الحوار المتمدن - موبايل



منمنمات تاريخية: منشآت أحمد بن طولون في مصر

ممدوح مكرم

2015 / 11 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


منمنمات تاريخية
منشأت أحمد بن طولون في مصر
مقدمة
كان عصرالدولة الطولونية في مصر( 254- 292هـ) من أزهى العصور التاريخية في مصر الإسلامية ، فالدولة الطولونية هي أولى الدول المستقلة في مصر، و المستقلة بمعنى أنها لم تعد خاضعة بشكل فعلي للدولة العباسية الكائنة في بغداد ، و تأسست الدولة على يد أحمد بن طولون التركي ، و الذي جاء حاكمًا على مصر نيابة عن باكباك ( زوج أمه) فباكباك كان هو الحاكم الظاهري لمصر، ولكن الأتراك في بغداد ( بعد أن سيطروا على مقاليد الخلافة العباسية) كانوا يرسلون مندوبين عنهم لتولي مقاليد الولايات؛ و ذلك كي يبقوا في مركز السيطرة في حاضرة الخلافة.
و عندما جاء أحمد ابن طولون إلى مصر، ضبط أمورها، و أنشأ العديد من المنشآت الدينية و المدنية لخدمة طلبة العلم، و الإرتقاء بمستوى الشعب على كافة الأصعدة، وهو ما سنتحدث عنه في هذه الورقة كالتالي:-
المبحث الأول: مصر قبل مجيء أحمد بن طولون.
المبحث الثاني: قيام الدولة الطولونية في مصر.
المبحث الثالث: أهم أعمال أحمد بن طولون و سنتناول فيه:-
أ‌- إنشاء عاصمة مصر الجديدة ( القطائع)
ب‌- مسجد أحمد بن طولون
جـ- البيمارستان
ثم خاتمة وهي عبارة عن خلاصة للورقة
، و أخيرًا ثبت بالمصادر و المراجع .
المبحث الأول: مصر قبل مجيء أحمد بن طولون
فتح العرب المصر بقيادة القائد عمرو بن العاص عامي( 21،20 هـ /641 م) و أصبحت مصر منذ هذه اللحظة ولاية عربية تابعة للخلافة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم الكوفة ( في فترة حكم الخليفة الرابع:علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه-) وعندما قامت الدولة الأموية اتخذت من دمشق عاصمًة لها، ثم أصبحت مصر تابعة للخلافة العباسية في بغداد ، كانت مصر طوال تلك الفترة التاريخية ولاية تابعة تبعية مباشرة للخلافة عن طريق ولاة يعينهم الخليفة ( من المدينة، الكوفة، دمشق، بغداد) ولكن في العصر العباسي الثاني ( بعد وفاة الخليفة الواثق 232 هـ) ضعف نفوذ الخلفاء، و باتوا ألعوبة في يد العناصر التركية، وكان الأتراك بدأوا يسيطرون على مقاليد الأمور منذ عصر الخليفة المعتصم ( الذي عزل آخر والي عربي على مصر- عنبسة بن إسحاق 242هـ- وأعطى مصر كإقطاعية لقواد الترك، وكان الخليفة العباسي المعتز بالله عين باكباك التركي ( زوج أم أحمد بن طولون) واليًا على مصر، فأرسل باكباك نيابة عنه ابن زوجته : أحمد بن طولون نيابة عنه لتولي مقاليد مصر، وكانت تعج في ذلك الوقت بفوضى عارمة ، ووضع اقتصادي متدهور، وصراعات بين القواد و بعضهم، وتعيين الولاة و عزلهم بشكل سريع، وهو ما أدي في عمومه لحالة من عدم الإستقرار أثرت بشكل سلبي على حياة الناس و خاصة طبقة العامة، هذا ما ساعد ابن طولون على ترسيخ قدمه في مصر، و التقرب من شعبها، وهو ما ساعد بشكل كبير في نجاحه بالإستقلال بمصر و تأسيس دولة مستقلة تقوم على الحكم الوراثي للأسرة الطولونية التركية الأصل.
المبحث الثاني: قيام الدولة الطولونية في مصر( 254 – 292هـ) أحمد بن طولون كما ذكرنا هو مؤسس الدولة، ولد في بغداد عام عام 220هـ ، و أبوه طولون ( كلمة تركية: تعني القمر المكتمل أو البدر المكتمل) وكان رئيسًا لحرس الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد.
