الحوار المتمدن - موبايل



في معنى قوله تعالى : [ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله ، وخاتم النبيين .. ] - الأحزاب 40 -

آية الله الشيخ إياد الركابي

2016 / 4 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


إشكالية – الترادف – في اللغة هي إشكالية مبنائية ، لأنها تمس وحدة المعنى ، وقد قلنا في مناسبات عديدة : - إن لغة الكتاب المجيد لا تستوعب الترادف ولا تستوعب التبعثر في المعاني ، لأن لغة الكتاب تبحث عن معنى محدد في اللفظ - وهو معنى مستقل بذاته وليس محتاجاً لغيره ، وهذا القول يعني إن للفظ في لغة الكتاب معناً خاصاً به يريده ويقصده ويعنيه ، ولهذا فكل لفظ في الكتاب المجيد له دلالة معينة ومحددة ، وقيد التعيين والتحديد في لغة الكتاب يكون من أجل ضبط المعاني ، وعدم التسامح في التسلل والسيولة والإختراق فيه .

نعم يكثر التماهي في المعاني لدى الشعراء مما يؤدي إلى فقدان اللفظ معناه الحقيقي ، وهذا هو المرفوض والممتنع في لغة الكتاب المجيد التي تبحث عن الضبط والربط في المعاني ، وأما ما يُنسب إلى الإمام علي في هذا المجال ، فهو ليس عندنا بشيء من جهة الدلالة ومن جهة الموافقة لكتاب الله .

ونعود لنقول : - إن معنى لفظ - أب - في الكتاب المجيد لا يعني الوالد مطلقاً ، لأن مفهوم - الوالد - في لغة الكتاب ذات دلالة معينة محددة في الإنجاب والتكاثر ، قال تعالى : - ووالد وما ولد – البلد 3 ، وهي صيغة حصرية في هذا المعنى ، وأما - الأب - فيعني المُربي أو المُعلم أو الراعي أو المُوجه أو القائم بالأمر ، ومصدر اللفظ واحد من – أب - وهو الرجوع ، وهذا ما تقوله المعاجم ، ولفظ - أب - يأتي مفرداً تارةً وجمعاً أخرى ، و الأبوة : هي الرعاية و هي التربية وهي التعليم .

قال تعالى : - [ قالوا نعبد إلهك وإله آباءك إبراهيم وإسماعيل ] – البقرة 133 ، ولفظ – آباءك – الذي ورد في صيغة الجمع المُخاطب لا يعني – والديك - ، بل يعني القوم الذين كانوا يعبدون الإله الواحد الذي كان يعبده إبراهيم وإسماعيل ، واللفظ ورد في [ صيغة الحكاية ] .

ونفس الصيغة وردت في معنى قوله تعالى : - [ قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ] – 170 البقرة ، والخطاب كما هو واضح للمعلوم ، وهو لا يدل على – الوالدين - إنما هي إشارة - بمفهوم التبعية - للذين علمونا أو ربونا .

و نفس المعنى نقرئه في سياق لفظ الجمع الغائب عندما قال : -[ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ] – البقرة 170 ، فهو يتحدث أو يُشير إلى - آباؤهم - الذين لا يعقلون ، أي الذين لا يتدبرون ، أو الذين لا يفكرون ، أوالذين لا يتعلمون ، وصفة التعليم ونوعيته هي من تقود إما للنجاح وإما للهلاك ، والتعبير بفعل – لا يهتدون - إنما جاء بمعنى : - الذين لا يعرفون الطريق أو الذين لا يستدلون عليه .

ولا يختلف معنى – الأب - في باب الميراث عنه في المعنى الذي ذهبنا إليه ، قال تعالى : - [ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ] – النساء 11 ، وصيغة - أبوآه - وردت بمعنى مُربيه أو مُعلميه أو القائمين بأمره وُرعاته ، وقال : -[ ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد ] - النساء 11 ، وهذا واضح فيما ذكرنا .

ويتكرر المعنى في سورة المائدة 104 ، في صيغة خطاب الجمع .

ويتجلى أكثر في قصة [ إبراهيم مع أبيه آزر] ، التي وردت في سورة الأنعام ، قوله تعالى : -[ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة ] - الأنعام 74 ، ومعلوم إن - آزر - ليس والد إبراهيم البايولوجي أو الوالد الصُلبي ، وقد أكدت على ذلك المدونات التاريخية القديمة إذ جاء في سفر التكوين ، ما نصه : [ وولد – لتارح ، - إبرام - وناحور وهاران ، وقد عاش - تارح - نحو سبعين سنة ] - سفر التكوين 11: 26 - ، وأما - آزر - فهو المربي الذي تولى أمر رعاية إبراهيم وتعليمه .

و قال تعالى : -[ يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ] – الأعراف 27 ، وهذا إستغراق في خطاب الجنس وليس في النوع ، وهو إرشاد - من باب توخي الحيطة و الحذر ، ومُراده معلوم في عدم الوقوع بالخطيئة تلك اللتي وقع فيها آباءنا الأقدمون .

ونفس المعنى نقرئه في النصوص التالية : 28 و70 و71 و95 و173 ، من سورة الأعراف .

وفي سورة التوبة ورد النهي من إتخاذ المربين أو المعلمين أولياء من دون الله ، قال تعالى : - لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء – 23 .

ويتحدث النص في سورة هود ويقول : - ونادى نوح ربه فقال رب إن أبني من أهلي ...فقال في الجواب : - قال يانوح ، إنه ليس من أهلك إنه عملٌ غير صالح .. - هود 45 و 46 ، والكلام في النص واضح ففي قول نوح – إن أبني من أهلي - هو يعني إنه قد تربى في بيتي ولا يعني إنه ولدي ، ولهذا جاء النفي في نفس السياق بقوله - إنه ليس من أهلك – ، لأن الأهل في لغة الكتاب المجيد تعني حصراً – الزوجة – وليس الأبناء ، وكلام النص هو توجيه من باب التعريف ورفع للإشكالية التي قرئها نوحا نوح وهو يعني إنه قد تربى وعاش في بيتنا ، فكان الجواب : في التأكيد على معنى - الأهل - وبأنه صفة خاصة تطلق على الزوجة ، وليس على مطلق من في البيت ، وأطلق صفة - الأهل - وردت في لسان نوح من باب التساهل العرفي الإعتباري الذي رده الكتاب المجيد ، مؤكداً على المعنى الحقيقي وليس على كل من عاش أو تربى في البيت ، فهذا لا يُعد من الأهل .

