الحوار المتمدن - موبايل



أسار فيض المكان المحكم ... إملاءات الجغرافيا في البنية الإبداعية لمجموعة عدنان أبو اندلس (مسارات كيرخو) *

محمد حسين الداغستاني

2016 / 3 / 27
الادب والفن


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" إن الكون وحدةٌ تندمج فيها كل الكائنات الحية والجامدة ، وتترابط بعلاقات عميقة لا يدركها إلاّ نبي أو صوفي أو شاعر ، وقد أدرك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذلك حين وقف على جبل أُحدْ يخاطبه بقوله : هذا جبلٌ يُحبنا ونُحبه "
أحمد نصيف الجنابي / في الرؤيا الشعرية المعاصرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتابة عن مجموعة (مسارات كيرخو) لعدنان أبو أندلس كالإبحار في محيط ٍ متلاطم ٍ يكتظّ بالحياة والجماد معاً ، فهذه المجموعة التي تنبض بمساحة واسعة من الحب الآسر لمدينة كيرخو (كركوك القديمة) الموغلة في الحضارة البشرية ، وبفواجع الإنسان القديم والمعاصر ، ترمي بأزارها على طيف الحارات والبيوت والمدن والبقاع الخضراء المحيطة بها وبتذكارات الطفولة والصبا ، فترتقي من كونها مجرد حجم ٍ مكاني يتألف من طين وحجر ، الى كيان ٍ يفيض بالمشاعر الغزيرة والأحاسيس المندفعة كالنهرالمتلاطم ، في خضم صحوة ٍجاذبة تشي بنضح الوعي اليقظ ، والعقل المهيمن ، ليمتزجا مع تداعيات الذات في بودقة مشتركة حميمة .
ومثلما تاخذ الأسماء والأمكنة دلالاتها الى أقصى مدياتها في النصوص المتتابعة للمجموعة ، فإن الزمن هو الآخر يجهد نفسه بين آونة واخرى ليؤدي وظيفته الحيوية في تحديد المنظور السايكولوجي لتلك النصوص التي كان عليها أن تكون أكثر قدرة على تعزيز البناء العام للفكرة المطروحة بشكل تصاعدي ، تمهيداً لإيصالها الى الذروة وإشعار المتلقي بالطراوة والندية في المعالجة رغم ضيق الزاوية التي أودعت فيها .
فعبر النصوص المحتشدة ، يبدو جلياً البروز الخجول لزمان المدينة مقارنة ً الى جغرافيتها المترامية ، فينمي الصراع الثنائي فيما بينهما لتحديد الخيار الأقرب الى إمكانات التحقق ، لكن الزمان يتعرض الى قصدية الإنزواء ، عندما تتطلع اللغة الى ما هو أبعد منه ، فالفعل لا يتم سوى على حساب وحدة الزمن التي هي في نهاية المطاف ، كتلة نائية في تيهٍ بعيد :

الأزمنة تاكل نفسها
كل عام
ولإنزعاجي من السير
بمحاذاة الساقية
للعبور
أجزم للمرة الأخيرة
أن لا أرى عيني
هنا
إلاّ أن إحترامي يجيد اللغة الشاردة للخطوات
التائهة ! (1)