وكان قد نشب خلاف بين المستعين و المعتز وصل لصراع مسلح، و أُجبر المستعين على التنحي، وتولى المعتز الخلافة، و وكان من أبرز المساعدين و المناصرين له باكباك التركي؛ الذي ولًاه المعتز مصر مكافأة له ، لكن باكباك أرسل ابن زوجته أحمد بن طولون إلى ولاية مصر نيابة عنه.
كان أحمد بن طولون كما وصفه المؤرخون سياسيًا حازمًا، محبًا للعدل و الرعية، كان طموحًا ليجعل من مصر دولة مستقلة عن الخلافة و تأسيس إمبراطورية كبيرة تمسك بمسالك ودروب التجارة العالمية عصرئٍذ .
استطاع ابن طولون في زمن قياسي أن يؤسس دولة عظمى في عصرها، وقد أحسن استغلال الموارد الاقتصادية الموجودة في مصر، وقد أصبح خراج مصر صافيًا و خالصًا لخزينتها بإستثناء جزء كان يرسل لبغداد، كان قليلًا بالمقارنة في عصر الولاة حيث كان يتم استقطاع و نهب الخراج لحساب مركز الخلافة.
وحتى يحقق أحمد بن طولون طموحه جعل نظام الحكم وراثيًا في أسرته، وهو من ضمن متطلبات إستقلاله بمصر و حسن استغلال مواردها، من ناحية ثانية بدأ يتقرب من الشعب عن طريق نشر العدل بين الرعية ، و التقرب منها بكافة الوسائل و السبل، وهذا كان الدافع وراء قيام ابن طولون بإنشاء العديد من المنشآت في مصر وهي:-
1- إنشاء عاصمة جديدة لمصر هي القطائع بديل عن العسكر، التي أنشأها العباسيون( بناها القائد صالح بن علي العباسي)
2- بناء مسجد لازال قائمًا بالقاهرة و هو المسجد المعروف بالمئذنة ذات السلالم الفريدة.
3- بنى ابن طولون بميارستانًا لعلاج المرضى.
وسنتعرف عاى تفاصيل تلك المنشآت في المبحث الثالث بشيء من التفصيل .
المبحث الثالث: أهم المنشآت التي بنيت في عصر ابن طولون.
كما ذكرنا أنشأ ابن طولون مدينة القطائع، و مسجده ، و البيمارستان.
أ‌- مدينة القطائع
كانت الفسطاط أول عاصمة في مصر الإسلامية أنشأها عمرو بن العاص، ثم أنشئت العسكر في عصر الدولة العباسية لتكون عاصمة جديدة بديلًا عن الفسطاط، و عندما جاء ابن طولون كانتا الفسطاط و العسكر ضاقتا بسكانها، ففكر ابن طولون في إنشاء عاصمة جديدة و سماها بالقطائع و ذلك عام 256 هـ .
و سميت بذلك لأنها قسمها قطع ( أشبه بالحواري أو الشوارع) و أسكن كل جنس في قطعة مخصصة له، فكان للأتراك قطعة و للروم قطعة ... و غير ذلك من الأجناس، ومكونات النخبة الطولونية .
وأختار "أحمد بن طولون" لمدينته المنطقة الممتدة ما بين جبل يشكر وسفح جبل المقطم حيث حرص على أن تقوم المدينة الجديدة على مرتفع من الأرض لتبرز على سائر المجموع العمرانى بمصر, وبعد تأسيس المدينة أنشأ فيها "أحمد بن طولون" قصره الضخم والجامع المعروف بإسمه ودارا للأمارة بجوار جامعه وكان بينهما ساحة فسيحة كانت ملعبا له ولقواد الجيش, كما أنشأ المستشفيات و البيوت و البساتين.
وقد قسمت المدينة إلى أقسام سمى كل منها قطيعة (وهى تشبه الشارع أو الحارة حالياً) وكانت كل قطيعة تسمى باسم الطائفة التى تسكنها فكان قواد الجيش يقيمون فى قطيعة خاصة بهم وأرباب الصناعات والتجار فى قطيعة أخرى وأصحاب الحرف فى قطيعة خاصة بهم ولهذا سميت المدينة بالقطائع, وتشغل القطائع القديمة من أحياء القاهرة الحالية أحياء السيدة زينب والقلعة والدرب الأحمر والحلمية.