من هذا الإستعراض الوجيز للنصوص يتضح لنا ، إن هناك ثمة خلط بين مفهوم ومعنى - الخصوص والعموم من وجه - ، في معنى لفظ - أب - الذي غُلب فيه الإستخدام العرفي على المعنى الحقيقي ، وأياً كان فاللفظ في عموم معناه - أسماً أو صفةً - ، إنما ورد في سياق واحد ، يدل على التربية والتعليم والرعاية ، وهذا معناه الحقيقي الذي أستخدم فيه ووظف ، قال أهل البيان : - ولا يصح إطلاق صفة الأب على الوالد - ، وهم يعنون بعدم الصحة ما يكون موضوعياً وفي الخارج .

ولهذا نفى النص أن يكون محمداً - أبا أحد من رجالكم - ، وهو نفي متعلق بصفته - النبوية والرسولية – وليس بصفته الإنسانية [ وهذا القيد قيد إشتراط ] ، وهو يعني نفي لمعنى - الأبوة - في المعنى الخاص ، أي إنه ليس مُعلماً خاصاً أو مُربياً خاصاً ، وإنما هو معلما للجميع ومُربيا للجميع ، بإعتباره - رسولاً ونبياً - وهذه متعلقها العموم وليس الخصوص ، كما وإن النص لا يريد التذكير بأن محمداً ليس والداً لزيد فهذا معلوم لدى القوم ، وإن ما ذهب إليه بعض المفسرين في هذا الشأن ليس ذي بال ، لأن متعلقه عندهم معلوم .

وأما - سبب النزول - فقد ثبت بطلانه عندنا في نصوص الكتاب ، [ صحيح إن صفة - النبوة أو الرسالة - هي صفة متعلقة بجميع الناس ، ولهذا فلا شأنية خاصة فيها ولا متعلق خاص بها ] ، ومحمد من حيث كونه - نبياً ورسولاً - قد خرج من دائرة الخصوصية البيئية أو المحلية أو القبلية أو الشخصية ، ودخل في الدائرة العامة لجميع الناس في تربيتهم وتعليمهم ، أي إنه قد خرج من الطابع الضيق في علاقاته مع الأخرين ، وصار ملكاً لرسالته التي هي - بيان وهدى للناس جميعا - .


والكلام في - سبب النزول - : يستوجب التعريف به وبماهيته وبطبيعته ، وهذا الشيء قد أخترعه لنا أصحاب القصص والخيال من - الصحابة ومن التابعين - ولهذا نقول : إن - سبب النزول - أو - شأن النزول أو مناسبة النزول - على رأي الزركشي في البرهان ، هي مقولة جاءتنا من خلال أقوال تُنسب إلى بعض صحابة رسول الله ، وقد ألف فيها جماعة من العلماء ، وكان الأشهر من بين هؤلاء أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ، والذي يُعد كتابه - أسباب النزول - الأوسع شهرةً من بين الكتب والمؤلفات الأخرى في هذا الفن بحسب شهادة جلال الدين السيوطي في ذلك .
يقول الواحدي : - فآل الأمر بنا إلى إفادة المبتدئين المتسترين بعلوم الكتاب ، إبانة ما أنزل فيه من الأسباب ، إذ هي أوفى ما يجب الوقوف عليها ، وأولى ما تصرف العناية إليها ، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها ، دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها - .
ويؤيده في ذلك ابن تيمية بقوله : - إن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآيات ، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب - .
ولكن الزركشي في كتابه البرهان : - لم يقتنع بالسبب فقال بالمناسبة - نقرأ ذلك بقوله : - قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية في كذا ، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم ، لا أن هذا كان السبب في نزولها ، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية ، لا من جنس النقل لما وقع - ، وعبارة الزركشي هذه إشارة إلى ما يُنسب إلى الإمام علي في قوله - مناسبات النزول - لا أسباب النزول - ، والفرق بين المناسبة والسبب فرق واضح لا يخفى على أهله ولمن أحاط بعلوم اللغة ودلالتها .
وجدلية القول بوجود السبب للنزول لازمها أو تابعها هو : أن لا يتم النزول ضرورة إلا بوجود ذلك السبب !! ، وهذا القول أو هذا الإلزام : هو من قبيل إساءة الظن بالله و نسبة الجهل إليه - نعوذ بالله - ، ففي الغالب يكون السبب المذكور مخالفا للعقل وللمنطق ومستلزم لنفي العقيدة الصحيحة للإسلام ، ومن أجل بيان تهافت القول - بسبب النزول - ، نورد لكم بعض النصوص لا على التعيين لترون بأنفسكم نوع وطبيعة هذا التهافت وهذا الجهل ، الذي أستشرى وساد في أوساط كتب المفسرين والفقهاء والمحدثين ، ومنه سوف تعلمون كذلك كم نحن بحاجة إلى مراعاة الدقة في قراءة النصوص والأحكام قبل الإنسياق في دهاليز البحث والتفسير .