فعدنان أبو أندلس وهو يستسلم في نصوص المجموعة بلذة ٍ مقرونة بالقصد الى إملاءات المكان والموجودات المادية من حوله ، يتجه تماماً الى حيث حافات خلق أزمة جدية في إنسياح الحدس ، ليعمق مداه الوجداني في تجربة إبداعه المتسمة بالواقعية ، عندما تفرض أسماء الأعلام (مدن ،أحياء ، أنهر ، مساجد وكنائس ، حضارات بائدة ، شخصيات ..الخ) سطوتها القسرية بإيعاز مباشر من الذهن على تلك النصوص ، فتتحول مسارب التجربة الى فعل ٍ واع وعقلاني منظم .وهكذا الحال مع سيل أسماء الأمكنة بالذات والتي تحفل به (71) نصاً في المجموعة ، حيث يندر أن لا نجد إسم علم يدل على المكان في واحد من هذه النصوص ، رغم أننا نفترض بأن القصد غير المعلن وراء ذلك ، قد يكمن في تحقيق هدف توثيقي ، أو تأكيد العمق التأريخي للمكان الأثير على القلب أو محاولة مجاراة أسلوب النتاج المحلي الذي يتعامل مع المعرّفات الوطنية بأفق لا محدود ، ليرتقي بهذا النتاج الى المستوى الإنساني ، للتخلص أولاً من الطقس المحلي والإنتماء ثانيا الى ذلك الثراث الإنساني الثري ، لكن علينا أن نقّر بأن عدنان أبو اندلس نجح في توظيف الإملاءات المكانية المحلية بدينامية واضحة دون حشد أو تكلف ، وفق رؤى وفرت بنية شعرية منسجمة تماماً مع الشكل والمضمون الإيقاعي للنص :

رضعتُ مع الحليب إسمها
ولحنتُ أقدامي في دروبها
نبضة قلب
بدءاً من (شاطرلو) و(صاري كهية )
وقادتني الأقدام تعثراً
بالرجوع
فإذا (باجوان) تنادي المسير
صعدتُ لاهثاً بخطاي
لمضارب (باي حسن) و (خراب الروت)
وطرق بخطوات الروح
وشحنتُ أنفاسي في (جوت قهوة)
وسرتُ في منعطفات (بيريادي)
لم أتوقف إلاّ وطأت أقدامي (الشورجة)
(الإسكان) ،(إمام قاسم)
فكان لحن التعب في (رحيم آوه)
يئن بطول قامتي )(2)

وكما هو بيّن فإن هذا النص مقيدٌ بسطوة هذه اللعبة المتشابكة ،إلاّ أنه علينا أن ندرك بأن وراء معطيات الكثير من نصوص المجموعة الأخرى ، رؤى جمالية وصور لغوية متماسكة ورابطة بين أطرافها ، خاصة عندما يأخذ الحدس الوجداني والعاطفي فرصته العادلة للإفلات من أسار التكوين المسبق ، وكذلك الحس الشعري المشحون بالدهشة ، الذي يدفع بإتجاه تحرير الحدس وإنسيابه على النص رويداً رويداً ليقف على محيط دائرة الصراع بين إستحقاقات الزمان وتداعيات المكان ، من غير إنكارٍ لأهمية توافر أسس التجربة الإبداعية (الذروة ، البنية الشعرية ، الرمز ، الصدمة .. إلخ) ، آنذاك فقط يكون النص قد تخلص من أسار النمطية والتقريرية الى حيث الإنغماس البهي في جلال عملية الخلق الجميل :

كيرخو
ياحزمة الأرواح العائمة
من أية جهة ٍ يأتيك المجهول
ولو عابراً بالصدفة
ستسطع في روحه شهقة
المكوث
يسحبه سيلاً من البهجة الأخاذة
يقف حائراً بتأمل
كيف سيضع أقدامه الآنية
يتسمّر حالاً ليمضي
لأبواب ٍ مشرعة بلغة الريح
كالشرايين المؤدية الى القلب
المغسول أبداً بالأحلام
منذ الرعشة الأولى (3)

وفي محاولة فهم إصرار أبو أندلس على إستلهام تضاريس الأمكنة ، وبغض النظر عن أبعاد حنينه الجارف الى معالم الجغرافيا الوطنية ، فإنه علينا إستحضار معاناته النبيلة عبر سنوات طويلة عجاف عاشها في ظروف عصيبة بعيدا عن الوطن ، فأشعلت تلك المعايشة المريرة والغنية في الوقت ذاته ، الجذوة الخامدة في أعماقه ، فتحولت مفردات التعبير عن الذات الى مناغاة للداخل المطمور ، والكشف عن توق ٍ مترع ٍ بالشوق اللاهب الى كل حجر أو شجرة ٍ أو إسم ٍ ينتمي للعراق ، فإلتحمت المسميات في عطائه الخلاّق في جدلية نوعية خالية من التزويق للوصول الى الذروة المستحيلة ، بدفعة ٍ غير متوقعة ، فكانت النصوص مفعمة بالصور والأحاسيس النازفة ، وتحّول المضمون الى شريط للذكريات ، فكانت للطفولة الموشحة بالحزن مثلاً نصيب ٌ في الذهن والحدس معاً ، وكان إتكاؤه على جدار جامع النعمان في أحد أزقة كركوك القديمة وهو صبي صغير، حافزاً لصنع متوالية تحايلت على العقل ، للغوص الى نواة العقل الباطن ، أي لتوليفة معقدة تراصف فيها العقل مع الضمير في نضح وجداني بطئ ، مرشح ٍ ليتحول بعدئذ الى نزيف حاد

