الشيخ بحفل «كلما كُن