النص الأول :
هو ما أدعاه بعض المفسرين حول جملة - غير أولي الضرر - الواردة في قوله تعالى : - لا يستوي القاعدون من المؤمنين ( غير أولي الضرر ) والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم – النساء 95 ، والتي قالوا عنها إنها لم تكن موجودة في كتاب الله مع هذا النص ثم جاءت أو نزلت لا حقاً وعلى نحو مستقل ومنفصل ، ومن ثم أدمجت مع هذا النص .
وقالوا في تعليل سبب نزولها : إن – عبدالله بن أم مكتوم - استغاث بالله وتضرع إليه قائلاً : - اللهم إني ضرير فرخص - فأنزل الله قوله - غير أولي الضرر - ، فهم قالوا إن قوله : - لا يستوي القاعدون من المؤمنين .. - لم يستثن العاجزين من الجهاد ، وإن النص أعطى الفضل وعلى نحو مطلق للمجاهدين على القاعدين ، فقال أبن أم مكتوم لرسول الله : يا رسول الله مالي رخصةٌ ؟ قال : لا ، قال : أبن أم مكتوم - اللهم إني ضرير فرخص – فأنزل الله ( غير أولي الضرر ) وأمر رسول الله الكاتب فكتبها - تفسير الطبري ج5 ص 228 و229 - ، والحق إن النص 95 من سورة النساء يتحدث عن القاعد من غير سبب وليس القاعد بعذر ، وأما أهل السبب فمرخص لهم القعود عن الجهاد وعن القتال ، ولو أخذنا بما يقولونه عن سبب نزول هذا النص ، فإن ذلك يستلزم القول أو نسبة الجهل إلى الله ، أي إن الله وهو يضع أحكامه إنما يضعها من غير علم أي إن الله يفوته الكثير من الاحكام حتى يذكَره الناس !!!!!! وهذه مغالطة واضحة فالله حينما يضع أحكامه يضعها شاملة كاملة تامة ليس فيها نقص أو نسيان ، وبالتالي فهي لا تحتاج إلى تذكير من أحد فيما يجب وفيما لا يجب ، والنص كما هو لا يحتاج إلى كل هذا التكلف ، وهذا التعقيد بحيث يتعذر على الله إيجاد عذر شرعي لمن به علة وعجز بالفعل ، يدعوه ذلك العجز لترك الجهاد والقعود عنه ، ويكأن الله ينتظر من يذكَره بما عليه فعله !!!!! ، وهذا كما ترون قول مخالف للعقل وللمنطق ، لأن ذلك المفهوم يولد الكثير من التوالي والتوابع الفاسدة ، والتي تستلزم جهل الله بأحكامه وقوانينه للحياة .
النص الثاني :
روى البخاري عن عبدالله بن عمر في سبب نزول قوله تعالى : - ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره - التوبة 84 .
قال أبن عمر : لما توفي عبدالله بن أبي ، جاء أبنه عبدالله بن عبدالله إلى رسول الله فأعطاه قميصه وأمره أن يكفنه فيه ، ثم قام يُصلي عليه ، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه ، فقال : تُصلي عليه و هو منافق !!! ، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم ؟ ، قال : إنما خيرني الله فقال : - أستغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم - ، فقال : سأزيده على سبعين ، قال : فصلى عليه رسول الله وصلينا معه ، ثم أنزل الله عليه : - ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون - صحيح البخاري ج4 ص86 - .
ونحن نرى إن في سبب النزول هذا تهافت واضح ومنه ما يلي :
أولاً : للوهلة الأولى يظهر لنا في هذه الرواية وكأن عمر بن الخطاب أعلم من رسول الله بأحكام الله ونصوصه ، ذلك إن عمر بن الخطاب منع أو أعترض على رسول الله في أن يُصلي على المنافقين ، معتبراً صلاة النبي بمثابة المخالفة لحكم الله وقانونه !!!! .
وثانياً : تقول الرواية : إن رسول الله قال لعمر إن الله خيرني في المنافقين - أستغفر لهم أو لا أستغفر لهم - وتلا قوله : - أستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم - التوبة 80 ، في حين إن المعنى في هذا النص دال على إن الإستغفار أو عدم الإستغفار سواء عند الله بالنسبة للمنافقين - أعني إن الإستغفار للمنافقين أو عدم الإستغفار للمنافقين لا معنى له - ، وذكر[ العدد سبعين في البين إنما جاء على نحو المبالغة والكثرة لا الحصر العددي] ، ومعنى هذا إن رسول الله ليس مخيراً في الإستغفار للمنافقين بل هو منهي عن ذلك ، وأما قول أبن عمر أو ما يُنسب إليه ، فلا زمه أن يكون رسول الله جاهلاً بكلام العرب ودلالته ، وبالتالي فهو لا يعلم معاني الكتاب المجيد وماجاء فيه - نعوذ بالله من ذلك - .
وثالثاً : والرواية تريد القول : أن لو أستغفرت لهم - سبعين مرة - يا رسول الله فلن يغفر الله لهم ، وكأن - السبعين - هذه هي الحد - بين قبول الإستغفار وعدمه - !! مع إن كلمة - سبعين - وردت هنا كناية عن الكثرة ، لا دليلاً على العدد المعين المحسوب ، ومعناه : إن الإستغفار للمنافقين لا معنى له وإن كثُر و زاد .
النص الثالث :
وأيضاً روى البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه في سبب نزول قوله تعالى : - ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُربى من بعد ما تبين لهم إنهم أصحاب الجحيم - التوبة 113 .
روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت - أبا طالب - الوفاة دخل عليه النبي وعنده أبو جهل وعبدالله بن أبي أميه ، فقال النبي : أي عم قل : لا إله إلاّ الله ، أحاج لك بها عند الله ، فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أميه : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبدالمطلب ؟ فقال النبي : لأستغفرن لك مالم أُنه عنه ، فنزلت : - ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم - صحيح البخاري ج8 ص 87 ، ويكأن - شأن النزول - هذا يريد أو يقصد معنا معين ألاّ وهو - موت أبو طالب مشركاً و من أهل الجحيم - !! هذا هو المقصود وهذا هو المُراد ، ونقول : إن هذا القول باطل من الأساس بدليل :
أولاً : إن هذا النص نزل في السنة التاسعة للهجرة ، وأما وفاة - أبو طالب - فكانت في السنة الثالثة قبل الهجرة - أنظر سيرة أبن هشام ج1 ص 416 - ، أي إن وفاة أبو طالب كانت قبل نزول هذا النص بأثني عشر سنة ، وفي هذه الحالة لا تصح المقارنة إذ لا مناسبة بينهما .
وثانياً : إن - أبا طالب - كان يعتقد بنبوة محمد وبرسالته وكان مؤمناً بذلك ، وقد مات على هذا الإيمان وعلى هذا الإعتقاد ، بدليل إن أبن هشام في سيرته في الجزء الأول ص 247 يورد أشعارا لأبي طالب يقول فيها :
ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً نبياً كموسى خُط في أول الكتب
وكذلك لو لم يكن - أبو طالب - مؤمناً بالإسلام ومعتقداً به ، لما قال لأبنه علياً وهو يحثه على السير خلف رسول الله : - إنه لم يدعك إلاّ إلى خير فالزمه - سيرة أبن هشام ج1 ص 352 - ، إذن فنحن نرى في - شأن النزول - هذا النص سوء الققصد و الدس والغمز المقصود للحط من شأن الإمام علي من خلال والده ، وذلك حينما عجزوا أن يجدوا في الإمام علي نقصاً أو مثلبه ، فمالوا هذا الميل وهو من عمل السياسة بكل تأكيد .
النص الرابع :
يقول الطبري إنه لما نزل قوله تعالى : - وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود - ولم ينزل معها قوله - من الفجر - ، فكان رجال من المؤمنين إذا أرادو الصيام ربط أحدهم في رجله اليمنى الخيط الابيض وفي الاخرى الخيط الاسود ، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، قال : فأنزل الله - من الفجر - فعلموا إنما يعني الليل والنهار - تفسير الطبري ج3 ص172
- مع إن مفهوم - الخيط الابيض - هو كناية عن معنى ( الفجر الصادق ) وهذا واضح في لسان العرب ، ولا يعني الخيط الابيض بمفهومه الدارج ، ومن قال بان جملة - من الفجر - لم تكن موجودة في النص ، فهذا القول لازمه نسبة الجهل إلى الله ، لأنه ووفق مقولتهم تلك يستدعي ان الله لم يكن يعلم بأهمية قوله - من الفجر - ولا يعلم كذلك إن عدم ذكر ذلك سيستدعي الشك والإشتباه لدى السذج من الناس فيضيعون ويحيرون في كيف و ماذا يفعلون ؟ !! ، أعني لا يعلمون الوقت الذي فيه ينتهون عن الأكل والشرب في ليالي رمضان ، وهذا كما ترى قول مردود ، إذ إن كلمة - من الفجر - نزلت مع النص لم تتأخر عنه ، أعني إنها جزء من النص ولتدل فيه على وجوب ان يكون الفعل منتظماً وغير مضطرباً ، ونحن هنا إنما نرد قول الصحابي ومذهبه الذي أعتمده المفسرون في تلفيق - شأن النزول - دون مراعاة للدقة والعلم والكيفية ، نعم إن التلاعب بالوحي وبمراد الله هو تضييع للناس عن الغاية من سر البعثة والنبوة ، ولذلك نقول : إن مقولة - أسباب النزول في الكتاب المجيد - هي مقولة سالبة بإنتفاء موضوعها ، ولأنها كذلك تُخالف الأصول الصحيحة للإسلام وعقيدته ، بل وهي كذلك مخالفة للمبادئ العقلية وللفطرة وللطبيعة ، وهي أي مقولة أسباب النزول إنما أبتدعتها السياسة والسياسيين تبعاً لأغراضهم ونواياهم .