قبل أن أعرف نفسي
أبهرني الصوت المبجل
ما أبهاه حينما إستمعتُ لأول مرة
قطب الشمال عبدالمجيد يوصي
بالتهديد وبالوالدين إحساناً
وأنا طفلٌ أتكئ الى جدار المسجد
وبأذني (قد قامت الصلاة) ترتفع
رأيتُ أبي يركع
وعيناه دامعتان
يقبع في ذاكرتي (4)

ولعلّة فريدة ، فإن أشد ما يلفت النظر ، إصرار النصوص على الإعتماد (إلاّ ما ندر) على صيغ الأسماء لتكوين الصور المتتابعة ، للتعبير عن المكنونات ، والتشبث بأسلوب الوصف من الخارج من خلال التقنين في إستخدام الضمائر وخاصة ضمير المخاطب ( الأنا) لمعالجة إنهمار الدوافع والغايات .. لقد هيأت هذه الصيغ الأجواء المناسبة لتوطيد أركان بيئة تتسم بالإنتقائية والتركيز الحاد ، وخلق المزيد من التداعيات ، أمام الشحنة الوجدانية المضطرمة في الفؤاد للوصول الى غاياتها المنشودة ، لكنه يبرر مسارات هذا الزخم الوصفي لمدينته التي هّم بها وهمّت به ، من خلال إشهاره لعشقه المقدس ، الفريد والمدمى :
كالحب ..
منذ الرعشة الأولى
هي كركوك
إنغرست في تجاويف الصدر
نبض نهر دافق
لم أخطها في كراسة الرسم
إلاّ لمعة ضياء
حتى شعشع الضوء بدمي
فشهقت الحب الضوئي (5)

وفي بارقة أمل ينهمر الفرح في صورة الطبّال (خليل) وهو يذرع المدينة ليشيع السرور في أفئدة غادرته منذ أمد بعيد ، وقد تكون الحالة نادرة ، ندرة ذلك الفرح المسكون بالوجع الدائم وهواجس الخوف من القادم الملفوف براية المعركة في حروب الدفاع عن الوطن ، وربما لا يمكن لأي نص إبداعي أن يكون أبسط من ذلك ، لكنه يعبّر بصدق وعفوية دافقة ، عبر كلمات نضرة تنفذ عميقاً الى ذاكرة المكان المتراجعة الى الداخل :

ما وراء حجب الحزن
كان الفرح
كنتُ أراه ينقر جلد
الهواء
ويرقص خاصرة الريح
هكذا كان الطبّال خليل
يرغمنا بالبهجة رغم موجات
التعازي
تطال حارتنا كل حين .. آتية (6)

ومرة أخرى يجبر شاعرنا المحنك ابو اندلس الحدس على التراجع حيث مكمنه ، إلاّ أنه آنذاك يذهب بالذاكرة النافذة الى حيث شجيرة زيتون يتيمة ، هي بقايا بستان وافر الكرم ، كان ذات يوم مقصداً للعشاق والناقمين والندامى ، في صورة سخية معبّرة عن اللحظة الخافرة ، تلك الفسحة الزمنية المألوفة والمرصعة بالشفافية والصفاء ، والموحية بالثبات والصبر على محن الزمان الدائب اللحوح :