و كما أنشأ قصره العظيم فى موقع ميدان القلعة الحالى و قد اندثر تماماً, و تحفل القاهرة بقليل من الآثار الطولونية الأخرى كالبيت الطولونى القائم بمنطقة المدابغ بمصر القديمة، وانه كان يتميز بوجود سلالم خارجية.
وقد ظلت القطائع مقراً للحكم فى مصر حتى عام ٩-;---;--٠-;---;--٥-;---;--م حيث تم تخريبها تماماً على يد العباسيين، وعاد مقر الحكم إلى مدينة العسكر التى ظلت العاصمة حتى إنشاء القاهرة.
ب‌- مسجد أحمد بن طولون
من أهم المنشآت بناء مسجد ابن طولون وهو فسيح و واسع ذو جمال خاص، فهو يتكون من خمسة أساكيب تقوم على عقود مدببة من الحجر الآجر، أما عدد أروقته سبعة عشر رواقاً من صحن المسجد إلى جدار القبلة.
وقد غطيت دعامات العقود بزخارف من الجص على شكل نباتات جميلة.
وكانت تلك الدعامات ضخمة نتيجة كونها مبنية بالطوب، فقد عَدَل بنّاء هذا الجامع عن اللجوء إلى الأعمدة الرخامية، وذلك لعدم تناسقها أحياناً في الألوان أو الأحجام من جهة، ولكي ينفذ رغبة ابن طولون في التورع عن أخذ أعمدة الكنائس والأديرة الخربة المهجورة كما فعل غيره. وتعرف مئذنة الجامع بالمئذنة ذات السلالم الفريدة لجمالها ، وهي مبنية على طراز مسجد سامراء في العراق.
جـ- البيمارستان : كلمة تركية تعني المستشفي ( مكان الشفاء) و ، وكان يهدف لمكافحة الأمراض المتوطنة في المجتمع المصري، وكان البيمارستان أيضًا يعتبر بمثابة مدرسة لتعليم الطب. عرف بالبيمارستان الأعلى أنشأه أحمد بن طولون في سنة 259هـ 872م وقيل 261هـ وذكر أن مبلغ ما أنفق عليه وعلى مستغله ستون ألف دينار. وحبس عليه سوق الرقيق وغيره ولم يكن قبل ذلك في مصر مارستان. وشرط ألا يعالج فيه جندي ولا مملوك، وكان يشارفه بنفسه ويركب إليه يوما في كل أسبوع. قال أبو العباس أحمد القلقشندي أول من اتخذ البيمارستان بمصر أحمد بن طولون بناه بالفسطاط وهو موجود إلى الآن وبلغت أجرة مقعد يكري عند البيمارستان الطولوني بالفسطاط في كل يوم أثني عشر درهما. وهذا المارستان كان موضعه في أرض العسكر وهي الكيمان والصحراء التي تقع بين جامع ابن طولون وكوم الجارح وفيما بين قنطرة السد التي على الخليج ظاهر مدينة مصر وبين السور الذي يفصل بين القرافة وبين مصر. وقد اندثر هذا المارستان في جملة ما اندثر من الآثار ولم يبق له الآن أثر. وقال أبو عمر محمد بن يوسف الكندي في كتاب الأمراء: وأمر أحمد بن طولون ببنيان المارستان للمرضى فبني لهم في سنة 259هـ 872م. وقال محمد بن داود في ذم أحمد بن طولون وبيمارستانه:
ألا أيها الأغفال إيها تأملوا ... وهل يوقظ الأذهان غير التأمل
ألم تعلموا أن ابن طولون نقمة ... تسيَّر من سفل إليكم ومن عل
ولولا جنايات الذنوب لما علت ... عليكم يدُ العلْج السخيف المُجَهَّلِ
يعالج مرْضاكم ويرمي جريحكم ... حبيش. القلب أدهمَ أعزَلِ؟
فيا ليت مارستانة نيط بِاستِه ... وما فيه من علج عُتُلٍّ مُقَلًّلِ
فكم ضجَّة للناس من خلفِ سِتْرِه ... تُضَجُّ لإبلا قَلْبٍ عن الله مغُفْلِ