النص الخامس :


ما رواه الطبراني عن أبي رافع ، قوله : جاء جبريل إلى النبي فاستأذن عليه ، فأذن له ، فأبطأ ، فأخذ رداءه فخرج إليه ، وهو قائم بالباب ،

فقال : - قد أذنا لك.

قال: أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب ، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو ، فأمر أبا رافع أن لا تدع كلباً في المدينة إلا قتلته ، فأتاه ناس فقالوا : يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فنزلت : - يسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ - المائدة 4.
قال المفسرون : - جلس رسول الله يوماً ، فذكر الناس ووصف القيامة ، ولم يزدهم على التخويف ، فرق الناس وبكوا ، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي ، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مضر ، واتفقوا على أن يصوموا الليل ويقوموا النهار ، ولا يناموا على الفرش ، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ، ويترهبوا ويجبوا المذاكير ، فبلغ ذلك رسول الله ، فجمعهم فقال : ألم أنبأكم أنكم اتفقتم على كذا وكذا فقالوا بلى يا رسول الله ، وما أردنا إلا الخير ، فقال : إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم ، ومن رغب عن سنتي فليس مني ، ثم خرج إلى الناس وخطبهم فقال : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا ، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ولا رهباناً ، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع ، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتها الجهاد ، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وحجوا واعتمروا ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وصوموا رمضان ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع ، فأنزل الله: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ - المائدة 90.
ونلاحظ فيما رواه الطبراني أمور منها ما يلي :
أولاً : قوله أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب !! ، وهذا القول فيه وهم وتناقض مع كتاب الله و ذلك أولاً ، ومع رحلت جبرئيل مع النبي عبر سنيين بعثته من مكة وإلى يوم نزول هذا النص في المدينة ، إذ ليس هذه هي المرة الأولى التي ينزل بها جبرئيل عليه فيصطدم من الوضع ، ومعلوم إن سورة المائدة هي سورة مدنية بإجماع ، ولا يعقل أن لا يصادف جبريل كلباً ولا صورة ولا تمثالاً على مدى أعوام رحلته مع النبي كل هذه السنيين وهذا ثانياً كما قلنا .
و ثانياً : إن رواية الطبراني فيها إطلاق في الكلام عن الجرو - وهو صغير الكلب - في البيت ، والإطلاق في الرواية واضح بعدم تحديدها لنا في أي بيت من بيوت المسلمين هذا البيت الذي كان فيه الجرو !!! ؟ ، ومعلوم من المفهوم العام للرواية إن الجرو لم يكن في بيت رسول الله ، وإذا كان ذلك كذلك فلا ضير من نزول الملائكة وجبريل على النبي .
و ثالثاً : ورد في الرواية أعلاه إن النبي أمر بقتل كل الكلاب ومن ضمنها كلب المرأة التي جعلته لحراستها ، وهذا الأمر مخالف للفتوى وللحكم في صحة إقتناء كلب الصيد وكلب الحراسة ، وهذا ما عليه المشهور من فتوى الأصحاب ودليلهم قصة أصحاب الكهف .
ورابعاً : وهذه الرواية تتعارض مع النص الصريح الذي اجاز أكل اللحوم التي تصيدها الكلاب المُعلمه ، فكيف يأمر الله بشيء وينه عنه النبي ؟ !! .
يقول الواحدي في أسباب النزول ص4 : … ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب ، إلا بالرواية والسماع ممن شهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب ، وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلب ، وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار ، في هذا العلم بالنار ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال، قال رسول الله : - اتقوا الحديث إلا ما علمتم فإنه من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار - .
ويورد السيوطي في كتابه - أسباب النزول” ص 155 نزول قوله تعالى: - أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ - البقرة 187 قال :
روي عن ابي هريره أن عمر بن الخطاب أفطر ليلة ونام ، فانتبه من النوم ووقعت عيناه على امرأته بغير إزار ، فأستحسنها وغلبته الشهوة فواقعها ، فلما فرغ ندم واغتسل فصلى وبكى إلى الصباح ، ثم ابتكر إلى رسول الله فأخبره بالقصة ، فاغتم بذلك رسول الله فقال : ما كنت جديراً بهذا يا عمر، فنزل جبرائيل عليه السلام بهذه الآية فقال أقرأ يا محمد: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم.. كرامةً لعمر ورخصةً لأمة محمد ، - علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم - يعني عمر بن الخطاب ، فتاب عليكم يعني على عمر بن الخطاب، والآن باشروهن وخاطبه بلفظ الجماعة إكراماً له فهي إباحة بصورة الأمر - تفسير ابن كثير ج1 ص 220 – .
ولذلك قيل : في - شأن نزول - هذا النص إنه جاء تحليلاً للجماع في ليلة الصيام ، روي هذا عن أبن أبي ليلى – الدر المنثور ج1 ص 198 - ، وفي ذلك يرى البراء بن عازب إن الجماع في ليلة الصيام كان محرماً بعد النوم أو بعد صلاة العشاء ، وقيل إن سبب تكرار الخبر أربع مرات عن ، - أبي هريره وعن أبن أبي ليلى وعن معاذ بن جبل عن البراء بن عازب - ، إنما كان كرامة لعمر ، وإن الله خاطبه بلفظ الجماعة تكريماً وتعظيماً له ، [ وتلك لعمري أسخف الطرق لترسيخ فضل عمر على غيره من الصحابة في أذهان الناس ] ، في زمن كانت حرب التفضيل على أشدها بين الطوائف.

