الحوار المتمدن - موبايل



دحض أسطورة أصحاب الفيل وطير الأبابيل!

مصطفى برشيد

2016 / 1 / 21
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


من المشهور أنّ رسول الاسلام ولد في عام الفيل، ومن المناسب أن نسلط الضوء على هذه الحادثة التي تحدث المؤرخون والمفسرون عنها والتي وردت الإشارة إليها في سورة الفيل: أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ.

والقصة كما وردت في تفسير الميزان للطباطبائي نقلاً عن «مجمع البيان» كالتالي:

وفي المجمع: اجمعت الرواة على أنّ أنّ ملك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة بن الصباح الأشرم وقيل: إنّ كنيته أبو يكسوم ونقل عن الواقدي أنّه جدّ النجاشي الذي كان على عهد رسول الله. ثم ساق الكلام في قصة استيلائه على ملك اليمن إلى أنّ قال: ثم إنّه بنى كعبة باليمن وجعل فيها قباباً من ذهب فأمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام، وإنّ رجلاً من بني كنانة خرج حتى قدم اليمن فنظر إليها ثم قعد فيها يعني لحاجة الإنسان، فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فيها فقال: من اجترأ عليّ بهذا؟ ونصرانيتي لأهدمنّ ذلك البيت حتى لا يحجّه حاج أبداً، ودعا بالفيل وأذن قومه بالخروج ومن تبعه من أهل اليمن، وكان أكثر من اتبعه منهم عكّ والأشعرون وحثعم.

قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلاً من بني سليم لدعوه الناس إلى حج بيته الذي بناه فتلقاه أيضاً رجل من الحمس من بني كنانة فقتله، فازداد بذلك حنقاً وحث السير والانطلاق.

وطلب من أهل الطائف دليلاً فبعثوا معه رجلاً من هذيل يقال له نفيل، فخرج بهم يهديهم حتى إذا كانوا بالمغمس نزلوه وهو من مكة على ستة أميال، فبعثوا مقدماتهم إلى مكة، فخرجت قريش عباديد في رؤوس الجبال وقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء، ولم يبق بمكة غير عبدالمطلب بن هاشم أقام على سقايته وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام على حجاجة البيت، فجعل عبدالمطلب يأخذ بعضادتي الباب ثم يقول
لا همّ إنّ المرء يمنع رحله فامنع جلالك
لا يغلبوا بصليبهم ومحالهم عدواً محالك
لا يدخلوا البلد الحرام إذاً فأمر ما بدالك
ثم إنّ مقدمات أبرهة أصابت نعماً لقريش فأصابت فيها مائتي بعير لعبدالمطلب بن هاشم، فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم، وكان حاجب إبرهة رجلاً من الأشعرين وكان له بعبدالمطلب معرفة فاستأذن له على الملك وقال له: أيّها الملك جاءك سيد قريش الذي يطعم إنسها في الحي ووحشها في الجبل فقال له: ائذن له.

وكان عبدالمطلب رجلاً جسيماً جميلاً فلما رآه أبويكسوم أعظمه أن يجلسه تحته وكره أن يجلسه معه على سريره فنزل من سريره فجلس على الأرض وأجلس عبدالمطلب معه ثم قال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك. فقال أبويكسوم، والله لقد رأيتك فأعجبتني ثم تكلمت فزهدت فيك، فقال: ولم أيّها الملك؟ قال: لأني جئت إلى بيت عزّكم ومنعتكم من العرب وفضلكم في الناس وشرفكم عليهم ودينكم الذي تعبدون فجئت لأكسره وأصيبت لك مائتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك ولم تطلب إليّ في بيتكم.