كلما مررتُ
وأنت في طريقي
أراكِ واقفة في القصاص
يعلوك غصنان مذعوران
كخصلين من شعر المجنونة
يعبث بهما شيطان الغبار
كم أتمنى حينها
أن يعجّل قدومه الشتاء
أو يحن فلاح مخضرم
يحلف بالخبز الأسمر
ويؤمن بالقدر
أن يقتلعك أو .. يرويك ! (7)

وبحدة نفسية جارحة ، وبساطة متناهية ومقصودة ، وصوب تفعيل اكثر للوعي ، يخفي أبو أندلس نفسه خلف الرمز الموحي في نصه الموسوم (إستبدال) ليتحدث عن مأساة شكلت ثرائها بداية إنتهاء حقبة شفيفة لدفق العفوية التي كانت تحيل حبات القمح الذهبية الى خبز أسمر، والى هوية إنتماء ، وتدارك لقيم بهية ، قبل أن تتكالب الرماح على الجسد المنهك لتسلبه حقها في الحياة واليُمن المفقود :

كنا في ذاكرة الأرض
نطمر في التراب
الرزق
وننظر عام الخير
لنغني أناشيد الحصاد
أونلهو على أرصفة
الأسواق
لنتبادل العيش معاً
فما أن صرخ (بابا كركر) دموعاً
سوداء
بدل رائحة الحياة فينا
بالترف الأبيض الصارخ

ويوجز أبو أندلس أيضاً مشاويرنصوصه في ( نبضة سائرة) ليجعل منه ترساً بيده ، يتسمر على المسار الموحش متشبثاً بقوة المفردة لينظم دفاعه ضد إغراءات الذهن ليدفع بالحدس مرة أخرى الى حافات مسالك القلب في بارقة مبهرة من الأمل :

للخطوة المتسمرة في دربها
مسار مزدحم بالفراغ
ولكل موطئ قدم
لهفة محرقة
ولهذا أرى قلبي
يرتعش
متدفقاً الحب بجنون
(72) نبضة حمراء

إن الإنطباعات الناتجة عن الإبحار في سفر كيرخو ، تومئ لا شك الى التأكيد على اللغة المبهرة التي إنتظمت بإحكام لتوصيف الحالة الوجدانية ، وإطراء الزخم الكبير من المعرّفات التي وظفها لتوثيق معطيات تراث حضاري حافل ، لوطن عريق يمتد تأريخه الى أكثر من سبعة الآف عام قبل الميلاد ، وكانت مدينته العزيزة نموذجا لإختيار رشيد وصائب .
مسارات كيرخو هي ذاتها إرادة البحث عن الذات في زمن الجراحات الكبرى ، هي إبحار في عصور عبر الأمكنة ، بعاطفة مشبوبة وأسلوب سلس ، وتقنية لغوية مميزة ، فعدنان أبو أندلس بقي وفياً حتى النهاية لترجمة إرهاصاته النفسية والإنسانية عبر هذه المدلولات الغنية بمعانيها والعميقة بإنفعالاتها ، مخترقاً ظلام الداخل الى فضاء النور ، ربما بعيداً عن التلقائية والحدس المغيب ، لكنه النور الذي لا يشع (في قناعاته) سوى في أفق مدينته الأثيرة ، وليس في أي مكان آخر !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مسارات كيرخو / إصدار ملتقى الزمن للثقافة والفنون / كركوك 2007-
(1) نص خطوات تائهة (2) الخطوات إليها (3) القلعة المغسولة بأحلامي (4) خطبة (5) الخطوات إليها (6) رقصة الريح (7) يتيمة كاورباغي .







اخر الافلام

.. فيلم وثائقي استثنائي استغرق إنجازه خمس سنوات انطلاقا من دبي


.. منزل الفنان سيد درويش يتعرض إلى الانهيار التام


.. الفيلم والثائقي: اليمن - وباء الحرب




.. حاكم دبي يطلق أكبر تحد للترجمة في العالم العربي


.. هذا الصباح- المؤثرات البصرية في الأفلام السينمائية