ونفينا لسبب النزول في الكتاب المجيد مرتبط بنوعية هذا الكتاب ومفهومه ، فهو كتاب متألف من قسمين واحد للنبوة وقضاياها ، وواحد أخر للرسالة وقضاياها ، فالنبوة فيه : تعني القرآن العظيم ، والذي هو قوانين للكون وللغيب وللخلق ، وهكذا من الأشياء العلمية والفكرية الخالصة ، وأما الرسالة فهي : عبارة عن الأشياء التي ترتبط بحركة الناس اليومية وفيها من الأمر والنهي الشيء الكثير ، وهذا التمييز بينهما هو بيان لدور ومهمة كل طرف منهما ، بيان يحدد الكيفية والطريقية التي يجب ان نتعامل بها معهما ونحكم على الاشياء بعد ذلك .

ولهذه العلة الموضوعية لا يحق لنا إعتبار موضوعات القرآن نزلت لسبب ما أو بسبب ما ، لأنها موضوعات تتجاوز المعنى الضيق أو الخطاب المعين مفهوماً في الزمان والمكان ، والصورة التي يعرضها القرآن لموضوعاته لا ترتبط بشخص النبي الإنسان ، بل ترتبط به بعنوان النبوة الممتدة في عمق الزمن ، والنظر إلى هذه الصورة يجب أن يكون من وحي كل المشهد لا بعضه ، ولكن عرض الصورة في الرسالة يجعل منها تخضع في الذهن وليس في الواقع لمفهوم المتحرك الأول أو المُصداق الأول والذي هو - المناسبة الأولى - ، من حيث إعتبار ذلك المصداق ليس بعنوان المُصداق النهائي التام ولا المناسبة النهائية ، الذي ينتهي من أجله النص ويزول تأثيره وأثره ومعناه معه ، وهذا القلق في وصف العناوين جعل من بعض الأصوليين يخلط في المفاهيم والمصاديق بين ما للنبوة وبين ما للرسالة ، وغاية كل النصوص هو في تقريب الذهن إلى المعنى والحكم ، وليس معناه قصر المشهد على هذه الصورة وهذا المصداق وهذه المناسبة على نحو خاص ومعين .

ولو سلمنا بما قاله المفسرون بخصوص - سبب النزول - ، للزم ذلك إنتفاء صلاحية النص لكل زمان ومكان ، وإذا ثبت هذا سقطت أكثر النصوص من الإعتبار بداعي - سبب نزولها - ، وهنا أُشير إلى القول التالي : - [ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك وأتق الله ، وتُخفي في نفسك ما الله مُبديه .... إلى قوله : - فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ... ] - الأحزاب 37 ، ولم أجد أسخف من سبب نزول هذا النص ، لأنه إن تأملناه جيداً سنجده يُسيء إلى النبي كثيراً ، وبحسب رواية الطبري وغيره من المفسرين الذين قالوا : [ إن رسول الله رآى زينب بنت جحش فأعجبته ، وهي في حبال مولاه - زيد بن حارثة - ، فألقى الله في نفس زيد كراهتها ، لما علم الله مما وقع في نفس نبيه ما وقع !!!! ، فأراد - زيد - فراقها ، فقال الرسول : - أمسك عليك زوجك - ، وهو يحب - أي النبي يحب - أن تكون قد بانت منه لينكحها !!!!! ، ( وتخفي في نفسك ما الله مُبديه ) ، أي وتُخفي في نفسك محبة فراقه إياها لتتزوجها إن هو فارقها ] !!!! .