فقال له عبدالمطلب: أيّها الملك أنا اُكلمك في مالي ولهذ البيت ربّ هو يمنعه لست أنا منه في شيء، فراع ذلك أبويكسوم وأمر بردّ إبل عبدالمطلب عليه ثم رجع وأمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها كأنّها تكلمهم كلاماً لاقترابها منهم فأحست نفوسهم بالعذاب.
إلى أن قال: حتى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير معها الحجارة فجعلت ترميهم، وكل طائر في منقاره حجر وفي رجليه حجران وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أخرى فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلاّ خرقه ولا عظم إلاّ أوهاه وثقبه، وثاب أبويكسوم راجعاً قد أصابته بعض الحجارة فجعل كلما قدم أرضاً انقطع له فيها إرب حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شيء إلاّ باده فلما قدمها تصدع صدره وانشق بطنه فهلك ولم يصب من الأشعرين وخثعم أحد.

ونلاحظ في هذه القصة:

أولاً: إنّ الفيل بطيء الحركة جدّاً ولا يعيش إلاّ في أفريقيا والهند حيث الغابات الاستوائية ووفرة المياه والأرض المستوية، واليمن أرض جبلية وعرة والطريق إلى مكة صحراوي، والفيل لا يستطيع قطع هذه المسافة الطويلة من اليمن إلى مكة، إلاّ بعدة أشهر، فالمسافة التي يمكن لجيش كبير أن يقطعها بالخيل والإبل في اسبوع واحد، تستغرق مع الفيل عدّة أشهر، وفي هذه المدّة الطويلة يحتاج الفيل لوحده إلى عدّة أطنان من العلف والماء، فإذا حسبنا ما يحتاجه جيش مكون من عشرة آلاف فارس من الغذاء والماء، فينبغي أن يحملوا معهم من الطعام والماء ما لا تحمله إلاّالمئات والآلاف من الإبل، وكل عاقل، فضلاً عن قائد عسكري محنك، لا يجد ضرورة في حمل كل هذه الأمكانات وانفاق كل هذه الأموال من أجل فيل واحد لا يؤثر شيئاً في حسابات المعركة، مضافاً إلى استنزاف طاقات جيشه في هذا المسير البعيد والبطيء حيث يجب على الفرسان أن يسيروا كالمشاة تماهياً مع الفيل.

ثانيا: ماذا يمكن أن يحقق الفيل لهم من نصر على أهالي مكة الذين لا يستطيعون مقاومة جيش مكوّن من ألف فارس فضلاً عن عشرة آلاف (كما تذكر الروايات عن عدد جيش ابرهة) ولو أرادوا المقاومة فيكفي عدّة سهام أو رماح لتصرع الفيل كما حدثنا التاريخ عن العرب المسلمين في حربهم مع الفرس في معركة القادسية عندما صحب الفرس معهم بعض الفيلة في هذه المعركة، ومعلوم أنّ الفرس كانوا في هذه الواقعة في موقف دفاع، ولهذا أمكن اشتراك الفيل فيهم، ولو كان الفرس في مقام الهجوم على الحجاز لما أمكن أن يأتوا بالفيلة من ايران إلى الجزيرة العربية، كما هو حالهم في معاركهم وحروبهم مع الروم حيث لم يحدثنا التاريخ عن وجود فيلة في هذه المعارك، فالفيل ربّما ينفع الجيش في حال الدفاع لثقله وبطء حركته، لا في مقام الهجوم على بلاد بعيدة المسافة وصحراء قاحلة لا يجد فيها الجيش ما يحتاجه من ماء وكلاء.

ثالثاً: إنّ المسيحية في ذلك الوقت كانت هي الديانة الإلهيّة للبشرية قبل مجيء الإسلام وكان أهالي مكة مشركين ويعبدون الأوثان، والمفروض أن ينصر الله دينه على الشرك لا أن ينزل عليهم العذاب، ولا سيما إذا علمنا أنّ المسيحية في الحبشة واليمن ومصر كانت على مذهب آريوس الاسكندراني (هرطقة آريوس) الذي عاش في القرن الثالث للميلاد ولهذا نرى أنّ النجاشي عندما استقبل جعفر الطيار والمهاجرين المسلمين الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة فراراً من اضطهاد قريش لهم واستمع إلى آيات من سورة مريم تلاها عليه جعفر، انهمرت من عينيه الدموع وقال: ما عدا عيسى ما قلت هذا.