وقال جامع السيرة الطولونية وفي سنة 261هـ بنى أحمد بن طولون المارستان، ولم يكن قبل ذلك في مصر مارستان ولما فرغ منه حبس عليه دار الديوان ودوره في الأساكفة والقيسارية وسوق الرقيق وشرط في المارستان ألا يعالج فيه جندي ولا مملوك وعمل حمامين للمارستان أحدهما للرجال والآخر للنساء، حبسهما على المارستان وغيره. وشرط أنه إذا جيء بعليل تنزع عنه ثيابه ونفقته وتحفظ عند أمين المارستان ثم يلبس ثيابا ويفرش له ويغذي ويراح بالأدوية والأغذية والأطباء حتى يبرأ فإذا أكل فرُّوجا ورغيفا أمر بالانصراف وأعطي ماله وثيابه. وفي سنة 262هـ 875م كان ما حبسه على المارستان والعين والمسجد في الجبل الذي يسمى تنور فرعون أعيانا كثيرة وكان بلغ ما أنفق على المارستان ومستغله ستين ألف دينار، فكان يركب بنفسه في كل يوم جمعة ويتفقد خزائن المارستان وما فيها والأطباء وينظر إلى المرضى وسائر المعلولين والمحبوسين من المجانين. دخل مرّة حتى وقف عند المجانين فناداه واحد منهم مغلول. أيها الأمير اسمع كلامي ما أنا بمجنون، وإنما عملت عليَّ حيلة، وفي نفسي شهوة رمانة عريشية أكبر ما يكون. فأمر له بها من ساعته ففرح بها وهزها في يده ورازها ثم غافل أحمد بن طولون ورمى بها في صدره فنضحت على ثيابه، ولو تمكنت منه لأتت على صدره فأمرهم أن يحتفظوا به، ثم لم يعاود بعد ذلك النظر في البيمارستان. ودخل مصر في سنة 578هـ 1182م ابن جبير الرحالة المغربي العظيم وشاهد البيمارستان الذي بالقاهرة وقال: إنه مفخرة من مفاخر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وأطنب في وصفه بما سيأتي ذكره بعد. ثم قال: وفي مصر الفسطاط مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه يريد مارستان أحمد بن طولون. وقال السخاوي إن أحمد بن طولون بنى إلى جانب جامعة البيمارستان وكان في أحد مجالس البيمارستان العتيق أي بيمارستان أحمد بن طولون خزانة كتب كان فيها ما يزيد على مائة ألف مجلد في سائر العلوم يطول الأمر في عدتها.
خاتمة: استعرضنا أهم المنشآت التي أنشأها ابن طولون وهي :مدينة القطائع، و المسجد، و البيمارستان، وتبين لنا أنه تودد إلى الشعب المصري و استطاع أن يحسن سياسة استغلال الموارد الاقتصادية في عصره، مما أدي إلى إزدهار الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و العلمية في مصر في العصر الطولوني، و أصبحت مصر قوة دولية و إقليمية يعمل لها ألف حساب، و باتت تنافس الخلافة العباسية في بغداد.
المصادر و المراجع
1- ابن الداية ، سيرة ابن طولون
2- رحلة ابن جبير ، لابن جبير المغربي
3- سفر نامة ، للرحالة الفارسي ناصر خسرو
4- المواعظ و الإعتبار بذكر الخطط و الآثار( الخطط المقريزية) لتفي الدين المقريزي.
5- صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، لأبو العباس القلقشندي.
6- بدائع الزهور في وقائع الدهور، لابن إياس الحنفي.
7- النجوم الزاهرة في تاريخ مصر و القاهرة، لابن تغري بردي.
8- حسن المحاضرة في تاريخ مصر و القاهرة، للسيوطي.
9- معجم البلدان، لياقوت الحموي ( مادة القطائع)
10- القاموس الجغرافي للبلاد المصرية، لأحمد باشا رمزي
11- مصر في عصر الدولة الطولونية، د. سيدة إسماعيل الكاشف
12- موسوعة التاريخ الإسلامي ، للدكتور أحمد شلبي(ج4)







اخر الافلام

.. 17/8/2017 | صور حصرية تكشف عن وجوه أفراد داعش بالرقة.. وعناو


.. 17/8/2017 | الإفطار الجيد يمنع زيادة #الوزن.. وعناوين أخرى ف


.. ماذا يمكن ان يحصل بعد احتواء الازمة الكورية الأمريكية؟




.. لبنان يلغي قانونا يعفي المغتصب من العقاب


.. الدورة الثانية من فعاليات -حكايا مسك- في الرياض