سبب النزول هذا يتنافى مع أبسط القيم لدى الإنسان الشريف ، فما بالك بمقام النبوة والرسالة التي جاء القول فيها - وإنك لعلى خلق عظيم - ، إن هذا السبب الذي تخيله القوم وتصوروه ما هو إلاَّ الغش والمخاتلة والخداع والحيلة ، وهذه الصفات ليست من مقام النبوة والرسالة بشيء ، بل إنها تحَطُ من منزلة رسولة الله في أعين الناس ، وتجعل منه ذلك الشخص الذي يحاول الإيقاع بالأخرين ، بل ويعشق أزواجهم بالخفاء ، وهذا المعنى ذكره الطبري في تفسيره والفيروزآبادي وأبن الجوزي والخازن والزمخشري ، وهو السائد بين جمهور المفسرين وعامتهم ، والأمر فيه واضح ، وأما ما ورد في تفسير البحر المحيط ومثله في مجمع البيان فهو تبريراً للفعل وليس تأويلاً له :

قال صاحب المجمع : - إن الذي أخفاه في نفسه هو [ إن طلقها زيدٌ ، وتزوجها خشي لا ئمة الناس ، في أن يقولوا أمره بطلاقها فتزوجها ، وذلك في معنى قوله - وتخفي في نفسك ما الله مُبديه ..] ، - مجمع البيان .

وقال ابن حيان : إن الذي أخفاه في نفسه هو إن الله سبحانه أعلمه إنها ستكون من أزواجه ، وإن زيداً سيطلقها ، البحر المحيط ...

وهذا التبرير للفعل ليس حلاً للمشكل ، حتى وإن نسبوه للإمام زين العابدين ، لأن معنى الإخفاء في لغة العرب : يدل على الستر وعدم الإظهار .

وهو إصطلاحاً : يعني ذلك الشيء الذي يُخشى منه أو يُستحى منه ، كإخفاء العيوب خوفاً من العار أو خشية التشهير من الغير ، والإخفاء لا يصح في الأشياء المباحة ، و إنما يكون فيما هو ممتنع و ممنوع ، والنبي والرسول لا يخفيان شيئاً ، يكون في أصله مباحاً وغير ممنوع ، والزواج والنكاح من المباحات التي لا تحتاج إلى إخفاء أو خشية ، والتحجج ببنوة زيد في هذا المقام ليست على ما ينبغي ، لأن الله كان قد سبق في حكمه إلى ذلك في هذه المسألة .

قال تعالى : - .... وما جعل أدعياءكم أبنائكم - نافياً هنا - .

ثم قال : أدعوهم لأبائهم هو أقسط عند الله - الأحزاب 3 و 4 وموجهاً هنا .

وقضية البنوة وحكمها ومعناها واضح للنبي ، وبالتالي فهو لا يخفي شيئاً قد أباحه الله له ، إلاّ إذا كان هو يضمر شيئاً غير هذا ، أو إنه يتحين الفرص في الإيقاع بزيد وزوجته ، وهذا كلام باطل وقد رددناه على قائليه .

ومن أجل الوقوف عند أصل الإشكالية ، وفي معرض ردنا على ماذهب إليه الفقهاء من منع وتحريم التبني نقول :

إن فقهاء المسلمين لم يفرقوا في المعنى بين مفهوم - الوالد ومفهوم الأب - ، ولهذا جاءت الفتوى عندهم مطلقة من غير قيود او بيان : فالتبني بحسب الإعتبار الذي أقمناه وبحسب التفريق الذي أعتمدناه - جائز ولا إشكال فيه - ، والإعتماد منهم على ماورد في النص التالي : [ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ] الأحزاب 4 ، ليس على ما ينبغي ذلك لأن الكلام في هذا النص عام ، ولم يتحدث عن الوالد البايولوجي و - الأب - فيه هنا إشارة لمن يُربي ويقوم بالرعاية وليس الإشارة فيه - للوالد - ، ولا دليل دال على ذلك ولا قرينة تبين وتوضح المُراد ، وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز القول بأن الإسلام قد أبطل التبني وجعله محرما ، هذا من جهة ، وأما من جهة الأخبار فهي ليست حجة على النص إنما هي حكاية قوم ، ودليلنا ماورد عن : - سعد بن أبي وقاص - قوله : أن رسول الله ، قال: من ادعى إلى غير أبيه .. الخ ، فهذا الخبر يقع في خانة الأخبار التي لم تُفرق بين معنى - الأب – ومعنى - الوالد - ، وأما جعل الكلام في معنى الأب دال على الوالد ، فلا يستقيم مع لغة العرب ومضمون النصوص في كتاب الله ، وهذا الخبر مطعون بصحته لأنه يتعارض مع صريح الكتاب ، وهو يتساوى في ذلك مثله مثل الأخبار التي تقع في نفس الإشكالية المفهومية والدلالية ، وتلك التي أعتمدها الألوسي صاحب روح المعاني في تفسيره ، و كذا ابن كثير في تفسيره .

نعم لا مانع عندنا من التبني ، وفي أن يَضُمَّ الإنسان إليه غير ولده ويرعاه ويربيه ويعلمه ، فهذا عمل جائز ، لأن التبنّي ليس إقراراً بالنسب ، بل هو فعل يكون التبني لمن هو بحاجة إليه كمجهول النسب أو الذي لا يُعرف والداه ، وللتبني شروط معتبرة مذكورة في هذا الباب ، ولهذا لم يرد في الكتاب المجيد ما يمنع من التبني ، وما ورد في سورة الأحزاب موضع البحث فلا تتحدث إلاَّ عن المُربي والمُعلم والراعي ، ونسبة المنع فيها متعلقة بمحمد الرسول وبمحمد النبي وليس بمحمد الإنسان ، وكما بينا الفرق بين الأب والوالد ، كذلك نبين الفرق بين التبني وبين الإقرار بالنسب البايولوجي ، إذ إن التبنّي : هو ادِّعاء نسب لا وجود له في الواقع ، و أما الإقرار بالنسب : فهو ادِّعاء نسب واقع فعلاً ، إذن فالتبني المشروع والذي لا مانع منه هو الذي يقع ضمن شروط معينة محددة ، وأما دعوى التحريم فلا ملاك لها ولا مناط ، والإحتجاج بنفي بنوة زيد من قبل النبي لا محل لها في هذا المقام ، لأن النفي أو النهي ورد في سياق الكلام عن مقامه الرسولي والنبوي ، وليس من حيث هو إنسان كامل الأهلية والصلاحية في الرعاية والتربية ، وقد فصلنا في هذا الأمر فلا نعيد .