على أية حال، فالمفروض أن ابرهة وجيشه كانوا على “دين الحق” بحسب عقيدة الرسول صلعم، وأهالي مكة كانوا على الشرك، ووفقاً للسنن الإلهيّة الصلعمية ينبغي أن ينصر الله دينه الحق على الشرك لا أن ينزل عليهم العذاب ويهلكهم.

ولو قيل: إنّ العذاب إنّما نزل عليهم لأنّهم كانوا يقصدون هدم الكعبة، فنقول: إنّ الكعبة في ذلك الوقت كانت بيت الأوثان لا بيت التوحيد حيث كانت تحتوي على ثلاثمائة صنماً ونيفاً في داخل الكعبة وما حولها، ونعلم أنّ الله تعالى لا يريد قطعاً لبيته أن يتلوث بهذه الأوثان ويحب إزالتها حتى لو أدى ذلك إلى هدم البيت وإعماره مرّة أخرى على يد النبي الجديد أو على يد عبدالمطلب ومن معه من الأحناف، لأنّ هدم الكعبة لا يزيل مكانها، وبإمكان أهالي مكة إعادة بنائها كما حدث ذلك أكثر من مرّة في عصر النبي وما بعده.

رابعاً: ثم لماذا لم يدفع الله السيل الذي اكتسح مكة وهدم الكعبة قبل البعثة كما يروي المؤرخون وقام أهالي مكة بإعادة بنائه ثم اختلفوا في من يحصل على شرف إعادة الحجر إلى مكانه، فاقترح عليهم النبي بأن يضعوا الحجر الأسود على رداء ويمسك زعماء القبائل بأطراف الرداء ويرفعونه إلى محله، ثم قام النبي نفسه بوضع الحجر في مكانه، نقول: لماذا سمح الله للسيل أن يهدم الكعبة ولم يمنعه وأنزل العذاب على آلاف الجنود النصارى المساكين الذين لم يكونوا بصدد ارتكاب جريمة حسب تصورهم ولا راموا قتل الناس، بل هدم معبد وثني لجذب الناس والعرب إلى كنيستهم؟ ولماذا لم يدفع الله الجيش الأموي الذي هدم الكعبة وضربها بالمنجنيق وقتل المئات من المسلمين من أتباع عبدالله بن الزبير المتحصنين بالحرم الإلهي الآمن؟ وبعبارة أخرى إن هذا الكلام يعني أنّ الله دفع البلاء عن الكعبة حينما كانت بيتاً للأوثان، ولم يدفع عنها البلاء والهدم والحرق عندما أصبحت مركزاً للتوحيد!! ما لكم كيف تحكمون!

خامساً: ثم إنّ الروايات التي تتحدث عن هذه الواقعة كثيرة التناقض والتهافت ولا أحد من الناس شهد القصة بجميع تفاصيلها، إلاّ الذين ماتوا من ذلك الجيش، ومن هنا ذهب صاحب المنار (ولا أعلم أين قرأت له هذا الرأي) إلى انكار العنصر الغيبي في هذه الواقعة وأنّ الطير الأبابيل التي تحدث عنها القرآن، ليست سوى ميكروب الطاعون الذي أصاب ذلك الجيش السيء الحظ وأباده عن بكرة أبيه ومن الجائز أن يكون المراد من الطيور، البعوض أو الذباب الذي يحمل ذلك المكروب، فلما جاء العرب والقوافل إلى ذلك المكان وشاهدوا آثار وعظام أفراد ودواب ذلك الجيش تحركت فيهم غريزة التهويل والأسطرة وأخذوا ينسجون الحكايات والأساطير عنها.







اخر الافلام

.. استطلاع: معاداة السامية في ازدياد عبر أوروبا وبعض اليهود يفك


.. روسيا تدعم إسرائيل في مطالبها بقطع الدعم الإيراني عن الميليش


.. أجواء الميلاد من داخل أكبر مغارة -دمشقية- لولادة السيد المسي




.. إعلان تطهير محيط ثلاث كنائس من الألغام بقصر اليهود


.. مطلوبون بالآلاف للتجنيد في صفوف ميليشيا أسد الطائفية - سوريا