ونعود لمعنى قوله : - وتُخفي في نفسك ما الله مُبديه - : - إن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته في إمرأة أو غيرها ، غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع ، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضاً ، وهو خطبة زينب ونكاحها من إستنزال زيد عنها ولا طلب إليه - ، أبن حيان في البحر المحيط نقلاً عن الزمخشري ، [ وهذا الكلام مردود على قائليه ، إذ إن الإشكال ليس في أصل الإشتهاء المرتبط بالغريزة البشرية الخالصة ، بل من حيث نسبته للنبي والرسول ، الذي هو مُنزه عندنا عن كل ما يخل بنبوته ورسالته ] ، ويستكمل الزمخشري حكايته بالقول : لم يكن ذلك مستنكراً عندهم ، أن ينزل الرجل منهم عن إمرأته لصديقه !! ، ولا مستهجناً إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر ، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة أستهم الأنصار بكل شيء ، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له إمرأتان ، نزل عن أحدهما وأنكحها المهاجر !!!!!! ، [ هذه المقاربة في صورة العلاقة مع المرأة لا يليق بإن يُوصف بها النبي والرسول من كل وجه ، وليس من المنطق تبرير الفعل القبيح ليكون حسناً ، وإن صح كلام الزمخشري هذا في النبي ، صح إذن معه فعل داعش تجاه النساء ونكاح الجهاد ] .

ومن أجل دفع شبهة الإخفاء السيء التي روج لها المفسرين ، نقول : إننا لا بد أن نعترف بوجود – التحريف – في كتاب الله وبشكل واضح ، و سبب التحريف هو ماقام به - عثمان بن عفان - بالفعل حينما أحرق المصاحف جميعها ، وقيامه بعملية جمع جديد للمصحف وعلى يد لجنة برئاسة معاوية بن أبي سفيان ، وهذه العملية التحويلية قد أخلت بوحدة النص ، وبوحدة موضوعه ونسقه المعرفي والمعنوي ، الذي يبدو فيه النبي يُخفي أمراً يريد فيه مصلحته الخاصة ، وهذا دس معلوم وهدفه سياسي بإمتياز من الفئة التي خسرت رهان السلطة والزعامة في زمن النبي .

إن إظهار النبي والرسول بشخصية المغامر ، الذي يدبر ويضمرويتحايل من أجل تحقيق ما يرغب ، عمل مقصود من فئة معلومة ، والقول - بالتحريف - ليس بدعاً من الكلام ، بل هو المشهور والمتفق عليه بين العلماء جميعهم ، والقول بتحريف الكتاب في مقامنا هذا هو تنزيه للنبي والرسول من كل ما يخدش أو يخل في قيمه ، تلك القيم التي ورد الذكر فيها والحث على التأسي بها ، في قوله : - ولكم في رسول الله أسوة حسنة - .

[ نقول : إنه ولهذه الأسباب لا يجوز الإعتماد في تحليل النصوص وشرحها على - أسباب النزول - مطلقاً ، وذلك لأن نصوص الكتاب هي مواد وعناصر مستقلة في ذاتها ، ومعنى الإستقلالية المقصودة هو في قدرتها على تأدية الدور المطلوب منها في كل زمان وكل مكان ، وهذا القيد ينفي حاجة النصوص للفهم التاريخي أو الفهم المُغيئ ، وخير مثال على ذلك قوله تعالى - ما كان محمد أبا أحدا من رجالكم - ، فالصورة الأولى التي يعرضها النص هو في نفي المعنى الخاص للأبوة ، و ربط علاقة الأبوة في الرسالة وفي النبوة ، وهذه التي لا يجوز الإنفكاك عنها ، وتبقى - إشكالية - سبب النزول التي عرضناها في قضية زواج النبي - بزينب بنت جحش – إشكالية مفهومية ولغوية بدرجة كبيرة ، والتعميم الدارج قد أخل في المضمون القيمي والروحي لمقام النبوة والرسالة ، وعلينا ومن أجل إستقامة النصوص طرح موضوع أسباب النزول جانباً ، والإعتماد على مآلات النصوص في الزمان والمكان الحضوريين ، أي في البناء للمعلوم و التعامل مع النص كوحدة مستقلة بذاتها ، خاصة مع وجود شبهة التحريف التي تظهر بين الحين والأخر فتخل بوحدة المضمون ، وتزيد في الغبن المعلوماتي لدى الفقهاء والمفسرين ومن بحكمهم ، من الذين قالوا : -إن الأباء – هم الوالدان أو إن – الأمهات هي الوالدات - ، ومن دون ذكر للقرينة المقالية الدالة على ذلك .


وخلاصة القول : إن الألفاظ في لغة العرب كما هي في لغة الكتاب المجيد ، قد وضعت لمعنى محدد ومعين ، ولا يجوز تجاوزه إلى غيره من المعاني ، ومن هذه الألفاظ لفظ – الأب - الذي أعتبره المفسرين بمعنى الوالد - ، وهو تعويم للفظ في معناً مغايراً له ، ومن ذلك يتضح : - إن محمد النبي أو محمد الرسول - ليس له أبناء خاصين ، بل إن علاقته بالجميع واحدة من خلال أحكام الرسالة والنبوة ، والذي نقصده في هذا المعنى يكون من جهة التربية الخاصة أو التعليم الخاص ، وهذا يقودنا للقول : - إن جميع أبناء المؤمنين به هم أبناءه – على نحو الإعتبار والمجاز ، يجرنا هذا للقول بنفي معنى الخصوص في لفظ أبناءنا في النص 61 من سورة آل عمران – ... تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم فنبتهل ..







التعليقات


1 - تعليق الى اية الله الركابي
ايدن حسين ( 2016 / 4 / 1 - 23:11 )

ماذا اقول .. ان كنت انت مقتنعا بهذا الكلام .. فما عساي ان اقول
تخفي في نفسك ما الله مبديه
ما الذي يخفيه النبي هنا
يعني يا استاذ .. يا حبيبي .. هل هناك قحط في النساء
تصور انك انت النبي .. و تخاف لائمة الناس .. ان تتزوج من زينب .. ان طلقها زيد
يا اخي هل شرط ان تتزوج من زينب .. تزوج من هيفاء .. تزوج من نجوى
انت نبي .. لا تتزوج من زينب .. يا اخي لا تتزوج من زينب .. لماذا تريد ان يتكلم الناس عنك بالشر الى يوم القيامة
و لماذا يريد ربك ان يجعلك في هذا الموقف الصعب
قل لي بالله عليك .. ما الحكمة البالغة من زواج محمد من زينب
هل يعني ان البشرية ستفنى ان لم يتزوج محمد من زينب
لنفرض انه عشقها يا اخي .. و العشق ليس حراما
هناك الكثير من العاشقين .. يبقون بعيدين عن بعض و لا يلتقون ابدا و لا يتزوجون ابدا
يا اخي العزيز .. حقيقة .. حجتك واهية
فانت تقول .. هذا الزواج لا يستند على اسباب النزول
فما معنى .. زوجناكها .. يا اخي
هل زوجناكها .. مناسبة لكل زمان و مكان
..


2 - رد على أيدن حسين
طه الأسدي ( 2016 / 4 / 2 - 10:01 )
كأنك لا تقرأ ما الذي كتبه الشيخ الركابي ، هو يقول : إن كان ذلك الفعل قد حصل من النبي فتلك فضيحة ، ولأنه يُنزه النبي ، قال إن القرآن مُحرف ، وأعتبر التحريف الذي كان في عهد عثمان سبب كل بلوى ، وأعتبر المسؤول على لجنة الكتابة يعني معاوية هو سبب التحريف ، لغرض في نفسه سياسي ، هكذا يقول الشيخ الركابي ، ولو تأملت جيداً ما كتبه عن أسباب النزول سترى إن الركابي يرفض أسباب النزول جملة وتفصيلا ، ارجوا قراءة الموضوع جيداً يرحمك الله


3 - تعليق الى طه الاسدي
ايدن حسين ( 2016 / 4 / 2 - 13:23 )

يبدو انك على حق في ما قلت حضرتك .. فيبدو انني لم اقرأ بعض الفقرات جيدا
و لكن .. قالها الركابي .. كصوت النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء
لو كنت انا من كتب هذه المقالة .. لجعلت مسالة تحريف القران اما في عنوان المقالة .. او على الاقل اما في بداية المقالة او في نهايتها
اذن يتحول المشكلة الى اكبر من سابقتها
مثلا .. يمكنني انا ان اقول .. ان الله و ملئكته يصلون على النبي .. هي تحريف ايضا
بمعنى .. من الذي سيحدد .. الايات التي هي تحريف .. و الايات التي هي ليست تحريف
بل يمكن ان يصل الامر الى ان القران كلها تحريف في تحريف
و اعتذر بالنسبة لتعليقي الاول من الاستاذ الركابي
..


4 - رد على أيدن
طه الأسدي ( 2016 / 4 / 2 - 16:01 )
أولا مفهوم إن الله وملائكته يصلون على النبي يعني عند الركابي الصلة أو العلاقة فهو يقول إن لله وملائكته علاقة بالنبي ياأيها المؤمنون قوو العلاقة مع النبي واجعلوا صلتكم به قويه ، وليس هي بمعنى الترديد هذا الذي نسمعه من آفواه الناس ، وثانيا لكي تتعرف على التحريف كيف يكون ومتى يكون هناك ضوابط وقواعد على ضوئها نحدد معنى التحريف ، وإلى هذا يشير الركابي ويحيل من يريد مزيد بيان قراءة كتاب الطبرسي في تحريف كتاب رب الأرباب ، والمقايس في الفهم طبيعة النص كما يقول الركابي


5 - تعليق الى طه الاسدي
ايدن حسين ( 2016 / 4 / 3 - 06:26 )

اذن الخلاف قائم بيني و بينك .. فانت تقول ان الصلاة على النبي معناها صلة .. و التي هي تفسير غير دقيق و غير موضوعي بتاتا .. اما انا فاقول ان الصلاة على النبي .. مسالة ادخلت الى القران من قبل المغالين في الانبياء
ماذا تقترح للخروج من هذا الخلاف
..


6 - رد على أيدن حسين
طه الأسدي ( 2016 / 4 / 3 - 08:13 )
أنا لست في خلاف معك ، أنا أقول إن الشيخ الركابي يرى في مسألة الصلاة على النبي هي الصلة والعلاقة به ، وحسب ما فهمت من كتابات الركابي الشيخ إنه يذكر ذلك بناءاً على قواعد ومفاهيم اللغة العربية ، وهو كما أعلم يميل دائماً للتذكير بأحد أساطين اللغة - أبن فارس في المقاييس - ، وللعلم إن الشيخ الركابي ضد مبدأ الإعتماد على مقولات المعجميين ، إما إنها أدخلت أو لم تدخل ، فالملاك يعود للإستخدام ، الناس وعبر التحزب السياسي وفي المناكفات أخذو يرددون الصلاة كنوع من الشحن في مواجهة الغير ، ومثل ما ترآه اليوم فهم يصلون على كل شاردة وواردة ، وهي ليست قضية عويصة تحتاج إلى الخروج منها بسلام ، المهم عندي تتبع ما يكتبه الركابي في هذا المجال ، وقد فصل في كتاب له قديم أسمه نقد العقل الإسلامي في مسألة الصلاة على النبي معتبراً إياها مجرد صلة وعلاقة يحثنا الله إليها لا غير ، بدليل معنى إن الله يصلي وطبيعي إن صلاة الله في قربه منه لا أكثر ، مع عذري إني لست من أهل الإختصاص في مجال البحوث الدينية لكني متابع لما يكتبه المفكرون من أمثال الركابي وغيره من المجددين ، مع فائق شكري

اخر الافلام

.. مراسم تضامن لتأبين ضحايا مذبحة المسجدين بنيوزيلندا


.. ميليشيا أسد الطائفية تستهدف حي الأربعين في درعا البلد بقذائ


.. بابا الفاتيكان يعزي العراق بحادثة عبارة الموصل التي راح ضحيت




.. لقاء سامح عسكر مع جروب الفلسفة والمنطق


.. نيوزيلندا تعيد فتح المساجد بعد أسبوع من الهجوم الإرهابي